قراءة في مشروع القانون التنظيمي رقم 15-86 المتعلق بتحديد شروط و إجراءات الدفع بعدم دستورية قانون ساري المفعول

2018 01 22
2018 01 22

قراءة في

مشروع القانون التنظيمي رقم 15-86

المتعلق بتحديد شروط و إجراءات الدفع بعدم دستورية قانون ساري المفعول

أشرف باتي

طالب بماستر التوثيق والمنازعات المدنية – سلا

مضى أزيد من ست سنوات على تنصيص الدستور لأول مرة في تاريخ المغرب على إتاحة إمكانية الدفع بعدم دستورية قانون أمام المواطنين، عندما نص الفصل 133 منه على أنه: “تختص المحكمة الدستورية بالنظر في كل دفع متعلق بعدم دستورية قانون، أثير أثناء النظر في قضية وذلك إذا دفع أحد الأطراف بأن القانون الذي سيطبق في النزاع يمس بالحقوق و الحريات التي يضمنها الدستور.

يحدد قانون تنظيمي شروط و إجراءات تطبيق هذا الفصل.”

ومذ ذاك الحين لم يرى هذا القانون التنظيمي الذي سيحدد شروط و إجراءات الدفع بعدم دستورية قانون النور، إلا في تاريخ 17 يناير 2018 حينما صادق مجلس المستشارين عليه بأغلبية أعضائه، وهي خطوة غير مسبوقة لضمان مبدأ المشروعية الدستورية على اعتبار أن هذا الأخير هو أسمى قانون في الدولة.

لكن السؤال المطروح بعد أن خرج هذا القانون التنظيمي للوجود هو إلى أي حد استطاع المشرع المغربي التوفيق بين غاية الدفع والمتمثلة في صيانة الحقوق والحريات التي يضمنها الدستور للجميع وبين ضرورة الحفاظ على نظام قضائي فعال من خلال قوانين ثابتة إلى حد ما؟

إن الجواب على هذا التساؤل ينطلق من فرضية أساسية مفادها أن الحكم على توفيق المشرع في إصدار قانون معين، تكشفه الممارسة العملية لذلك سنكون متسرعين إذا ما أصدرنا حكماً عليه، بل ستقتصر هذه الدراسة على بسط مقتضياته و إحاطتها بجوانبها القانونية والقضائية.

لذلك سنتبع في هذه الدراسة نفس المنهجية التي اتبعها واضع القانون التنظيمي رقم 15-86 من خلال ما يلي:

المحور الأول : شروط و إجراءات إثارة الدفع بعدم دستورية قانون أمام محاكم الموضوع.

المحور الثاني : اختصاص محكمة النقض بالنظر في الدفع بعدم دستورية قانون.

المحور الثالث : اختصاص المحكمة الدستورية بالنظر في الدفع بعدم دستورية قانون.   

المحور الأول

شروط و إجراءات إثارة الدفع بعدم دستورية قانون أمام محاكم الموضوع

من نافلة القول أن هذا القانون جاء تطبيقاً لأحكام الفصل 133 من الدستور، يحدد بذلك شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون ساري المفعول، يراد تطبيقه بشأن دعوى معروضة على المحكمة، يدفع أحد أطرافها أنه يمس بحق من الحقوق أو بحرية من الحريات التي يضمنها الدستور، وإثارة هذا الدفع كغيره من الدفوعات يخضع في تطبيقه  أمام المحاكم المثار أمامها لقواعد قانون المسطرة المدنية وقانون المسطرة الجنائية كما جاء في المادة الرابعة من نفس القانون.

وقد كانت قراءة الفصل 133 من الدستور المغربي تطرح تساؤل بصدد الحديث عن إثارة الدفع بعدم دستورية قانون حين تنصيصها على عبارة “أحد الأطراف” وهي عبارة تَجُبُّ بين طياتها النيابة العامة باعتبارها طرف رئيسي في بعض الدعاوى التي حددها القانون في الفصل التاسع من قانون المسطرة المدنية، وبالتالي مدى إمكانية إثارة الدفع بعدم دستورية قانون من قبل النيابة العامة؟، لكن وبما أن الدستور في نفس الفصل أحال في فقرته الأخيرة على القانون التنظيمي فإن هذا الأخير لم يغفل الجواب عن هذا التساؤل حينما أعطى دلالة مجموعة من العبارات، كانت ستشكل فراغ تشريعي حالة انعدامها وذلك في المادة الثانية منه عندما تم تحديد المقصود بعبارة أطراف الدعوى في كل مدع أو مدعى عليه في قضية معروضة على المحكمة وكل متهم أو مطالب بالحق المدني أو مسؤول مدني في الدعوى العمومية، وبالتالي تم استثناء النيابة العامة.

كما يجب تحت طائلة عدم القبول من قبل المحكمة المعروض عليها النزاع، إثارة الدفع بعدم الدستورية بواسطة مذكرة كتابية تتوفر فيها مجموعة من الشروط، وهو ما يوحي أن مباشرة هذا الدفع يتطلب تنصيب محامي مسجل في جدول هيئة من هيئات المحامين بالمغرب بالرغم من إعطاء هذه الإمكانية للطرف المعني لكن الواقع العملي أظهر أن الدعاوى التي تكون فيها المسطرة كتابية دائماً ما يتم اللجوء فيها إلى محام وهو ما قد يثقل كاهل المتقاضين، هذا إلى جانب إجبارية أداء الرسم القضائي كشرط أساسي لقبول الدفع من قبل المحكمة وهو شرط بالرغم من كونه سيقلل من الدفوعات الكيدية التي يكون الهدف عند أصحابها هو إطالة أمد النزاع أطول مدة ممكنة وبالتالي ممارسة هذا الحق بسوء نية، إلا أنه في المقابل يشكل حيف على باقي المتقاضيين، الذين اشترط عليهم المشرع للاستفادة من هذا الحق أداء الرسوم القضائية لرفع الدعوى الأصلية أولاً ثم لإثارة الدفع ثانياً إلى جانب الإلزامية غير المباشرة لتنصيب محامي.

كما أن إثارة الدفع بعدم دستورية قانون، بواسطة مذكرة كتابية تسهل على المحكمة معرفة المقتضى التشريعي محل الدفع بعدم الدستورية، الذي يعتبر صاحب الدفع أنه يمس بحق من الحقوق أو بحرية من الحريات التي يضمنها الدستور، إذ أوجب عليه المشرع تضمين أوجه الخرق و الانتهاك أو الحرمان من الحق أو الحرية، شريطة أن يكون القانون موضوع الدفع هو الذي تم تطبيقه أو يراد تطبيقه من لدن المحكمة في الدعوى أو المسطرة، أو يشكل أساساً للمتابعة.

مع إلزام القاضي الذي أثيرت أمامه مسألة عدم دستورية مقتضى قانوني بالتوقف عن البت في الدعوى الأصلية في انتظار صدور قرار من القاضي الدستوري المختص في حسم النزاع، أو بقرار محكمة النقض برد الدفع، إذ يسري على هذا الدفع ما يسري على التزوير الفرعي، فتوقف المحكمة البت في الدعوى كما تتوقف الآجال المرتبطة بها، إبتداءاً من تاريخ تقديم الدفع، وكاستثناء من هذه القاعدة لا توقف المحكمة البت في الدعوى ذات الطابع الإستعجالي أو أي إجراء من إجراءات التحقيق في المجالين المدني والجنائي.

المحور الثاني 

اختصاص محكمة النقض بالنظر في الدفع بعدم دستورية قانون

يمكن إثارة الدفع بعدم دستورية قانون كما سبق التوضيح ولو لأول مرة أمام محكمة النقض بمناسبة قضية معروضة أمامها، غير أنه لا يحق لها إثارته من تلقاء نفسها، كما أنه في الحالة التي يثار فيها الدفع أمام محاكم الموضوع يتم إحالته حسب الحالة، إلى الرئيس الأول لمحكمة النقض هذا الأخير يشعر الوكيل العام للملك لدى نفس المحكمة بالإحالة، فتبت محكمة النقض بهيئة معينة لهذا الغرض من قبل الرئيس الأول لمحكمة النقض داخل أجل ثلاثة أشهر ويحال مقرر محكمة النقض إلى المحكمة الدستورية مرفقاً بمذكرة ومستنتجات الأطراف، كما يبلغ إلى المحكمة التي أثير أمامها الدفع بحسب المادة الحادي عشر من القانون رقم 15-86.

إن إثارة أو إحالة الدفع أمام محكمة النقض-حسب الحالة-يوقفها عن البت في القضية المعروضة إلى غاية صدور قرارها القاضي برد الدفع أو إلى غاية صدور قرار المحكمة الدستورية القاضي برفض الدفع، عدا في حالات حصرها المشرع لطابعها الإستعجالي أو للخطر الذي قد يحدق بأطراف الدعوى إذا ما تم إيقاف البت فيها، وعدم بت محكمة النقض في الدفع المثار داخل الأجل أعلاه (ثلاثة أشهر)، يؤدي إلى إحالته تلقائياً إلى المحكمة الدستورية.

 

المحور الثالث 

اختصاص المحكمة الدستورية بالنظر في الدفع بعدم دستورية قانون

     إن اختصاص المحكمة الدستورية في النظر بعدم دستورية قانون هو اختصاص أصلي على اعتبار أن إنشائها كان لهذا الغرض بالأساس، ثم أن المستجد الذي جاء به هذا القانون الذي نحن بصدد دراسته، هو تخويله لإمكانية النظر بعدم دستورية قانون حتى بالنسبة لقضاة الموضوع لضمان مبدأ المشروعية الدستورية، لكن يجب في جميع الأحوال إحالة الدفع بعدم دستورية قانون إلى المحكمة الدستورية، لتقوم هي الأخرى بإحالته طبقاً لمقتضيات المادة 16 من هذا القانون لرئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب ومجلس المستشارين و إلى الأطراف قصد إدلائهم بمذكرات كتابية تتضمن ملاحظاتهم بخصوص موضوع الدفع داخل أجل تحدده المحكمة نفسها.

فتبت المحكمة الدستورية في الدفع داخل أجل 60 يوم ابتداء من تاريخ إحالة الدفع إليها وهو أجل طويل إذا ما غضينا البصر عن عدد أعضاء المحكمة الدستورية، التي قد تشهد اختناق بعد صدور هذا القانون بسبب محدودية أعضائها.

إن تفسير المحكمة الدستورية بشأن القانون موضوع الدفع يكون ملزماً لمختلف محاكم المملكة وكذا لجميع السلطات العامة وجميع الجهات الإدارية ويتم نشره بالجريدة الرسمية.

  • v مدى تعلق الدفع بالنظام العام.

إن الدفع بعدم دستورية قانون هو حق لأطراف الدعوى وقد أوضحنا المقصود بعبارة أطراف الدعوى بموجب هذا القانون، يمكن إثارته أمام مختلف محاكم المملكة، ويمكن التمسك بهذا الدفع ولو لأول مرة أمام محكمة الاستئناف أو محكمة النقض، كما يجب إثارته في جميع الأحوال قبل اعتبار القضية المعروضة على المحكمة جاهزة للحكم، وهو ما قد يوحي أن هذا الدفع متصل بالنظام العام، لكن المشرع صرح أنه لا يمكن للمحكمة إثارته من تلقاء نفسها.

والدعوى المتعلقة بالدفع بعدم دستورية قانون هي دعوى تابعة دائماً، إذ تكون مرتبطة بدعوى أصلية سبق رفعها، لكنها تصبح دعوى أصلية إذا ما تم إحالتها على المحكمة الدستورية.

إن المشرع المغربي بإخراجه لهذا القانون التنظيمي سعى لتكريس الحقوق و الحريات التي نص عليها الدستور، فمكن الأطراف من إمكانية الطعن في أي قانون يقيد من هذه الحقوق أو يحرمهم منها، لكن يجب في جميع الأحوال مراعاة أحكام الدستور نفسه في الفصل 120 منه إذ نص على أنه لكل شخص الحق في محاكمة عادلة، وفي حكم يصدر داخل أجل معقول…” فيجب بذلك التصدي لكل فعل يمارس بسوء نية، يكون الهدف منه إطالة أمد النزاع أمام المحاكم، وهو ما قد يواجه هذا القانون، ثم أن المشرع باشتراطه لضرورة أداء الرسم القضائي عند إثارة هذا الدفع من شأنه أن يقلص من هكذا أفعال، لكنه قطعاً غير كافي للحد منها.

اترك تعليقاً