الرقابة القضائية على أعمال الوساطة القانونية

2018 03 13
2018 05 24

الرقابة القضائية على أعمال الوساطة القانونية

نبيل الجرموني

باحث في قانون الشغل الدولي

من المؤكد، أنه لا يكفي وضع قواعد قانونية تضمن استقرار المجتمع اقتصاديا واجتماعيا وبيئيا، بل يجب تدعيم هذا التوجه بآليات مؤسساتية من شأنها تحقيق ذلك.

ويعتبر القضاء أهم هذه المؤسسات التي أنيط بها مهمة الفصل بين الأفراد، وذلك من خلال إصداره أحكام قطعية تفصل في النزاعات المعروضة عليه، لكن الواقع أبان خلاف ذلك، حيث لم تستطع مختلف التشريعات، أن تتصدى لتزايد النزاعات بين الأفراد، ولم تسعفها في ذلك، تزايد الميزانيات المرصودة من أجل تحقيق متطلبات عدالة رسمية، من بناء محاكم و تكوين قضاة وتمويل موظفين.

وبسبب هذا، نكل الفكر القانوني على عقبه، وعاد ليمثثل كرها لقوله تعالى ” الصلح خير “، وتجرد عن أطروحته  ــ والتي تتمثل في اعتبار القضاء مظهر من مظاهر سيادة الدولة ــ بعد أن عمرت لقرون خلت، وذلك بالنظر إلى نتائجها السلبية. حيث  عادت جميع التشريعات القانونية لتنظم مؤسسة الوساطة باعتبارها وسيلة بديلة لتسوية النزاعات.

غير أنه يلاحظ، تفاوتا جليا بين التشريعات القانونية، في تنظيمها للوساطة، حيث منها من اعتبرها اللجوء إليها إلزاميا لا يمكن تحاشيه قبل باللجوء إلى القضاء مباشرة، وذلك ما كرسته التشريعات اللاتينية، في حين اعتبرتها تشريعات قانونية أخرى ذات طبيعة اختيارية، حيث يمكن لأطراف النزاع اللجوء إليها كما يمكن اللجوء إلى القضاء مباشرة، وهذا النموذج تم تكريسه في التشريعات الأنجلوسكسونية.

وبالرجوع إلى التشريع المغربي نجده جمع بين الاتجاهين معا، حيث كما تناول الوساطة الاتفاقية التي تستمد أثارها من إرادة الأطراف، فهذا لم يمنعه من تنظيم بعض مظاهر للوساطة القضائية في التشريع المغربي، حيث يكون الأطراف ملزمين بإجراء التصالح قبل نظر عرض نزاعاتهم على القضاء.

هذا ولم يكن التمايز مطروحا بين التشريعات المشار إليها أعلاه، من حيث تحديدها لطبيعة الوساطة القانونية، بل كذلك برز هذا الاختلاف من حيث دور القضاء في بسط رقابته على أعمال الوساطة.

وتظهر أهمية هذا الموضوع من الناحية النظرية في تحديد ملامح تدخل القضاء في أعمال الوساطة، ليس بصفته كمساهم في أعمالها بل كجهاز يسهر على مراقبتها، وذلك منذ بدء الوساطة من خلال إبرام الأطرف لعقد وساطة أو شرط وساطة، ثم على مستوى الصلح المتوصل من خلال مباشرته لمسطرة  تذييله بالصيغة التنفييذية.

وهكذا يمكن تحديد إشكالية الموضوع في ما يلي:

أثر الطبيعة التعاقدية للوساطة على دور القضاء في بسطه سلطة الرقابة على أعمالها ؟

للإجابة على الإشكالية أعلاه، ارتأينا تتبع التصميم الأتي:

المبحث الأول: الرقابة القضائية أثناء إجراء  اتفاق الوساطة

المبحث الثاني: الرقابة القضائية  على مقررات الوساطة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المبحث الأول

الرقابة القضائية أثناء إجراء  اتفاق الوساطة

ينتهي اتفاق الوساطة  إلى صلح يكتسي قوة الشيء المقضي به بين الأطراف، بالتالي يلاحظ أن هذه الطبيعة العقدية للاتفاق الوساطة، أسهمت بتحديد دور القضاء في مراقبة مقررات الوساطة. وذلك سواء على مستوى الوساطة الاتفاقية ( المطلب الثاني )  أو الوساطة القضائية ( المطلب الأول ) .

المطلب الأول

الرقابة القضائية على اتفاق الوساطة القضائية

يجب التمييز في إطار الحديث عن الوساطة القضائية ، بين تلك التي تجري بإرادة الأطراف أمام القضاء، وبين الوساطة التي يقوم بها القاضي إلزاميا بنص القانون .

الفقرة الأولى: الرقابة القضائية بشأن الوساطة الإرادية أثناء سير الدعوى

من المؤكد أن رفع دعوى أمام المحكمة  لا يمنع الأطراف  من اللجوء إلى وسائل بديلة[1]،  تجنب الأطراف طول إجراءات المساطر خاصة إذا كان موضوع النزاع يخضع للطرق الطعن العادية وغير العادية. لذلك قد يرى الأطراف أن الصلح الذي يمكن أن يجري أمام القضاء، قد يكون أكثر حماية لحقوق الأطراف، خاصة أنه قد يسهم في  توقي للنتائج السلبية التي يمكن أن تنتج عن استمرار النزاع.

أولا: طبيعة إشراف القضاء على  عقد الوساطة المبرم أمامه

أثناء سريان الدعوى بإمكان أحد الأطراف أن يطلب من القاضي رغبته في إجراء صلح، فيقوم القاضي بنقل هذه الرغبة إلى الطرف الأخر، ويمكن أن يعطي مهلة قصد الجواب للطرف الأخر ، كما يمكن للأطراف أن يتفقا سلفا فيكتفي القاضي بالتأكيد على اتفاق الصلح بينهما فيقوم بالإشهاد عليه.

بالتالي يتضح أن دور القضاء في هذه الحالة، دورا إيجابيا إذ يسهل عليه إضفاء رقابته على الصلح القائم بين الطرفين سواء من حيث تحقق من أهليتهما وباقي الأركان الأخرى طالما بإمكانه إثارتها قبل المصادقة على الصلح، لأنها من النظام العام. وذلك عكس الفرضية التي يجري فيها الصلح بعيدا عن أعين القضاء، حيث تبقى إمكانية امتداد مراقبته  إما من خلال دعوى من ذوي المصلحة أو بإثارته من تلقاء نفسه حالة  اعتماده كوسيلة إثبات في دعوى جارية.  مما يضيق معه،  في هذه الأحوال،  سلطة القضاء  في بسط رقابته على مقرر الصلح.

بالتالي ننتهي إلى الملاحظات الأساسية:

أن اتفاق الصلح يمكن تقديمه بناء على طلب الأطراف  في أي مرحلة من مراحل التقاضي؛

كما يمكن تقديمه من القاضي نفسه الذي تجري أمامه الدعوى طالما تبين له إمكانية إنهاء النزاع بعقد صلح؛

وحالة موافقة الأطراف على الصلح يتأكد القاضي من صحة الصلح موضوعا وشكلا؛

وله أن يثير قيام سبب من أسباب البطلان من تلقاء نفسه؛

ويحرر محضر بشأن ذلك[2].

ثانيا: دور مراقبة القضاء لعقد الوساطة المبرم أمامه

يتضح أن بدء افتتاح إجراءات الدعوى أمام المحكمة ليس من شأنه أن يحول دون إمكانية إبرام اتفاق وساطة، وذلك وفق فرضيات ثلات:

أ: إما أن للقاضي أن يلعب دور الوسيط بين الأطراف، ويعطي لهما مهلة للتفكير، فبعد ذلك يقضي بالصلح بينهما بموجب محضر الجلسة. وهذا يتخذ صورة الصلح القضائي غير الإلزامي[3].

ب: إما أن للقاضي أن يعين وسيطا بناء على  طلب من  الأطراف، طالما تبين له أن النزاع قابل للحل، فقط يتطلب عمل وسيط يتوافر من الكفاءة والخبرة ما من شأنه التوفيق بين المتنازعين[4].

ج: إما أن يوقف البث في الدعوى إلى حين التوصل إلى عقد صلح في إطار إتفاق الوساطة، وذلك بالسماح إلى الأطراف اللجوء إلى وسيط ما بناء على اختيارهم وفق الشروط المقررة في أحكام الوساطة في قانون المسطرة المدنية المغربي.

الفقرة الثانية: الرقابة القضائية في إطار إجراء الوساطة الإلزامية

في هذا النوع من الوساطة يعرض طلب التسوية الودية للنزاع  لدى قضاء متخصص في الوساطة قبل اللجوء إلى القضاء وذلك ما لم يتم تنظيمه بموجب قانون 05 ـ 08 ، لكن يبقى التساؤل مطروح حول طبيعة عقد الصلح القضائي الذي يجري أمام هيئة قضائية  حول اعتباره يشكل أهم تجليات الوساطة القضائية ( أولا)  وفي هذه الفرضية يقتضي أيضا التطرق إلى طبيعة تدخل القضاء في مراقبة الصلح الذي يجري أمامه. ( ثانيا).

أولا:  العلاقة بين الصلح القضائي والوساطة القضائية

يلاحظ أن المشرع المغربي لم ينص على هذا النوع من الوساطة القضائية بحيث ترك الأمر مبدئيا اختياريا بإرادة الأطراف ، حيث بإمكانهم اللجوء إليها، أو عدم اللجوء إليها[5]، طالما أنه لم يتم التنصيص عليها في إطار القواعد العامة الخاصة بأحكام الوساطة في قانون  المسطرة المدنية المغربي ، وذلك عكس المشرع الجزائري الذي بدوره أغقل تنظم الوساطة الإتفاقية، بينما تعرض بتفصيل لأحكام الوساطة القضائية على غرار مجموعة من التجارب المقارنة.

حيث نص قانون رقم 08 ـ 09  المؤرخ في 25 فبراير 2008 على الوساطة القضائية في 12 مادة من المادة 994 إلى المادة 1005، غير أن الذي يعاب على هذا القانون أنه استثنى من الوساطة القضائية قضايا الأسرة والقضايا العمالية [6]، بينما تعتبر هذه النزاعات في باقي التجارب المقارنة مهد الوساطة القضائية، خاصة التشريع الفرنسي لسنة 1970 الذي أتاح للقضاء إمكانية اللجوء إليها قبل النظر في موضوع النزاع طالما أكانت اكثر فائدة في حسم النزاع بين الأطراف[7].

وبالرجوع إلى التشريع المغربي نجد أنه ألزم القضاء بعرض الصلح على الأطراف وهو ما يضفي على طبيعة الدور الذي يقوم به، بمثابة وسيط قضائي يعمل على لفت انتباه الأطراف إلى أهمية الصلح، وهذا خلافا للتجارب المقارنة التي تاخذ بنظام الوساطة القضائية حيث عملت هذه الأخيرة على  تطبيق نظام الوساطة القضائية، من خلال توكيلها مهمة التوفيق بين الأطراف للقضاة الوساطة، أما في التشريع المغربي فيعهد بمهمة التوفيق بين الأطراف، في إطار الموضوعات السالفة الذكر إلى قاضي الحكم، وهذا ما يجعل الأطراف أكثر جدية في حسم النزاع بينهما، لكن في المقابل يضع هذا الاختصاص القضائي المضاف إلى أعمال القاضي في مشكلة إمكانية إثارة عدم حياده تجاه الأطراف.

ثانيا: دور مراقبة القضاء في إطار الصلح القضائي الإلزامي

حقيقة أدوار القضاء لا تختلف عن باقي تدخلاته في إطار الصلح الاختياري الذي يجري أمامه، فقط يتعين في هذا الإطار التأكيد على بعض الملاحظات، ومنها:

أن القضاء ليس له سلطة إلزام أطراف النزاع بالصلح القضائي؛

كما ليس له أن يتخطى هذا الإجراء الجوهري؛

بحيث يعتبر من النظام العام ؛

فيمكن  إثارته ولو لأول مرة أمام محكمة النقض.

هذا من جهة ، ويلاحظ أن للقضاء دورا فعالا في مراقبة النظام العام الاجتماعي[8]، وذلك بمناسبة إجراء الصلح بين الأطراف، حيث له سلطة عدم المصادقة على الصلح الذي يتضمن تنازلات من الأجير عن حقوقه الاجتماعية، التي تعتبر حدا أدنى لا يجب المساس به، كما يمنع عليه المصادقة على الصلح الذي يمس بالحماية الفضلى للطفل [9].

المطلب الثاني

الرقابة القضائية على اتفاق الوساطة الإرادية

قد يتم اللجوء إلى الوساطة الاتفاقية دون سلوك مسطرة التقاضي ذلك ما يطرح طبيعة تدخل القضاء في مراقبتها ( الفقرة الأولى) وذلك ما من شأنه إبراز دوره في إضفاءه لرقابته على الوساطة الاتفاقية ( الفقرة الثانية ).

الفقرة الأولى : طبيعة إشراف القضاء على اتفاق الوساطة الإرادية

يلاحظ أن طبيعة تدخل القضاء بعد إبرام الأطراف اتفاق الوساطة يبقى تدخلا محدودا[10]، وذلك راجع للطبيعة التعاقدية لأعمال الوساطة، فالأطراف  إما أنهما يتفقا على حسم نزاع قائم بينهما بموجب عقد يتم بموجبه تعيين وسيط، أو يتفقا على شرط وساطة بخصوص نزاع مستقبل الوقوع من شأنه أن يجنبهما طول إجراءات التقاضي و يضمن لهما  طابع السرية والفاعلية ويحفظ أموالهما من الضياع.

وبالنظر إلى الطبيعة التعاقدية لأعمال الوساطة، فإن الدور الذي يلعبه القضاء في هذا المجال كسائر باقي أدواره في العقود الأخرى، فيتدخل بموجب الدفع ببطلان الوساطة وذلك عند الإخلال بشروطها الموضوعية أو الشكلية[11].

هذا وتتحدد الصورة الثانية لهذا التدخل في حالة قيام أحد الأطراف برفع دعوى قضائية بخصوص نزاع موضوع اتفاق وساطة، فيجب على المحكمة أن تقضي بعدم القبول إلى حين استنفاذ مسطرة الوساطة أو بطلان مقرر الوساطة وذلك بناء على طلب الأطراف؛ وهذا ما تشير إليه المادة  327- 64: ” يجب على المحكمة المحال إليها نزاع في مسألة أبرم الأطراف في شأنها اتفاق وساطة وفقا لمقتضيات هذا الفرع أن تصرح بعدم القبول إلى حين استنفاد مسطرة الوساطة أو بطلان اتفاق الوساطة.

إذا كان الوسيط لم يعرض عليه النزاع بعد، وجب على المحكمة ّأيضا أن تصرح بعدم القبول ما لم يكن اتفاق الوساطة باطلا بطلانا واضحا.

لايجوز للمحكمة في كلتا الحالتين أن تصرح تلقائيا بعدم القبول. “

وتطرح هذه الصورة ملاحظتين أساسيتين:

ــ أن الدفع بعدم القبول،  ليس من النظام العام، بل يقتضي من الأطراف إثارته قبل كل دفع أو دفاع في الموضوع؛

يجب على الأطراف التمسك به؛

في حالة الدفع به لا تملك المحكمة سلطة صرف النظر عنه؛

ما لم يتبين لها أن اتفاق الوساطة باطل بطلانا واضحا.

من هنا يتضح جليا أثار الطبيعة العقدية على طبيعة تدخل القضاء في كل من اتفاق الوساطة وأثاره على حق الأطراف في اللجوء إلى القضاء، امتد تأثيرها على مستوى حقوق الأطراف أيضا، إذا أن الدفع بعدم القبول يتخذ مدلولا مخالفا لمدلوله الأصلي في إطار القواعد العامة.

الفقرة الثانية: دور رقابة القضاء على اتفاق الوساطة الإرادية

تعد الوساطة الإرادية التي تتم بمعزل عن تدخل القضاء في نشأتها، حيث أن اللجوء إلى هذا الأخير يكون لاحقا من حيث المبدا عن إبرام اتفاق وساطة، إما بعقد أو في إطار شرط وساطة، وفقا لما هو منصوص عليه في أحكام قانون المسطرة المدنية . كما يمكن أن يتم بعد  عرض النزاع بين الطرفين أمام المحكمة المختصة به، فيكتفي الطرفين بإحاطة المحكمة علما بهذا الاتفاق.

ويترتب على هذا ، وجوب تقيد القضاء عند الاختيار المسبق أو اللاحق من أطراف النزاع  لعملية الوساطة قبل أو أثناء افتتاح الدعوى أمام المحكمة،  بالمبدأين التالين:

 أولا: مبدأ اتفاق الوساطة الصحيح ينزع الاختصاص النوعي عن المحكمة

تنطبق نفس الأحكام السابق عرضها بخصوص أثار الوساطة الإرادية التي تجري أمام القضاء، حيث يقضي هذا الأخير بعدم القبول وفق نفس الشروط المشار إليها أعلاه[12].

ما يجب الإشارة إليه، في هذا الصدد، هو انتباه المشرع المغربي في الفقرة الثانية من المادة 327ـ64،  إلى إمكانية استغلال الدفع بوجود وساطة اتفاقية تعقل اختصاص النظر للمحكمة من طرف ذوي سيء النية على وجه الخصوص، لذلك منع الأطراف من التمسك بهذا الدفع، طالما أن سبب من أسباب البطلان يتضح جليا للقاضي المثار أمامه هذا الدفع، وهذا ما يجنب الأطراف استنزاف مجهودهما في إجراءات وساطة باطلة.

ثانيا:  إتمام إجراءات الوساطة بين إرادة  الأطراف وإلزام النص

قد يبدو من خلال المادة 327 ـ 64 أنه من واجب الأطراف إتمام إجراءات الوساطة، لأن القضاء ملزم بالقضاء بعدم القبول طالما تبين له عدم إتمام إجراءات الوساطة، وهذا ما يعتبر بمثابة دعامة تشريعية لتكريس مؤسسة الوساطة باعتبارها بديلا للعدالة التعاقدية، لكن هذا الطرح سرعان ما يتلاشى بقراءة مقتضيات الفقرة الثالثة من نفس المادة أعلاه، التي تجعل من حق أحد أطراف النزاع إثارة عدم إتمام مسطرة الوساطة، بينما تنزع ذلك عن سلطة القضاء بعدم السماح له من إمكانية إثارة ذلك تلقائيا ، وهو ما يفضي إلى استنتاج أن المشرع المغربي بدل تكريسه لفلسفة الحلول التوافقية في حل النزاعات بين الأطراف  التي يجب أن تتصف بخاصية السرعة والآجال المعقولة إلى اعتبارها مجرد وسيلة لإهدار مزيد من الوقت وتأخير حقوق الأفراد  في اللجوء إلى التقاضي.

المبحث الثاني

الرقابة القضائية  على مقررات الوساطة

إذا كان الصلح الناتج عن الوساطة يعد تعبيرا عن إرادة الأطراف، فيكفي – نظريا ـ إعتماد القواعد العامة في تنفيذ الإلتزامات لضمان تحقيق الغاية المرجوة من إبرام الصلح الذي يقوم بتحريره الوسيط المعين من قبل الأطراف[13].

لكن نجد أن المشرع المغربي يقضي بأنه يمكن للرئيس المحكمة المختص محليا بالبث في النزاع تذييله بالصيغة التنفيذية، وهذا ما يعد مثار عدة تساؤلات حول طبيعة مسطرة التذييل التي يقوم بها رئيس المحكمة ( المطلب الأول) والآثار المترتبة عليها ( المطلب الثاني ).

المطلب الأول

طبيعة مسطرة التذييل

تثير طبيعة مسطرة التذييل  قاعدتين أساسيتين؛ وهما؛ عدم إلزام رئيس محكمة التذييل بهذه المسطرة ( الفقرة الأولى ) وفي حالة اختيار مسطرة التذييل يجب استيفاء شروط معينة ( الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: عدم إلزام رئيس المحكمة بمسطرة التذييل

تشكل مسطرة التذييل أهم مظاهر الرقابة القضائية على مقررات الوساطة، حيث تنص المادة 327 ـ 69، “…..يمكن أن يذيل بالصيغة التنفيذية…”

ويلاحظ أن المشرع المغربي لم يجعل مسطرة التذييل مسطرة إلزامية، حيث كما بإمكان المحكمة أن تستجيب لطلب أحد الأطراف المستفيدين، بتذييل هذا الصلح بالصيغة التنفيذية ويمكن أيضا  أن تقوم برفض ذلك، ومرد تبرير ذلك،  يعود لتفادي إمكانية إلزام رئيس المحكمة بتذييل صلح متوصل إليه بموجب وساطة اتفاقية  رغم أن هذا العقد يتخلله سبب بطلان ظاهر، رغم أن المشرع لم يذكر الحالات التي يمكن أن نتصور فيها إمكانية رفض التذييل، فإن الفرضية السالفة الذكر، تبقى واردة، خاصة وأن المشرع المغربي سبق أنا عبر عن ذلك في الفقرة الثانية من المادة 327 ـ 68، وذلك بصدده السماح للقاضي بالنظر في الدعوى كانت موضوعة عقد وساطة سابق طالما أنه باطل بطلانا ظاهر.

الفقرة الثانية: إلزام رئيس محكمة التذييل بشروط

يلاحظ أن المشرع المغربي لم يعمد إلى توضيح هذه الشروط بشكل يحسم كل خلاف في قراءة المادة 327 ـ69، حيث تنص الفقرة الأخيرة من المادة المذكورة ” لهذه الغاية، فإن رئيس المحكمة المختصة محليا للبث في موضوع النزاع هو المختص بإعطاء الصيغة التنفيذية ”

بمعنى أنه يتعين تحقق الاختصاص المحلي عند تقديم طلب إلى رئيس المحكمة بتذييل مقرر الوساطة، وذلك وفق القواعد العامة لتحديد الاختصاص المحلي المحاكم المقررة في الفصول 27 و 28 وما بعدها من قانون المسطرة المدنية المغربي[14]، والتي من خلالها تحعل ـ محكمة الموطن الحقيقي للمدعى عليه محكمة تذييل؛

ـ تم محكمة الموطن المختار للمدعى عليه؛

ـ تم محكمة محل الإقامة:

ـ ثم في الأخير محكمة موطن المدعي إذا لم يكن للمدعى عليه لا موطن ولا محال إقامة بالمغرب.

أما عن الاختصاص النوعي فيلاحظ أن المادة المذكورة تحدد الاختصاص تبعا لموضوع النزاع فإذا كان موضوعه نزاعا إداريا فالمحكمة المختصة المحكمة الإدارية أما إذا كان تجاريا فينعقد الاختصاص للمحكمة التجارية في حدود اختصاصها القيمي أما إذا كان مدنيا فالمحكمة المختصة بالتذييل تبقى المحكمة المدنية ذات الولاية العامة.

المطلب الثاني

أثار مسطرة التذييل

من الملاحظ  استعمال المشرع المغربي لمصطلح التذييل من الناحية النظرية يبقى متناسبا نسبيا مع الطبيعة الإرادية لنظام الوساطة الاتفاقية، عكس ما هو مكرس لدى الأنظمة القانونية الأخرى .

فعن مجال التناسب فيتحدد في نظرنا بسبب اعتبار أن مسطرة التذييل في التشريع المغربي تكون موضوع الوساطة الاتفاقية التي بدأت وانتهت بعيدا عن القضاء، عكس الأمر بالنسبة للوساطة القضائية بالنسبة للأنظمة القضائية التي أخذت بها، والتي عمدت إلى تبني ألية  المصادقة القضائية على مقررات الوساطة، لتكتسب قوة الشيء المقضي به. فذلك الذي يعتبر ايضا متناسبا مع نظام الوساطة القضائية، خاصة إذا علمنا أن القضاء ملزم من الناحية العملية بهذه المصادقة طالما أشرف شخصيا على إجراء هذه الوساطة، وبعدما تتأكد من استيفاءها لشروطها القانونية.

وذلك عكس التشريعات التي تعتمد الوساطة الاتفاقية، حيث يجب تخويل محكمة التذييل سلطة التذييل حسب الظروف المرتبطة بعمليات الوساطة.

وعن نسبية هذا  التناسب المذكور أعلاه بين الوساطة الاتفاقية ومسطرة التذييل، فيرجع في نظرنا إلى إفراغ النظام التعاقدي الذي اختاره المشرع المغربي، لإبرام عقد الوساطة، وكذلك لإبرام الصلح في هذا الإطار، حيث أنه لا مناص من تدخل القضاء لإضفاء القوة التنفيذية على مقرر الوساطة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لائحة المراجع

الكتب بالعربية:

– بنسالم أوديجا: الوساطة كوسيلة من الوسائل البديلة لفض المنازعات، مطبعة دار القلم، الطبعة الأولى، 2007.

–  محمد الشرقاني: النظرية العامة للالتزامات: مصادر العقد، الجزء الأول،الطبعة الأولى، مطبعة سجلماسة مكناس.

– عبد القادر العرعاري: نظرية العقد، الطبعة الرابعة، مكتبة دار الأمان، الرباط، 2014 .

– أحمد عبد الكريم سلامة: قانون التحكيم الدولي و الداخلي، الطبعة الأولى، دار النهضة العربية ، القاهرة،2004.

باللغة الأجنبية:

_ Namour fady, gabrillac remy : Droit des obligations, droit  francais libanais parspectives  europiéenes  et internationale s,L.G.D.J , 1er édition, 2006. _ Benabent : Droit  civil, les contrats spéciaux, paris, édition mont,1999.

الأطروحات والرسائل:

– الطاهر بريك: عقد الصلح- دراسة مقارنة بين القانون المدني و الشريعة الإسلامية، مذكرة لنيل شهادة الماستر في العقود و المسؤولية، كلية الحقوق، جامعة بجاية، الجزائر،2001-2002.

– خديجة علاوي: الوساطة لحل النزاعات في القانون الداخلي المغربي، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق ، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، سلا، 2014-2015 .

–  فيصل بجي: الوساطة كآلية بديلة لتسوية منازعات الاستثمار، أطروحة لنيل الدكتوراه، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، سلا، 2013-2014.

مقالات:

– زهور الحر: الصلح في القانون المغربي و القانون المقارن، مساهمة في الندوة الوطنية حول موضوع الإشكالات القانونية و العملية في مجال الضريبي، دفاتر المجلس الأعلى، العدد 16 ، مطبعة المعارف الجديدة –الرباط، 2011

– عبد المجيد غميجة: نظام الوساطة الإتفاقية بالمغرب، المجلة المغربية للوساطة و التحكيم، العدد 4 ، 2009،

المواقع الإلكترونية:

https://www.courdecassation.fr/publications_26/bulletin_i

[1] – هذا ما نصت عليه بعض التشريعات صراحة مثل المشرع الفرنسي في المادة 131 ـ 1 من قانون المسطرة المدنية الفرنسي.

أنظر أيضا بنسالم أوديجا، م.س، ص 45.

[2] – في هذه الحالة يلاحظ أن صيغة المحضر تعد الصورة الثالثة التي يمكن أن يرد فيها اتفاق الوساطة، ولا تكون مرعية الشكليات الخاصة بإبرام اتفاق الوساطة، أو عقد الصلح، لأنه هذا المحضر يتم انجازه من طرف موظف عمومي وهو كاتب الضبط باعتباره شاهدا على ما يحدث في الجلسة.

[3] –  أنظر  https://www.courdecassation.fr/publications_26/bulletin_information

تم الدخول إليه يوم  15 ـ12ـ2017 على الساعة : التاسعة مساء.

[4] – في هذه الحالة، لا يكون الوسيط ملزما بالسر المهني تجاه قاضي التعيين، كما يخضع لإشرافه ورقابته، ويمكن أن يرجع الوسيط إلى محكمة الانتداب من أجل تلقي التوجيهات التي من شأنها أن تسعفه في التوصل إلى الحل بين الطرفين، كما أنه في الغالب يتم تحديد مدة انتدابه للقيام بمهمة الوساطة، داخل أجل تعينه المحكمة، كما يمكنها استبداله في أي وقت بناء على طلب الأطراف، أو وقف عمله طالما تطور النزاع ما من شأنه استعصاء حله عن طريق عمليات الوساطة القضائية.

[5] – لم يتم الإشارة إليها ضمن أحكام الخاصة بوسائل البديلة لحل النزاعات لكن بالرجوع للمادة الأخيرة من نظام الوساطة الاتفاقية، نجدها تحيل على النصوص الخاصة، في تحديد شروط نظام الوساطة، وذلك ما تكرسه الأحكام الخاصة بمدونة الأسرة والمسطرة الخاصة بالقضايا الاجتماعية، رغم أن هذه الأحكام الأخيرة لا تحرج عن مقتضى الاستثناء في تنظيم الوساطة.

[6] – حقيقة يعتبر توجه المشرع الجزائري غير مبرر خاصة إذا علمنا  أن هذا الأخير لم يتبنى أحكام الوساطة الإتفاقية.

[7] –  أنظر: محمد ابراهيم موسى: التوفيق التجاري الدولي ، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2005، ص 45.

[8] ـ فالمادة 11 تكرس قاعدة اعتبار نصوص مدونة الشغل حدودا دنيا لا يجب النزول عنها.

[9] –   أنظر : ص 4، https://www.courdecassation.fr/publications_26/bulletin_information

مشار إليه سابقا.

[10] – هذا يبقى مجرد فرض أولي في حدود المادة المدروسة في نظام الرقابة على أعمال الوساطة، ذلك أن هذا الحكم سرعان ما قد يتبدد بموجب نصوص اخرى.

[11] –  حقيقة يزعم المدافعين على وجوب تدخل القضاء في إطار مسطرة التذييل  من أجل تذييل عقد الصلح الناتج عن اتفاق الوساطة، أن القضاء يمنع الأطراف من اتفاق على محل مخالف للنظام العام لكن نجد هذا التصور المعيب يعود إلى عدم استيعاب طبيعة نظام الوساطة، وعدم استيعاب جدوى التنصيص داخل نظام الوساطة على دعوى البطلان، التي تبقى في نظرنا أنها تعد مجرد اجترار لأحكام القواعد العامة، حيث لسنا في حاجة إلى تذكيرنا بها من طرف المشرع المغربي في هذا الإطار.

[12] – راجع الصفحة 3 أعلاه.

[13]  – وذلك فيما يخص قواعد التنفيذ العيني للالتزام او التنفيذ بمقابل. التي تعتبر من أثار الالتزامات.

[14] – لأن الفصل 430 من ق م م يكرس معايير أخرى فيما يخص تذييل الأحكام والاتفاقات الأجنبية.

اترك تعليقاً