نظرة عامة عن فكرة الدفوع

2018 02 24
2018 02 24

نظرة عامة عن فكرة الدفوع

كتبها الدكتور عبد الحكيم الحكماوي

أستاذ زائر بكلية الحقوق سلا

باحث قانوني

الأصل في الإجراءات القانونية أن تتم وفق الشكليات والضوابط القانونية التي اقرها المشرع؛ وذلك في كل الميادين القانونية. وإذا كانت بعض الإجراءات القانونية  يجب التمسك بوقوعها وفق القانون؛ فإن الإجراءات الجنائية يجب أن تتميز بنوع من الدقة والموافقة للقانون نظرا لاتصالها بحقوق وحريات الأفراد. وعلى ذلك  فإن الإجراءات القانونية المتخذة  من قبل مجموعة من الأجهزة المتدخلة في سير المسطرة الجنائية يجب أن تأتي وفق ما أقره المشرع من قواعد سواء في المسطرة الجنائية أو في المقتضيات المسطرية الواردة في القوانين الخاصة.

اقرأ أيضا...

ولعل من الحقوق التي مكن المشرع الأفراد منها أن خولهم حق الطعن في الشكليات والإجراءات التي يرون أنها جاءت مخالفة للقانون وذلك من أجل ترتيب الجزاء القانوني على كل إخلال .

والإجراءات الجنائية في مدلولها العام يمكن أن تكون موضوع جزاء متى لم تأت وفق القانون؛ وبناء عليه فإن المشرع المغربي شأنه شأن باقي المشرعين عمد إلى وضع المقتضيات القانونية الواجب احترامها وحمى تلك المقتضيات بمجموعة من الجزاءات التي أوردها في قانون المسطرة الجنائية. لكن الدارس لنظام الجزاءات في القانون السالف الذكر سيجده يتميز بصفة الازدواجية . فمن جهة نجد أن المشرع حمى بعض القواعد الإجرائية بجزاء خاص بها، ومن جهة أخرى أورد قاعدة عامة تسري على مجموع الإجراءات المسطرية وهي القاعدة الواردة بالمادة 751 من قانون المسطرة الجنائية التي تنص على أن: ” كل إجراء يأمر به هذا القانون ولم يثبت إنجازه على الوجه القانوني يعد كأنه لم ينجز،…”.

وعلى ذلك يمكن لنا التمييز بين نوعين من الجزاء المقرر للإخلالات الشكلية أو الإجرائية: جزاء خاص وجزاء عام .

 الجزاء الخاص في قانون المسطرة الجنائية

يقصد بالجزاء الخاص في قانون المسطرة الجنائية الأثر القانوني الذي يرتبه المشرع إما على خرق قانوني لقاعدة مسطريه محددة أو على كيفية ممارسة الحق في الطعون الموجة لذلك الخرق المسطري .

فمن حيث الجزاء المترتب عن كيفية ممارسة الأفراد لحقهم في الدفوع والطعون، نجد أن المشرع غالبا ما يستعمل عبارة “السقوط” وهي العبارة الدالة على أن الأطراف لم يباشروا حقهم في الدفوع أو الطعون في الوقت القانوني المناسب ووفق الشكليات المتطلبة قانونا. ذلك أن المشرع ميز ما بين مجموعة من الدفوع التي يمكن للأطراف التقدم بها وذلك على أساس الفترة الزمنية التي يتعين التقدم فيها بالدفوع المذكورة وهو التمييز القائم على أساس عنصر الزمن.

وعليه يمكن التميز بين ثلاثة أنواع من الدفوع :

 النوع الأول : الدفوع الأولية

يقصد بالدفوع الأولية تلك الدفوع المتعلقة بنوع خاص من الإجراءات والشكليات التي أوجب المشرع أن تثار قبل كل دفع أو دفاع وقبل البدء في مناقشة  القضية؛ وهي الدفوع التي تلزم المحكمة بالبت فيها قبل الاسترسال في نظر القضية، ومثالها الدفوع المتعلقة بهوية المتهم (المادة 592 من ق م ج) الدفوع المتعلقة بالاستدعاءات (المواد 308 -309-  420 من ق م ج) والدفوع المتعلقة بعلنية الجلسة (المادة 300) وغيرها من الدفوع الأولية.

فهذا النوع من الدفوع يتعين على المتمسك به أن يثيره قبل البدء في مناقشة الإجراءات الشكلية أو المسائل الموضوعية و إلا  سقط  حقه في ذلك . ويعود للمحكمة أمر التثبت من توفر شروط  سقوط  حق التقدم بها من عدمه .

وسقوط الحق في الدفع يختلف عن سقوط الدعوى العمومية ؛ إذ أن هذه الأخيرة تسقط في مجموعة من الأحوال التي حددها المشرع كقاعدة عامة في المادة 4 من ق م ج  وينتج عنها تخلص المتهم من العقوبة برمتها. بينما سقوط الحق في الدفع ينتج عن عدم أحقية الأطراف في التقدم أمام المحكمة من أجل الطعن في المسائل الأولية. وتختلف الدفوع الأولية عن تلك الشكلية .

النوع الثاني : الدفوع الشكلية

يقصد بالدفوع الشكلية تلك الدفوع المتعلقة بخرق الإجراءات المسطرية سواء ما تعلق منها بإجراءات البحث التمهيدي أو التحقيق الإعدادي أو بعض شكليات المحاكمة. وبعبارة أخرى فإن الدفوع الشكلية هي تلك الدفوع التي لا علاقة لها بجوهر الدعوى، ولكن يمكن للمحكمة الاسترسال في مناقشة القضية مع تأجيل النظر فيها إلى حين البت في الموضوع كذلك؛ وهو ما لا يتصور في الدفوع الأولية.

ومن أمثلة الدفوع الشكلية تلك المتعلقة بشكليات المحضر وفق المنظم بقانون المسطرة الجنائية ( المادة 24 من ق م ج ) أو بما تعلق بتوفر حالة التلبس من عدمه  ( المادة 56 من ق م ج ) أو ما ارتبط بالوضع تحت الحراسة النظرية أو التفتيش ( المادة 63 من ق م ج )  أو ما تعلق بتوفر أو عدم توفر بعض الشكليات التي يتطلبها المشرع من أجل إقرار المتابعة في بعض الأنواع من الجرائم كما هو الأمر بالنسبة لجريمة الخيانة الزوجية (الفصل 491 من ق ج ) التي يتطلب  فيها المشرع  توفر  شكاية من الطرف المتضرر أو جرائم إهمال الأسرة ( الفصل 481 من ق ج ) التي يفرض فيها المشرع اتباع إجراءات ومساطر قبل إثارة المتابعة.

والدفوع الشكلية تعتبر من الوسائل التي يعتمدها المتهم  قصد التملص من المتابعة قبل النفاذ لجوهر القضية. ويجب أن  تثار جملة واحدة  وإلا  لم يعد للأطراف الحق في إثارتها. إلا أن الاختلاف الجوهري بينها وبين الدفوع الأولية يكمن في أن المحكمة ملزمة بالبت في هذه الأخيرة بمجرد إثارتها ولا يمكن مباشرة النظر في القضية أو الاستمرار في البت دون الفصل في تلك الدفوع، أما  إذا تعلق الأمر بدفوع شكلية فإن للمحكمة الخيار في أن تبت فيها  بحكم مستقل أو تضمها للجوهر ما لم ينص المشرع على خلاف ذلك، هذا فضلا عن الاختلاف المتمثل في موضوع كل واحدة من تلك الدفوع .

النوع الثالث : دفوع من نوع خاص

بالإضافة إلى الدفوع الأولية و الدفوع الشكلية هناك نوع آخر من الدفوع  وهي دفوع من نوع خاص يمكن أن تثار في أية مرحلة من مراحل الدعوى ولو أمام محكمة النقض وذلك لارتباطها بالنظام العام ومثال  ذلك الدفع المتعلق بالاختصاص النوعي والدفع المتعلق بالتقادم، بل إن هذه الدفوع يمكن أن تثيرها المحكمة من تلقاء نفسها مادامت مرتبطة بالنظام العام.

وتختلف الدفوع المقدمة من طرف الأفراد عن أوجه الدفاع، إذ أن هذه الأخيرة ترتبط أساسا بموضوع المتابعة ويسعى من خلالها المعني بالأمر أو مؤازره إلى العمل على إقناع المحكمة بأن الوقائع التي بنيت عليها المتابعة لا تتسم بطابع المخالفة للقانون الجنائي أو أن وسائل إثباتها غير متوفرة، أو أن تكييفها خاطئ وما إلى ذلك من أوجه الدفاع التي ينتج عنها تحقق براءة المتهم من المتابعة الجارية في حقه. وعلى كل ذلك فإن المعني بالأمر يمكن أن يثير أي وجه من أوجه دفاعه ما دامت القضية تناقش أمام المحكمة ولم تعلن هذه الأخيرة عن انتهاء المناقشات.

و تأسيسا على كل ما ذكر فإن الملاحظ أن المشرع أفرد لكل دفع من الدفوع المذكورة جزاء خاصا إما  من حيث الحق في إثارته أو من حيث  ثبوت موضوع الدفع من عدمه. وهكذا فإن الجزاءات التي يقررها القانون تتراوح  بين سقوط الحق في الدفع  أو قبوله  مع ترتيب الجزاء المقرر للخرق الذي انصب عليه الدفع وذلك إما بالتصريح ببطلان الإجراء  أو بإبطاله؛ هذا من جهة ومن جهة أخرى إما أن ينتج عن ثبوت صحة الدفع بطلان الإجراء لذاته أو بطلان الإجراء وما يترتب عليه من إجراءات.

و إذا كانت تلك بعض الأحكام المتعلقة بالجزاء الخاص، فماذا عن الجزاء العام؟

الجزاء العام في قانون المسطرة الجنائية

يقصد بالجزاء العام، الأثر القانوني الذي يقرره القانون من أجل ضمان حماية حقوق الأطراف وسلامة الإجراءات؛ ذلك أن المشرع أورد قاعدة قانونية لها من الأهمية ما يجعلها جديرة بالاعتبار.

فقد أورد المشرع المغربي مفهوم الجزاء العام الذي يغطي مختلف الإجراءات في المادة 751 من قانون المسطرة الجنائية التي تنص على أن: ” كل إجراء يأمر به هذا القانون ولم يثبت إنجازه على الوجه القانوني يعد كأنه لم ينجز … “؛ إذ يستشف من القراءة الأولية للمقتضى المذكور أن المشرع لم يرتب الجزاء إلا على الإجراء وليس على موضوع الإجراء.

فالتفرقة بين الإجراء و موضوعه لها أهمية عظمى تتجسد في ضرورة الفصل بين  ما يمكن أن يتم القيام به من قبل الجهات والسلطات المكلفة بتطبيق قانون المسطرة الجنائية وما يمكن أن يكون موضوعا لتلك الإجراءات، فالجزاء ينصرف إلى الإجراء وليس إلى موضوعه. ولتبيان أهمية ذلك نضرب مثلا لجريمة وقعت متعلقة مثلا بالنصب إلا أن المحاضر التي أنجزت بخصوصها وخاصة محضر الاستماع لم يحترم الشكليات التي أوجبها المشرع لقيامها على الوجه القانوني، ففي مثل هذه الحالة هل يمكن القول أن الشكل الذي جاءت به الوثيقة المحررة من قبل ضابط الشرطة القضائية حاكم في الموضوع خاصة وأن المتهم قد يكون معترفا بالجريمة التي نسبت إليه ؟

إن مبادئ العدالة تقتضي إدانة لمتهم من أجل جريمة النصب في مثل هذه الحالة من غير التفات لبعض الشكليات التي قد تخرق بمناسبة التثبت من الجريمة موضوع المتابعة .

و أساس ذلك أن المشرع أورد مجموعة من المقتضيات القانونية التي تجرم وتعاقب مجموعة من الأمور التي قد ترتكب أثناء إجراءات البحث والتحقيق في الجرائم، وبالتالي فهو يتيح للأفراد إمكانية الدفاع عن مراكزهم القانونية التي قد تتعرض للضرر. ومثال ذلك أنه في حالة التجاوز غير القانوني لمدة الحراسة النظرية مثلا فإن ذلك لا يمكن أن يعيب موضوع الإجراء الذي قد يتخذ في مثل تلك الحالة لعلة أن واقعة التجاوز في مدة الحراسة النظرية تشكل لذاتها جريمة احتجاز غير شرعي لكونه تم في غير الحالات التي يجيز فيها القانون ذلك طبقا لمقتضيات الفصل 436 من القانون الجنائي كما أن إثارة الدفع المتعلق بانتزاع الاعترافات تحت العنف والإكراه لا يشكل سببا لغض الطرف عن الموضوع، ولكونه يمكن أن يشكل لذاته جريمة مستقلة وقائمة الذات وهي الجريمة المنصوص عليها في الفصل 1-231  وما يليه من القانون الجنائي.

و عليه فإن الجزاء العام الذي أورد المشرع المغربي في المادة 751 من قانون المسطرة الجنائية إنما هو جزاء ينصرف إلى الإجراء ذاته وليس موضوع الإجراء ما لم تقضي إرادة المشرع بخلاف ذلك كما هو الحال مثلا فيما ورد بالمادة 63 من قانون المسطرة الجنائية فعندها نتحدث عن الجزاء الخاص و ليس العام .

تلك إذن فكرة مختصرة عن مفهومي الجزاء الخاص و الجزاء العام و مدى ارتباطهما بإجراءات المسطرة الجنائية .

اترك تعليقاً