الإحالة الدستورية لقوانين المالية السنوية

2018 02 25
2018 02 25

الإحالة الدستورية لقوانين المالية السنوية

أيوب آيت حمو 

طالب بماستر العلوم الإدارية والمالية

 

المقدمة

يشكل الدستور أسمى وثيقة وأعلى قانون في الدولة ينظم سير السلطات العامة ويضمن الحقوق والحريات العامة للأفراد، وعلى هذا الأساس يجب على كل القوانين التي يَصَادق عليها من طرف المؤسسة التشريعية أن تكون مطابقة للدستور وغير متعارضة معه إعمالا بمبدأ تراتبية القواعد القانونية كما أكدت على ذلك الفقرة الثالثة من الفصل السادس من الدستور .

ولقد حرص القضاء الدستوري المغربي في العديد من قراراته على الانتصار لسمو الدستور عن غيره من القوانين، نذكر منها قرار المجلس الدستوري الصادر بتاريخ 16 نونبر 2011 الذي جاء فيه :

“…إن الدستور …له السمو على كل ماعداه، ويتعين على جميع المواطنات والمواطنين احترامه “.[1]

وباعتبار قانون المالية السنوي الوثيقة الي يتم من خلالها الإقرار للسلطة التنفيذية الاعتمادات الازمة لتنفيذ السياسة الحكومية، وما يتميز به هذا القانون من خصوصية جعلته في العديد من المحطات موضوع نقاش زاخم داخل ثنايا المؤسسة التشريعية نتيجة إشكالات دستورية ارتبطت في مجملها بالمساس بصدقية الموارد والتكاليف التي تقدرها الحكومة في قانون المالية، أو بإدراج مقتضيات تخرج عن أحكام قانون المالية فيما عرف فقهيا  “بالفرسان الموازناتية “، كل هذه الأمور دفعت إلى توجه المعارضة البرلمانية إلى إحالة مشاريع قوانين المالية السنوية على أنظار القضاء الدستوري في العديد من المناسبات المرتبطة بمناقشة هذا القانون والمصادقة عليه من طرف نواب الأمة، الأكثر من ذلك نجد على انه في بعض الدول أصبحت إحالة مشاريع قوانين المالية السنوية على أنظار القضاء الدستوري عرفا تواترت على ممارسته المعارضة البرلمانية .

وتجدر الإشارة على أن إحالة مشاريع قوانين المالية على أنظار القضاء الدستوري ليس عملا عشوائيا وإنما يتم عبر طرق وآجال محددة وهذا ما سنتطرق إليه من خلال طرح الإشكالية الرئيسية التالية :

ما هي طرق الإحالة الدستورية لمشاريع قوانين المالية السنوية ؟

وتنبثق عن هذه الإشكالية الرئيسية الأسئلة الفرعية التالية :

  • ما هي الجهة المختصة بالنظر في الإحالة الدستورية لمشاريع قوانين المالية السنوية ؟
  • ما هي طرق هذه الإحالة ؟ –  وما أهم مشاريع قوانين المالية السنوية التي تمت إحالتها على أنظار القضاء الدستوري، والطرق التي تم بها إحالتها ؟

وللإجابة عن هذه الأسئلة سأعتمد على التصميم التالي :

  • المطلب الأول : إحالة قوانين المالية السنوية على أنظار القضاء الدستوري كآلية لممارسة الرقابة الدستورية .
  • الفرع الأول : الجهة المختصة بالنظر في الإحالة الدستورية بشأن مدى مطابقة قوانين المالية السنوية للدستور .
  • الفرع الثاني : طرق إحالة قوانين المالية السنوية للمحكمة الدستورية .
  • المطلب الثاني : نماذج عن طرق إحالة قوانين المالية السنوية إلى المحكمة الدستورية .
  • الفرع الأول : إحالة قانون المالية لسنة 2013 .
  • الفرع الثاني : إحالة قانون المالية لسنة 2018 .

 

المطلب الأول 

إحالة قوانين المالية السنوية على أنظار القضاء الدستوري كآلية لممارسة الرقابة الدستورية

نظرا لخصوصية قانون المالية السنوي وارتباطه بالسياسة المالية والاقتصادية والاجتماعية  للدولة تثار حوله العديد من الطعون التي تطال المشروع المالي أثناء مناقشته في البرلمان إما في كليته أو في بعض مواده، لذلك سنتطرق في هذا المبحث للجهة التي تنظر في الإحالة الدستورية بشأن مطابقة قانون المالية السنوي للدستور (الفرع الأول )، والطرق التي تتم بها هذه الإحالة ( الفرع الثاني ) .

الفرع الأول 

الجهة المختصة بالنظر في الإحالة الدستورية بشأن مدى مطابقة قوانين المالية السنوية للدستور .

شكل القضاء الدستوري المغربي من خلال اجتهاداته مرتكزا لصيانة الحقوق والحريات العامة التي يقرها الدستور، وباعتبار الأهمية التي يكتسيها قانون المالية السنوي لارتباطه بمجموعة من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية تمت إحالته قبل المصادقة عليه لأكثر من مرة على أنظار القضاء الدستوري بشأن النظر في مدى مطابقته للدستور .

ومع أول دستور للمملكة لسنة 1962 تم التأسيس للقضاء الدستوري اتخذ شكل غرفة دستورية بالمجلس الأعلى استمر العمل بها لحدود سنة 1994 بحيث سيتم تعويضها بالمجلس الدستوري يعمل بشكل مستقل عن المجلس الأعلى مما سيوسع من مجال اختصاصه وسيعزز من دوره الرقابي على دستورية القوانين، ومع دستور 2011 سيتم التأسيس للمحكمة الدستورية بموجب الفصل 129 وسيتم العمل بها بشكل فعلي من خلا إصدار القانون المنظم لها رقم [2]066.13 .

بذلك ستغدو المحكمة الدستورية هيئة قضائية تمارس اختصاصا أصيلا وجوهريا يتمثل في الرقابة على دستورية القوانين، سواء الرقابة الإجبارية التي تطال القوانين التنظيمية و القوانين الداخلية لمجلسي البرلمان وبعض المجالس المنظمة بموجب قوانين تنظيمية أو الرقابة الاختيارية على القوانين العادية .

الفرع الثاني 

طرق إحالة قوانين المالية السنوية للمحكمة الدستورية .

طبقا للفقرة الثالثة من الفصل 132 من الدستور و المادة 23 من القانون المنظم للمحكمة الدستورية تحال القوانين العادية بصفة اختيارية إلى المحكمة الدستورية قبل إصدار الأمر بتنفيذها وتكون هذه الإحالة عبر عدة طرق، إما برسالة من الملك أو من رئيس الحكومة او رئيس مجلس النواب أو رئيس مجلس المستشارين أو برسالة أو عدة رسائل تتضمن في مجموعها إمضاءات عدد من أعضاء مجلس النواب لا يقل عن خمس الأعضاء الذين يتألف منهم أو أربعين عضوا من أعضاء مجلس المستشارين، وتبث المحكمة الدستورية في هذه الإحالة في أجل شهر من تاريخ الإحالة غير أن هذا الأجل يُخفض في حالة الاستعجال إلى ثمانية أيام بطلب من الحكومة[3].

وباستجلاء ما سبق ذكره نجد على أن كلا من الدستور والقانون المنظم للمحكمة الدستورية تطرقا إلى طرق إحالة القوانين العادية إلى المحكمة الدستورية دون الإشارة لطرق إحالة القوانين المالية السنوية، وذلك كون أن القانون المالي السنوي تتم إحالته وفق نفس الطرق المعمول بها في إحالة القوانين العادية .

فبغض النظر عن الخصوصيات التي يتميز بها القانون المالي السنوي سواء من حيث مدة نفاذه التي لا تفوق السنة أو من حيث طريقة التحضير والمناقشة والتصويت عليه التي تخضع لضوابط وآجال محددة في قانون تنظيمي وذلك لما لهذا القانون من ارتباط بسير المرافق العامة، فإن القانون المالي السنوي في عموميته يتخذ شكل قانون عادي حيث يمر من نفس مسطرة التشريع التي يخضع لها القانون العادي والمتمثلة في التحضير ثم المناقشة والمصادقة من طرف البرلمان وصدور الأمر الملكي بتنفيذه ليتم إخراجه إلى حيز الوجود عن طريق نشره في الجريدة الرسمية .

المطلب الثاني 

نماذج عن طرق إحالة قوانين المالية السنوية إلى المحكمة الدستورية .

على الرغم من أن تجربة المغرب لازالت متواضعة فيما يخص إحالة قوانين المالية السنوية إلى القضاء الدستوري، إلى أنه تم في العديد من المناسبات المرتبطة بمناقشة مشروع قانون المالية السنوي داخل المؤسسة التشريعية إحالته على أنظار القضاء الدستوري، و سأتناول في هذا المطلب نموذجين لإحالة قانون المالية السنوي على القضاء الدستوري، إحالة قانون المالية لسنة 2013 (الفرع الأول )، و إحالة قانون المالية لسنة 2018 (الفرع الثاني).

الفرع الأول 

إحالة قانون المالية لسنة 2013 [4].

بعد مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2013 والمصادقة عليه من طرف نواب الأمة وصدور الأمر الملكي بتنفيذه بتاريخ 28 ديسمبر 2012 تمت إحالته على أنظار المجلس الدستوري للطعن في بعض مقتضياته بدعوى أنها مخالفة للدستور، وقد كانت طريقة الإحالة هنا بناءا على رسالة موقعة من طرف 107 نائب من الغرفة الأولى للبرلمان تمت إحالتها إلى المجلس الدستوري بتاريخ 31 ديسمير 2012 .

بالرجوع إلى المادة الأولى من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب[5] نجدها تنص على أن هذا الأخير يتألف من 395 عضو بذلك فخمس مجموع أعضاء مجلس النواب هو 79 عضو وهو النصاب القانوني اللازم لإحالة رسالة الطعن بشأن مقتضيات قانون المالية السنوي إلى القضاء الدستوري وهذا ما استوفته رسالة الإحالة بشأن قانون المالية لسنة 2013 التي حملت توقيع 107 نائب .

بالرغم من أن طريقة الإحالة تمت كما هو محدد في الفقرة الثالثة من الفصل 132 من الدستور إلى أن المجلس الدستوري في قراره رقم 13/912 بشأن النظر في عدم دستورية بعض مقتضيات قانون المالية لسنة 2013 أقر في منطوق قراره بعدم قبول رسالة الإحالة كون أنها وجهت إليه بتاريخ 31 ديسمبر 2012 في حين أن الأمر الملكي بتنفيذ قانون المالية لسنة 2013 صدر في 28 ديسمبر 2012، مما  يجعل تعطيل مقتضى قانوني اكتسب وجوده القانوني ابتدءا من صدور الأمر الملكي بتنفيذه طبقا للفصل 50 من الدستور .

بذلك فإن إحالة قوانين المالية السنوية على أنظار القضاء الدستوري مرتبطة بآجال محددة، فهي إحالة قبلية عن صدور القانون لا تتم إلا أثناء فترة المناقشة والمصادقة على المشروع المالي وقبل صدور الأمر الملكي بتنفيذه واكتسابه لوجوده القانوني .

الفرع الثاني 

إحالة قانون المالية لسنة 2018 [6].

كما هو الشأن في قانون المالية لسنة 2013 فإن قانون المالية لسنة 2018 هو الآخر تمت إحالته عن طريق أعضاء مجلس النواب حيث تم توجيه رسالة الإحالة إلى المحكمة الدستورية بتاريخ 13 ديسمبر 2017 موقعة من طرف 82 عضوا بمجلس النواب ينتمون لفريق الأصالة والمعاصرة، وذلك بشأن التصريح بمخالفة مقتضيات مجموعة من مواد القانون المالي المذكور للدستور .

إلى أن المستجد الذي طرأ على مستوى هذه الإحالة هو انه تم بعد توجيهها بيوم إلى المحكمة الدستورية التنازل عنها برسالتي ” طلب التنازل وسحب مذكرة الطعن ” هذا ما رفضته المحكمة الدستورية في قرارها رقم 17/66 بدعوى أنه إن كانت الدعاوى الشخصية التي تحمي الحقوق والمراكز القانون الفردية  تقوم على القاعدة المدنية المتمثلة في أن الحق في إقامة الدعوى يقابله الحق في التنازل عنها، فإنه في الدعاوى الموضوعية لاسيما منها تلك التي ترمي إلى التحقق من التقيد بسمو الدستور كما هو الشأن في الإحالة التي ندرسها فإن هذه القاعدة لا تطبق على إطلاقيتها، كون أن التنازل عن هذه الإحالة يؤدي إلى وقف تفعيل ونفاذ المراقبة الدستورية مع ما لذلك من حد لصلاحيات المحكمة الدستورية في بسط نظرها على الإحالات المعروضة عليها والمستوفية لشروط قبولها .

بذاك فإن المحكمة الدستورية من خلال قرارها هذا انتصرت لمبدأ سمو الدستور وقامت بالبث في الإحالة المعروضة عليها بشأن قانون مالية سنة 2018، وتجدر الإشارة على أن رفض القضاء الدستوري لطلبات التنازل عن الإحالات المعروضة عليه  لم يؤسسه هذا القرار بل كان هناك قرار سابق للمجلس الدستوري بتاريخ 29 ماي [7]2014 رفض فيه هو الآخر التنازل عن إحالة معروضة عليه .

الخاتمة

في ختام الموضوع ما يمكن تسجيله هو أن الرقابة على دستورية  قوانين المالية السنوية أصبحت تلعب دورا مهما في إثارة إشكالات دستورية لا تنحصر فقط في المواضيع المتعلقة بالمالية العمومية بل تذهب إلى أبعد من ذلك بحيث قد تثير دفوعات مرتبطة بالمساس بحقوق ومبادئ دستورية .

فبعدما كانت رقابة الغرفة الدستورية بالمجلس الأعلى تقتصر فقط على القوانين التنظيمية بما فيها القوانين التنظيمية للمالية العمومية، شملت رقابة المجلس الدستوري ومن بعده الآن المحكمة الدستورية القوانين العادية التي تدخل في جملتها القوانين المالية السنوية مما أدى إلى توسيع مكونات الكتلة الدستورية للمالية العمومية، إلى أنه بخلاف دول أخرى كفرنسا مثلا فإن إحالة قوانين المالية السنوية على أنظار القضاء الدستوري لازالت محتشمة في المغرب فلحدود الآن سجل فقط إحالة خمس قوانين مالية سنوية  إلى جانب أنه بالرغم من توسيع طرق الإحالة وتوسيع ذوي الصفة الذين يمكنهم إحالة قوانين المالية السنوية إلى القضاء الدستوري فإن كل الإحالات الدستورية فيما يخص قوانين المالية السنوية تمت من طرف أعضاء الغرفة الأولى بالبرلمان .

 

 

 

 

قائمة المراجع

الكتب :

  • الجامع لمبادئ وقواعد القضاء الدستوري المغربي من خلال قرارات الغرفة الدستورية (1963-1994) والمجلس الدستوري( 1994-2015)، مطبعة الأمنية – الرباط ، 2015

القوانين :

  • الدستور المغربي الصدر في 29 يوليوز 2011 .
  • القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، الصادر في 14 أكتوبر 2011 .
  • القانون التنظيمي رقم 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية الصادر في 13 أغسطس 2014 .

القرارات :

  • قرار المجلس الدستوري رقم 912/13 الصادر في فاتح يناير 2013
  • قرار المحكمة الدستورية رقم 66/17 الصادر في 23 ديسمبر 2017

 

[1] – الجامع لمبادئ وقواعد القضاء الدستوري المغربي من خلال قرارات الغرفة الدستورية (1963-1994) والمجلس الدستوري( 1994-2015)، مطبعة الأمنية – الرباط ، 2015، ص : 11

[2] – القانون التنظيمي رقم 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية الصادر في 16 شوال 1435 (13 أغسطس 2014 )

[3] – الفقرة الرابعة من الفصل 132 من دستور 2011

[4] – قرار المجلس الدستوري رقم 912/13 الصادر في فاتح يناير 2013

[5] – القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، الصادر في 14 أكتوبر 2011

[6] – قرار المحكمة الدستورية رقم 66/17 الصادر في 23 ديسمبر 2017

[7] – الجامع لمبادئ وقواعد القضاء الدستوري المغربي من خلال قرارات الغرفة الدستورية (1963-1994) والمجلس الدستوري( 1994-2015)، مطبعة الأمنية – الرباط ، 2015، ص : 26

اترك تعليقاً