فعالية قضاء التحقيق – أية آفاق ؟

2018 02 28
2018 02 28

فعالية قضاء التحقيق – أية آفاق ؟

 محسن بوتفارت

طالب حاصل على ماستر التوثيق والمنازعات المدنية

إطار بكتابة الضبط

مقدمة :

يعتبر الحق في المحاكمة العادلة ، من الضمانات الاساسية لدولة الحق والقانون من خلال حماية الانسان من التعسف والشطط والاعتداء على حقوقه ، وبذلك فقد حظي هذا الحق بمكانة تم تكريسها على مستوى الدستور ، فنجد الفصل 117 منه ينص على “حماية حقوق  الاشخاص من طرف القاضي “، كما أن الفصل  120 من اسمى قانون تحدث عن “الحق في محاكمة عادلة “، بالإضافة لما جاء على مستوى المواثيق الدولية ، من الاعلان العالمي لحقوق الانسان  واتفاقية مناهضة التعذيب وغيرها من الاعلانات الدولية ذات الصلة.

اقرأ أيضا...

وفي اطار الحركية التشريعية والتعديلات المواكبة التي شملت اجراءات هامة من الترسانة القانونية المغربية ، بغرض مواكبة ومسايرة المستجدات الوطنية والالتزامات  الدولية ، وضمن هذا الاطار جاء تعديل قانون المسطرة الجنائية [1]، بهدف توفير ظروف مثلى للمحاكمة العادلة وتدعيم مبادئ حقوق الانسان ، ناهيك عن المستجدات المندرجة ضمن المشروع الجديد لقانون المسطرة الجنائية ،  والتي مست في جانب منها مؤسسة التحقيق ، باعتبار قاضي التحقيق  هو القائم في هذه المرحلة عن التحقيق فيها والتحري عن الادلة ، بالإضافة الى السمات التي تميزها من سرية وفصل بين وظيفة المتابعة والتحقيق.

وتشكل مؤسسة التحقيق ضمانة مهمة في اطار الخصومة الجنائية كأحد اوجه ضمانات المحاكمة العادلة ، ونظرا لأهمية هذه المؤسسة  سيتم التطرق لها باعتبار دورها المحوري والأساسي ضمن اطوار المحاكمة ، سواء من خلال غربلة او تصفية القضايا او من خلال تقرير الضمانات الكفيلة لحماية المتهم الذي لا توجد ادلة كافية لإدانته ، وبهذا يبرز تأثير قضاء التحقيق على مفهوم المحاكمة العادلة.

وبالإطلاع على مقتضيات  قانون المسطرة الجنائية الحالي ،ومقارنته  بالمشروع الجديد نجد انه اتى بمستجدات تواكب التحول والتطور الذي تشهده البلاد على المستوى التشريعي ، وبالتالي فان فعالية قضاء التحقيق وكذا الجدوى منه تظهر من خلال توسطه مرحلتي البحث الذي تشرف عليه النيابة العامة بصفتها سلطة المتابعة ، و الحكم التي يتولى فيها القضاء الفصل في القضايا المعروضة عليه. و تعد هذه المرحلة دعامة أساسية لحقوق الإنسان وركيزة مهمة في تحقيق المحاكمة العادلة بالنسبة للمتهم من خلال منحه ضمانات عديدة من استنطاق ومؤازرة بالدفاع ومنع الحصول على اعترافاته بأساليب التعذيب.

وقد كرس مشروع (ق .م . ج) ثنائية التحقيق الاعدادي المنصوص عليه في القانون الحالي ، بغرض ترسيخ حقوق  الانسان وبناء  دولة الحق والقانون وتقوية سلطات العدالة الجنائية ضمانا لشروط المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع.

فقاضي التحقيق يتبوأ مكانة مهمة ومركزية في عمر الدعوى العمومية لما يقوم به من اجراءات تنصب على تمحيص وسائل الاثبات  وتشخيص معالم الجريمة ، وهو يقوم بوظائف قضائية عديدة نظمتها اجراءات قانونية دقيقة[2].

وتتجلى فعالية مؤسسة التحقيق من خلال مجموعة من الاجراءات التي تستهدف جمع الحجج والأدلة  وتمحيصها بغرض تبرئة المتهم او ثبوت الافعال المنسوبة اليه ، وذلك انطلاقا من المهام التي يقوم بها قاضي التحقيق باستقلالية تامة عن جميع المتدخلين في الدعوى العمومية ، وبهذا يختص قضاة الحكم بمهام التحقيق الاعدادي من خلال تعيينهم داخل الجمعية العامة للمحكمة.

وانطلاقا من تكريس المشروع الجديد لقانون المسطرة الجنائية للضمانات المنصوص عليها في القانون الحالي ، تظهر أهمية مؤسسة التحقيق بيد انه بالنظر الى محاولة تقليص المشروع لحالات اجراء التحقيق الاعدادي سواء في الجنايات او الجنح ، فقد يساهم في التراجع على مستوى الضمانات المخولة في اطار هذه المرحلة رغم الانتقادات الموجهة لها فيما يخص بطء الاجراءات . مما قد يتصور  تطلع المشرع الى الغاءها مستقبلا وبالتالي هذا يدفعنا الى طرح الاشكالية التالية :

الى اي حد تساهم مؤسسة  التحقيق في ترسيخ مفهوم المحاكمة العادلة اعتبارا لكون قاضي التحقيق حامي لحقوق الاشخاص ؟

وهنا تبرز بعض الاسئلة الفرعية من قبيل :

هل ستساهم المستجدات المتعلقة بمشروع قانون المسطرة الجنائية في تعزيز صلاحيات قاضي التحقيق ام ستعمل على تقليصها ؟

وهل يمكن تصور الغاء مؤسسة التحقيق دون المس بحقوق الاشخاص كضمان للمحاكمة العادلة ؟

وللإجابة عن كل ما سبق يمكن الاعتماد على التصميم الاتي :

المحور الاول : الطبيعة القانونية لمؤسسة التحقيق

المحور الثاني : معالم فعالية مؤسسة التحقيق في اطار قانون المسطرة الجنائية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المحور الاول 

الطبيعة القانونية لمؤسسة التحقيق

تناول قانون المسطرة الجنائية الحالي مؤسسة التحقيق الاعدادي في قسمين ، القسم الثالث من الكتاب الاول ( من المادة 83 الى المادة 230 ق م ج ) ، حيث جعله في خمسة عشر بابا نص فيها على الاجراءات التي  يمكن لقاضي التحقيق اتخاذها ، والأوامر التي يمكنه اصدارها بغرض الوصول للحقيقة بالإضافة للضمانات التي يجب عليه احترامها  ومراعاتها عند انجازه لهذا التحقيق ، وفيما يخص القسم الرابع من ذات الكتاب فقد تطرق فيه للغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف المختصة بالسهر والإشراف على انجاز هذا التحقيق والتدقيق في مدى سلامته ومطابقته للقانون وذلك من ( المادة 231 حتى المادة 205 من     ق م ج ).

ونظرا للأهمية التي يضطلع بها قضاء التحقيق سيتم التعرض للجهات التي خول لها المشرع القيام بإجراءات التحقيق (المطلب الاول ) مع عدم اغفال الضمانات المخولة للمتهم في اطار هذه المرحلة (المطلب الثاني).

 المطلب الاول 

الجهات الفاعلة في مرحلة التحقيق كضمانة للمحاكمة العادلة

باعتبار التحقيق الاعدادي مرحلة موكولة لقاضي يتم تعيينه من طرف وزير العدل في اطار قانون المسطرة الجنائية الحالي ، وهذا الامر اعيد فيه النظر على مستوى المشروع حيث اصبح تعيين قاضي التحقيق من مهام الجمعية  العامة للمحكمة.  فلابد من التعرض لمفهوم التحقيق الاعدادي وخصائصه ونطاقه قبل التحدث عن الجهات التي خول لها المشرع القيام بإجراءات التحقيق.

الفقرة الاولى 

التحقيق الاعدادي في منظور قانون المسطرة الجنائية

التحقيق لغة هو إثبات الشيء وإحكامه. واصطلاحا هو كل عمل يقوم به رجال القضاء ومساعديهم أثناء البحث في القضية المعروضة أمام العدالة ، ويدخل فيه الاستماع إلى أطراف الدعوى والأبحاث ، وإجراء خبرة وما شابه ذلك من الأعمال القضائية[3].

وطبقا لنص المادة 52 من قانون المسطرة الجنائية الحالي ، يعين القضاة المكلفون بالتحقيق في المحاكم الابتدائية من بين قضاة الحكم فيها لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد بقرار الوزير العدل ، بناء على اقتراح من رئيس المحكمة الابتدائية. ويعين القضاة المكلفون بالتحقيق في محاكم الاستئناف من بين مستشاريها لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد بقرار لوزير العدل ، بناء على اقتراع من الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف.

ولا يمكن لقاضي التحقيق إجراء تحقيق إلا بناء على ملتمس النيابة العامة أو بناء على شكاية مرفقة بتنصيب المشتكي طرفا مدنيا[4].

وقد نص المشرع المغربي في المادة 85 من ق م ج على أنه يقوم قاضي التحقيق …. بجميع اجراءات التحقيق التي يراها صالحة للكشف عن الحقيقة ، كما نص في المواد (52 ، 53 ، 54 و55 )من القانون المدكور على الجهة المختصة بالتحقيق الاعدادي ، وهم القضاة المكلفون بالتحقيق .

ويمكن تعريف التحقيق الاعدادي بأنه مرحلة قضائية تتوسط البحث التمهيدي والمحاكمة ، تنصب على الجنايات والجنح على حد سواء ، وتهدف الى تمحيص الأدلة والتثبت من وقوع الجرائم باتخاد مجموعة من الاجراءات والبت في وضعية المتهم بمتابعته واحالته على المحكمة أو عدم متابعته وحفظ القضية في حقه[5].

من خلال استقراء  ق م ج ، يمكن القول أن التحقيق الإعدادي هو مجموعة من التحريات تستهدف استكمال جمع الحجج، سواء كانت في صالح المتابع أو ضده من طرف سلطة قضائية مختصة ، يحق لها في نهاية الأمر أن تقرر إذا كان مناسبا أو غير مناسب إحالة القضية على المحكمة.

كما يتميز التحقيق الإعدادي بعدة خصائص ، أبرزها أنه ذو طبيعة قضائية ، إذا أن قاضي التحقيق حكما وليس خصما ، ولـﺫا فإن من الواجب عليه أن يجمع الحجج بحياد تام، كما أنه ينجز هذا التحقيق تحت مراقبة الغرفة الجنحية ، أما الخاصية الثانية هو أن التحقيق يغلب عليه طابع السرية والكتابة (النظام التفتيشي) والعينية والحضوري.

ويملك قاضي التحقيق سلطات واسعة للتقرير في حرية المواطنين وفي ممتلكاتهم ، ويباشر مهامه من خلال مجموعة النصوص القانونية المعقدة باستعمال علمه وخبرته ، إضافة إلى أخلاقياته المهنية وضميره وفضائله التي تكسب مهمته عظمتها الحقيقية[6].

فإذا كان هو الجهة التي أو كل إليها القانون القيام بالتحقيق الإعدادي من خلال جمع الأدلة عن الجرائم والبحث من مرتكبيها واتخاذ القرارات على ضوئها ، فإن المهام المتعددة التي أسندت إليه جعلته صاحب أدوار مختلفة ومتداخلة ، فهو ضابط سام للشرطة القضائية ، من حيث جمع الأدلة عن الجرائم والبحث عن مرتكبيها، مباشرة أو بواسطة إنابة قضائية، والوقوف على الجريمة المتلبس بها طبقا للمادة 75( من قانون المسطرة الجنائية)، التي توجب على الوكيل العام للملك أو وكيل الملك، أو ضابط الشرطة القضائية التخلي له عن القضية بمجرد حضوره إلى مكان وقوع الجريمة المتلبس بها.

ويكون التحقيق إلزاميا طبقا للمادة 83 من قانون المسطرة الجنائية ، في الجنايات المعاقب عليها بالإعدام و السجن المؤبد أو التي يصل الحد الأقصى للعقوبة المقررة لها ثلاثين سنة ، وفي الجنايات المرتكبة من طرف الأحداث ، ويكون اختياريا في ما عدا ذلك من الجنايات ، وفي الجنح المرتكبة من طرف الأحداث ، وفي الجنح التي يكون الحد الأقصى للعقوبة المقررة لها خمس سنوات أو أكثر.

ومن خلال استقراء نصوص قانون المسطرة الجنائية الحالي ، خصوصا المواد( 83 – 238 – 362) والتي يمكن القول من خلالها أن نطاق التحقيق كان وسطيا ، إذ قام بتوسعه من هامش الجرائم التي أضحت بمقتضى القانون الحالي للمسطرة تخضع للتحقيق الإعدادي اجباريا (م 83 )،  مع امكانية اجراء التحقيق في ما عدا ذلك بشكل اختياري او بنص خاص، ولكن يلاحظ تضييق هذه الحالات في مشروع قانون المسطرة الجنائية  وهو ماسيتم التطرق اليه لاحقا .

الفقرة الثانية

الجهات المكلفة بالتحقيق الاعدادي

يعتبر قاضي التحقيق هو الجهة الوحيدة التي أوكل لها قانون المسطرة الجنائية مهمة القيام بالتحقيق الاعدادي ، من خلال السلطات الواسعة التي منحت له ، قصد جمع الادلة ووسائل الاثبات ، والبحث عن مرتكبي الجرائم واتخاذ الاجراءات التي تبدو له على ضوء ذلك. وبالموازاة مع ذلك يمكن للجهات المنابة من قبل قاضي التحقيق ان تقوم بالتحقيق .

قاضي التحقيق : يتعلق الأمر بالقضاة المكلفين أساسا بالتحقيق الإعدادي ، و المحددين في المادة 52 من ق م ج. سواء قضاة التحقيق أمام المحاكم الابتدائية ، او أمام محاكم الاستئناف ، وقد سبق القول بأن تعينهم يكون من طرف وزير العدل ، من طرف رئيس المحكمة الابتدائية ، او باقتراح من الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف ،  كل حسب اختصاصه .

هـﺫا ويبث قاضي التحقيق بمفرده في القضايا المعروضة عليه ، وعند استئناف قراراته ، تبت الغرفة الجنحية في الطعون برئيس ومستشارين ، وفقا لأحكام المادة 231 من قانون المسطرة الجنائية .

ويباشر في تحقيق مهامه ، بعد تكليفه بإحدى طرق المتمثلة في الملتمس المقدم من طرف النيابة العامة ، أو الادعاء المباشر من طرف المطالب بالحق المدني ، أو بتنفيذ الإنابة القضائية الموجهة من طرف التحقيق وفق شروطها.

وفيما يخص الغرفة الجنحية ، فهي هيئة قضائية تابعة لمحكمة الاستئناف ، تتشكل من الرئيس الأول ، أو من ينوب عنه ومستشارين اثنين ، وتعقد جلساتها بحضورممثل النيابة العامة ، وكاتب الضبط، ومن بين الاختصاصات الممنوحة لهـﺫه الغرفة، تدابير الوضع تحت المراقبة القضائية المتخذة طبقا للمادة 160 من قانون المسطرة الجنائية، وكذلك في طلبات بطلان إجراءات التحقيق، المنصوص عليها في المواد( 210 . 213  ق م ج) وكذلك في الاستئنافات المرفوعة ضد أوامر قاضي التحقيق(  م 222).

يجرى التحقيق بصفة استثنائية من طرف جهات غير قاضي التحقيق ، وﺫلك في الأحوال التي يوجد فيها نص خاص (المادة 265 ق م ج ) ، أو حالة الإنابة القضائية حيث قد يتعذر على قاضي التحقيق ، القيام بنفسه بإجراء التحقيق في جزء منه، لأسباب قد ترجع إلى تكدس القضايا المحالة عليه ، أو ضرورة الانتقال إلى مكان لا يدخل في اختصاصه الترابي. وبالتالي يمكن له أن ينيب جهة معينة ، قد يكون قاضيا للتحقيق في منطقة أخرى ، أو ضابط من ضباط الشرطة القضائية.

وبهذا يتضح ان كل هذه العوامل تساهم في تقرير ضمانات المحاكمة العادلة ، بالإضافة الى تخويل المتهم من ضمانة على اساس ان قاضي التحقيق حكما وليس خصما وهو ما سيتضح في المطلب الثاني.

المطلب الثاني 

الضمانات المخولة للمتهم في مرحلة التحقيق الاعدادي

لقد منح القانون لقاضي التحقيق سلطات واسعة بغرض الوصول الى الحقيقة ، لتفادي احالة اي متهم على جلسة الحكم دون أن تتوفر دلائل كافية على ارتكابه الافعال المنسوبة اليه. من المعلوم أن التحقيق الإعدادي يتشكل من عدة إجراءات وأوامر، حيث يعتبر إحدى الآليات المهمة التي تعطي لقاضي التحقيق إمكانية قيامه بأعماله[7]، وكما هو معلوم فإن أي قضية تعرض على قاضي التحقيق بأحد الوجهين ، إما عن طريق ملتمس بإجراء تحقيق مقدم من النيابة العامة أو عن طريق الادعاء المصحوب بالمطالب المدنية المقدم من طرف المتضرر من الجريمة (المادة 84).

وبغرض التطرق للضمانات المخولة للمتهم في اطار مرحلة التحقيق الاعدادي ،  سيتم استحضار سير التحقيق على مستوى الاجراءات ثم على المستوى الاوامر.

الفقرة الاولى 

على مستوى الإجراءات

تهدف الاجراءات المنصوص عليها  في قانون المسطرة الجنائية الحالي، إلى حماية حقوق الأطراف (المجتمع – المتهم – المجني عليه) كما تهدف إلى ضمان حسن[8] سير العدالة ، ومن هذه الاجراءات نجد :

الإجراءات الاستدلالية على شخص المتهم

يعتبر المتهم أحد أطراف الخصومة الجنائية ، لذلك حاول ق.م.ج  التركيز على إجراء بحث حول شخصية المتهم ، للتعرف على وضعه المادي والعائلي والاجتماعي بالإضافة إلى إجراء فحص طبي عليه.

فقد نصت المادة 87 من ق.م.ج بأن البحث حول شخصية المتهم وظروفه العائلية  والاجتماعية ، أمر إلزامي في الجنايات واختياري في الجنح: “يقوم قاضي التحقيق إلزاميا في مادة الجنايات ، واختياريا في مادة الجنح ، بإجراء بحث حول شخصية المتهم وحالته العائلية والاجتماعية.

ومن الواضح على ان مثل هذه الاجراءات قررت في الاصل لمصلحة المتهم والمواطن على حد سواء وذلك لتفادي كافة الاحتمالات التي يمكن ان يترتب عنها متابعة شخص بسبب خطأ في هويته ، وذلك بسبب عدم التدقيق في هوية هذا الاخير[9]

الإجراءات الاستدلالية لجمع الأدلة

يتعلق الأمر هنا بالتقاط المكالمات والاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد، تعتبر من بين الاجراءات التي جاء بها  ق.م.ج،  وذلك ضمن المواد (من 108 إلى 116) ويعتبر وسيلة استدلال للحصول على قرائن وأدلة ، وقد خول المشرع لقاضي التحقيق وللوكيل العام للملك هذه الصلاحية ضمن شروط محددة وإجراءات محصورة.

الفقرة الثانية 

على مستوى الاوامر

جاء  قانون المسطرة الجنائية بإجراءات  تشكل لبنة أساسية في ضمان محاكمة عادلة ، تتوفر فيها كل الضمانات القانونية الكفيلة بتقوية سلطة العدالة الجنائية عن طريق القضاء ، وباعتبار اننا نتحدث عن الضمانات التي قررها قانون المسطرة الجنائية على مستوى قضاء التحقيق فسنتحدث عن أهم ما جاء به الباب المتعلق بالمراقبة القضائية ، باعتبارها آلية بديلة لأسلوب الاعتقال بمفهومه التقليدي.

 الوضع تحت المراقبة القضائية  : جاء هذا النظام كآلية بديلة للاعتقال الاحتياطي والتخفيف منه ، فهو يكفل حسن سير التحقيق دون اللجوء الى اعتقال المتهم احتياطيا.

والمشرع وضع في المادة 161 من ق م ج ، عدة اليات وتدابير لضمان حضور المتهم إجراءات التحقيق دون اعتقاله احتياطيا ، فهذه الاليات تقيد من حرية المتهم ولا يمكن اللجوء اليها إلا إذا كانت الأفعال المنسوبة الى المتهم تشكل جرائم معاقب عليها بعقوبة سالبة للحرية[10].

والى جانب الوضع تحت المراقبة القضائية ، يعد الاعتقال الاحتياطي بدوره تدبيرا استثنائيا بصريح المادة 159 من قانون المسطرة الجنائية ، ويجد هذا الاجراء مبرره في ضرورة منع المتهم من الفرار وتغيير الأدلة وتبديد وسائل الاثبات ناهيك عن وجوده رهن اشارة قاضي التحقيق قصد استنطاقه ومواجهته مع الغير متى كان ذلك مفيدا.

كما انه في الاحوال التي يرفض فيها قاضي التحقيق طلب الافراج المؤقت فإن أمره يكون قابلا للطعن بالاستئناف من طرف النيابة العامة والمتهم امام الغرفة الجنحية التي تبت في الطعن داخل اجل خمسة ايام من تاريخ الاحالة.

فالمشرع عندما جاء بنظام الوضع تحت المراقبة القضائية ، أتى به كبديل عن الاعتقال الاحتياطي للتخفيف من عدد المعتقلين ، بيد انه نظرا لخطورة المتهمين وانعدام ضمانات حضورهم يشكل دافعا وراء اعتقالهم حتى يضمن قاضي التحقيق مرور اجراءات التحقيق وفق الوجه المأمول.

ومن الضمانات التي جاء بها قانون المسطرة الجنائية بالإضافة الى مستجدات المشروع الحالي ، استدعاء المحامي قبل كل استنطاق للمتهم من طرف قاضي التحقيق ، الطعن في اوامر قاضي التحقيق امام الغرفة الجنحية وغيرها من المستجدات التي ستكون موضوع دراسة في الشق الثاني من هذا الموضوع.

المحور الثاني 

معالم فعالية مؤسسة التحقيق في اطار قانون المسطرة الجنائية

يعد تنظيم إجراءات التحقيق نوع من التنسيق بين مصلحة المجتمع في القصاص من مرتكبي الجرائم ، وبين مصلحة الأفراد في صيانة حقوقهم الأساسية ، إذ ان  المعادلة التي يتوخى المشرع تحقيقها من خلال تنظيم إجراءات التحقيق هي تحقيق العدالة من خلال الكشف عن مرتكبي الجرائم وتقديمهم للمحاكمة ، دون المساس بحقوق الدفاع وضمان حريات الأفراد وحرمة مساكنهم. وتتجلى أهمية مرحلة التحقيق في تأثيرها على المرحلة التي تليها  وهي مرحلة المحاكمة ، فكلما كانت إجراءات التحقيق تتميز بالنزاهة والشفافية وتنجز وفق ما سطر لها قانونا كان ذلك في مصلحة المحاكمة العادلة.

والمشرع المغربي انطلاقا من قانون المسطرة الجنائية ، تبنى اتجاها توسعيا لقضاء التحقيق ، من خلال امتداده ليشمل المحاكم الابتدائية وتأكد ذلك الاتجاه بصدور مدونة السير التي تحث على إجبارية التحقيق في حوادث السير مميتة حسب المادة 137 مدونة السير.

كما أن استقلال قاضي التحقيق يحتم الالتزام بالحياد والتجرد والاستقلالية عن جميع المتدخلين في الدعوى العمومية ، وقد كرس المشرع هذه الاستقلالية على مستوى استقلال قاضي التحقيق عن كل من النيابة العامة ، عن المحكمة ، وعن الاطراف . بحيث تكتسي مرحلة التحقيق الاعدادي أهمية خاصة في نظامنا الجنائي لأسباب عديدة كونها المرحلة التي تنطلق منها الحقوق وتتكرس فيها قرينة البراءة والتي تتحقق خلالها شروط المحاكمة العادلة ، اذ يتجلى فيها التوازن بين حق المجتمع في العقاب وحق المتهم في الحرية وفي الدفاع.

ولدراسة فعالية مؤسسة التحقيق سيتم التطرق لتصور المشرع لهذه المؤسسة في ظل مشروع قانون المسطرة الجنائية (المطلب الاول ) ثم محاولة رصد افاقها (المطلب الثاني).

المطلب الاول 

تصور المشرع المغربي لمؤسسة التحقيق في ظل المشروع الجديد

نظرا لأهمية مؤسسة التحقيق لكونها ضرورية لاتخاذ الاجراءات الماسة بالحرية من قبل جهات محايدة ومستقلة من حيث كونها تحفظ للمتهم كرامته وتوفر عليه معاناة المحاكمة متى صدر لصالحه قرار بعدم المتابعة ، ومن بين المستجدات التي جاء بها مشروع ق م ج  تلك المنصوص عليها في الفصل 83 منه ، والتي قيدت حالات اجراء التحقيق الاعدادي حيث اصبح اختياريا في الجنايات و لا يكون في الجنح الا بنص خاص ، بالإضافة الى تقييد سلطة قاضي التحقيق في اللجوء الى الاعتقال الاحتياطي وغيره من الاجراءات التي تهدف الى تقوية ضمانات المحاكمة العادلة.

في اطار تعزيز ضمانات وحقوق الافراد وحرياتهم وكفالتها بما يتوافق مع المواثيق الدولية ، أقر المشروع الى جانب مبدأي احترام قرينة البراءة وتفسير الشك لفائدة المتهم المنصوص عليهما في المادة الاولى من قانون المسطرة  الجنائية ، مجموعة من المبادئ المتعارف عليها دوليا في مجال المحاكمة العادلة ، خاصة الواردة في الاعلان العالمي لحقوق الانسان والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية .[11]

لقد اعتبر مشروع قانون المسطرة الجنائية ان الاعتقال الاحتياطي تدبير استثنائي ولا يلجأ اليه إلا اذا تعذر تطبيق تدبير بديل عنه ، كما تم تقييد  سلطة قاضي التحقيق في اللجوء الى الاعتقال الاحتياطي بضرورة توفر اسباب اللجوء اليه ومن بينها :

الخشية من عرقلة اجراءات التحقيق

وضع حد للجريمة أو منع تكرارها

الحفاظ على الادلة والحيلولة دون فراره .

كما ان فعالية مؤسسة التحقيق تبرز من خلال استقلالها عن النيابة العامة وكذلك عن الاطراف ، بالإضافة الى عدم تخويل النيابة العامة الجمع بين سلطتي المتابعة والتحقيق ، رغم ما تملكه من صلاحيات.

وما تطرحه المادة 362 من قانون المسطرة الجنائية من اشكالية  الجمع بين سلطتي التحقيق والحكم من طرف القاضي المكلف بانجاز البحث التكميلي والتي لا تخلو من خطورة على حقوق المتهم في الدفاع.

والمشرع بتعديل عدة مواد من قانون المسطرة الجنائية ومن ضمنها التي تمس مؤسسة التحقيق ، سواء على مستوى حالات  اجراء التحقيق او كيفية تعيين القضاة المكلفين بالتحقيق وغيرها.

بالنسبة لحالات اجراء التحقيق الاعدادي فقد سعى من وراء اقرار مبدأ اختيارية التحقيق في الجنايات وحذفه من الجنح ما لم يقرره نص خاص ( المادة 83) ، الى ترشيد التحقيق لتلافي تضخم القضايا المحالة على التحقيق الاعدادي ، بالإضافة الى تفادي بطء الاجراءات.

وعند استقراء المادة 83 من مشروع قانون المسطرة الجنائية والتي تنص على انه ” يكون التحقيق في الجنايات اختياريا . لا يكون التحقيق في الجنح الا بنص خاص ” نجده حدد حالات التحقيق الاعدادي في الجنح بمقتضى نص خاص وحددها في الجنايات على سبيل الاختيار وهذا يدفعنا للقول بان توجه المشرع يقضي بتقليص حالات التحقيق الاعدادي وهذا يمكن أن يؤثر على ضمانات المحاكمة العادلة بحكم ان مرحلة التحقيق الاعدادي لها اهمية بالنظر للإجراءات التي يتخذها قاضي التحقيق في سبيل البحث عن الحقيقة ، فالتقليص من مجال التحقيق الاعدادي يساهم  في تزايد الاخطاء القضائية والتي يمكن تفاديها بعرض الملف على التحقيق لضمان المزيد من التحري كضمانة مخولة للمتهم .

وعند القول ان الجنح اصبح التحقيق فيها بنص خاص[12] فإن هذا يضرب نجاعة ثنائية التحقيق الاعدادي التي تشمل في القانون الحالي المحاكم الابتدائية ، وهنا يمكن القول ان المشرع سيتجه الى تقليصها تدريجيا على اساس الغاءها ، وان كان الهدف منها ترشيد التحقيق الاعدادي.

ولأجل ترسيخ مبادئ استقلال السلطة القضائية ، وبالنظر لأهمية التحقيق الاعدادي  جاء المشروع بمستجد على مستوى تعيين القضاة المكلفين بالتحقيق بخلاف ما هو معمول به حاليا ، لما لذلك من تدخل لوزير العدل في تعيينهم ، نصت المادة  52 من المشروع على ” يعيين القضاة المكلفون بالتحقيق في المحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف من بين قضاة ومستشاري الحكم فيها لمدة سنتين قابلة للتجديد من قبل الجمعية العامة للمحكمة” .

وهنا يتضح تصور المشرع لتقرير استقلال السلطة القضائية كما نص على ذلك دستور المملكة ، وهو ما ينعكس على تعيين قضاة التحقيق بحكم الدور والأهمية البليغة التي يضطلع بها قاضي التحقيق ،  فمنطقيا ان تخول صلاحية تعيينهم الى الجمعية العامة بالمحكمة سواء على مستوى المحكمة الابتدائية او محكمة الاستئناف.

وعموما فالتحقيق الاعدادي يشكل ضمانة تعطي للمتهم فرصة للدفاع عن نفسه واثبات براءته متى كان بريئا ، بخلاف الحالة التي يعرض فيها المتهم على المحكمة مباشرة ، لذلك فتقليص حالات اجراء التحقيق الاعدادي بالإضافة لسلطة النيابة العامة من خلال ملتمس اجراء التحقيق من عدمه ، وبذلك فتوجه المشرع المغربي بتقليص حالات اجراء التحقيق الاعدادي يؤثر على ضمانات المحاكمة العادلة كما سبق الاشارة لذلك ، رغم المستجدات التي سعى من ورائها التى ترشيد هذه المرحلة.

وفي هذا الصدد أثير نقاش حول الجدوى من بقاء قضاء التحقيق بين معارض للفكرة ومؤيد لها، وهو مت سنحاول التعرض له في المطلب الموالي.

المطلب الثاني

افاق التحقيق الاعدادي بين الابقاء والإلغاء

يعد التحقيق بمعرفة قاض مستقل ومحايد يبحث عن أدلة إثبات كما يبحث عن أدلة النفي ، ويحقق لفائدة العدالة والتحقيق لمصلحة المتهم أو ضد مصلحته ويراعي المساواة بين أطراف الدعوة العمومية كلها شروط أساسية لتحقيق التوازن المطلوب.

لذلك يجب ان تسند مهام التحقيق الاعدادي لقضاة الحكم الذين اكتسبوا تجربة مهمة وراكموا معارف وسبروا اغوار العمل القضائي ، لأنهم يضطلعون بمهام جسام تمس الافراد في حرياتهم وذممهم المالية[13].

ولدراسة الجدوى من مؤسسة التحقيق سيتم التطرق  للنقاش الذي اثير حول إمكانية إلغاء قضاء التحقيق ، بالإضافة لمبررات حضورها في الدعوى العمومية . وذلك من خلال فقرتين (الأولى ) مخصصة لإمكانية إلغاء مؤسسة التحقيق مع ما تطرحه من اشكالية نقل صلاحيتها لجهة قضائية اخرى وتأثيرها على ضمانات المحاكمة العادلة ، أما (الثانية ) متعلقة بالجدوى من بقاء مؤسسة .

الفقرة الأولى 

امكانية الغاء قضاء التحقيق

عند مقارنة قانون المسطرة الجنائية الحالي مع المشروع نجد ان لقاضي التحقيق سلطات وصلاحيات واسعة تمكنه من القيام بمهامه قصد الوصول للحقيقة ، وهذا كما قلنا سابقا يشكل دعامة اساسية وضمانة للمحاكمة العادلة بحكم انه يقوم بتمحيص الادلة  والقيام بمهام قضائية عديدة ، إلا انه قلص حالات اجراء التحقيق الاعدادي (المادة83  من مشروع ق،م،ج) ، رغم تصور المشرع لترشيد عمل هذه المؤسسة لتلافي تضخم القضايا المعروضة على قاضي التحقيق.

كما ان الصلاحية المحددة للنيابة العامة في اختيار قاضي التحقيق من بين القضاة العاملين بالمحكمة )المادة 90 من قانون المسطرة الجنائية ) ، بالإضافة الى تقديم ملتمس يرمي إلى سحب قضية من قاض للتحقيق وإحالتها إلى قاض آخر للتحقيق)المادة 91 من قانون المسطرة الجنائية) ، يضرب في الضمانات المخولة لهذه المؤسسة في اطار مرحلة التحقيق الاعدادي .

ولا يجب اغفال كذلك  المهام القضائية الاخرى التي يمكن ان يضطلع بها قاضي التحقيق على مستوى المحاكم الابتدائية من خلال إسناد مهام قضائية أخرى له بالمحكمة ، حيث  يعد من الأسباب التي تحول دون تمكينه من القيام بمهام التحقيق على الوجه الأكمل.

ومن عيوب التحقيق أنه يخضع لمزاج النيابة العامة باستثناء حالات إلزامية التحقيق المحددة حصرا ، كما أن مؤسسة التحقيق أصبحت تشكل عبئا على سير المسطرة بشكل سريع ، سيما في مادة الجنح ، لأسباب ترجع إلى نقص كبير في الإمكانيات المادية والبشرية [14] .

غالبية القضايا التي تحال على التحقيق يتم فيها تكرار البحث المنجز من طرف الضابطة القضائية خلال مرحلة البحث التمهيدي ، اذ يعاد الاستماع إلى المشتكى بهم والشهود دون أي إضافات تجعل من مرحلة التحقيق مفيدة للبحث[15]، بالاضاقة الى الحالات التي يقوم فيها قاضي التحقيق بتبليغ النيابة العامة بالإجراءات التي يتخدها بشأن التحقيق في القضية بما يعتبر معه مراقبة على أعماله.

إن مجرد التفكير في حذف مؤسسة قضاء التحقيق ، يجعلنا نتصور نقل صلاحياتها الى جهة قضائية اخرى، مما قد لا توفر نفس الضمانات التي توفرها هذه المؤسسة بحكم استقلاليتها وحيادها .

الفقرة الثانية

الجدوى من بقاء مؤسسة التحقيق

يملك قاضي التحقيق سلطات واسعة للتقرير في حرية المواطنين وفي ممتلكاتهم ، ويباشر مهامه من خلال مجموعة النصوص القانونية المعقدة باستعمال علمه وخبرته ، إضافة إلى أخلاقياته المهنية وضميره وفضائله التي تكسب مهمته عظمتها الحقيقية[16].

وعند القول بأنه يمكن الغاء قضاء التحقيق ،  فإن هذا الالغاء يمس بضمانات المحاكمة العادلة في عمقها  وبقرينة البراءة ،بحيث أنها دعامة أساسية لحقوق الإنسان ، وركيزة مهمة في تحقيق المحاكمة العادلة ، لما يوفره من ضمانات للمتهم وحقوق الدفاع. كما أن الضامن لحقوق المتهمين حين عرض ملفاتهم على قضاء التحقيق هو قاضي التحقيق نفسه بما يتمتع به من ضمير مهني ، وتشبع بثقافة حماية الحقوق الفردية والجماعية.

كما ان تقليص مجال التحقيق الإعدادي أو إلغاؤه يمكن ان يؤثر  في تزايد الأخطاء القضائية ، بالاضافة الى ان إلغاء قضاء التحقيق سيعطي للنيابة العامة وينقل لها هذه الصلاحيات  ؛ ومن شأن ذلك أن يؤثر على مبدأ المساواة بين أطراف الخصومة الجنائية ، لان التحقيق الإعدادي يشكل ضمانة تعطي للمتهم فرصة  للدفاع عن نفسه وإثبات براءته متى كان بريئاً ، بخلاف الحالة التي يُعرض فيها المتهم على المحكمة مباشرة.

حقوق الدفاع معززة ومحفوظة بشكل أكبر أمام قاضي التحقيق بخلاف ما هو عليه الحال أمام الضابطة القضائية[17].

وبالتالي فحضور مؤسسة التحقيق يبقى ضروري لأنه يشكل ضمانة للمحاكمة العادلة ، خصوصا ان التحقيق يتم اجراءه من طرف سلطة محايدة ومستقلة ، فقط يجب عقلنة اجراءتها وليس تقليصها الى حد الالغاء مستقبلا.

إذا كان قضاء التحقيق يشكل ضمانة حقيقية للحقوق الأساسية للمتهم والمجتمع معا ، فإن بقاء هذه المؤسسة يشكل تكريسا لمبادئ المحاكمة العادلة خصوصا وان المشروع جاء باليات جديدة على مستوى تعيين قضاة التحقيق ، مع ترشيد عمله تفاديا لتراكم القضايا المعروضة عليه ، وبالتالي فإمكانية إلغاؤه  ستؤثر الضمانات التي المقررة في مرحلة التحقيق الاعدادي. 

خاتمة :

وفي الاخير ، ونظرا لأهمية مرحلة  التحقيق الاعدادي  فطبيعي أن تسند لقضاة الحكم ، كما أن بقاء مؤسسة التحقيق يساهم في تعزيز أكبر لقيم وحقوق الإنسان ، خصوص وأن المشروع الجديد لقانون  المسطرة الجنائية جاء بآليات قد تساهم في ترشيد عمل مؤسسة التحقيق ، لكن لتحقيق ذلك فليس بالضرورة تقيد نطاق التحقيق ، بالإضافة إلى إعادة النظر في العلاقة بين قاضي التحقيق والنيابة العامة لكي لا تساهم كل تلك العوامل في إلغاءه مستقبلا.

فبقاء قضاء التحقيق كجهة قضائية سيساهم في تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة وحريات الافراد ، كما ان التحقيق أمام جهة قضائية تتمتع بجميع الضمانات التي تجعل منها سلطة مستقلة يتطلب :

تخويل قضاء التحقيق مجموعة من الامكانيات التي ستمكن قاضي التحقيق من مباشرة مهامه على اكمل وجه ، من خلال توفير الوسائل المادية وكذا البشرية ، وتكريس الاستقلالية التامة لقضاء التحقيق عن النيابة العامة.

كما أن الدور الهام لمؤسسة التحقيق يقتضي عدم تقليص من نطاقها ، بالإضافة الى توفير عدد كاف من قضاة التحقيق لتلافي مشكل تضخم القضايا وتكدس الملفات ، ثم خلق منصب قيدوم قضاة التحقيق وتخويله صلاحية اختيار قاضي التحقيق في حالة تعددهم داخل نفس المحكمة وعدم تركها بيد النيابة العامة.

فعند توفير كل تلك الظروف والوسائل والإمكانيات ، يمكن تقيم تجربة قضاء التحقيق في المغرب وقياس نجاعته والبحث عن الحلول بدون نسخ التجارب الاخرى  .

الإحالات

[1]  قانون 22.01 مع التعديلات التي لحقته ( من بينها التعديل بمقتضى قانون رقم 35.11 المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5990 بتاريخ 29 دو القعدة 1432 الموافق 27 اكتوبر 2011 ص 2535 ) . بالإضافة الى مشروع قانون المسطرة الجنائية

[2]  احمد قليش ، مجيدي السعدية ، محمد زنون  ” الشرح العملي لقانون المسطرة الجنائية ” طبعة 2015 ، ص 137

[3]-ذ. أحمد التويضي – قضاء التحقيق في ظل قانون المسطرة الجنائية الجديدة – الندوة الوطيفة حول موضوع المسطرة الجنائية تشريعا وممارسة 12 – 13 مارس 2004، إعداد هيئة المحامي بآسفي. الصفحة 1، اورده  محمد مسعودي ، سمير الستاوي  ” سلطات قاضي التحقيق دراسة ميدانية على ضوء العمل القضائي والقانون المقارن ” رسالة نهاية التمرين بالمعهد العالي للقضاء سنة 2005/2003 ص 5

[4]-المادة 54 من قانون المسطرة الجنائية.

[5] – احمد قليش ، مجيدي السعدية ، محمد زنون  ، مرجع سابق ص 138

[6] – محمد مسعودي ، سمير الستاوي  ” سلطات قاضي التحقيق دراسة ميدانية على ضوء العمل القضائي والقانون المقارن ” مرجع سابق ، ص 6

[7] – المادة 84 من قانون المسطرة الجنائية

[8] – الدكتور لحبيب بيهي شرح ق.م.ج. الجديد، الجزء الأول، دار النشر المغربية 2006

[9] -ذ محمد احداف ” شرح المسطرة الجنائية ، مسطرة التحقيق الاعدادي الجزء الثاني ” الطبعة الاولى 2011-2012  ص 165

[10] – تنص المادة 159 من قانون المسطرة الجنائية على انه ” الوضع تحت المراقبة القضائية والاعتقال الاحتياطي تدبيران استثنائيان ، يعمل بهما في الجنايات او في الجنح المعاقب عليها بعقوبة سالبة للحرية

[11] – مذكرة تقديم مشروع قانون المسطرة الجنائية

[12]  – الفقرة الثانية من المادة 83 من مشروع قانون المسطرة الجنائية

[13] – احمد قيلش ، مجيدي السعدية ، محمد زنون ، مرجع سابق ص 137

[14] – ذ.طارق الحسناوي ” الجدل القائم حول مؤسسة قاضي التحقيق ، هل يصل إلى حد الالغاء؟ ”   سلسلة فقه القضاء الجنائي ، منشورات مجلة العلوم القانونية ،العدد الاول ، ص 43

[15] – ذ.طارق الحسناوي ” الجدل القائم حول مؤسسة قاضي التحقيق ، هل يصل إلى حد الالغاء؟ ”  مرجع سابق ، ص 44

[16] – محمد مسعودي ، سمير الستاوي  ” سلطات قاضي التحقيق دراسة ميدانية على ضوء العمل القضائي والقانون المقارن ” مرجع سابق ، ص 6

[17] – ذ.طارق الحسناوي ” الجدل القائم حول مؤسسة قاضي التحقيق ، هل يصل إلى حد الالغاء؟ ”  مرجع سابق ، ص 46

اترك تعليقاً