قانون العنف ضد النساء – جريمتي الطرد من بيت الزوجية والامتناع عن إرجاع المطرود لبيت الزوجية

2018 09 15
2018 09 15

قانون العنف ضد النساء 

جريمتي الطرد من بيت الزوجية والامتناع عن إرجاع المطرود لبيت الزوجية

كتبها الدكتور عبد الحكيم الحكماوي

أستاذ زائر بكلية الحقوق – سلا

باحث قانوني

عمل المشرع المغربي على حماية الأسرة واستقرارها ممن خلال إقرار العديد من المقتضيات التشريعية التي ترمي إلى الحفاظ على كيان الأسرة، ولقد  شملت هذه الحماية العديد من الجوانب منها الجانب الاقتصادي والجانب التكويني للأسرة من خلال الحث على استمرار التعايش المادي بين الزوجين في بيت أسري واحد.

اقرأ أيضا...

وفي هذا السياق عمل واضع مقتضيات مدونة الأسرة على إقرار قاعدة الحفاظ على عيش الزوجين تحت سقف واحد من خلال مقتضيات المادة 53 من مدونة الأسرة، وهي المادة التي تقضي بإلزام كل من الزوجين بالامتناع عن طرد الطرف الآخر من بيت الزوجية تحت أي ظرف واعتبار الطرد واقعة مادية تشكل اعتداء على الحق في الاستقرار الأسري. وقد أولى للنيابة العامة سلطة إرجاع الطرف المطرود لبيت الزوجية كلما تقدم الطرف المطرود بطلب بذلك للنيابة العامة التي يوجد بدائرة نفوذها مكان سكنى الزوجية. غير أن إقرار المشرع بالحق في الاستقرار الأسري من خلال هذا الجانب لم يرتق إلى مستوى الحماية المطلوبة؛ إذ بقيت مقتضيات المادة 53 من مدونة الأسرة قاصرة عن تحقيق الهدف منها مادام الطرف المعتدي ( زوجا كان أم زوجة ) لم يكن مسؤولا أمام القانون مسؤولية جنائية ولو أننا نرى بأن مسؤوليته المدنية تبقى قائمة على اعتبار أن فعل الطرد في حد ذاته يعتبر مصدر إضرار بالغير وبالتالي يحقق نوعا من المسؤولية المدنية الموجبة للتعويض جبرا لذلك الضرر.

تدخل تشريعي زجري لتعزيز الحماية القانونية

ونظرا لما شكله هذا القصور التشريعي من صور متعددة من استمرار الاعتداء على الطرف الضعيف في العلاقة الزوجية؛ فقد كان لزاما على المشرع أن يتدخل لسد هذا الفراغ التشريعي وهو ما تم بالفعل من خلال إضافة الفصل 1-480 من القانون الجنائي بموجب قانون  العنف ضد النساء.

فقد نص المشرع في الفصل الجديد على أنه : ” يعاقب بالحبس من شهر واحد إلى ثلاثة أشهر وغرامة من 2000 إلى 5000 درهم، عن الطرد من بيت الزوجية أو الامتناع عن إرجاع الزوج المطرود من بيت الزوجية، وفقا لما هو منصوص عليه في المادة 53 من مدونة الأسرة، وتضاعف العقوبة في حالة العود”

وبذلك يتضح أن المشرع رفع من قيمة الحماية القانونية للحق في الاستقرار السكني للزوجين معا، إذ بموجب هذا التعديل أصبح فعل الطرد من بيت الزوجية جريمة قائمة الأركان لها وصفها الجنائي وهو الطرد من بيت الزوجية أو الامتناع عن إرجاع الزوج المطرود ولها عقوبتها الخاصة المتمثلة في الحبس والغرامة مع اعتبار أحكام حالة العود.

إشكال مطروح

وإذا كان دخول أي قانون حيز التنفيذ لا يشكل في حد ذاته إشكالا قانونيا سواء بالنسبة للدارسين أو الفاعلين القانونيين، فإن بعض المقتضيات القانونية قد تشكل مصدرا للتفكير القانوني مما يخلق نوعا من الإشكالات القانونية وتباين وجهات النظر بشأنها. ومن هذه المقتضيات نجد الفصل 1-480 من القانون الجنائي، خاصة وأن العديد من الحالات التي تهم الطرد من بيت الزوجية أو الامتناع عن إرجاع الزوج المطرود لبيت الزوجية قائمة من الناحية العملية أثناء دخول القانون الجديد حيز التنفيذ، الشيء الذي يطرح إشكالا حول ما إذا كانت المقتضيات الجديدة ستطبق على الحالات القائمة أم فقط على تلك الحالات التي ستنشأ بعد دخول هذا القانون حيز التنفيذ؟

إن الإشكال المطروح يتعلق أساسا بمسألة سريان القانون من حيث الزمان أو ما يصطلح عليه فقهيا بمسألة تنازع القوانين في الزمان، وهو الإشكال المرتبط بالقاعدة الدستورية القائمة على مبدأ عدم رجعية القانون.

تحديد الطبيعة القانونية لفعلي الطرد من بيت الزوجية والامتناع عن الإرجاع لبيت الزوجية

على مستوى التفكير المنهجي في مثل هذا الإشكال القانوني يجب الانطلاق من الطبيعة القانونية للفعل موضوع التجريم، وهي الطبيعة التي ترتكز على مدى اعتبار ذلك الفعل وقتيا فتكون الجريمة وقتية أم مستمرا فتكون الجريمة مستمرة على اعتبار أن طبيعة تمييز الجرائم بين وقتية ومستمرة له ارتباط وثيق بتطبيق قواعد على جانب كبير من الأهمية خاصة في التشريع الجنائي ألا وهي القواعد المتعلقة بتنازع القوانين في الزمان.

تتراوح الجرائم المنصوص عليها في الفصل 1-480 من القانون الجنائي بين الفعل الإيجابي المتمثل في طرد الزوج من بيت الزوجية والفعل السلبي المتجسد في الامتناع عن إرجاع الزوج المطرود إلى بيت الزوجية. وكلا الفعلين يقومان على تحقق الركن المادي ممتدا في الزمان بمعنى أن الفعل المجسد للجريمة لا يقف عند مجرد بداية الطرد أو الامتناع عن الإرجاع وإنما يستمر قائما مادام الوضع المادي المتمثل في خروج الزوج المطرود من بيت الزوجية متحققا بفعل الطرف الثاني.

جريمة طرد الزوج من بيت الزوجية؛

إن مجرد إخراج أحد الزوجين من بيت الزوجية لا يعتبر في حد ذاته طردا ما لم يكن ذلك الإخراج مقدمة لمنع الزوج الضحية من الرجوع لبيت الزوجية لسبب من الأسباب، فالركن المادي لجريمة طرد الزوج من بيت الزوجية يتجسد في تلازم عنصرين أولهما هو تحقق عنصر الإخراج من البيت وثانيهما تحقق عنصر المنع من الرجوع لبيت الزوجية لسبب من الأسباب. فالطرد فعل مستمر في الزمان يتجدد قيامه في كل لحظة ما لم يعدل الزوج الطارد عن قرار منع الطرف الثاني من العودة لبيت الزوجية.

ولا يتصور قيام جريمة طرد الزوج من بيت الزوجية إلا بتوافر فعل مادي صادر عن الطرف الطارد ونيةٍ بمنع الطرف الضحية من التمتع بحق الاستقرار السكني في بيت الزوجية لسبب من الأسباب لا دخل للضحية المفترضة فيه.

ومما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق أن المغادرة التلقائية لأحد الزوجين من بيت الزوجية لا تشكل صورة من صور جريمة طرد الزوج من بيت الزوجية. وهنا لابد من التأكيد على أن للمحكمة وحدها سلطة تقدير ما إذا كان وجود الزوج خارج بيت الزوجية يعتبر جريمة أم فعلا مباحا من منظور مقتضيات الفصل 1-480 من القانون الجنائي. فشرعية السبب الذي يجعل وجود الزوج خارج بيت الزوجية جريمة لهو مما تستقل المحكمة بتقديره بناء على ما بين يديها من معطيات وما ثبت أمامها من حجج وأدلة.

ونستخلص مما سبق أن جريمة طرد الزوج من بيت الزوجية جريمة مستمرة في الزمن تقوم على إخراج أحد الزوجين للزوج الآخر من بيت الزوجية مع منعه من الرجوع إليه لسبب لا دخل للضحية فيه.

جريمة الامتناع عن إرجاع الزوج المطرود لبيت الزوجية؛

لقد جرم المشرع حرمان الزوج المطرود من حقه في السكن في بيت الزوجية لسبب غير مشروع بمختلف صوره، ومن بين تلك الصور امتناع الزوج الطارد عن إعادة الزوج المطرود لبيت الزوجية. والامتناع هنا فعل سلبي يتجسد في إظهار الرغبة في عدم تمكين الزوج المطرود من استعادة حقه في العودة للاستقرار في بيت الزوجية.

ومن المعلوم أن تتجسد هذه الرغبة في العديد من الحالات، وهنا لابد لنا من التساؤل حول طبيعة الواقعة التي يتحقق بها فعل الامتناع عن إرجاع الزوج المطرود لبيت الزوجية، هل لهذه الواقعة صورة واحدة أم متعددة؟

بالرجوع لمقتضيات المادة 53 من مدونة الأسرة نجد أن المشرع مكن الزوج المطرود من بيت الزوجية من حقه في اللجوء للنيابة العامة بغرض إرجاعه لبيت الزوجية، وكما هو معلوم فإن نتيجة ممارسة هذا الحق هي إصدار أمر من النيابة العامة للشرطة القضائية بإرجاع الزوج المطرود لبيت الزوجية، إذ في الوقت الذي تعمل فيه هذه الأخيرة على تنفيذ أمر النيابة العامة فإنها تحرر بذلك محضرا تثبت فيه موقف الشخص الطارد وما إذا كان قد أذعن للمقرر القضائي الصادر عن النيابة العامة أم لا.

ففي الحالة التي يذعن فيها الشخص الطارد للمقرر الصادر عن النيابة العمة فإن جريمة الامتناع عن إرجاع الزوج المطرود لبيت الزوجية لا تتحقق لانتفاء ركنيها المادي والمعنوي.

أما إذا ما أثبت المحضر المنجز من طرف الشرطة القضائية امتناع الشخص الطارد عن إرجاع الزوج المطرود إلى بيت الزوجية فإن جريمة الامتناع تثبت وتبقى مستمرة ما لم يعمل الطارد على تنفيذ أمر النيابة العامة بإرجاع الزوج المطرود.

وإذا كان ثبوت الامتناع عن إرجاع الزوج المطرود لبيت الزوجية يتحقق بمجرد إنجاز المحضر من طرف ضابط الشرطة القضائية، فإن ثبوت قيام هذه الجريمة يبقى أمرا محفوفا بنوع من التعقيد في الحالة التي يتحقق فيها الامتناع عندما يعمل الطرف المطرود عن التعبير عن الرغبة في العودة لبيت الزوجية بفعله أو بفعل الغير ثم  يستمر الطارد في منع المطرود من استعادة حقه في السكن والاستقرار في بيت الزوجية.

مرحلة انتقالية: تنازع القوانين في الزمان وأثره على تجريم الفعلين

ومهما يكن من أمر الأحكام المنظمة لجريمتي الطرد من بيت الزوجية والامتناع عن إرجاع المطرود لبيت الزوجية، فإن التساؤل يبقى مطروحا حول ما إذا كان القانون الجديد سيطبق على الحالات القائمة أم لا؟

لمناقشة هذا الإشكال يجب الانطلاق من القاعدة الدستورية التي تنص على عدم رجعية القانون، وهذه القاعدة تقضي بأن وقائع الطرد من بيت الزوجية وكذا الامتناع عن إرجاع المطرود لبيت الزوجية التي تحققت قبل دخول هذا القانون حيز التنفيذ لا تدخل في دائرة التجريم على اعتبار أنها كانت فعلا غير مجرم ولا ينطبق عليها تعريف الجريمة المنصوص عليه في الفصل 110 من القانون الجنائي الذي ينص على أن الجريمة هي الفعل أو الامتناع المخالف للقانون الجنائي والمعاقب عليه بمقتضاه. ووفقا لمقتضيات هذا الفصل لم يكن كل من فعلي الطرد أو الامتناع مخالفا للقانون الجنائي قبل دخول قانون العنف ضد النساء حيز التنفيذ كما لم يكن معاقبا عليهما، فمن هذا الجانب لا يمكن القول بتطبيق مقتضيات هذا القانون على تلك الأفعال.

أما بالنسبة للحالات التي وقع فيها فعلا الطرد والامتناع قبل دخول القانون الجديد حيز التنفيذ وامتد ذلك الفعل – على اعتبار أن الفعلين كما سبق التفصيل في ذلك مستمرين في الزمان – إلى حين دخوله حيز التنفيذ فإن مسألة تجريمهما من عدمه تؤطره مقتضيات الفصل السادس من القانون الجنائي التي تنص على أنه: “في حالة وجود عدة قوانين سارية المفعول بين تاريخ ارتكاب الجريمة والحكم النهائي بشأنها، يتعين تطبيق القانون الأصلح للمتهم”.

فكل من الطرد والامتناع عن الإرجاع لبيت الزوجية إن وقعا واستمرا في الزمان إلى حين دخول القانون الجديد حيز التنفيذ فإنهما يقعان تحت حكم قانونين أولهما هو مدونة الأسرة عندما كانت هي الوحيدة المنطبقة عليهما ولم يكن الفعلان مرجمان حينها ولم تكن لهما عقوبة، وثاني القانونيين هو القانون الجديد المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء الذي أضاف الفصل 1-480 من القانون الجنائي والذي عاقب على الفعلين معا، وعندها سيكون المرجح هو القانون الأصلح للمتهم وفي حالتنا هاته فإن الأمر يتعلق بالقانون الذي لم يكن فيه الفعل مجرما لأنه هو الأصلح للمتهم.

وأما الحالة الثالثة فهي الحالة التي يقع فيها الفعلان بعد دخول القانون الجديد حيز التنفيذ ففي مثل هاته الحالة لا إشكال في أنهما مجرمان ومعاقب عليهما.

إشارة للعلاقة بالتقادم

ومما تجدر الإشارة إليه في سياق الحديث عن هاتين الجريمتين التنبيه إلى أن الطبيعة القانونية للفعلين من كونهما فعلين مستمرين في الزمان فإن تقادمهما يبتدئ بمجرد إرجاع الزوج المطرود لبيت الزوجية في حالة الطرد أو بمجرد التراجع عن الامتناع عن الإرجاع، لذلك فإن الوقت الذي يتحقق فيه كل من الإرجاع أو العدول عن الامتناع من الإرجاع يعتبر تاريخ انطلاق احتساب زمن التقادم الرباعي على اعتبار أن كلا الفعلين جنحة.

تلك كانت أهم النقاط القانونية التي ارتأينا إثارتها على إثر دخول مقتضيات الفصل 1-480 من القانون الجنائي حيز التنفيذ في انتظار العودة للموضوع بإشكالات أخرى.

اترك تعليقاً