المنهجية ! .. ما المنهجية؟

2018 03 25
2018 03 25

المنهجية ! .. ما المنهجية؟

الدكتور عبد الحكيم الحكماوي

يثير الكثير من المهتمين بالبحث العلمي مسألة المنهجية عندما يكون الأمر متعلقا باجتياز امتحان أو إنجاز عرض أو تحرير رسالة أو أطروحة أو ما إلى ذلك. وتحتل كلمة منهجية مركزا مهما في تفكير الباحث طالبا كان أم رجل قانون ولو كان مهنيا. غير أن السؤال المطروح في هذا الصدد هو؛ هل بالفعل نحتاج في كل مناسبة علمية أن نبحث عن المنهجية المناسبة؟ وهل المنهجية حاجة متغيرة أم طريقة تكتسب مع الزمن وتترسخ بشكل مُتَنامٍ يُبلوِرُهُ المستوى المعرفي للباحث؟

دعونا نبدأ بصورة كاريكاتيرية إن صح التعبير؛ عندما يولد الإنسان يكون غريبا عن الوسط الذي ولد فيه، فلا هو يعي نفسه ولا يدرك حقيقة وسطه ولا محيطه، كما أنه لا يعلم من أين تبتدئ علاقاته بغيره وأين تنتهي، وفوق هذا وذاك يكون غير قادر على القيام بشؤونه الشخصية. لكن هذه الحالة سرعان ما تبدأ في التغير بدأ بعلاقته بأمه التي يعي انفصاله عنها بمجرد قطع حبله السري فيعبر عن ذلك الوعي بالبكاء، فتبدأ معرفته بمحيطه تتنامي عندما يتصل بالعالم الخارجي. وبتوازٍ مع نموه العمري والعقلي يبدأ هذا المحيط بتلقينه العديد من المهارات التي تؤهله للتعامل مع مختلف المعارف التي يتلقاها بحواسه الخمسة، فيبدأ في استيعاب ما يتلقاه رويدا رويدا، فتتكون عنده ملكة التمييز بناء على معايير مختلفة كمعيار المسافة فيميز بين البعيد والقريب ومعيار الارتفاع فيميز بين الأعلى والأسفل كما يتلقى من محيطه الأسري معايير متعددة من قبيل ما هو خير وما هو شر وما هو قبيح وما هو حسن ويميز بين ما هو مباح وما هو محظور وما إلى ذلك من المعايير التي يستبطنها ويتخذها منطلقا للنظر فيما حوله من أشياء فيقسمها ويضعها في خانات عقلية وسلوكية متعددة. ومع مرور الوقت تتعاظم كل تلك الملكات وتتغير بحسب النضج العقلي أو السلوكي للفرد فتتغير تبعا لذلك نظرته لنفس الأشياء التي كانت تحيط به، وتستمر مسيرة النضج مادام الإنسان حي.

إن التأمل في الصورة أعلاه، يجعلنا نقف عند حقيقة مفادها أن حسن تعامل الفرد أو سوأه ينبني على مدى تمثله للحقائق والمعطيات التي يتعامل معها أو تدخل في نطاق إدراكه، كما يتوقف على الطريقة التي يتعامل بها أو يدرك بها تلك الحقائق والمعطيات. فينتج عن ذلك أن الفرد الواحد عندما يتعامل مع محيطه ومدركاته المختلفة يتعامل على مستويين؛ المستوى الأول يقوم على تمثل المعارف والمستوى الثاني ينتج عن طريقة استثمار تلك المعارف. وهذا هو أساس المنهجية في عمقها.

إن مَثَل تعامل الفرد مع الحقائق المحيطة به مَثَلُ تعامل الباحث مع البيئة البحثية. فالباحث في الأصل ما هو إلا كائن موجود اجتماعيا من الناحية الواقعية؛ غير أنه حديث الوجود في مجال تخصصه. لذلك فإن حدوثه هذا يماثل حدوث الإنسان عند الولادة.

ولتوضيح المعنى المراد من كلامنا أعلاه، نقول أن الشخص عندما يختار أن يتابع دراسته لمجال معين كالقانون مثلا أو الاقتصاد أو غيرهما يكون أولَ اتصال له بالسابقين في ذلك المجال بمثابة ولادة. فيكون في بادئ الأمر جاهلا بكل ما يتصل بذلك المجال لتبدأ عملية تلقينه للمعارف الأولية التي يتأسس عليها الحقل المعرفي الذي أصبح ينتمي إليه. فهذه اللحظة بالضبط تشبه لحظة الولادة بالنسبة للفرد الإنسان عند أول لقاء له بالحياة.

هنا لابد لنا من التساؤل حول ما إذا كان من المناسب أن نتحدث للوافد الجديد على هذا الحقل المعرفي أو ذاك عن المنهجية وكيفية ترتيب معلوماته بشكل منظم ومنسق وهل يجب الالتزام بالتقسيم الثنائي أم الثلاثي وغيره؟

طَرْحُنا لهذا السؤال يجد مشروعيته في مدى قدرة الطالب الجديد مثلا على توظيف معلومات هو نفسه حديث العهد بها، كما أنها لا تزال طرية غير واضحة المعالم في ذهنه، وزيادة على هذا وذاك فإن كم المعلومات التي يتوفر عليها هذا الطالب لا يؤهله للتصرف فيها تصرفا يجعله قادرا على تصنيفها وتنظيمها وإيجاد الروابط القائمة بينها للتعرف على ما يجمعها وما يفرقها.

لننطلق من مُسَلَّمَةِ أن المنهجية التي تتطلب خطوات من أجل تأسيس موضوع معين أو صياغته إنما هي طريقة تفكيرٍ منظمٍ يتم التعامل من خلاله مع مختلف المواضيع المطروحة للدراسة، وعملية التفكير هاته لها شروطها الموضوعية والذاتية.

إن أهم شرط موضوعي هو ضرورة توافر كَمٍّ محترم ووافر من المعارف المتصلة بالحقل المعرفي الذي ينتمي إليه موضوع الدراسة. وهذه المعارف ذاتها لا يجب أن يُنظَرَ إليها على أنها معلومات مجردة لها علاقة بذات الموضوع؛ ولكن يجب النظر إليها على أنها ترابط قائم على نحو منسجم بين مجموعة من الآليات الضرورية لفهم واستيعاب الخطاب الذي يتم يتداوله في حقل التخصص الذي يشتغل فيه الطالب الجديد. ولذلك فإن أول ما يجب أن يتم العمل عليه هو تلقين الطالب تلك الأوليات المعرفية من أدوات الفهم والتفكيك والتحليل وإعادة التركيب بتواز من تلقينه المبادئ الأولية لتخصصه، إذ أن الأُولَى هي الكفيلة بمساعدته على التمكن من الثانية تمكنا يساعده على التعامل مع ما يتلقاه تعاملا تراكميا لا كميا. إذ في غياب امتلاك الأدوات اللازمة للتعامل الذكي مع ما يتم تلقيه سيصبح الطالب مجرد أداة حافظة لكم هائل من المعلومات التي سرعان ما يتخلص منها بمجرد انتهاء الامتحان أو انتهاء أي عمل أكاديمي بحثي يقوم به؛ فيبدأ الكَرَّةَ من جديد بمناسبة تعامله مع مادة جديدة من مواد تخصصه بنفس النَّفَسِ المرهق والمتعب؛ وهكذا إلى أن تنهار قواه في جهد لن يفضي به إلى شيء.

فالمزاوجة بين الآليات اللازمة للفهم وتلقي المبادئ الأولية للتخصص هو ما يؤهل الطالب الجديد ليكون بالفعل منتميا لتخصصه لا متطفلا عليه. وهنا يجدر التنبيه إلى أن هذه المعارف بمختلف أنواعها يجب أن تُلقن للطالب ويتدرب عليها كما يلقن الطفل الصغير مبادئ التعامل مع المحيط وما يفرزه هذا المحيط بشكل يؤهله للتأقلم مع المتغيرات التي يلاقاها مع مرور الزمان بعدما يأنس في نفسه القدرة على الاستقلال في اتخاذ القرارات بمعزل عن الرعاية الدائمة للوالدين. وما يماثل هذه الاستقلالية الاجتماعية هو ما يجب البحث عنه منذ بداية تلقين الوافد الجديد على تخصص ما ليكون مستقلا في قراره العلمي والأكاديمي منتِجا غير مجرد مكرِّرٍ لما سبقه إليه غيره؛ إذ الاستقلال العلمي هو مناط التطور وليس مجرد مراكمة المعلومات وتكرارها من غير القدرة على توظيفها بالشكل المناسبة للوضعيات المختلفة.

وكما أن هناك شروطا موضوعية لابد من توافرها في البحث العلمي، هناك شروط ذاتية يملكها المُنْضَمُّ لحقل معرفي معين. إذ أن الطالب لا يمكن أن يوصف بالباحث إلا إذا تمَكَّن من المعارف الأولية تمكنا محايدا ومستجيبا للقواعد والنواظم التي تعارف عليها أهل ذلك الاختصاص الذي ينتمي إليه باعتبار ذلك التمكن مقدمة أساسية لتمثُّل الموضوعات تمثلا صحيحا وموافقا للواقع لا منفصلا عن هذا الأخير مُتَخَيَّلا يراه الطالب أو “الباحث” برؤيته الشخصية البعيدة عن حقيقته الواقعية. وهنا وجب الحديث عن مفهوم العامل الذاتي الذي يؤهل الطالب لأن يكون باحثا علميا وأكاديميا عما يختلط بالرؤية الشخصية القائمة على مجرد الانطباعات والآراء غير المؤسسة أو القائمة على النظرة الشخصية المجردة من كل مقومات البحث العلمي. فمفهوم العامل الذاتي في البحث العلمي ينبني على حُسن توظيف المعارف الموضوعية توظيفا صحيحا بالشكل الذي يؤهل الطالب أو الباحث للنظر في الآراء والأفكار والنظريات التي سبق له أن تلقاها والبحث فيما إذا كانت متناسبة مع مختلف الوضعيات التي يريد استثمارها فيها بحيث يؤهله كل ذلك لأن يكون له موقف مستقل عن غيره استقلالا “تغايُرِيا” مبنيا على موقف جديد أو موقف معدّل أو استقلالا مبنيا على “التماهي” مع المواقف السابقة ولكن يشترط في هذا التماهي في هذه الحالة أن يكون تماهيا واعيا لا مجرد تماهيا قائما على التكرار لما سبق. وهنا يجب التنبيه إلى أن العامل الذاتي في البحث العلمي عامل قائم على شروط موضوعية أصلا تكون مقدمة للطالب الباحث لأن يتدرب عليها ويستثمرها استثمارا معقولا وواعيا بما له من قدرات عقلية وإدراكية ومؤهلات واستعدادات تؤهله لأن يكون وحدة علمية فاعلة في حقل البحث العلمي في المستقبل. ولعل مما يتضح لنا أن مفهوم الشرط الذاتي وفق هذه الرؤية مغاير تماما لمجرد النظرة الذاتية القائمة على معيار آخر غير المعيار العلمي، كمعيار المصلحة أو معيار النظرة المسبقة أو معيار ما تعارف عليه الغير أو ما إلى ذلك. فمثل هذه المعايير لا تنتج موقفا علميا حقيقيا وإنما هي مجرد انطباعات غير مؤسسة ولو ظهرت في مظهر “علمي” أو في صيغة بحث ” أكاديمي”.

وخلاصة القول في هذا السياق أن الشرط الموضوعي والشرط الذاتي متلازمين غير منفصلين باعتبارهما مقومين وحيدين لتكوين “الذات الأكاديمية الباحثة”.

إن تكوين هذه “الذات الأكاديمية الباحثة” ما هو إلا مسار طويل من التعليم والتوجيه والتقويم وفق أصول وقواعد تنمحي فيها الذات المُوَجِّهة وتنضبط لقواعد علمية صارمة موسومة بطابع أخلاقي يؤهل المتلقي لأن يُعَدِّل سلوكه بطريقة منتظمة وسلسلة تبدأ منذ لحظة اتصاله بعالم تخصصه الجديد إلى أن يصبح عَلَما من أعلام هذا التخصص. فإذا تم التمكن من إنتاج هذه الذات إنتاجا سليما فإننا لامحالة سنكون أمام فاعل جديد يرى الأشياء ويحلل الموضوعات بطريقة علمية و”منهجية” يستطيع من خلالها تصنيف تلك الأشياء والموضوعات تصنيفا قائما على أسس معقولة ومضبوطة ومنضبطة للقواعد العلمية المرعية لدى أهل ذاك الحقل المعرفي الذي يشتغل في إطاره.

إن الحصيلة التي نخلص إليها من مسار تكوين “الذات الأكاديمية الباحثة” لهي الشرط الذي يؤهلنا من التعرف عما إذا كانت هذه الذات ترى الأشياء والموضوعات رؤية منظمة ومنسقة ومنطقية وسليمة أم لا، ومواصفات السلامة والمنطق والتنسيق والتنظيم هاته هي ما يشكل جوهر المنهجية الأكاديمية إذ أنها تتصل بالمعارف لا بالمعلومات من جهة، وبالموضوع لا بالشكل من جهة أخرى.

ولنا أن نتصور ما المنهجية التي نطالب بها ؟

اترك تعليقاً