الطعن في الاحكام الصادرة بمادة التحفيظ العقاري الى أين؟؟

2018 01 21
2018 01 21

الطعن في الاحكام الصادرة بمادة التحفيظ العقاري الى أين؟؟

بوملال موسى

حاصل على ماستر التوثيق والمنازعات المدنية

باحث قانوني

يقصد بطرق الطعن الوسائل التي يضعها المشرع في متناول الأطراف في النزاع او في متناول الغير للتظلم من حكم أضر بحقوقهم او بمصالحهم وذلك ابتغاء إزالة أو تخفيف الضرر الذي ألحق بهم الحكم المطعون فيه، وطرق الطعن هذه قد توجه الى الحكم ذاته لعلة تشوبه؛ وقد توجه للإجراءات التي سبقت صدوره.[1] وكذا ضمان حق التقاضي على درجتين.

ويحدد القانون بصورة حصرية طرق الطعن في الأحكام. وهذه الطرق في التشريع المغربي هي التالية: التعرض، الاستئناف، تعرض الغير الخارج عن الخصومة، إعادة النظر والطعن بالنقض، منها يندرج تحت طرق الطعن العادية منها ما يدخل في زمرة طرق الطعن غير العادية كحق يمارسه المتقاضي متى توفرت شروطه طبقا لمقتضيات المسطرة المدنية.

اقرأ أيضا...

غير أننا نجد المشرع المغربي يستثني من قواعد المسطرة المدنية وخاصة تلك المتعلقة بطرق الطعن بعض المنازعات. ومن ذلك ما نص عليه المشرع في الفصل 109 من ظهير التحفيظ العقاري والذي تنص مقتضياته على أنه ” لا تقبل الأحكام الصادرة في مادة التحفيظ العقاري الطعن الا بالاستئناف والنقض”. ما يفيد أن المشرع استثنى من القواعد العامة المتعلقة بالطعن في الأحكام مادة التحفيظ العقاري بنص خاص محددا به طرق الطعن على سبيل الحصر كما هو المشار إليه أعلاه.

وللوقوف على حقيقة هذا الاستثناء لا بد من تحديد نطاقه من خلال المقصود بمادة التحفيظ العقاري (أولا) مع إعطاء رأي حول مدى إمكانية الطعن بإعادة النظر في الاحكام الصادرة في مادة التحفيظ العقاري(ثانيا)

أولا

المقصود بمادة التحفيظ العقاري.

لتحديد المقصود بمادة التحفيظ العقاري لابد من الوقوف على حقيقة الفصل الأول من ظهير التحفيظ العقاري الذي ينص على أنه ” يرمي التحفيظ الى جعل العقار المحفظ خاضعا للنظام المقرر في هذا القانون من غير أن يكون في الإمكان إخراجه منه فيما بعد ويقصد منه:

…” الأمر الذي تم تفسيره من قبل المحافظ العام في الدورية عدد 12277 بتاريخ 06/12/2011[2]، خلال تأويله للفصل 1 من ظ.ت.ع كما تم تتميمه وتعديله بالقانون رقم 14.07 التي نصت على أن المشرع” وضع تعريف دقيق لمفهوم التحفيظ العقاري تفاديا لكل خلاف في التأويل حيث نص الفصل الأول صراحة على أن التحفيظ العقاري يشمل مسطرة التحفيظ والتقييدات بالرسم العقاري”. وهو التوجه الذي أخذ به بعض الباحثين وحتى القضاء الذي صار هو أيضا على هذا التوجه ومتراجعا على ما كان مستقرا عليه في العمل القضائي قبل صدور القانون 14.07 المغير والمتمم لظهير التحفيظ العقاري بمقتضى قرار محكمة النقض الغرفة المدنية (القسم الثامن) عدد 156/8 المؤرخ في 19/03/2013 ملف مدني عدد 4957/1/8/2012[3] والذي جاء فيه” … وانه بمقتضى الفصل الأول من قانون التحفيظ العقاري كما عدل وتمم، يقصد من التحفيظ العقاري، تحفيظ العقاري بعد أجراء مسطرة التظهير، وتقييد كل التصرفات والوقائع الرامية الى تأسيس او نقل أو تغيير او إقرار او اسقاط الحقوق العينية او التحملات المتعلقة بالملك العقاري المؤسس له…” متبنيا بذلك التأويل الذي وضعه المحافظ العام لهذا الفصل من منظوره الخاص وموقفه الذي دافع عنه بمجموعة من الدوريات والمناشير التي يحث من خلالها السادة المحافظين على الأملاك العقارية بالأخذ بالمفهوم الواسع للتحفيظ لجعله يتماشى مع مقتضيات المادة 361 من قانون المسطرة المدنية محاولا التأثير عن القضاء الذي كان يأخذ بالمفهوم الضيق للتحفيظ.

لكن بالتمعن في الفصل الأول من ظهير التحفيظ العقاري نجد المشرع لم يعرف التحفيظ ولا تتوفر فيه أقسام وشروط التعريف[4]انما حدد طبيعة التحفيظ والغرض منه وهو ما يستفاد من التوبيب الذي وضعه المشرع نفسه لظهير التحفيظ العقاري، الامر الذي أكده الدكتور أحمد ادريوش[5]في قوله “…ومن ثم فالغرض من التحفيظ العقاري في ذاته هو، كما تنص الفقرة الأولى من هذا الفصل، جعل العقار خاضعا على وجه الدوام، للنظام المقرر في ظهير 1913 كما غيره وتممه القانون 14.07 علما أن هذا الأخير قد أعاد صياغة المقتضيات التي سبق أن قررها ظهير 12 غشت 1913 في الموضوع شكلا ومضمونا ولغة. والمقصود بالدوام هو ما عبر عنه المشرع بأنه لن يكون في الإمكان إخراج العقار المحفظ من الخضوع لهذا النظام فيما بعد.

وهكذا لم يقصد المشرع أبدا وضع تعرف لمفهوم التحفيظ العقاري، وانما بتحديد الغاية او الهدف او الغرض المتوخى من تحفيظ العقار لذا عبر عنه المشرع حاليا بعباره “يرمي” كما أن الفقرة الثانية من الفصل الأول يقصد منها الغرض من النظام المقرر في ظهير 1913 برمته أي بتحديد غرضين او مكونين لنظام التحفيظ العقاري، هما: التحفيظ والاشهار”. فضلا عن العيب في الصياغة الذي يعتري الفقرة الأولى من الفصل المذكور والتي تنص” يرمى التحفيظ الى جعل العقار المحفظ…” فهذه الصياغة غير سليمة إذ كيف يمكن تحفيظ عقار محفظ، وكان يستحسن أن يحتفظ المشرع بالصياغة القديمة في الفصل الأول من ظهير التحفيظ العقاري لسنة 1913 الذي ينص على أنه” يقصد من التحفيظ جعل العقار خاضعا لنظام هذا الظهير من غير أن يكون في الإمكان إخراجه منه فيما بعد”[6]. بالإضافة الى أن المشرع أقحم عند بيان القصد من التحفيظ أمورا ليست منه، ومن ذلك تقييد التصرفات والوقائع المنصبة على الحقوق العينية او التحملات المتعلقة بالعقار بعد تحفيظه وتأسيس رسم عقاري له،فهذا يخرج التحفيظ عن مقاصده.[7]

بعد التوقف على حقيقة الفصل الأول من ظهير التحفيظ العقاري ولو بإيجاز يحق لنا أن نحدد المقصود من مادة التحفيظ العقاري: يقصد بها العقار في طور التحفيظ الذي يصبح خاضع لنظام التحفيظ العقاري. في الشق المتعلق بمسطرة التحفيظ، أي مجموع الإجراءات المتعلقة بإنشاء الرسم العقاري، وبذلك فالأحكام التي لا تقبل الطعن الا بالاستئناف والنقض هي الاحكام الصادرة في المنازعات المثارة بشأن مسطرة التحفيظ، والتي يكون موضوعها ادعاء حق على العقار المراد تحفيظه. وهو ما أكده المجلس الأعلى سابقا في إحدى قراراته[8] ” … وحيث أن القرار عدد 118 الصادر في الملف 77- 83 بتاريخ 11 غشت 1983 والمطلوب تسجيله بالرسوم العقارية المذكورة أعلاه هو قرار أحرز قوة الشيء المقضي به التي يشير اليها الفصل 91 من ظهير 12 غشت 1913 ولم يصدر في مادة التحفيظ العقاري وبالتالي كان على المحافظ على الملكية العقارية أن يستجيب لطلب تقييده بالرسم العقاري المبينة أعلاه دون الحاجة الى مطالبة المعنى بالأمر بالإدلاء بشهادة عدم طلب النقض” ويستفاد من هذا القرار أن مادة التحفيظ العقاري يقصد منها ما قبل تأسيس الرسم العقاري. فضلا على أن المشرع أفرد أحكام خاصة فيما يتعلق بإشهار الاحكام القضائية بخصوص المنازعات المتعلقة بالعقار المحفظ وتقييده كلما كانت حائزة لقوة الشيء المقضي به[9] وهو ما نص عليه المشرع في مجموعة من فصول ظهير التحفيظ العقاري ولا سيما (الفصول 65، 65مكرر، 69 و91) التي تنص على وجوب تقييد الاحكام كلما كان مكسب لقوة الشيء المقضي به باعتبار أن الطعن في بالنقض لا يوقف التنفيذ لأنه لا يدخل في مادة التحفيظ العقاري والتي يوقف فيها الطعن بالنقض التنفيذ طبقا لمقتضيات الفصل 361 من قانون المسطرة المدنية، وأن المشرع قصد إيقاف تنفيذ الأحكام الصارة في مادة التحفيظ بسبب الطعن بالنقض، لأن تنفيذها من شأنه أن يؤدي الى تعقيدات لا يمكن تجاوزها اذا نفذ قرار التحفيظ قبل البت في طلب النقض. ولو أراد المشرع أن يجعل الاحكام الصادرة في المنازعات المتعلقة بالتحفيظ او التقييد لا تقبل الطعن الا بالاستئناف والنقض لعبر عن ذلك بنظام التحفيظ العقاري عوض مادة التحفيظ العقاري التي لا يمكن أن ينصرف مضمونها الى ما بعد تأسيس الرسم العقاري. في المقابل تخضع الاحكام الصادرة في المنازعات المتعلقة بإشهار الحقوق لطرق الطعن وفق قواعد المسطرة المدنية.

ورغبة المشرع في اختصار زمن مسطرة التحفيظ هي الدافع لحصر طرق الطعن في مادة التحفيظ العقاري، والتي كانت أيضا مثار اختلاف حول مدى إمكانية الطعن بإعادة النظر في الأحكام الصادرة عن محكمة النقض في مادة التحفيظ العقاري. وهو ما سنحاول مناقشته في الفقرة الثانية من هذا الموضوع.

ثانيا

مدى إمكانية الطعن بإعادة النظر في الاحكام الصادرة عن محكمة النقض في مادة التحفيظ العقاري

يثير كذلك الفصل 109 من ظهير التحفيظ العقاري نقاش حول إمكانية الطعن بإعادة النظر في الاحكام الصادرة عن محكمة النقض في مادة التحفيظ العقاري الأمر الذي تم تأويله في إطار التفسير الذي قدم للفصل لأول من نفس الظهير مسايرين عن قصد أول بدون قصد قول المحافظ العام المشار اليه أعلاه وعلى حد قوله أن المشرع حسم الخلاف حول مفهوم التحفيظ بتعريف دقيق الا ان الامر على خلاف ذلك تماما كما اوضحنا ذلك. اذ أن بعض الباحثين والقضاء اعتبروا أن الطعن بإعادة النظر أمر غير مقبول على أساس أن المشرع حسم الخلاف في مفهوم التحفيظ مما يترتب عليه كذلك استبعاد الطعن بإعادة النظر الامر الذي تبناه “القسم الثامن من الغرفة المدنية لمحكمة النقض، وهو بصدد تحديد المقصود من تعبير” مادة التحفيظ العقاري” الوارد في الفصل 109 من ظهير التحفيظ العقاري كما غير وتمم بالقانون رقم 14/07. في القرار عدد134/8 المؤرخ في 12/03/2013 ملف مدني عدد 3778/1/8/2012[10]الذي جاء فيه ما يلي: حيث إن طرق الطعن في الأحكام الصادرة في مادة التحفيظ العقاري أصبحت محددة على سبيل الحصر في الاستئناف والنقض بمقتضى الفصل 109 من قانون التحفيظ العقاري كما نسخ وعوض بالقانون رقم 14/07، الذي ينص على أنه” لا تقبل الأحكام الصادرة في مادة التحفيظ العقاري الطعن الا بالاستئناف والنقض” وانه وبمقتضى الفصل الأول من نفس القانون كما عدل وتتم، يقصد من التحفيظ، تحفيظ العقار بعد إجراء مسطرة للتطهير يترتب عنها تأسيس رسم عقاري، وكذا تقييد كل التصرفات والوقائع الرامية الى تأسيس او نقل او تغيير او إقرار او اسقاط الحقوق العينية  او التحملات المتعلقة بالملك في الرسم المؤسس له، وان الطلب أعلاه يرمي الى إعادة النظر في القرار الصادر في دعوى التقييد في الرسم العقاري المعتبر بالنص الأول أعلاه في عداد التحفيظ، الأمر الذي يكون مع الطلب غير مقبول”

غير أن هذا التوجه فلسفة الطعن بإعادة النظر في الاحكام التي تصدرها محكمة النظر بغض النظر عن عدم التنصيص عليه في نص خاص ومهما يكن فإن الطعن بإعادة النظر في قضايا التحفيظ تتقابل فيه مبادئ العدالة والانصاف بمبادئ مسطرة التحفيظ، فهذا الطعن طريق لإصلاح الأخطاء القضائية والرجوع عن الأحكام المجحفة بعد اكتشاف سبب موجب لبطلانها او تغيير منطوقها وهو طرح سليم مراد حميد، ولا يجب أن يؤثر في ذلك نوع القضية او طبيعة الدعوى خصوصا وانه يطبق على قضايا العقار المحفظ وغير المحفظ.[11]مما يكون مع القرار المشار اليه أعلاه غير سليم وخرق مقتضيات الفصل 379 من قانون المسطرة المدنية الذي يجيز الطعن بإعادة النظر في الاحكام الصادرة عن محكمة النقض بغيت صلاح ما يمكن إصلاحه لأن العمل القضائي ما هو في الأخير الا عمل بشري يعتريه الصواب الخطأ. وهو ما أكده المجلس الأعلى سابقا في أحد قراراته قبل دخول القانون 14.07 حيز التنفيذ بغرفتين أجاز من خلاله الطعن بإعادة النظر حيث جاء فيه” وحيث أن الفصل 379 من ق.م.م عندما تحدث عن جواز الطعن في قرارات المجلس الأعلى لم يفصل ما يرجع من قراراته الى النزاع حول العقار المحفظ او الموجود في طور التحفيظ والى غير ذلك من النزاعات، الأمر الذي يكون معه طلب إعادة النظر في نازلة الحال مقبول شكلا”[12].

كانت هذه قراءة في مقتضيات الفصل 109 من ظهير التحفيظ العقاري والتي حددننا فيها المقصود بتعبير مادة التحفيظ العقاري وخصوصية الطعن فيها ونطاق هذه الخصوصية وكذلك الوقوف على أهمية الطعن بإعادة النظر بحيث يجب قبول هذا الطعن شكلا متى توفرت شروطه حماية للحقوق من الاحكام المجحفة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] د: مأمون الكزبري، و د: ادريس العلوي العبدلاوي، شرح المسطرة المدنية في ضوء القانون المغربي، الجزء الأول، مطبعة دار القلم بيروت، 1973ص 268

[2] الدورية عدد 12277 بتاريخ 06/12/2011 في شأن القانون رقم 14.07 يغير ويتمم بمقتضاه الظهير الشريف الصادر في رمضان (12 غشت 1913) المتعلق بالتحفيظ العقاري.

[3] أورده د: احمد الدرويش، الكراسة الثالثة، تأملات نظرية حول مدونة الحقوق العينية، مفهوم التحفيظ العقاري، تعليق على قرار محكمة النقض الغرفة الثامنة عدد 156/8 المؤرخ في 19/03/2913 ملف مدني 4957/1/8/2012، دراسة تحليلية وتأصيلية لإحدى أهم حالات الخلاف بين مؤسسة المحافظ العام وبين القضاء، منشورات سلسة المعرفة القانونية الطبعة الأولى 2015، مطبعة الأمنية الرباط ص 5-7

[4] راجع بخصوص أقسام وشروط التعريف، محمود حسن حسنين، محمد أحمد جاد والمولى بك، عبد الحميد خضر، المنطق المشجر، المطبعة العصرية بمصر دون ذكر عدد الطبعة وتاريخها. صص28-30

[5] م.س ص 30 وما يليها بتصرف

[6] أورده عبد العلي بن محمد العبودي، نظام التحفيظ العقاري وإشهار الحقوق العينية بالمملكة المغربية، الطبعة الأولى 2003، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء المغرب ص 23

[7] د أحمد ادريوش، المرجع السابق ص 50

[8]  المجلي الأعلى- الغرفة الإدارية القرار رقم 125 الصادر بتاريخ 2 يونيو 1988 في الملف الإداري رقم 5676 أورده احمد ادرويش المرجع السابق 56

[9]  يقصد بها مرتبة يصل اليها الحكم اذ أصبح نهائيا غير قابل لا للمعارضة ولا للاستئناف أي غير قابل للطعن فيه بالطرق الطعن الاعتيادية وان ظل قابلا للطعن فيه بطريق غير اعتيادي.” راجع  الدكتور ادريس العلوي العبدلاوي، وسائل الاثبات في التشريع المدني المغربي الطبعة الأولى 1977 دون ذكر المطبعة ص141

[10] أورده احمد ادريوش، م، س  صص46-47

[11] يوسف مختري، حماية الحقوق الواردة على العقار في طور التحفيظ، الطبعة الأولى، مطبعة المعارف الجديدة-الرباط، سنة 2016 ص 433

[12] قررا عدد 277 صادر بغرفتين بتاريخ 14/02/1989، منشور بمجلة ق.م.أ عدد 44، ص :22أورده يوسف مختري المرجع السابق صص431-432

اترك تعليقاً