دور القضاء العادي في الدفع بعدم دستورية القوانين على ضوء مشروع القانون التنظيمي رقم 15.86

2018 03 08
2018 03 08

 

دور القضاء العادي في الدفع بعدم دستورية القوانين

على ضوء مشروع القانون التنظيمي رقم 15.86

مداخلة ألقيت بندوة

الدفع بعدم دستورية القوانين

قراءة استشرافية في مشروع القانون التنظيمي رقم 86.15 المتعلق بتطبيق الفصل 133 من الدستور

بتاريخ 12 فبراير 2018

جعفر قاسمي 

طالب بماستر المنازعات القانونية و القضائية – سلا

مقدمة

اقرأ أيضا...

يعد سمو الدستور أهم المسائل التي يعنى بها في مجال القانون الدستوري، وهو المبدأ الذي يجعل الدستور يعتلي قمة الهرم التشريعي في الدولة، ويترتب على ذلك ضرورة انسجام التشريعات العادية معه، ولضمان هذا الانسجام وجدت الرقابة على دستورية القوانين عن طريق آلية الدفع بعدم الدستورية.

فرقابة المحكمة لدستورية للقوانين بواسطة آلية الدفع بعدم الدستورية لا تحتاج الى نص دستوري يعطيها مثل هذا الحق، لأن هذه الرقابة تدخل في صلب عمل القاضي، بل هي واجب عليه بحكم وظيفته التي هي اظهار الحق وابطال الباطل، اذ لا يعقل أن يطبق القاضي قانون يخالف الدستور الذي هو أسمى تشريع في الدولة.

وتختلف الجهة التي تمارس هذه الرقابة من دولة الى أخرى، فهناك من الدول من أعطى حق الرقابة لجهة ذات تكوين سياسي، فتسمى هذه الرقابة بالسياسية، ومنها من أسندها الى جهة قضائية فتسمى إداك بالرقابة القضائية، إلا أن ما يهمنا في هذا الاطار هي تلك الرقابة التي يمارسها المواطن العادي على القوانين، عن طريق الدفع بعدم الدستورية والتي تتولاها المحكمة الدستورية. لكن يبقى السؤال المطروح هو: هل الهيئة القضائية التي لها الحق في ممارسة الرقابة على دستورية القوانين هي المحكمة الدستورية، أم أن للقضاء العادي دور في هذا الإطار؟

فرقابة الامتناع – الدفع بعدم دستورية القوانين- ليست من اختصاص محكمة معينة بحد ذاتها، وإنما هي من اختصاص جميع المحاكم بمختلف درجاتها. لذلك ستتم دراسة هذا الموضوع من خلال مقتضيات مشروع القانون التنظيمي رقم 15.86 المحدد لشروط واجراءات تطبيق الفصل 133 من الدستور المغربي لسنة 2011، وذلك في نقطتين أساسيتين:

– المطلب الأولى: دور محاكم الموضوع في الدفع بعدم دستورية القوانين.

– المطلب الثاني: اختصاص محكمة النقض بالنظر في الدفع بعدم دستورية القوانين.

المطلب الأول

دور محاكم الموضوع في الدفع بعدم دستورية القوانين

يعد الدفع بعدم دستورية القوانين آلية جديدة في المنظومة القانونية المغربية، تمكن المواطنين من المساهمة في تنقيح وتطهير الترسانة القانونية مما قد يشوبها من مقتضيات غير دستورية، وذلك عن طريق الرقابة البعدية للقوانين السارية المفعول والمراد تطبيقها على القضايا المعروضة على المحاكم وفق شروط واجراءات محددة.

وقد بين المشرع الدستوري في مشروع القانون التنظيمي رقم 15.86 الشروط والإجراءات التي تحكم مسطرة الدفع بعدم الدستورية أمام المحاكم، وهي تلك الواردة في قانون المسطرة المدنية بالنسبة للقضايا المدنية والتجارية والإدارية، وفي قانون المسطرة الجنائية بالنسبة للقضايا الجنائية، الى جانب  الإجراءات الواجبة التطبيق المنصوص عليها في قوانين خاصة.

فقد نص المشرع في المادة 3 من مشروع القانون التنظيمي رقم 15.86 على ما يلي:” يمكن أن يثار الدفع بعدم دستورية قانون أمام مختلف محاكم المملكة، وكذا أمام المحكة الدستورية بمناسبة البت في الطعون المتعلقة بانتخاب أعضاء البرلمان، يمكن عند الاقتضاء، اثارة الدفع لأول مرة أمام محكمة الاستئناف أو أمام محكمة النقض. يجب في جميع الأحوال، أن يثار الدفع قبل اعتبار القضية المعروضة على المحكمة جاهزة للحكم”.

يتضح من خلال مقتضيات هذه المادة أن المشرع الدستوري سمح لكل طرف في دعوى مدنية، تجارية، ادرية، جنائية، بإثارة الدفع بعدم دستورية قانون، يرى أن تطبيقه قد يمس بحق من حقوقه أو بحرية من الحريات التي يضمنها له الدستور، وذلك أمام أي محكمة من محاكم المملكة على اختلاف أنواعها ودرجاتها؛ أي سواء أمام محاكم الدرجة الأولى أو أمام محاكم الدرجة الثانية، بل وحتى لأول مرة أمام محكمة النقض.

فعندما يثار دفع بعدم دستورية قانون، يتعين على المحكمة اتخاد مجموعة من الاجراءات الأساسية بهدف التأكد من صحة وجدية الدفع، وأهم هذه الاجراءات تتمثل في وقف البت في الدعوى الأصلية والآجال المرتبطة بها من تاريخ اثارة الدفع، وكذلك التأكد من أن الدفع قد استوفى جميع الشروط المنصوص عليها في المادة 5 من المشروع ، وهذه الشروط هي:

1- وجوب اثارة الدفع بعدم دستورية القانون قبل اعتبار القضية المعروضة على المحكمة جاهزة للحكم من قبل أحد أطراف الدعوى، وقد حدد المشرع المقصود بأطراف الدعوى في المادة الثانية من مشروع القانون التنظيمي، وهم كل من المدعي والمدعى عليه في الدعاوى المدنية، والمتهم والمطالب بالحق المدني أو المسؤول عن الحقوق المدنية في الدعاوى الجنائية، ويلاحظ في هذا الإطار أن المشرع لم يعطي حق اثارة الدفع بعدم الدستورية للطرف المتدخل أو المدخل في الدعوى، وكذا للنيابة العامة كذلك باعتبارها طرفا أصليا في جميع الدعاوى الجنائية.

2- أداء الرسم القضائي الذي يحدد مبلغه التشريع الجاري به العمل؛ وهو يؤدى في شكل وديعة ابتداء من 200 درهم، مع ارفاق المذكرة بعدد من النسخ يساوي عدد الأطراف، وعند الاقتضاء كل وثيقة يريد المعني بالأمر الادلاء بها أمام المحكمة.

3- يجب تحت طائلة عدم القبول، اثارة الدفع بعدم الدستورية بواسطة مذكرة كتابية، مما يعني ضرورة تنصيب المحامي وعدم امكانية تقديم الدفع بواسطة تصريح شفوي، ويجب عند تقديم المذكرة مراعاة ما يلي:

– أن تكون مدكرة الدفع مقدمة بصفة مستقلة، ومعنى ذلك أن دعوى الدفع بعدم الدستورية- الدعوى الدستورية الفرعية-  يجب أن تقام بشكل مستقل عن الدعوى الأصلية المعروضة على المحكمة، وأن تكون هذه المدكرة موقعة من طرف المعني بالأمر أو من قبل محامي مسجل بإحدى هيئات المحامين بالمغرب.

– أن تتضمن المذكرة المقتضى التشريعي موضوع الدفع بعدم الدستورية، أي النص القانوني الذي يرى صاحب الدفع أنه يمس بحق من الحقوق او بحرية من الحريات الأساسية التي يضمنها له الدستور، وأن يكون هذا المقتضى هو المراد تطبيقه من لدن المحكمة في الدعوى أو يشكل أساسا للمتابعة.

– ويتعين كذلك بيان أوجه الانتهاك أو الخرق الذي طال الحرية أو الحق الدستوري، وألا يكون قد سبق البت بمطابقة القانون محل الدفع للدستور، مالم تتغير الأسباب والظروف التي استند عليها صاحب الدفع.

من خلا ما سبق، يمكن القول أن دور محاكم الموضوع عندما يثار أممها دفع بعدم دستورية قانون، ينحصر في التثبت والتأكد من توفر الدفع على كافة الشروط التي استلزمها المشرع، وكذا ايقاف البت في الدعوى الأصلية، ومتى تبت للمحكمة جدية الدفع فإنها تحيله على محكمة النقض داخل أجل ثمانية أيام من تاريخ ايداع مذكرة الدفع، وتجدر الإشارة في هذا الإطار أنه لا يمكن للمحكمة اثارة الدفع بعدم الدستورية بصفة تلقائية، لأنه ليس من النظام العام، وانما يتعين اثارته ممن له مصلحة من أطراف الدعوى.

المطلب الثاني

اختصاص محكمة النقض بالنظر في الدفع بعدم دستورية القوانين

عندما يثار الدفع بعدم دستورية قانون أمام احدى محاكم الموضوع، فيتعين عليها بعد أن تتأكد من استيفاء الدفع للشروط والإجراءات القانونية اللازمة أن تحيله على محكمة النقض داخل أجل ثمانية أيام من تاريخ اثارته، لكن قد يحدث أن يثار هذا الدفع  أمام محكمة النقض لأول مرة بمناسبة قضية معروضة أمامها (المادة 11 من مشروع القانون التنظيمي 15.86).

فسواء أحيل الدفع بعدم الدستورية على محكمة النقض أو أثير أمامها، فإن الرئيس الأول لذى هذه المحكمة يشعر الوكيل العام للملك بها ويعين هيئة للتحقق من توفر الدفع على الشروط التي اشترطها المشرع، والتأكد كذلك من جديته طبقا لما نصت عليه المادة 11 من مشروع القانون التنظيمي رقم 15.86 التي جاء فيها ما يلي:” تتحقق الهيئة التي يعينها الرئيس الأول لمحكمة النقض من استيفاء الدفع بعدم دستورية قانون للشروط المنصوص عليها في المادة 5 أعلاه، كما تتأكد من طابع الجدية فيه”.

وبعدما تحقق الهيئة من صحة وجدية الدفع، فإنها تبت فيه بقرار معلل داخل أجل ثلاث أشهر من تاريخ احالته عليها، وتحيله مباشرة على المحكمة الدستورية. أما اذا لم تبت فيه داخل الأجل المذكور، فإن الدفع  يحال تلقائيا الى المحكمة الدستورية طبقا لما جاء في المادة 13 من مشروع القانون التنظيمي التي نصت على انه اذا لم تبث محكمة النقض في الدفع بعدم دستورية قانون داخل الأجل المنصوص عليه في المادة 11 اعلاه – 3 أشهر-، يحال هذا الدفع تلقائيا الى المحكمة الدستورية.

ويحال مقرر محكمة النقض عملا بنص المادة 11 من مشروع القانون التنظيمي الى المحكمة الدستورية مرفقا بمذكرات الأطراف، ويبلغ الى المحكمة التي أثير أمامها الدفع، وفي حالة رد الدفع من طرف المحكمة( محكمة النقض)، فإنه يجب ان يوجه مقرر الرد الى المحكمة الدستورية والى المحكمة التي اثير أمامها الدفع، والى أطراف الدعوى.

وتجدر الإشارة في هذا الإطار أن المشرع المغربي لم  يأخذ بالإحالة المباشرة من المحكمة العادية المعروض عليها النزاع الى المحكمة المختصة بالرقابة الدستورية المتمثلة في المحكمة الدستورية، وذلك سيرا على نهج بعض التشريعات كفرنسا التي أدمجت محكمة النقض ومجلس الدولة كمرحلة ثانية للتدقيق في مدى جدية المقتضى المخالف للدستور من عدمه، وهي امكانية ربما قد تخفف من عمل المجلس الدستوري الفرنسي من خلال عدم اغراقه في قضايا لا تنبني على الجدية والمصداقية، وهو ما لا يبدو مقبولا من الناحية الواقعية بالنسبة لمشروع القانون التنظيمي رقم 15.86، خصوصا وأن عدد أعضاء المحكمة الدستورية محدود لا يتجاوز 12 عضو، لذلك يستحسن اقحام محكمة النقض كدرجة ثانية لفحص دعوى الدفع بعدم الدستورية قبل احالتها على المحكمة الدستورية، مادامت محكمة النقض، محكمة قانون لا تبت في الموضوع بقدر ما تتأكد من مدى صحة انطباق النص القانوني على النازلة موضوع النزاع.

خاتمة

في الختام، يمكن القول أن القضاء العادي- محاكم الموضوع ومحكمة النقض- يلعب دورا أساسيا بشأن الدفع بعدم دستورية القوانين، سواء على مستوى التأكد والتثبت من جدية الدفع، أو على مستوى تخفيف العمل على المحكمة الدستورية نظرا لمحدودية أعضائها، كما أن مسطرة الدفع بعدم دستورية القوانين من طرف المواطنين سيشكل مكسبا حقيقيا في التاريخ الحقوقي المغربي، باعتباره من جهة مظهرا من مظاهر تكريس مبادئ حقوق الإنسان، ومن جهة ثانية عملية لإشراك المواطن في صنع القاعدة القانونية بطريقة غير مباشرة.

 

اترك تعليقاً