الحرية والنظام العام

2018 01 21
2018 01 21

الحرية والنظام العام

ذ. جــواد الطــالب

خريج ماستر قانون المنازعات العمومية بفاس

إطار بالأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة بني ملال خنيفرة

مقدمة :

لقد عمل المشرع الدستوري المغربي على تكريس احترام حقوق الانسان في دستور فاتح يوليوز 2011، وذلك من خلال دسترة كافة حقوق الإنسان كما هو متعارف عليها عالميا بكل آليات حمايتها، وضمان ممارستها. حيث تمت دسترة سمو المواثيق الدولية كما صادق عليها المغرب على التشريعات الوطنية، في نطاق احترام أحكام الدستور وقوانين المملكة المستمدة من الدين الإسلامي.

اقرأ أيضا...

وتحتل الحريات العامة مكانا هاما داخل فضاء حقوق الانسان، فهي تعتبر شكلا من أشكال حقوق الانسان تستوجب حمايتها، وهو ما حدى بالمشرع الدستوري الى تخصيص الباب الثاني لها من الدستور تحت عنوان الحريات والحقوق الاساسية، ونظمها في الفصول من 19 إلى 40 منه.

إن التخوف والحذر من السلطة التنفيذية كسلطة ضبط إداري في مجال الحريات العامة، يفسر الاتجاه الى تحديدها، ومع ذلك فمهما كان البعد الذي تتخذه الصلاحية الدستورية والتشريعية في هذا المجال، فإنه لا يلغي دور السلطة التنفيذية والادارية لأنه من الضروري اتخاذ الاجراءات التطبيقية، إما بواسطة المراسيم أو بوسطة قرارات فردية. هذا إضافة إلى أن السلطة التنفيذية والإدارة مسؤولتان عن الحفاظ على النظام العام، فهذا الأخير يمكن ان يتجسد في إحكام وتسوية البنيات الاجتماعية، كما يمكن أن يكون نقيض تطبيق القانون، حيث أن هناك عدة طرق في فهم وإدراك النظام العام، فنطاقه يختلف ضيقا واتساعا باختلاف مدى تدخل الدولة في النشاطات الاقتصادية والاجتماعية[1].

وتعرف الحرية العامة بأنها مظهر خاص للحرية بصفة عامة، منظمة قانونيا بواسطة النصوص الوطنية الدستورية والتشريعية والتنظيمية وكذا الدولية، وتخضع لحماية قانونية فعلية.

أما الحريات بالجمع فتعني أن بعض مظاهر الحرية بصفة عامة قد اكتست طابعا خاصا، في حين نعت العامة يعني أن هذه الحريات ارتقت إلى مستوى القانون الذي ينظمها ويحميها.[2]

ويعرف النظام العام بكونه، مجموعةٌ من الوسائل الأمنية التي توفّر الحماية العامة لكافة المواطنين والأشخاص الذين يتواجدون على أرض دولة ما، ويُعرف أيضاً بأنّه الأسلوب المستخدم في تنظيم الحياة الاجتماعية في المجتمع الواحد عن طريق فرض سلطة القانون الّتي تمنح الأفراد حقوقهم، وتُعرّفهم بالواجبات القانونية الملزمة لهم.

وعرّف بعض الفقهاء القانونيين النظام العام بأنه الواجبات القانونية التي تقوم بها الدولة، وتُحقّق الخير والأمن لكل إنسان، مع الحرص على احتواء أي مشكلات تصدر من أي فرد وعلاجها بالطريقة المناسبة.[3]

ويعرف الفقيه هوريو النظام العام، بأنه انعدام الفوضى والقلاقل، فهو يشكل مجموعة مصالح عليا مشتركة لمجتمع ما في زمن معين، يتفق الجميع على ضرورة سلامتها ( الأمن العام، السكينة، الصحة العامة).

وإذا كان دور سلطة الضبط الاداري، يستمد أساسه مبدئيا من الصلاحية المتمثلة في تنفيذ القوانين، فإن الاتجاهات الحالية التي انعكست على محتوى الدساتير، ترمي الى دعمه بأسس جديدة. كما يقتضي الإلمام بها التمييز بين الحالات العادية والحالات الاستثنائية.

ومهما بلغت الصلاحية التي تمارسها السلطة التنفيذية والإدارة في هذا المجال، فإنها تبقى سلطة تابعة ومراقبة في آن واحد. إنها أولا تابعة: بمعنى أنها مقيدة بالنصوص الدستورية والتشريعية وكذا بالالتزامات الدولية، أما إذا تعلقت بحرية ليس لها أي أساس تشريعي يتعين آنذاك احترام المبادئ الدستورية والالتزامات الدولية. إنها ثانيا مراقبة من طرف القضاء (الاداري والجنائي)، هذه الخصائص جعلت البعض يعتبر الصلاحية التنفيذية في الحالة التي تخضع لرقابة القضاء، حامية للحرية أكثر من السلطة التشريعية في الحالة التي لا تخضع هذه الاخيرة للرقابة. غير أن الأبعاد التي يتخذها دور السلطة التنفيذية، جعلت البعض يعتبرها -خلافا للبراليين الذين يعتبرونها بطبيعتها خانقة للحريات، ويضعون تبعا لهذا الثقة في المشرع والقضاء لحمايتها- حارسا نبيلا للحريات.

إن اعتبار السلطة التنفيذية حارسا نبيلا للحريات يثير إما تصريحات القائمين بها، أو انجازات معبرة عن تبنيها لحقوق الانسان. إن تصريحات رؤساء السلطة التنفيذية تذكر بتلك التي تم التعبير عنها على سبيل المثال في فرنسا، وذلك بعدما بدأت فرضية التساكن بين رئيس دولة ورئيس حكومة لا ينتميان إلى نفس الحزب تلوح في الأفق، ففي بداية سنة 1977، صرح رئيس الجمهورية آنذاك (فاليري جيسكارديستان) بأنه سيكون حامي الحريات في حالة فوز أغلبية تنتمي إلى اليسار في انتخابات مارس 1978، وعندما تحققت هذه الفرضية في عهد (فرانسوا ميتران)، فإنه خول لنفسه في خطاب موجه الى البرلمان في أبريل 1986 مهمة السهر على حماية الحريات والحقوق، كما تم تحديدها في إعلان سنة 1789 وفي مقدمة دستور 1946، وهذا في حالة ما إذا أرادت الأغلبية اليمينية الجديدة المساس بها، ويتجاوز الأمر التصريحات إلى الانجازات، وذلك إما بخلق مؤسسات، أو مصالح حكومية خاصة بالحريات العامة وحقوق الانسان.

إن هذا يذكر في المغرب مثلا بخلق مديرية للحريات العامة في وزارة الداخلية سنة 1987 والمجلس الاستشاري سنة 1990 بواسطة ظهير ملكي، وخلق وزارة خاصة بحقوق الانسان سنة 1993 في عهد الملك الراحل. وفي عهد الملك محمد السادس، وبموجب دستور فاتح يوليوز 2011 تم تعزيز هذه المكتسبات بإحداث كل من المجلس الوطني لحقوق الانسان و مؤسسة الوسيط كمؤسسات دستورية، ويعتبر المجلس الوطني لحقوق الإنسان هيئة جديدة للدفاع عن حقوق الانسان، بدلا من المجلس الاستشاري لحقوق الانسان الذي شكل في 1990 والذي كان دوره استشاريا. حيث يتمتع بصلاحيات واسعة بموجب الفصل 161 من الدستور الذي نص على ما يلي :” المجلس الوطني لحقوق الانسان مؤسسة وطنية تعددية ومستقلة، تتولى النظر في جميع القضايا المتعلقة بالدفاع عن حقوق الانسان والحريات وحمايتها، وبضمان ممارستها الكاملة، والنهوض بها وبصيانة كرامة وحقوق وحريات المواطنات والمواطنين، أفرادا وجماعات، وذلك في نطاق الحرص التام على احترام المرجعيات الوطنية والكونية في هذا المجال”[4]. أما الوسيط فهو بموجب الفصل 162من الدستور ” مؤسسة وطنية مستقلة ومتخصصة، مهمتها الدفاع عن الحقوق في نطاق العلاقات بين الإدارة والمرتفقين، والإسهام في ترسيخ سيادة القانون، وإشاعة مبادئ العدل والإنصاف، وقيم التخليق والشفافية في تدبير الإدارات والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية والهيئات التي تمارس صلاحيات السلطة العامة”[5].

إن الالمام بالبعد الذي يتخذه دور سلطات الضبط الاداري يقتضي التمييز بين الحالات العادية والحالات الاستثنائية، ففي الحالات العادية، إذا كان تحديد الحرية ضروري لضمان حماية النظام العام، ففي حالة التعارض بين الحرية والنظام العام، فإن الاتجاه يذهب الى تطبيق المبدأ الاتي : “الحرية هي القاعدة والتحديد هو الاستثناء“. وتبقى القاعدة المطلقة هي أن السلطة الادارية أو التنفيذية لا يمكن أن تتخذ المبادرة بإلغاء الحرية، فهذه الصلاحية تعود إلى المشرع، كما أن الادارة عندما تنظم ممارسة الحرية في إطار النصوص التشريعية، فإنها توفق بين متطلبات الحرية، وضرورة الحفاظ على النظام العام، هذا على أن لا يتمثل هاجسها الأساسي في الحفاظ على النظام العام، بل بالسماح بممارسة الحرية، دون الإخلال بالنظام العام، وكيفما كانت الحرية فإن القضاء يمارس رقابته، أولا حول هدف الاجراءات المتخذة، حيث يتطلب الأمر أن تأخذ بعين الاعتبار المصلحة العامة والحفاظ على النظام العام ، وثانيا حول ضرورة ملائمة الإجراء المتخذ مع الهدف المتوخى منه.

فكيف تقوم إذن سلطات الضبط الإداري بالتوفيق بين ضرورة الحفاظ على النظام العام والسماح بممارسة الحرية ؟

لمقاربة هذه الإشكالية نتوقف في مبحث أول عند دور سلطات الضبط الاداري في الحفاظ على النظام العام، وفي مبحث ثاني عند حدود هذه السلطات. وذلك وفق التصميم التالي:

المبحث الاول :  دور سلطات الضبط الاداري في الحفاظ على النظام العام

      المطلب الأول:  أهداف الضبط الإداري.

أولا :      الحفاظ على الأمن العام .

ثانيا :     حماية الصحة والسكينة العامة.

      المطلب الثاني :  وسائل الضبط الإداري.

أولا : الوسائل القانونية:

ثانيا : الوسائل المادية:

  المبحث الثاني:   حدود سلطات الضبط الإداري

  المطلب الأول:   سلطات الضبط الإداري في الظروف العادية.

أولا: تقيد سلطة الضبط الإداري بمبدأ المشروعية.

ثانيا:  خضوع إجراءات الضبط الإداري لرقابة القضاء.

      المطلب الثاني:  سلطات الضبط الإداري في الظروف الاستثنائية.

أولا : التنظيم القانوني لسلطة الضبط الإداري في الظروف الاستثنائية.

ثانيا : الرقابة القضائية على سلطات الضبط الإداري في الظروف الاستثنائية.

 خاتمة:

  المبحث الاول 

  دور سلطات الضبط الاداري في الحفاظ على النظام العام

يقصد باصطلاح الضبط الإداري في اللغة العادية رجال الشرطة، أي العاملون في جهاز الأمن العام، ويعيب هذا المدلول أنه مدلول عملي وليس قانون، أما المدلول القانوني للضبط الإداري فهو مجموعة القيود والضوابط والتدابير التي تفرضها هيئات الضبط الإداري على حريات ونشاط الأفراد بهدف حماية النظام العام، ولذلك فإن الضبط الإداري يتسم بالطابع الوقائي، حيث تتحرك هذه الإجراءات والتدابير أساساً قبل وقوع الفعل المخل بالنظام العام [6].

و لأجل تحقيق أهدافها، المتمثلة عموما في الحفاظ على النظام العام، تعتمد سلطات الضبط الإداري في ذلك على وسائل قانونية وأخرى مادية.

   المطلب الأول:     أهداف الضبط الإداري.

يسعى الضبط الإداري إلى ضمان الحماية لأيّ مجتمع، من خلال منع المساس بالنظام العام السائد فيه[7]، وتحقيق مجموعة من الأهداف، وهي: الأمن العام، حماية الصحة والسكينة العامة.

   أولا :     الحفاظ على الأمن العام .

يعد الامن العام العنصر الاول من عناصر النظام، ويقصد به، اطمئنان المرء على نفسه وماله من خطر الاعتداء نتيجة الكوارث الطبيعية (كالفيضانات والزلازل والحرائق)، أو بفعل الإنسان ( كسطو المجرمين وعبث المجانين والمظاهرات العنيفة وحوادث السيارات…)، أو من جراء هجوم الحيوانات المفترسة وما تحدثه من اضطرابات[8].

ويقصد به كذلك، استتباب الأمن والنظام في المدن والقرى والأحياء، بما يحقق الاطمئنان لدى الجمهور على أنفسهم وأولادهم وأغراضهم وأموالهم، من كل خطر قد يكون عرضة له.

ولتحقيق ذات الغاية، فإن السلطات الإدارية تعمل على توفير ذلك، عن طريق اتخاذ كل الإجراءات والإمكانيات لضمان الأمن العام للأفراد، في الظروف العادية والاستثنائية. ويترتب على ذلك أن يكون لسلطات الضبط الإداري الحق في منع التجمعات الخطرة في الطريق العام وفض المظاهرات والاضطرابات التي تهدد النظام العام.

ثانيا :     حماية الصحة والسكينة العامة.

يقصد بالحفاظ على الصحة العامة، اتخاذ الاجراءات والتدابير الوقائية والعلاجية، لحماية المواطنين من مخاطر الاوبئة والأمراض والجراثيم التي تهدد صحتهم. ولقد ازدادت أهمية هذا الهدف في الوقت الحاضر نتيجة ازدياد عدد السكان وسهولة انتشار الأمراض.

ويقع على عاتق الإدارة مقاومة تلك الأسباب باتخاذ سائر الاجراءات الوقائية، كالمحافظة على سلامة مياه الشرب والأطعمة من التسمم، وإعداد المجاري وجمع القمامة والمحافظة على البيئة والسهر على نظافة الاماكن العامة. وكذلك باتخاذ كافة التدابير والاجراءات الاحتراسية، للتحقق من سلامة صحة الأشخاص الوافدين من الخارج، وكذا صلاحية السلع المستوردة …

أما فيما يخص السكينة العامة، فالمقصود بها، المحافظة على حالة الهدوء والسكون في الطرق والأماكن العامة، كوقاية الناس من الضوضاء والازعاج والمضايقات، خاصة في أوقات راحتهم، ومن الأمور التي تمس السكينة العامة، وتعمل السلطات الإدارية على منعها أو ايقافها، أصوات الباعة المتجولين وآلات التنبيه في السيارات والاصوات المرتفعة المنبعثة من مكبرات الصوت وضوضاء الاحتفالات…

إلا أنه وللأسف، تبقى المحافظة على السكينة العامة مطلباً عزيز المنال في الدول النامية، حيث ازدادت معدلات الضوضاء بها إلى درجة عالية تؤثر في الصحة العامة، وخاصة من الناحية النفسية والعصبية، لأن السلطات الإدارية في الدول النامية لا تعتني بعنصر السكينة العامة، وإنما توجه كل اهتمامها وجهودها إلى المحافظة على عنصر الأمن العام، على الرغم من أن عناصر النظام العام أصبحت متداخلة إلى حد كبير[9].

وتجدر الإشارة إلى أن مفهوم النظام العام، اتسع ليشمل النظام العام الأدبي والأخلاق العامة، فتجاوز بذلك اهدافه التقليدية ( الحفاظ على الأمن العام ، الصحة ، السكينة )، إلى أهداف حديثة، تتمثل في منع عرض المطبوعات المخلة بالآداب العامة، وكذلك حماية المظهر العام للمدن، وحماية وتنمية الابداع الثقافي والفني … كما نص على ذلك الفصلان 25 و 26 من الدستور المغربي.

المطلب الثاني :     وسائل الضبط الإداري.

تتوفر سلطات الضبط الإداري في سبيل تحقيق أهدافها على وسائل متعددة يمكن تصنيفها إلى وسائل قانونية وأخرى مادية.

أولا : الوسائل القانونية :

وتعني مجموعة من الوسائل والآليات القانونية التي تستند عليها الشرطة الإدارية بكيفية انفرادية، أو وفق طلب المعنيين بالأمر، والتدابير الانفرادية في هذا المجال يجسدها واقعيا القرارات التنظيمية والقرارات الفردية.

    أ : القرارات التنظيمية ( لوائح الضبط الإداري).

وهي أهم وسيلة تستند عليها الشرطة الإدارية في ممارسة مهامها الضبطية، تهدف إلى تقييد بعض أوجه النشاط الفردي حماية للنظام العام. ويتقيد نشاط الأفراد بمقتضى هذه اللوائح وفق إحدى الطرق التالية:

  • الحظر: ويقصد به أن تتضمن لوائح أو أنظمة الضبط منع مزاولة نشاط معين منعا كاملا أو جزئيا، والأصل أن لا يتم الحظر المطلق لنشاط ما، لأن ذلك يعني انتهاء الحرية ومصادرة للنشاط. ولكن، أجاز القضاء استثناء الحظر الكامل للنشاط عندما يشكل اخلالا بالنظام العام. كمنع إنشاء أماكن للبغاء أو للعب الميسر. فإذا حصل ذلك فيجب أن يكون مبنيا على ضرورة آمرة.[10]
  • التصريح المسبق: إن ممارسة الحرية في هذا النظام يخضع لشرط شكلي، بحيث يتعين على الفرد أن يحيط السلطة ( القضاء- الإدارة) علما بالفعل الذي ينوي القيام به، إنه شرط يراد به فقط الإخبار والعلانية، فالإدارة هنا لها دور سلبي، بحيث أنها لا تملك صلاحية التقدير ولا تشكل حاجزا أمام ممارسة الحرية. إنها تكتفي بتسجيل التصريح وإعطاء توصيل يثبت بأن المعني بالأمر في وضع قانوني. ففي قرار لمحكمة الاستئناف بالربط رقم 508 بتاريخ 11/08/2003 ملف جنائي عدد 629/03/22 اعتبرت فيه أن “عقد اجتماعات عمومية دون أي تصريح مسبق يذلك يعتبر نشاطا غير شرعيا وذلك لمخالفته المقتضيات القانونية الصادرة بشأن الجمعيات والتجمعات العمومية”[11]. وفي قرار آخر للمجلس الاعلى عدد 214 المؤرخ في 16/1/2012 ملف مدني عدد 1632/1/2/2000 جاء فيه “يخول للنيابة العامة حق طلب حل الجمعية في حالة عدم تقديمها سابق تصريح إلى السلطة الإدارية وإلى وكيل الملك باعتبار أن وصل الإيداع لا يغني عن الإجراء المذكور.[12]
  • الإذن: لوائح الضبط الإداري، قد تفترض في بعض الحالات، إلزامية الحصول على إذن مسبق من الجهة الإدارية المختصة لممارسة نشاط معين. فالإذن الذي تخوله الإدارة والذي تتوقف عليه ممارسة الحرية، قد يخضع لتقدير الإدارة، وهنا يكون تقديريا “إذن تقديري” وقد يكون مقيدا بمجموعة من الشروط، وهنا يكون مشروطا. كما قد يترتب حسب ما هو شائع عن سكوت الإدارة.[13]

    ب : القرارات الفردية (أوامر الضبط الإداري).

وهي القرارات الصادرة بهدف تطبيقها على فرد معين تحديدا أو على عدد من الأفراد المعينين شخصيا، كالأمر الصادر بالاستيلاء لأجل المنفعة العامة على ملكية خاصة أو مصادرة جريدة أو دورية معينة. والأمر الفردي قد يكون مجرد تطبيق لقاعدة تنظيمية عامة على حالة فردية. وسلطات الضبط الإداري إذا أعطيت له إمكانية مخالفة هذا المبدأ بأن تعمل على الترخيص باستثناءات مخالفة للقواعد العامة التنظيمية، فإن مشروعية تلك الاستثناءات متوقفة على :

  • أن تكون القاعدة التنظيمية قد نظمت الاستثناء.
  • أن يسعى الاستثناء إلى تحقيق هدف يجيزه الأمن والنظام العام، وأن تعمل الإدارة على تحقيق المساواة بهذا الخصوص بين الأفراد.[14]

ثانيا : الوسائل المادية .

للمحافظة على النظام العام، لا يكفي صياغة وإصدار القوانين التنظيمية والفردية، بل من اللازم تنفيذها وإدخالها حيز السريان، والشرطة الإدارية تملك في مواجهة المخاطبين الذين يرفضون الانضباط لتلك القوانين، وسائل مادية تمكنها من تحقيق ذلك، كالتنفيذ الجبري واستعمال القوة العمومية.

    أ : التنفيذ الجبري: ويقصد به السلطات الاستثنائية التي تملكها الإدارة للقيام بنفسها بتنفيذ القرارات التي تصدرها جبريا، وبكيفية قسرية، إذا رفض المخاطبين بها الامتثال لها طواعية، دون اللجوء إلى القوة.

وإذا كانت هذه السلطات الاستثنائية تشكل امتيازا تنفرد به الإدارة، وتصبح معه في مركز متفوق على المواطنين، فإن المشرع قد عقلها بمجموعة من الشروط:

  • أن يكون هناك رفض من الأفراد وامتناع عن التنفيذ، على اعتبار أن القانون في مثل هذه الفرضيات يجيز التنفيذ الجبري.
  • إثبات امتناع الأفراد عن التنفيذ عن طريق إعطائهم مدة كافية ومعقولة للقيام بما هم ملزمون به طواعية. وذلك معناه أن للإدارة أن تبلغ الأفراد قبل التنفيذ الجبري على ضرورة التصرف اختياريا.
  • عدم الالتجاء إلى القوة إلا في حالة الضرورة والاستعجال وفق متطلبات المصلحة العامة، وأن يكون هناك تلازم وتناسب بين استعمال القوة وبلوغ الهدف الذي رسمه القانون. أي يجب أن تقتصر إجراءات التنفيذ المباشر على التدابير الأساسية لتنفيذ القرار حماية للنظام العام.[15] ويدخل في هذا السياق محتوى الفصل 29 من ظهير 1958 بشأن التجمعات العمومية الذي يتم بمقتضاه تخويل السلطات الإدارية اللجوء إلى التنفيذ الجبري والمباشر، حيث يسمح لسلطات الضبط الإداري بتفريق التجمعات المسلحة أو غير المسلحة بواسطة استعمال القوة.

    ب :اللجوء إلى القوة العمومية : يعد اللجوء إلى القوة العمومية، لاسيما المسلحة منها من أخطر التدابير الزجرية التي تستعملها السلطات الإدارية في حالة الضرورة والاستعجال، والتي يكون فيها النظام العام مهددا، وذلك بالاستعانة بالقوات المساعدة وقوات الشرطة والدرك الملكي والقوات المسلحة الملكية وفق الشروط المقررة في القانون.

وأخيرا إذا كان المشرع قد خول لسلطات الضبط الإداري صلاحيات لتحقيق أهدافها في الحفاظ على النظام العام، باستعمال وسائل الضبط الإداري، فإنها مع ذلك تظل خاضعة للرقابة القضائية لأجل التوفيق بين ممارسة الحرية ومتطلبات النظام العام. فماهي حدود سلطات الضبط الإداري؟

المبحث الثاني

حدود سلطات الضبط الإداري

من الضروري وضع حدود لاختصاصات الادارة في ممارستها لسلطات الضبط الإداري، ويتم ذلك، من خلال الموازنة بين تحقيق متطلبات النظام العام، وضمان حقوق وحريات الأفراد، وقد درجت أحكام القضاء الإداري على منح الإدارة حرية واسعة في ممارسة سلطات الضبط الإداري، غير أنها اخضعتها في ذلك لرقابة القضاء الإداري من نواح عدة.

وفي هذا المجال، نبين حدود سلطات الضبط الإداري، في الأوقات العادية، ثم نعرض لحدود هذه السلطة، في الظروف الاستثنائية.

المطلب الأول:   سلطات الضبط الإداري في الظروف العادية.

الضبط الإداري نشاط تقوم به الإدارة إلى جانب أنشطة أخرى، ويخضع لما تخضع له أعمال الإدارة جميعا، من وجوب احترامها للقانون، أي لمبدأ المشروعية من ناحية، وتخضع لرقابة دقيقة من القضاء الإداري من ناحية أخرى.

أولا: تقيد سلطة الضبط الإداري بمبدأ المشروعية.

إن المقصود بمبدأ المشروعية، خضوع السلطة الإدارية للقانون في كل ما يصدر عنها من تصرفات وما تتخذه من أعمال وقرارات في جميع مظاهر النشاط الذي تقوم به، ويترتب على ذلك بطلان أي تصرف أو إجراء تتخذه سلطة الإدارة مخالفا للقانون أو يخرج عن قواعده الملزمة.

وتبرز أهمية التزام الإدارة بهذا المبدأ، كون القرارات والتصرفات والأعمال التي تقوم بها، تتمتع ابتداء بقرينة السلامة، أي أنها صحيحة ومشروعة، وعلى من يدعي العكس اثبات ذلك أمام القاضي، وإذا لم يقضي القاضي بعدم مشروعيتها، فإنها تكون ملزمة ونافذة إزاء المخاطبين بأحكامها. حيث اعتبرت محكمة الاستئناف الادارية بمراكش في قرارها رقم 1362 بتاريخ 15/11/2009 ملف رقم 419/5/2009-1 ” إن عيب الانحراف لا يفترض، بل يجب إقامة الدليل عليه”.[16]

ومن تم، فإن مبدأ المشروعية، يقتضي احترام الإدارة للتدرج الموضوعي والشكلي للقواعد والقرارات القانونية. فيجب أن تكون سلطات الضبط الإداري، والتي هي مقيدة لحرية الأفراد، بغرض المحافظة على النظام العام غير مطلقة، بل مقيدة بمبدأ المشروعية، وهي مشروعية الظروف العادية. وهذا التقييد لا يمكن أن يكون إلا بنص القانون. فقد تخول الدساتير السلطة التنفيذية، صلاحية تنظيم نشاط الأفراد، والتدخل في شؤونهم، ووضع القيود على حريتهم العامة، فيجب عليها اصدار أنظمة ضبط بالشكل الذي رتبه القانون. وفي نفس القرار المشار إليه لمحكمة الاستئناف الادارية بمراكش رقم 1362 بتاريخ 15/11/2009  جاء فيه ” كلما كان تدخل الادارة لازما وضروريا كان العمل الإداري مشروعا”.

وبالتالي، فإن الإشكال الذي يثور في هذا المجال، يتمثل في التعارض بين متطلبات الإدارة الحديثة والمحافظة على النظام العام من جهة، وبين الاحترام الواجب والضروري للحريات والنشاط الفردي من جهة أخرى مما يستدعي رقابة قضائية.

ثانيا:  خضوع إجراءات الضبط الإداري لرقابة القضاء

تشمل رقابة القضاء الإداري على سلطات الضبط الإداري، عدة جوانب، تتمثل في الرقابة على الهدف، والرقابة على السبب، والرقابة على الوسائل، وكذا الرقابة على الملاءمة.

  • الرقابة على الهدف:

يجب أن تتقيد الإدارة بالهدف الذي من أجله قرر المشرع منح هيئات الضبط هذه السلطات، فليس للإدارة تخطي هذا الهدف سواء كان عاما أو خاصا، فإذا استخدمت سلطتها في تحقيق أغراض بعيدة عن حماية النظام العام، أو سعت إلى تحقيق مصلحة عامة، لا تدخل ضمن أغراض الضبط التي قصدها المشرع، فإن ذلك يعد انحرافا بالسلطة، ويخضع قرار الإدارة لرقابة القضاء المختص. وهو ما أكد عليه القضاء في ذات القرار المشار إليه ” أن حرية الجمعيات لها قيمة دستورية، وان الضبط الإداري لا ينتقص منها إلا بحسب الضرورة وبالقدر الذي يحفظ النظام العام”.   

  • الرقابة على السبب:

يقصد بسبب الضبط الإداري، الظروف الخارجية التي دفعت الإدارة إلى التدخل واصدار قرارها، ولا يعد تدخل الإدارة مشروعا، إلا إذا كان مبنيا على أسباب صحيحة وجدية من شأنها أن تخل بالنظام العام، بعناصره الثلاثة، الأمن العام والصحة العامة والسكينة العامة. ففي قرار لمحكمة الاستئناف الادارية بمراكش رقم 1362 بتاريخ 15/11/2009  جاء فيه ” ثبوت تهديد الأمن العام يشكل واقعة وسببا جديا تبرر تدخل الإدارة للحيلولة دون حصوله أو لإعادته إذا حصل”.

  • الرقابة على الوسائل:

يجب أن تكون الوسائل التي استخدمتها سلطات وهيئات الضبط الإداري مشروعة. ومن القيود التي استقر القضاء على ضرورة اتباعها في استخدام الإدارة لوسائل الضبط الإداري أنه لا يجوز أن يترتب على استعمال هذه الوسائل تعطيل الحريات العامة بشكل مطلق، لأن ذلك يعد إلغاء لهذه الحريات. فالحفاظ على النظام العام، لا يستلزم غالبا هذا الإلغاء، وإنما يكتفي بتقييدها. ومن تم يجب أن يكون الحظر نسبيا، أي أن يكون قاصرا على زمان أو مكان معينين. وبذلك تكون القرارات الإدارية التي تصدرها سلطة الضبط الإداري بمنع ممارسة نشاط منعا عاما ومطلقا غير مشروعة.

  • الرقابة على الملاءمة:

لقد نص الدستور المغربي لفاتح يوليوز لسنة 2011 في الفقرة الاولى من الفصل 22 منه على أنه “لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص، في أي ظرف، ومن قبل أي جهة، كانت خاصة أو عامة.” وهو ما يشكل مبدا عاما يؤطر عمل سلطة الضبط الإداري.

فلا يكفي أن يكون قرار الضبط الإداري جائزا قانونيا، أو أنه قد صدر بناء على أسباب جدية، إنما تتسع رقابة القضاء، لبحث مدى اختيار الإدارة الوسيلة الملائمة للتدخل، فيجب أن لا تلجأ إلى استخدام وسائل قاسية أو لا تتلاءم  مع خطورة الظروف التي صدر فيها.

ومن الضروري الإشارة إلى أن سلطة القضاء في الرقابة على الملاءمة هي استثناء على القاعدة العامة في الرقابة على أعمال الإدارة، فالأصل هو استقلال الإدارة في تقدير ملاءمة قراراتها، فقد اعتبرت استئنافية مراكش في نفس القرار المشار إليه انه ” ليس هناك أية قاعدة قانونية تحول دون تدخل الإدارة في هذا الصدد ولو تعلق الأمر بمجال الحريات العامة والجمعيات” لكن بالنظر لخطورة قرارات الضبط الإداري على الحقوق والحريات، فإن القضاء يبسط رقابته على الملائمة.

وهكذا لا يجوز مثلا لرجال الأمن ان يستخدموا اطلاق النار لتوقيف تظاهرة في الوقت الذي كان بالإمكان استخدام الغاز المسيل للدموع أو خراطيم المياه كافيا لتحقيق ذات الغرض.  

المطلب الثاني:  سلطات الضبط الإداري في الظروف الاستثنائية.

الأصل أن الإدارة تمارس مهامها في الحفظ على النظام العام، وفق مبدأ المشروعية، لكن قد تواجه الإدارة ظروفا غير عادية، تتطلب منها اتخاذ إجراءات سريعة وفعالة لدرء الأخطار المهددة للنظام العام، مما يستلزم توسيع سلطاتها، لمواجهة هذه الظروف الاستثنائية.

غير أن سلطة الإدارة في مثل هذه الأحوال، غير مطلقة، بل تخضع لرقابة قضائية، تقاس بميزان آخر غير الذي يقاس به الخطأ في الظروف العادية.

    أولا : التنظيم القانوني لسلطة الضبط الإداري في الظروف الاستثنائية.

من المسلم به أن القوانين تصاغ عادة لمواجهة الظروف العادية للجماعة، إلا أن هذه الجماعة قد تتعرض من حين لآخر لظروف غير عادية، توصف بالظروف الاستثنائية، كالحروب والزلازل والفيضانات، وغيرها، فتلقي على الإدارة أعباء جسيمة من أجل مواجهتها، وذلك من أجل الحفاظ على سلامة الدولة وحماية أمنها، فتمنح للإدارة سلطات استثنائية تسمح لها بالخروج على قواعد المشروعية العادية، بحيث تصبح تصرفاتها غير المشروعة في الأحوال العادية، تصرفات مشروعة في الأحوال الاستثنائية.[17]

إن نظام الظروف الاستثنائية، من شأنه المساس المباشر بحقوق وحريات الأفراد التي يكفلها الدستور، فلا بد أن يتدخل المشرع بتحديد ما إذا كان الظرف استثنائيا أو لا، ويتم ذلك باتباع أسلوبين:

الأول، ويتم بأن تصدر قوانين تنظم سلطات الإدارة في الظروف الاستثنائية بعد وقوعها، ويتسم هذا الأسلوب بحماية حقوق الأفراد وحرياتهم، لأنه يحرم السلطة التنفيذية (الإدارة)، من اللجوء إلى سلطات الظروف الاستثنائية، إلا بعد موافقة السلطة التشريعية، ويعيبه أن هناك من الظروف الاستثنائية، ما يقع بشكل مفاجئ، لا يحتمل استصدار تلك التشريعات بالإجراءات الطويلة المعتادة.

بينما يتمخض الأسلوب الثاني، عن وجود قوانين منظمة سلفا لمعالجة الظروف الاستثنائية قبل قيامها، والعمل بمقتضى هذه القوانين.

ولا يخفى ما لهذا الأسلوب من عيوب، تتمثل في احتمال اساءة الإدارة استعمال سلطتها في إعلان حالة الظروف الاستثنائية في غير أوقاتها، للاستفادة مما يمنحه لها المشرع من صلاحيات في تقييد حريات الأفراد وحقوقهم.

   ثانيا : الرقابة القضائية على سلطات الضبط الإداري في الظروف الاستثنائية.    

نظرا لخطورة السلطات الاستثنائية التي تتمتع بها الادارة في الظروف الاستثنائية، فإن الإدارة قد تتوارى وراء هذه الظروف الاستثنائية، للإساءة إلى حريات الأفراد وحقوقهم بما يتجاوز القدر اللازم. ومن أجل تفادي ذلك عمل القضاء الفرنسي، وعلى رأسه مجلس الدولة على موازنة السلطات الاستثنائية للإدارة، بضمانات مقابلة للأفراد، عن طريق تطبيق المبدأ المشهور “الضرورة تقدر بقدرها” فلا السلطات الاستثنائية إلا للضرورة اللازمة فقط.

فالقاضي الإداري، يراقب في هذه الظروف الاستثنائية، قرارات الإدارة، من حيث أسبابها، ومدتها، والغاية التي ترمي إليها من اتخاذها، ولا يتجاوز في رقابته إلى العيوب الأخرى -الاختصاص، الشكل، المحل –  وهو ما استقر عليه القضاء في العديد من الدول.

فالرقابة القضائية بهذا المعنى، تضع حدودا لسلطات الضبط الإداري في ظل الظروف الاستثنائية، حتى لا تتعسف الإدارة في استعمال سلطاتها تلك، أو تنتهك حقوق وحريات الأفراد.

وقد انتهى القضاء الإداري الى وضع مجموعة من الشروط لتطبيق نظرية الظروف الاستثنائية:

  • وجود ظرف استثنائي وغير عادي يبرر استعمال السلطات الاستثنائية من طرف الإدارة، كحدوث فيضانات أو انتشار أوبئة أو غزو خارجي أو حرب أهلية أو اضطرابات داخلية…
  • استحالة مواجهة الظروف الاستثنائية، باستعمال السلطات المقررة لتنظيم الظروف العادية.
  • استخدام السلطات الاستثنائية بهدف تحقيق الصالح العام.
  • ممارسة السلطات الاستثنائية بقدر ما تتطلب الضرورة، وفي حدود الزمن الذي تبقى فيه الظروف الاستثنائية قائمة.

ويراقب القضاء هذه الشروط، فإذا انتفت إحداها أصبح العمل الإداري غير مشروع يستوجب إلغاءه وإبطاله من طرف القضاء.[18]

خاتمة :

بصفة عامة، يبقى هاجس الإدارة في الحفاظ على النظام العام، طاغيا على تصرفاتها وأعمالها، في مقابل العمل على حماية الحقوق والحريات، لا سيما وأن النظام العام، يشكل مفهوما فضفاضا وديناميكيا يصعب تحديد ملامحه ومكوناته، ووضع حدود له في الواقع العملي، وهنا تدق المسألة، وتبرز للسطع ضرورة حكامة معالجة هذه الاشكالية.

لقد أخذت إشكالية التوفيق بين مهمة الحفاظ على النظام العام، ومهمة السهر والسماح بممارسة الحرية، بعدا أساسيا في إطار المفهوم الجديد للسلطة، المرتكز على مبادئ الحكامة الجيدة، فهذا الأخير يقتضي في نفس الوقت، تجسيد دولة الحق والقانون، التي تقوم على مبدأ سمو وسيادة القانون، من خلال احترام النصوص التشريعية والتنظيمية، والجزر القانوني من كل مساس بالنظام العام، تحت رقابة القضاء الضامن للحريات العامة، والحامي للمشروعية. بينما تروم الحكامة الجيدة، تحقيق التعايش بين الاثنين فلا تهدد الحرية النظام العام، ولا تخنق الحرية باسم تهديد النظام العام، لأن مهمة القانون- من خلال ضبط السلوك الاجتماعي بدل الرقابة على الضمائر- هي أن يسود النظام لا أن تسود الفضيلة.

والى جانب الضمانات القضائية لحماية الحقوق الحريات، تبرز الضمانات غير القضائية وهي تختلف من دولة لأخرى حسب مدى تقدم الديموقراطية فيها، والتي تجد تبريرها في ضعف التقنيات القضائية لتحقيق حماية الحريات، قد تكون منظمة، حيث غالبا ما نثير المؤسسة السويدية الأصل “l’obusdman ” منذ 1809، والتي تم اقتباسها في مجموعة من الدول، والحق في تكوين المنظمات غير الحكومية ورفع العرائض لحماية الحقوق والحريات. وقد تكون غير منظمة، ذهب البعض إلى تصنيفها إلى مقاومة القوانين غير العادلة ومقاومة التعسف والطغيان والثورات.[19]

وإذا كان هناك من يرى أنه لا يمكن التوفيق بين القانون والنظام العام، مثل “ميشيل فوكو” الذي يقول ” إذا أرتم النظام العام يجب التخلي عن القانون، وإذا أردتم القانون يجب التخلي عن النظام العام” فإن مكتسبات الدستور الجديد لسنة 2011 خاصة في مجال احترام الحقوق والحريات والآليات الحمائية المحدثة، والضمانات التي كفلها الدستور لممارستها من خلال فصل السلط، والضمانات القضائية وغير القضائية- من المجتمع المدني كالجمعيات الحقوقية اضافة لدور الصحافة والاعلام المهم في تعبئة الرأي العام، وتبيان تداعيات الاحتجاجات و المظاهرات و التجمعات في الاماكن العمومية-، تقوم على اشكالية التوفيق الصعب بين الحفاظ على النظام العام وممارسة الحرية، فلا النظام العام يمكن أن يلغي التمتع بممارسة الحرية، ولا الحرية يمكن أن تلغي الحفاظ على النظام العام.

لائحة المصادر والمراجع :

  • الدستور الجديد للمملكة المغربية صادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 29 يوليوز 2011.
  • محمد الأعرج، القضاء الإداري، طبعة 2007.
  • محمد الأزهر، الحريات العامة في القضاء الإداري المغربي 2012 .
  • محمد اليعقوبي ، تأملات حول الديمقراطية المحلية بالمغرب ، الطبعة الثانية 2008.
  • محمد يحيا، المغرب الإداري، الطبعة الثالثة 2001.
  • مليكة الصروخ ، القانون الاداري دراسة مقارنة، الطبعة السادسة 2006
  • رقية المصدق ، محاضرات في مادة الحريات العامة كلية الحقوق بفاس ، السنة الجامعية 1997/1998.
  • ايمان الحياري بحث حول الضبط الاداري على موقع موضوع.كوم http://mawdoo3.com/
  • مجد خضر تعريف النظام العام على موقع موضوع.كوم : http://mawdoo3.com
  • مالك هاني خريسات، حمـايـة النظـام العـام مسـؤولية مشــتركة بــــين المحـافـظ والأمـن العـام https://www.policemc.gov.bh/mcms.

 [1] محمد اليعقوبي ، تأملات حول الديمقراطية المحلية بالمغرب ، الطبعة الثانية 2008 ص 50

[2]  رقية المصدق ، محاضرات في مادة الحريات العامة كلية الحقوق بفاس ، السنة الجامعية 1997/1998

[3] مجد خضر تعريف النظام العام على موقع  موضوع.كوم : http://mawdoo3.com

[4] الدستور الجديد للمملكة المغربية صادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 29 يوليوز 2011

[5]  نفس المرجع السابق.

[6] مالك هاني خريسات، حمـايـة النظـام العـام مسـؤولية مشــتركة بــــين المحـافـظ والأمـن العـامhttps://www.policemc.gov.bh/mcms-

[7] ايمان الحياري بحث حول الضبط الاداري على موقع موضوع.كوم http://mawdoo3.com/

[8] مليكة الصروخ ، القانون الاداري دراسة مقارنة، الطبعة السادسة 2006 ص 450

[9] مالك هاني خريسات، حمـايـة النظـام العـام مسـؤولية مشــتركة بــــين المحـافـظ والأمـن العـامhttps://www.policemc.gov.bh/mcms

[10] محمد يحيا، المغرب الإداري، الطبعة الثالثة 2001، ص 277.

[11] قرار اورده،  محمد الأزهر، الحريات العامة في القضاء الإداري المغربي 2012  ص 59.

[12] نفس المرجع السابق  ص19.

[13]  رقية المصدق ، محاضرات في مادة الحريات العامة كلية الحقوق بفاس ، السنة الجامعية 1997/1998

[14] محمد يحيا مرجع سابق ص: 278

[15] محمد يحيا نفس المرجع ص:281

[16] قرار اورده،  محمد الأزهر، الحريات العامة في القضاء الإداري المغربي 2012  ص 24.

[17]  محمد الأعرج، القضاء الإداري، طبعة 2007 ص: 13-14.

[18]  محمد الأعرج، مرجع سابق ص: 14

[19] رقية المصدق ، محاضرات في مادة الحريات العامة كلية الحقوق بفاس ، السنة الجامعية 1997/1998

اترك تعليقاً