العملات الافتراضية بين القانون والواقع

2018 03 21
2018 03 21

العملات الافتراضية بين القانون والواقع

عبد الرحيم ابلعيد

أصبح التطور المتزايد في تكنولوجيا وسائل الاتصال في جوانب الحياة المعاصرة كافة , بما فيها الجانب القانوني , بمثابة انتقال نوعي في عالم الاتصال والتواصل في معاملات الأفراد وقد نشأ عن دالك طفرتين هما : طفرة الاتصالات، وطفرة تقنية المعلومات إلى أن أصبحت وسائل الاتصال الحديثة كشبكة الانترنيت من الوسائل التي لا يمكن الاستغناء عنها. كما أفرزت العقود الأخيرة ثورة من نوع آخر متصلة بوسائل المعلوميات، نتيجة التطور الذي تجسد أساسا في انتشار أجهزة حاسوب ذات مستوى عالي، متطور بشكل مستمر، وبرامج متقدمة، وشبكات اتصال قربت ملايير البشر بعضهم البعض، وأتاحت فرصا للإطلاع على المعلومات وتبادلها لجميع الأشخاص باختلاف مستواهم العلمي. فهده الثورة فاقت تقنياتها وتحديثاتها كل التصورات، أسقطت الحواجز المكانية والزمانية وجعلت العالم قرية صغيرة تمثل التقنية فيها واسطة النشاط، وأداة اقتصاد المعرفة، ورأس المال الفكري. وقد نتج عن كل دالك العديد من التطبيقات التي أثرت تأثيرا كبيرا في عدد كبير من أوجه النشاط الاجتماعي والاقتصادي, كان من أهمها ظهور التجارة الإلكترونية  Electronique commerce .

وقد ظهر إلى جانب هده الأنشطة الالكترونية نشاط جديد غاية في الأهمية وهو ما يعرف بالعملات الالكترونية أو الافتراضية ويمكن تعريفها بكونها تمثيل رقمي لقيمة يمكن تحويلها أو تخزينها أو تداولها إلكترونيّاً لا تصدر عن البنك المركزي أو السلطات العامة وليست بالضرورة متعلّقة بعملة ورقيّة إنما يقبل الناس عليها كوسيلة للدفع والتداول(1)  وقد ظهرت منها أنواع متعددة مثل لايت كوين ونيم كوين والاثيريوم.  لكن العملة الافتراضية الأكثر شعبيّة حالياً هي البتكوين Bitcoin  التي كان أول ظهور لها سنة 2008 وقد عرفت إقبالا كبيرا في منصات التداول ودالك لسهولة استخدامها وارتفاع قيمتها الذي وصل إلى 8000 دولار للعملة الواحدة وهو في ارتفاع ملحوظة  حيث يتم بيع هده العملات في البورصة وتباع أيضا في موقع يسمى تابا وهو عبارة عن حقيبة الكترونية بحيث يشتري المتداول أسهم ويتم استثمارها كما أن هناك موقعين هما 500+ و EURO وهو موقع بريطاني عالمي معروف(2) . ومع انتشارها عالميا حضيت عملة البتكوين بالاعتراف  في عدد من دول العالم من بينها ألمانيا، النمسا، كندا، البرازيل، السويد وبعض الولايات الأمريكية، بالإضافة إلى بريطانيا بشكل جزئي، في حين تبقى الصين أبرز معارض للتعامل بها.وهو ما أثار جدلا كبيرا في  الدول العربية بين من منع التداول بهده  العملات وبين معترف بها ومن بين تلك الدول نجد المغرب الذي عرف فيه التداول بهده العملات خاصتا البتكوين انتشارا واسعا وإقبالا ملحوظا دون رقابة من الجهات الوصية وهو وهو ما حدا بمكتب الصرف المغربي إلى اصادر بيانا قال فيه إن “التعامل بهذه النقود الافتراضية، يشكل مخالفة لقانون الصرف الجاري العمل به، ويعرض مرتكبيها للعقوبات والغرامات”(3) .وفي بيان مشترك آخر صادر عن وزارة المالية والبنك المركزي المغربي والهيئة المغربية لسوق الرساميل، فقد تم تأكيد غياب حماية العميل الذي يتعامل بالبيتكوين، فضلا عن غياب حماية قانونية لتغطية الخسائر التي قد تنتج عن تعطل منصات التبادل، وغياب إطار قانوني خاص بحماية مستعملي هذه العملات عند إنجازهم للصفقات.

اقرأ أيضا...

هدا المنع طرح إشكالا بخصوص الحماية القانونية للمتداولين للعملات الافتراضية وما هو الأساس القانوني المرتكز عليه في منع التعامل بالعملات الافتراضية ومدى توافقه مع مبدأ الشرعية  أن لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص وما الإطار القانوني الذي يعتمده من يقول بجواز التعامل بهده العملات .لتناول هده الإشكاليات وغيرها من الإشكالات التي يطرها هدا الموضوع  سيتم الاعتماد على التصميم التالي

المحور الأول : الأساس القانوني لتجريم التعامل بالعملات الافتراضية .

المحور الثاني : الأساس المعتمد للقول بجواز التعامل بالعملات الافتراضية

المحور الأول

الأساس القانوني لتجريم التعامل بالعملات الافتراضية .

لم تحضا العملات الافتراضية وغيرها من وسائل الدفع بتنظيم خاص سواء على المستوى الوطني او الدولي لكن يرتكز القائلون بمنع التعامل بالعملات الافتراضية ومنهم مكتب الصرف المغربي على ظهير 1939/09/10 بمثابة قانون الصرف والفصلين 15 و17 من ظهير 1949/8/30المتعلق بزجر جنح قانون الصرف .

فعند استقرائنا لهده الفصول يتبين أن ظهير 10/09/1939 الذي يضبط حركة رؤوس الأموال وعمليات الصرف والاتجار في الذهب يتحدث عن رؤوس الأموال بأية صورة كانت والتي تتضمن جميع العملات ,سواء كانت تقليدية او افتراضية .ذالك انه لم يميز بينها حيث نص على ما يلي (يمنع إخراج رؤوس الأموال بأية صورة كانت إلا بإذن من مدير المالية العام ويمكن لمدير المالية العام ان يفوض نفوذه لتسليم الرخص المشار إليها أعلاه ويحق للكمسير المقيم العام ان يحدد العمليات التي تعتبر كإخراج الأموال  عملا بهذا الفصل ). فعبارة رؤوس الأموال بأية صورة كانت تجعل من العملات الافتراضية إحدى صور رؤوس الأموال الممنوعة ولا تجعلها خارجها .

كما ينص الفصل 2 من ذات الظهير على انه (تباشر عمليات الصرف المرخص بها عملا بالفصل السابق بواسطة البنك المركزي المغربي او المؤسسات البنكية المقبولة خاصة من طرف مدير المالية العام بناء على اقتراح البنك المركزي المغربي) واعتبارا لكون العملات الافتراضية ليست من بين العملات التي تتعامل بها البنوك بما فيها البنك المركزي المغربي لذالك فهي تخضع للحظر المنصوص عليه في الظهير ألمدكور.

إن القول كدالك بان مقتضيات الفصلين 15 و17 من ظهير 30-08-1949 تخص فقط العملة التقليدية وليس العملة الافتراضية لا يصمد أمام ما بسطناه في الفقرة السابقة يضاف الى ذالك ما نص عليه الفصل 2 من نفس الظهير الذي ينص على (تثبت كل مخالفة للضابطة المتعلقة بالصرف او كل محاولة لمخالفته ويتابع ويزجر مرتكبوها طبقا للكيفية المبينة في الظهير بما فيها مقتضيات الفصلين 15 و17).

حيث ينص الفصل 15 ( كل من ارتكب مخالفة للضابط المتعلق بالصرف أو حاول ارتكاب مخالفة يحكم عليه بالسجن يتراوح أمده من شهر إلى خمس سنين وبذعيرة يتراوح قدرها من خمسين ألف من الفرنك إلى 100مليون من الفرنك وذالك من غير أن يكون مبلغ تلك الذعيرة اقل من خمس مرات قدر قيمة الذهب القانونية او العملة او قيمة السندات او الحقوق او المنقولات أو العقارات المرتكبة فيها المخالفة).

وينص الفصل 17 (يجب على المحكمة ان تحكم بحجز الشئ الواقع عليه الجريمة اي حجز المنقولات او العقارات التي وقعت فيها المخالفة سواء كانت تلك المخالفة عملية ممنوعة او نسيان او تصريح او ايداع او تخل للمكتب المغربي الخاص بأمور الصرف ويصدر الحكم المذكور بصرف النظر عن العقوبات المنصوص عليها في الفصل 15 واذا لم يمكن لسبب ما حجز الشئ الواقعة عليه المخالفة او اذا لم يأت به المخالف فيجب على المحكمة ان تحكم بذعيرة يساوي قدرها قيمة الشئ المذكور ويزاد فيها ما حصل عليه المخالفون او ما أرادوا ان يحصلوا عليه من الربح غير الجائز .وتقوم تلك الذعيرة مقام الحجز المتحدث عنه).

فمن خلال الفصلين المذكورين فالمنع لا يشمل فقط العملات التقليدية إنما يشمل أيضا العملات الافتراضية أيا كان نوعها,وهو الأساس الذي اعتمده مكتب الصرف حين منع وحذر المتداولين بهده العملات  من  ما قد يلحقهم من مخاطر إزاء دالك.

 

المحور الثاني

الأساس المعتمد للقول بجواز التعامل بالعملات الافتراضية

إن القائلين بجواز التعامل بالعملات الافتراضية ينقسمون الى فريقين .فمنهم من اعتبر ان المنع الذي جاء بهم مكتب الصرف المغربي لا يعد أن يكون إجراء استباقي على أساس التفكير مستقبلا في كيفية التعامل مع هده العملات الافتراضية وتنظيمها. وهناك من يرتكزون أساسا على مبدأ شرعية الجريمة حيث لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص المكرس بموجب الفصل 3 من القانون الجنائي الذي  ينص على ( لا يجوز للقاضي الجنائي مؤاخذة المتهم قياسا على أفعال مماثلة نص القانون على عقابها) .إذ لا يمكن مؤاخذة الأشخاص من اجل الاتجار في العملة الافتراضية قياسا على مخالفة الضابط المتعلق بالصرف الذي يهم العملات التقليدية .حيث إن الفصلين 15 و17 اللذين يعتمدهما القائلون بالمنع يتبين أنهما يخصان مخالفات الضابط المتعلق بالصرف بالنسبة للعملات التقليدية وليس العملة الالكترونية الافتراضية الوهمية فهده الأخيرة لا وجود لها فزيائيا وتختلف عن العملات التقليدية بعدم وجود هيئة تنظيمية مركزية تقف خلفها إلا أنها تستعمل كأي عملة أخرى للشراء عبر الانترنيت او في متاجر تقبل الأداء باستعمال بطاقة بتكوين أو تحويلها إلى عملات تقليدية .

فلا يمكن مؤاخذة الفرد قياسا على أفعال مماثلة نص القانون على عقابها ودالك انسجاما مع مبدأ عدم جواز استعمال القياس في القانون الجنائي ,فالقاضي الجنائي يكون ملزما باعتماد التفسير الضيق للنص الجنائي الذي يكون في صالح المتهم .

حيث جاء في الحكم الابتدائي عدد 7929 الصادر عن المحكمة الابتدائية بمراكش بتاريخ 03/10/2017 في  الملف عدد 2017/2103/6256 :وحيث باستقراء المحكمة للفصلين 15 و 17 اللذين أسست عليهما المتابعة بالاتجار في العملات الافتراضية –بيتكوين- اتضح أنهما يخصان مخالفات الضابط المتعلق بالصرف بالنسبة للعملات التقليدية وليس العملات الالكترونية الوهمية التي ظهرت إلى الوجود بتاريخ 03/01/2009 والتي يتم تداولها عبر الانترنيت فقط من دون وجود فيزيائي لها وتختلف عن العملات التقليدية بعدم وجود هيئة تنظيمية مركزية تقف خلفها إلا أنها تستعمل كأي عملة أخرى للشراء عبر الانترنيت او في متاجر تقبل الأداء باستعمال بطاقات بيتكوين او حتى تحويلها الى العملات التقليدية .

وحيث ان متابعة المتهمين من اجل جريمة الاتجار في العملات الافتراضية بيتكوين رغم عدم التنصيص عليها كجريمة ضمن الجرائم المكونة لمجموعة القانون الجنائي او النصوص الجنائية الخاصة يتناقض والمبدأ العالمي المعروف بمبدأ شرعية الجرائم وعقوباتها – لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص – ……

وحيث ان القاضي الجنائي لا يجوز له إذا عرضت عليه أفعال لم يقم المشرع بتجريمها ان يؤاخذ المتهم قياسا على أفعال مماثلة نص القانون على عقابها انسجاما مع مبدأ عدم جواز استعمال القياس في القانون الجنائي  في حين يكون ملزما باستعمال التفسير الضيق للنص الجنائي الذي يكون في صالح المتهم.وحيث ارتكازا على هده المبادئ فلا يمكن مؤاخذة المتهمين من اجل الاتجار في العملة الافتراضية –بيتكوين- قياسا على مخالفة الضابط المتعلق بالصرف الذي يهم العملات التقليدية .

فالقول بمنع التداول بالعملات الافتراضية أيا كان نوعها وما دام أن المشرع المغربي لم يتناول هده الأنواع من العملات بالتنظيم قول لا يستقيم مع المبادئ المتعارف عليها دوليا .كما ان على المشرع وحمايتا للمستهلك المغربي مما قد يلحقه من اضرار, عليه ان يخضع هده العملات للتقنين ودالك لما تعرفه من انتشار واستعمال سواء في التجارة الالكترونية او غيرها من التعاملات الالكترونية التي تشهد انتشارا واسعا في كل الأوساط الاجتماعية.

المراجع:

  • ظهير 1939/09/10 بمثابة قانون الصرف
  • ظهير 10/09/1939 الذي يضبط حركة رؤوس الأموال
  • ظهير 1949/8/30المتعلق بزجر جنح قانون الصرف .
  • رسالة بعنوان النظام القانوني لمحفظة النقود الالكترونية صادر عن الجامعة العراقية -د. سمير إسماعيل-.

الاحالة:

  • -د. سمير إسماعيل-النظام القانوني لمحفظة النقود الالكترونية صادر عن الجامعة العراقية
  • نفس المرجع السابق
  • بيان صادر عن مكتب الصرف المغربي بتاريخ 20 نونبر 2017
اترك تعليقاً