المحاضر الجمركية و آثارها على مبدأ قرينة البراءة

2018 02 27
2018 03 22

المحاضر الجمركية و آثارها على مبدأ قرينة البراءة

الأستاذة إكرام أبطوي

باحثة بسلك الدكتوراه بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة

لعل من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها القانون الجنائي،مبدأ قرينة البراءة أو البراءة هي الأصل[1]مبدأ يترتب عليه وكنتيجة منطقية ومباشرة،أن عبء الإثبات يقع على سلطة الاتهام،باعتبارها المدعية وممثلة المجتمع للدفاع عن حقوقه بإثبات عناصر الجريمة في حق المخالف،[2] إلا أن مدونة الجمارك قلبت عبء الإثبات عندما جعلت من الأفعال المضمنة بالمحاضر ثابتة،إلى أن يطعن فيها بالزور أو إثبات عكسها،وهذا ولا شك فيه عبء كبير على المتهم،ويضرب في العمق قاعدة المتهم برئ إلى أن تثبت إدانته.[3]

وإذا كان الأصل في الإنسان البراءة فإن هذا المبدأ يجد استثناء في القانون الجمركي الذي منطلقه قرينة الإدانة وليس قرينة البراءة،لأن نظام المسؤولية في التشريع الجنائي الجمركي يقوم على نظام الافتراضات والذي يتبنى بدوره مجرد وقائع مادية تتحقق بها المسؤولية المفترضة.

غير أن القاضي أمام المحاضر الجمركية وقوتها الثبوتية،لا يمكنه استبعاد ما ورد فيها من بيانات مهما كانت الأسباب،ولو بدا له مصداقيتها محل شك،أو حتى الأمر بإجراء أي تحقيق بشأنها للتأكد من صحتها ومراقبة مصداقيتها.فسلطته التقديرية تتقيد أمام هذه المحاضر،[4] وذلك بشكل يكاد يكون كاملا،نظرا لقرينة الصحة التي منحها لها المشرع في قانون الجمارك ومن هنا،فهي تعتبر أقوى المحاضر حجة في الإثبات الجزائي على الإطلاق،بل وأكبر قيد على حرية الإثبات ومبدأ الاقتناع القضائي السائد في مجال الإثبات الجزائي.

وإن كان أثر هذا القيد ليس واحد في جميع الحالات إذ تختلف قوته وتأثيره على السلطة التقديرية للقاضي وذلك بحسب ما إذا تعلق الأمر بالمحاضر ذات الحجية إلى غاية الطعن بالزور أم المحاضر الجمركية ذات الحجية إلى غاية إثبات العكس.[5]

و مما سبق يبدو أن لكلا النوعين من المحاضر الجمركية أثرا على كل من القاضي و المتهم وإن كانت قوة هذا الأثر تختلف من نوع لآخر،سواء من حيث تقيد حرية القاضي الجنائي في الاقتناع أو من حيث قلب عبء الإثبات وما في ذلك من أثر على قرينة البراءة.

فإلى أي حد استطاع المشرع الجمركي تقيد السلطة التقديرية للقاضي الجنائي ؟ و ما مدى قلب عبئ الإثبات و جعله على عاتق المتهم ؟

وللإجابة على هذه التساؤلات ،  ارتأيت تقسيم الموضوع الى مبحثين اساسين : ( المبحث الأول ) قلب عبئ الإثبات بفعل المحاضر الجمركية (المبحث الثاني) تقيد السلطة التقديرية للقاضي الجنائي

المبحث الأول

قلب عبء الإثبات بفعل المحاضر الجمركية

إذا كانت القاعدة العامة هي وقوع عبء الإثبات على عاتق النيابة العامة فإن هذه القاعدة يرد عليها بعض الاستثناءات، وذلك حين يتدخل المشرع بنص صريح ليلقي عبء الإثبات على عاتق المتهم.

وهذا الاستثناء بالنسبة لقانون الجمارك هو الأصل،لأن المشرع الجمركي وبفعل المحاضر الجمركية وما تتمتع به من قوة ثبوتية قلب عبء الإثبات وجعله على عاتق المتهم وعدم تمكين المتهم من قاعدة أن الشك يفسر لصالح المتهم.

وهذا ما سوف نركز عليه في هذا المبحث من خلال مطلبين : ( المطلب الأول ) قلب عبئ الإثبات على المتهم ، (المطلب الثاني )عدم تفسير الشك لصالح المتهم

المطلب الأول 

قلب عبء الإثبات على المتهم.

لعل من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها القانون الجنائي،مبدأ قرينة البراءة أو البراءة هي الأصل،[6] مبدأ يترتب عليه وكنتيجة منطقية ومباشرة،أن عبء الإثبات يقع على سلطة الاتهام،باعتبارها المدعية وممثلة المجتمع للدفاع عن حقوقه بإثبات عناصر الجريمة في حق المخالف.[7]

ومن هنا،فإنه يتوجب على النيابة العامة وإدارة الجمارك إثبات وقوع الجريمة ونسبتها إلى المتهم دون أن يلتزم هذا الأخير بأي إثبات أو الإتيان بالدليل على براءته،إلا أن مدونة الجمارك قلبت عبء الإثبات عندما جعلت من الأفعال المضمنة بالمحاضر ثابتة،إلى أن يطعن فيها بالزور أو إثبات عكسها،هذا ولا شك فيه عبء كبير على المتهم،ويمس بحقوق الدفاع ويضرب في العمق قاعدة المتهم برئ إلى أن تثبت إدانته.[8]

وعليه فللمحاضر الجمركية أثر مباشر على قاعدة أن البينة على من يدعي،وذلك نظرا لقرينة الصحة والمصداقية التي أضفاها المشرع في قانون الجمارك،وبموجب الفصل 242 على هذه المحاضر.

ويتمثل هذا الأثر أساسا في قلب عبء الإثبات وجعله على عاتق المتهم،بدلا من النيابة العامة وإدارة الجمارك،وما يترتب على ذلك من مساس بقرينة البراءة.

غير أن أثر هذه المحاضر المتمثل في قلب عبء الإثبات يختلف في قوته ومدى مساسه بقرينة البراءة حسب درجة الحجية الممنوحة قانونا للمحضر، حيث تكاد تكون هذه الحقوق منعدمة تماما في حالة المحاضر ذات الحجية المطلقة نظرا لأن المتهم لا يمكنه إثبات براءته بالإتيان بالدليل العكسي بل لا يملك في مواجهتها سوى سلوك طريق الطعن بالزور. وما يطبع هذا الطريق من صعوبات وتعقيدات تكاد تجعل فرص نجاحه شبه مستحيلة.

أما في حالة المحاضر ذات الحجية إلى غاية إثبات العكس، فإن المساس بقرينة البراءة يكون أقل خطورة، وذلك نظرا للإمكانية الممنوحة للمتهم للإتيان بالدليل العكسي، إما عن طريق الشهادة أو الخبرة أو الأوراق الرسمية، أو أية وسيلة من وسائل الإثبات التي من شأنها أن تقنع المحكمة بعكس ما جاء في المحضر.[9]

ومن هنا يمكن القول بأن المتهم في حالة المحاضر ذات الحجية المطلقة أو التي لا يمكن الطعن فيها إلا بالزور، يتحمل في الواقع عبء أثقل من عبء الإتيان بالدليل العكسي بكثير، يتمثل في عبء إثبات وجود التزوير في المحضر لكي يفلت من العقاب.

أما بالنسبة للمحاضر ذات الحجية النسبية، أو ذات الحجية إلى غاية إثبات العكس، وإن كان بإمكان المتهم الإتيان بالدليل العكسي لكي يبعد التهمة عن نفسه ويفلت من العقاب، إلا أنه لا يمكنه إثبات براءته بمجرد إنكار الوقائع المنسوبة إليه في المحضر،[10] وإنما يتعين أن يكون الدفع بعدم صحة ما ورد بالمحضر بأدلة من شأنها أن تقنع المحكمة بعكس ما ورد فيها.[11]

المطلب الثاني 

عدم تفسير الشك لصالح المتهم.

جاءت المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية الجديد لتؤكد على مبدأ هام، ألا وهو مبدأ: الأصل في الإنسان البراءة،ثم أضافت في فقرة ثانية على أنه: ” يفسر الشك لصالح المتهم”.

فقرينة البراءة وتفسير الشك لصالح المتهم هما وجهان لعملة واحدة يكمل أحدهما الآخر،أو بالأحرى القول يفسر أحدهما الآخر.[12]

وعليه،إذا كان الأصل في الإنسان البراءة فإنه يجب لإدانته أن يقوم الدليل القاطع على ارتكاب الجريمة بحيث يقتنع القاضي اقتناعا يقينيا بارتكابها ونسبها إلى المتهم فإذا ثار شك لدى القاضي في صحة أدلة الإثبات وجب أن يميل إلى جانب الأصل وهو البراءة،أي أن الشك يجب أن يفسر لمصلحة المتهم.

وإن شكك القاضي في صحة إسناد التهمة للمتهم يكفي لكي يقضي بالبراءة لكن المشرع الجمركي وبفعل المحاضر الجمركية ولما لها من قوة ثبوتية وحجية مطلقة في الإثبات جعل عبء الإثبات على عاتق المتهم ونتيجة منطقية لذلك أن المتهم يجرد من وسيلة أخرى من الوسائل التي توفرها له قرينة البراءة،ألا وهي تفسير الشك لمصلحته ومن ثمة لا مجال للقول ببراءة المتهم لفائدة الشك.[13]

وبذلك تكون مدونة الجمارك قد عصفت بمبدأ المساواة بين المتقاضين،فنجدها بقدر ما أعطت للإدارة مجموعة من وسائل الإثبات لإثبات المخالفة قيدت وسائل دفاع المتهم لدرجة أصبح معها الأصل هو الإدانة،والبراءة هي الاستثناء.

بالإضافة إلى ذلك،وعلى وجه الخصوص تقيد القاضي وتمنعه من تبرئة المتهم على أساس الشك،بل والأكثر من هذا أنها لا تسمح للقاضي حتى بإعطاء الفرصة على الأقل للمتهم بإتيان بالدليل العكسي قصد إثبات براءته.[14]

وفي هذا الصدد وبالرغم من التسليم بهذه المحاضر إلا أن المشرع عليه أن يقوم بإلغائها لخطورتها، ولاستحالة إثبات الزور إضافة إلى تعارضها الواضح مع أسس قانون المسطرة الجنائية كمبدأ حرية الإثبات ومبدأ قرينة البراءة التي تفترض أن المتهم برئ إلى حين إثبات إدانته.

والحال أن تقديم الظنين بارتكابه أحد الأفعال المخالفة للتشريع الجمركي إلى المحكمة بمحضر يوثق بمضمونه ولا يمكن الطعن فيه إلا بالزور يعني أنه مدان مبدئيا،وأنه تم استصدار قرينة البراءة،وعلاوة على ذلك فإن هذه المحاضر حقا تعطي الانطباع بأن من يتولى عملية الإدانة بالفعل هم محررو المحاضر،أما قضاة الحكم فيصادقون عليها.[15]

ويتضح مما سبق أن هذا المنحى التشريعي يتعارض مع مبدأ قرينة البراءة المكرس دستوريا[16] وتشريعيا[17] والمحمي بمقتضى القانون الدولي لحقوق الإنسان (المادة 11 من الإعلان العالمي والمادة 14 من العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية.[18]

كما قد يقيد السلطة التقديرية للقاضي الجنائي الذي تتأرجح بين التقيد والإطلاق حسب نوع المحاضر.

مما يجعلنا نتساءل حول سلطة القاضي الزجري في تقدير وسائل الإثبات الجمركية،هل هي نفس السلطة التي يتمتع بها في الميدان الجنائي العام، أم هناك خصوصية ترتبط أساسا بالخصوصية التي تتميز بها المحاضر الجمركية ؟

المبحث الثاني

تقيد السلطة التقديرية للقاضي الجنائي

الأصل في المادة الجنائية أن القاضي الجنائي يتمتع بالحرية في تكوين عقيدته وذلك عملا بمبدأ الاقتناع الشخصي الذي بموجبه يكون للقاضي كل السلطة في أن يقبل أو يستبعد أي دليل ويتمتع القاضي بسلطة تقديرية واسعة في وزن وتقدير أي دليل يقدم له في معرض المرافعات،وهذا المبدأ يجد تطبيقه من خلال المادة 286 من ق.م.ج.

إلا أن خصوصية المادة الجمركية دفعت القاضي إلى الخروج عن هذه القاعدة خصوصا فيما يتعلق بحجية المحاضر المنجزة من طرف أعوان إدارة الجمارك،مما يؤثر بالمقابل في سلطة القاضي الزجري بين التقيد والإطلاق حسب نوع المحاضر المعروضة عليه.

وعليه سنحاول في هذا المبحث  التفصيل في آثر المحاضر الجمركية على السلطة التقديرية للقاضي من خلال مطلبين ، سلطة القاضي في المحاضر ذات الحجية المطلقة (المطلب الأول ) وسلطته في المحاضر ذات الحجية النسبية.(المطلب الثاني ).

المطلب الأول 

سلطة القاضي في المحاضر ذات الحجية المطلقة.

المشرع المغربي أخذ بالإثبات القضائي،الذي يعطي الحكم للقاضي حسب اقتناعه،وتقدير وسائل الإثبات،كما نصت على ذلك المادة 286 [19] من ق.م.ج،ويمر هذا المبدأ على جميع وسائل الإثبات القانونية بما في ذلك المحاضر.

لكن المشرع في القانون الجمركي أضفى على المحاضر الجمركية حجية خاصة في الإثبات،بحيث تشكل القيمة الإثباتية الممنوحة للمحاضر التي يعاين محرريها الجرائم الجمركية،قيد حقيقيا على حرية القاضي في الاقتناع.

وتجد هذه المحاضر أساسها القانوني في المادة 292 [20] من ق.م,ج وكذلك في المادة 242 [21]من مدونة الجمارك.

فللمحاضر الجمركية المتضمنة للمعاينات المادية أثر على القاضي الجنائي لأنها تقيده وتمنعه من تبرئة المتهم على أساس الشك،بل وأكثر من ذلك،فهي لا تسمح للقاضي بإعطاء الفرصة على الأقل للمتهم لإثبات الدليل العكسي قصد إثبات براءته[22] لأن المادة 242 من مدونة الجمارك أضفت على هذه المحاضر التي تم إنجازها من طرف عونين أو أكثر لإدارة الجمارك حجية مطلقة إلى غاية الطعن فيها بالزور،مما يعني أنه لا يمكن تقديم الدليل العكسي في هذا النوع من المحاضر.

وهذا ما أكده المجلس الأعلى في أحد قراراته[23] الذي جاء فيه ” أن المحاضر التي تحرر من طرف شخصين على الأقل من رجال الجمارك والمتعلقة بالإثباتات المادية،يوثق بها أن  يدعي بها الزور،ولهذا يتعرض الحكم الذي اعتبر محضرا هذا النوع باطلاع استنادا إلى إثبات ما يخالفه عن طريق المشاهدة.

وفي قرار آخر[24] حينما نقض قرار صادرا عن استئنافية الدار البيضاء بتخفيض الغرامة المحكوم بها لفائدة إدارة الجمارك اعتمادا على تقرير الخبرة المنجزة في النازلة،وقد علل المجلس الأعلى قراره بكون الإثباتات المادية التي تمت معاينتها من طرف أعوان الجمارك،لا يمكن دحضها عن طريق الاستنتاج والخبرة وقد كان على المحكمة الأخذ بمقتضيات المحضر الجمركي اعتبارا لقوته الثبوتية.

وعليه يتضح لنا معطى واضح هو إعفاء إدارة الجمارك من إثبات الوقائع والأفعال الواردة في المحضر والمرتكبة من طرف المتهم، وأن القاضي يتوجب عليه ولو ضد قناعته الشخصية استخلاص النتائج القانونية دون مناط،في هذه الحالة نكون بصدد قلب عبء الإثبات،[25] مما يجعل المتهم في مركز حرج اتجاه إدارة الجمارك.

وهذه المسألة تعرض لمجموعة من الانتقادات منها تقيد سلطات القضاء في تكوين قناعته، لأن المحاضر بقدر ما لها من فائدة في ميدان الإثبات، لها نفس مقدار الضرر على سير العدالة وعلى قواعد العدل والإنصاف.

ولهذا يجب على المشرع المغربي أن يعيد النظر في هذه القوة الثبوتية للمحاضر الجمركية، وأن يجد صيغة وسطية معتدلة تحفظ للمحاضر فائدتها في الإثبات، وتجنب العدالة الضرر الذي يمكن أن ينتج عن القوة الثبوتية المقيدة للسلطة التقديرية للقضاء الزجري،[26] هذه السلطة التي يجب ألا تكون مجالا لأي تقيد في الميدان الجنائي،لأنه يجب عليه مراجعة جميع وسائل الإثبات قصد الوصول إلى حكم تكون فيه للمتهم ضمانات المحاكمة العادلة.

غير أن هذه القيود الواردة على السلطة التقديرية للقاضي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تحد من الصلاحيات المخولة للقاضي كفحص الوقائع الواردة في المحضر الجمركي للتأكد منها إذا كانت تشكل جريمة أو مخالفة جمركية،ومدة التقادم والعفو الشامل وغيرها من أسباب انقضاء الدعوى العمومية،وما إذا كان المحضر لم ترد به عيوب شكلية.[27]

كما أن القاضي في المادة الجمركية لا يكون مقيدا في جميع الأحوال بحيث يسترجع سلطته التقديرية في الإثبات بالنسبة للمحاضر ذات الحجية النسبية.

المطلب الثاني 

سلطة القاضي في المحاضر ذات الحجية النسبية.

إذا كانت السلطة التقديرية للقاضي يرد عليها تقيد في الميدان الجمركي،فإنه يمكن استرجاع سلطتها سواء من خلال المحاضر التي يتم إنجازها من طرف عون واحد،أو من خلال ما ينظمه المحضر من اعترافات وتصريحات،والتي تعد شأنها شأن باقي طرق الإثبات الأخرى ضمن نطاق السلطة التقديرية للقاضي أو عن طريق الإثبات عن طريق الوثائق والمستندات الأجنبية.

فبيانات المحاضر الجمركية التي تتمتع بحجية إلى غاية إثبات العكس تلزم القاضي،وإن كان يمكن دحضها من قبل المتهم، لكي يتمكن من تبرئة نفسه، عن طريق الإثبات بأدلة عكسية. فإن لم يتمكن من ذلك، توجب عندئذ على القاضي اعتبار المعاينات المدونة في هذه المحاضر ثابتة ضد المتهم وصحيحة،ولا يمكنه تبرئة المتهم لمجرد إنكاره للوقائع،دون أن يثبت العكس كما لا يمكن استبعاد المتهم الوارد بمحضر الجمارك.

وفي هذا الصدد قضى المجلس الأعلى في أحد قراراته[28] أن المحضر المستوفي لما يشترطه القانون يقوم حجة لا يمكن دحضها إلا بقيام الدليل القاطع على مخالفتها للوقائع بواسطة حجة مماثلة في قوة الإثبات كشهادة الشهود والمستمع إليهم،بعد أدائهم اليمين القانونية،أو الإدلاء بمحاضر أخرى أو تقارير خبراء أو ما شابه من المستندات الموثوق بصحتها قانونا،وعليه فإن مجرد الإدعاءات العارية من كل برهان لا يسوغ بحال أن تعتبر حجة مضادة.

ومن ناحية أخرى،فإذا كان تقديم الدليل العكسي ضد هذه المحاضر يقع على عاتق المتهم، فإنه لا يجوز للقاضي من تلقاء نفسه،إبعاد المحضر إلا إذا تبين له عدم جدوى الدليل الذي تضمنه،على أن يشير إلى ذلك في حكمه،غير أنه إذا رأى وجود نقص في المحضر يستوجب تداركه أو التأكد من صحة البيانات المدونة فيه ففي هذه الحالة يأمر من تلقاء نفسه باتخاذ كافة إجراءات التحقيق التي يراها ضرورية لإنارة عقيدته حول قيمة البيانات التي تضمنها المحضر للتأكد من مدى صحتها وإبعادها عند الاقتضاء،وذلك حتى يتمكن من الفصل في موضوع الإدانة بكل اقتناع،دون أن يكون مجبرا في ذلك.[29]

ورغم أن المحاضر التي تم إعدادها من طرف عون واحد ذات حجية نسبية،فهي ملزمة للقاضي بما ورد فيها من معاينات مادية إلى أن يثبت عكسها.

وكذلك المحاضر المتضمنة للإقرارات والتصريحات هي الأخرى لا تشكل قيد على سلطة القاضي لأنه يكفي لدحضها إثبات ما يخالفها بكل وسائل النفي كالشهود والخبرة والقرائن وغيرها من الوسائل القانونية.

وهكذا يتبين لنا أن المحاضر المحررة من طرف عون واحد للإدارة لا تقيد سلطة القاضي التقديرية،فالقاضي يمكنه مناقشتها،إذا تم إثبات عكس ما جاء فيها،وهذه المحاضر لا تحظى بنفس الحجية المطلقة كالمحاضر المحررة من طرف عونين أو أكثر.

ومما سبق يمكن القول أن أثر المحاضر الجمركية على سلطة القاضي الزجري تتأرجح بين التقيد والإطلاق حسب نوع المحضر وهذا النوع لا يرتبط بموضوعه أو محله،وإنما بعدد الأعوان الموقعين عليه.

ونحن نرى،أن الإثبات كخصوصية إجرائية في الميدان الجمركي يتميز بهيمنة المحاضر ذات الحجية المطلقة،فيجب على المشرع الجمركي التخفيف من قوة هذه المحاضر من أجل منح سلطة تقديرية أوسع للقاضي الزجري وذلك بغية إعطائه الفرصة الكاملة لمناقشة وسائل الإثبات بكل حرية،للوصول للمحاكمة العادلة.

المراجع المعتمدة:

  • عبد الواحد العلمي، شروح في القانون الجديد المتعلق بالمسطرة الجنائية، الجزء الثاني، الطبعة الأولى 2009.
  • حميد الوالي، المنازعات الجمركية بين القواعد الجزائية العامة ومدونة الجمارك، المجلة الإلكترونية لمدونات محاكم فاس، العدد الثالث يناير 2006.
  • ـ الجيلالي القدومي، المنازعات الزجرية في القانون الجمركي المغربي، رسالة لنيل الدبلوم العالي للمدرسة الوطنية للإدارة العمومية، الفوج 1989،20.
  • سعادنة العيد، الإثبات في المواد الجمركية، بحث لنيل شهادة الدكتوراه في القانون،جامعة باتنه، كلية الحقوق والعلوم السياسية، قسم الحقوق الجزائر 2006.
  • حسن الطاهري، الإجراءات الجنائية الجمركية بين القواعد العامة ومدونة الجمارك، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص العلوم الجنائية، جامعة القاضي عياض، مراكش 2012-2011 .
  • القانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية وفق آخر التعديلات المدخلة بموجب القانون رقم 09.09 المتعلق بمكافحة العنف بالملاعب الرياضية والقوانين رقم 36.10 و 37.10 و 35.11 الصادرة في إطار مخطط لإصلاح القضاء الطبعة الأولى 2012
  • محمد بازي، الاعتراف الجنائي في القانون المغربي، دراسة مقارنة، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في القانون الخاص، 2006كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة الحسن الثاني عين الشق الدار البيضاء 2007/2006.
  • مجلة القضاء والقانون، العدد 162 سنة 2013.
  • منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية ، سلسلة الشروح والدلائل العدد 2 الطبعة الثانية 2004.
  • عبد المجيد حرمي : القواعد الإجرائية في المنازعات الجمركية، رسالة دبلوم الماستر في قانون الأعمال والمقاولات، جامعة محمد الخامس سنة 2012.
  • محمد أحذاف، شرح قانون المسطرة الجنائية الجديد، الجزء الأول الطبعة الثانية 2005 مطبعة وراقة سجلماسة.
  • الدستور الجديد للمملكة المغربية، صادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 29 يوليوز 2011.
  • مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة المصادق عليها بالظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.77.339 بتاريخ 25 شوال 1397 (9 أكتوبر 1977) كما وقع تغييرها وتأمينها على الخصوص بمقتضى القانون رقم 99.02 المصادق عليه بالظهير رقم 222.00.1 بتاريخ 2 ربيع الأول 1421 (5 يونيو 2000).
  • إبراهيم المقري، خصوصية الجريمة الجمركية في التشريع المغربي، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الجنائي والعلوم الجنائية، جامعة محمد الأول وجدة، 2011-2012 .
  • قرار عدد 87 المؤرخ في نونير 1991.
  • قرار المجلس الأعلى عدد 3/53 بتاريخ 2002/02/16 ملف جنحي عدد 99/16866.
  • ـ محمد بوخريسا، إشكالية الإثبات في المخالفات الجمركية رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون المدني والأعمال، القانون الخاص ، جامعة عبد المالك السعدي طنجة ، سنة 2013/2012.
  • مجلة الإشعاع، العدد 26.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإحالات

[1] ـ إن قاعدة أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته،نصت عليها مختلف المواثيق الدولية لحقوق الإنسان،ومنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر بتاريخ 16/12/1948،في مادته الحادية عشر،وكذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر بتاريخ 1966،كما تعتبر من بين أهم المستجدات التي جاء بها قانون رقم 01-22 المتعلق بقانون المسطرة  الجنائية لسنة 2002.

انظر في شأن ذلك عبد الواحد العلمي ،الجزء الثاني،ص:381.

[2] ـ حميد الوالي،المنازعات الجمركية بين القواعد الجزائية العامة ومدونة الجمارك مجلة العيار العدد 33 ص:100.

[3] ـ الجيلالي القدومي،إشكاليات دعوى إدارة الجمارك “المجلة الالكترونية لندوات محاكم فاس العدد الثالث يناير 2000 ص:54.

[4] ـ سعادنة العيد،الإثبات في المواد الجمركية،بحث لنيل شهادة الدكتوراه في القانون،جامعة باتنه،2006 ص:77.

[5] ـ حسن الطاهري،الإجراءات الجنائية الجمركية بين القواعد العامة ومدونة الجمارك،رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص،جامعة القاضي عياض،مراكش 2012-2011 ص:47.

[6] ـ إن قاعدة أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته، نصت عليها مختلف المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ومنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر بتاريخ 16/12/1948، في مادته11، وكذلك العهد الدولي الخاص  بالحقوق المدنية والسياسية الصادر بتاريخ 1966، كما تعتبر من بين أهم المستجدات التي جاء بها قانون رقم 01-22 المتعلق بقانون المسطرة الجنائية لسنة 2002.

[7] ـ حميد الوالي : مرجع سابق ، ص : 100.

[8] ـ الجيلالي القدومي : مرجع سابق ، ص : 54

[9] ـ انظر القرار عدد 287 الصادر في 28 يناير 1973، مجلة المحاماة عدد 20، ص:122، أورده محمد بازي، الاعتراف الجنائي في القانون المغربي – دراسة مقارنة – أطروحة لنيل دكتوراه في القانون الخاص، جامعة الحسن الثاني، كلية الحقوق عين الشق الدار البيضاء، 2007 ص: 405.

[10] ـ وفي هذا الإطار صدر قرار عن المجلس الأعلى، يؤكد على أن الإدعاءات العارية من كل برهان لا يسوغ بحال أن تعتبر حجة مضادة.

قرار عدد 306 الصادر بتاريخ 5 فبراير 1962، مجلة القضاء والقانون عدد 48-49 أبريل – ماي 1962، ص: 385.

[11] ـ محمد بازي ، الاعتراف الجنائي في القانون المغربي ، دراسة مقارنة ، اطروحة لنيل دكتوراه الدولة في القانون الخاص ، 2006/2007 ص: 403

[12] ـ شرح قانون المسطرة  الجنائية  – الجزء الأول – صادر عن وزارة العدل – منشورات جمعية نشر المعلومة  القانونية والقضائية – سلسلة الشروح والدلائل – العدد 2 طبعة ثانية 2004.

[14] ـ حسن الطاهري ، مرجع سابق، ص : 48.

[15] ـ عبد المجيد حرمي : القواعد الإجرائية في المنازعات الجمركية، رسالة لنيل دبلوم الماستر في قانون الأعمال والمقاولات جامعة محمد الخامس  سنة 2012 ص: 44.

[16] ـ محمد أحذاف شرح قانون المسطرة الجنائية الجديد الجزء الأول الطبعة الثانية 2005 مطبعة وراقة سجلماسة

ص: 474-475.

[17] ـ نص المشرع في دستور 2011 خاصة الفقرة الرابعة من الفصل 23 أن” قرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة”

[18] ـ المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية الجديد 2011.

[19] ـ عبد المجيد حرمي : القواعد الإجرائية في المنازعات الجمركية ، مرجع سابق، ص: 44.

[20] ـ المادة 286 من ق.م.ج ” يمكن إثبات الجرائم بأية وسيلة من وسائل الإثبات ما عدا في الأحوال التي يقرر فيها القانون بخلاف ذلك ويحكم القاضي حسب اقتناعه الصميم ويجب  أن يتضمن المقرر مبرر اقتناع القاضي  وفقا للبند 8 من المادة 365″.

[21] ـ تنص المادة 292 من ق,م,ج : إذا نص قانون خاص على أنه لا يمكن الطعن في مضمون بعض المحاضر أو التقارير إلا بالزور فلا يمكن تحت طائلة البطلان إثبات عكسها بغير هذه الوسيلة:

[22] ـ ينص الفصل 242 من م,ج : ” أن المحاضر المحررة بشأن الجنحة أو المخالفة لأحكام هذه المدونة من طرف عونين للإدارة أو أكثر يعتمد عليها في الإثباتات المادية المضمنة في المحاضر إلى أن يطعن في صحتها…..”.

[23] ـ إبراهيم المقري  خصوصية الجريمة الجمركية في التشريع المغربي، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الجنائي والعلوم الجنائية، جامعة محمد الأول وجدة، 2011-2012 ص : 85.

[24] ـ قرار عدد 87 المؤرخ في نونبر 1991.

[25] ـ قرار المجلس الأعلى عدد 53/3 بتاريخ 16/02/2002 ملف جنحي عدد 16866/99 أور عبد الرحمان بركات، المنازعات الإدارية في دعوى الإلغاء من أجل الشطط في استعمال السلطة ضد قرارات الإدارة .

أشغال اليوم الدراسي حول موضوع التشريعات والتقنيات الجمركية المنظمة بالمعهد الوطني للدراسات القضائية، الرباط 14 نونبر 2006، ص:39.

[26] ـ محمد بوخريسا: إشكالية الإثبات في المخالفات الجمركية رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص ، جامعة عبد المالك السعدي ، طنجة ، سنة 2009/2010 ص :67.

[27] ـ إدريس لكريني : ا”لسلطة التقديرية للقاضي الزجري ومقترحات التعديل “مجلة الإشعاع عدد 26، ص: 75.

[28] ـ محمد بوخريسا: إشكالية الإثبات في المخالفات الجمركية، مرجع سابق، ص:68.

[29] ـ قرار المجلس الأعلى عدد 306 سنة 1963 أورده إبراهيم المقري، مرجع سابق: ص: 85.

اترك تعليقاً