الحكامة الجيدة للمرفق القضائي في التشريع المغربي

2018 10 18
2018 10 18

الحكامة الجيدة للمرفق القضائي في التشريع المغربي

نورالدين مصلوحي

 عدل متمرن

باحث بماستر القانون والممارسة القضائية بالرباط

تعتبر الحكامة الجيدة أو حسن التدبير أو القيادية الجيدة؛ أحد أهم الآليات الفعالة التي يسير على ضوئها الفاعلون أيا كان مجال نشاطهم، من أجل تحقيق أهداف سامية، تتجلى في تكريس ثقافة حقوق الانسان، ودمقرطة المجتمع، خدمة للصالح العام.

وقد جعل دستور المملكة المغربية الحكامة الجيدة من مرتكزات الدولة الحديثة وذلك في الأسطر الأولى من تصديره، وبموجب الفصل الأول من هذا الدستور؛ فإن النظام الدستوري للمملكة يقوم على مجموعة من الأسس من بينها الحكامة الجيدة.

اقرأ أيضا...

وقد خطر ببالنا أن نقوم بتسليط الضوء على الحكامة الجيدة في تدبير المرفق القضائي وتسييره، باعتبار القضاء سلطة من السلط من جهة، ونظرا لما أنيط به من مهام جسام؛ وهي حماية حقوق وحريات الأفراد والجماعات وأمنهم القضائي وتطبيق القانون تطبيقا عادلا من جهة ثانية، وسنقوم بمعالجة الموضوع منطلقين من دعامات الحكامة الجيدة التي هي: النزاهة والشفافية والمشاركة والمساءلة.

أولا: النزاهة

عرف أهل اللغة النزاهة بأنها صيانة النفس من المدانس، ومنه قيل فلان يتنزه عن الأقذار وينزه نفسه عنها أي يباعدها عنها، وقيل إن النزاهة هي البعد عن الشر والسوء وترك الشبهات[1].

وقد جعل المشرع من المهام التي يسهر عليها المجلس الأعلى للسلطة القضائية؛ إشاعة ثقافة النزاهة والتخليق بما يعزز استقلال القضاء، وذلك في المادة 103 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وبموجب المادة 106 من هذا القانون التنظيمي؛ فإن من أهداف وضع مدونة الأخلاقيات القضائية، تمكين القضاة من ممارسة مهامهم بكل نزاهة وتجرد ومسؤولية. وحسب الفصل 113 من الدستور، فإن المجلس الأعلى للسلطة القضائية يضع بمبادرة منه، تقارير حول وضعية القضاء ومنظومة العدالة، ويصدر التوصيات الملائمة بشأنها، وأشارت المادة 108 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية إلى أن هذه التقارير تتضمن بصفة خاصة مقترحات رامية إلى تحقيق مقاصد منها: دعم نزاهة واستقلال القضاء.

ويقع التزام مهم على عاتق القاضي يؤدي اليمين على الوفاء به، وهو أن يمارس مهامه سالكا مسلك القاضي النزيه، وهذا ما تنص عليه المادة 40 من النظام الأساسي للقضاة، ونفس الالتزام يقع حتى على عاتق أعضاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية للقيام بمهامهم،[2] والنزاهة تعد من المواصفات التي تشترط في الشخصيات الخمس التي يعينها الملك لعضوية المجلس الأعلى للسلطة القضائية وذلك بموجب الفصل 115 من الدستور. ويؤدي موظفو هيئة كتابة الضبط اليمين القانونية التي يلتزمون فيها كذلك بسلوكهم في مهامهم مسلك الموظف النزيه وهذا ما نصت عليه المادة 4 من النظام الأساسي الخاص بهيئة كتابة الضبط.

وقد اعتبرت مدونة بانغالور للسلوك القضائي النزاهة أمرا جوهريا لحسن أداء الوظيفة القضائية، ونصت على أنه يتعين على القاضي أن يكون سلوكه فوق الشبهات في نظر المواطن العادي، وأوجبت المدونة كذلك أن يكون سلوك وتصرف القاضي متوافقا مع ثقة الشعب في نزاهة الجهاز القضائي[3].

هذا، وقد تناول خبراء تابعين للأمم المتحدة النزاهة بمزيد من الشرح والتفصيل، حيث يرون بأن النزاهة هي صفة الاستقامة والصلاح، ومكونات النزاهة هي الصدق والاخلاقيات القضائية، يجب على القاضي دائما التصرف بشرف وبأسلوب يناسب المنصب القضائي، وأن يبتعد عن الاحتيال والخديعة والكذب، وأن يكون طيبا وفاضلا سلوكا وطباعا.

ولا توجد درجات محددة من النزاهة، فالنزاهة مطلقة، وفي السلطة القضائية تعد النزاهة        أكبر من كونها فضيلة؛ فهي ضرورة[4].

لكن السؤال الذي يبقى مطروحا هو كيفية اختبار نزاهة القاضي؟

تجيب بعض الآراء بأن السؤال الذي يجب طرحه ليس إذا ما كان تصرف معين أخلاقي أم لا طبقا لبعض الأديان أو المعتقدات الأخلاقية، أو إذا كان التصرف مقبولا أم غير مقبول بالنسبة لمعايير المجتمع، بل يجب أن يكون عما إذا كان التصرف ينعكس على المكونات الأساسية لقدرة القاضي على أداء العمل المخول إليه، وهي: العدل، والاستقلالية، واحترام عامة الناس؛ بالإضافة إلى انعكاس تصرفه على وجهة نظر الناس في مدى أهليته للقيام بعمله[5].

وأما بخصوص نزاهة كتاب الضبط باعتبارهم يشكلون الركيزة الأساسية للإدارة القضائية؛ فلم يقصر ميثاق قيم وسلوك كتابة الضبط في التطرق لقيمة النزاهة وتطبيقاتها، فالنزاهة كقاعدة حسب هذا الميثاق؛ هي أن كاتب الضبط يرفض كل إغراء مادي أو معنوي يؤثر على عمله وعلى سير القضايا ويسيء إلى كرامته وسمعة المرفق القضائي، وقد وضع الميثاق للقاعدة أعلاه تطبيقات عديدة نذكر منها: امتناع كاتب الضبط عن استغلال صفته للاستفادة من امتيازات شخصية له أو للغير، وتجنبه العبارات والايحاءات التي قد يفهم منها الرغبة في الحصول على جزاء مادي مقابل الخدمات التي يقوم بها في إطار مهامه، ويقاوم كل أشكال الاغراء المادي أو المعنوي التي يقدمها بعض المتقاضين في شكل رشاوى مباشرة أو هدايا أو امتيازات شخصية.

ثانيا: الشفافية

تعتبر الشفافية مدخلا أساسيا لتوفير المعلومات للمواطنين عامة وللمتقاضين خاصة، وكذلك لممتهني مهنة القضاء بالذات، باعتبار ما قد يصدر من السلطة التأديبية من قرارات تنعكس سلبا أو إيجابا على وضعيتهم المهنية.

والحق في المعلومة يعد حقا مكرسا دستوريا ولأول مرة في دستور 2011 وذلك بموجب الفصل 27 من هذا الدستور الذي ينص على أن “للمواطنات والمواطنين حق الحصول على المعلومات، الموجودة في حوزة الإدارة العمومية، والمؤسسات المنتخبة، والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام. ولا يجب أن نغفل في هذا الصدد أن القضاء باعتباره مرفقا عموميا، فإنه كغيره من المرافق العمومية يخضع لمعايير منها الشفافية، وهذا ما يشير إليه الفصل 154 من الدستور في فقرته الثانية.

وقد صدر قانون 13-31 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات، واعتبر هذا القانون في المادة الثانية منه المحاكم من المؤسسات والهيئات المعنية بتمكين المواطنين والمواطنات من الحق في الحصول على المعلومات، وحسب المادة 6 من نفس القانون؛ فإنه يمكن استعمال أو إعادة استعمال المعلومات التي حصل عليها المواطن من المحاكم كالأحكام والقرارات والأوامر القضائية، شريطة أن يتم ذلك لأغراض مشروعة وألا يتم تحريف مضمونها، مع ضرورة الإشارة إلى مصدرها وتاريخ إصدارها، وألا يؤدي ذلك إلى الإساءة أو الاضرار بالمصلحة العامة أو المساس بأي حق من حقوق الغير.

وإذا كان الحق في المعلومة القضائية حقا دستوريا مضمونا للمواطنات والمواطنين، فإنه حسب المادة 7 من قانون 13-31 يخضع لمجموعة من القيود لاعتبارات متعددة، فلا يمكن تمكين المواطنات والمواطنين من المعلومات التي يؤدي الكشف عنها إلى إلحاق ضرر بحقوق ومصالح الضحايا والشهود والخبراء والمبلغين، فيما يخص جرائم الرشوة والاختلاس واستغلال النفوذ وغيرها، المشمولة بالقانون رقم 10-37 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 01-22 المتعلق بالمسطرة الجنائية، وكذلك المعلومات التي من شأن الكشف عنها الاخلال بسير المساطر القضائية والمساطر التمهيدية المتعلقة بها، ما لم تأذن بذلك السلطات القضائية المختصة.

ولم يجعل القانون المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات الحصول على المعلومات رهينا فقط بضرورة تقديم طلب من المواطنات والمواطنين؛ بل أوجب في المادة 9 من هذا القانون على المؤسسات والهيئات المعنية ومنها المحاكم أن تقوم في حدود الإمكان، بنشر الحد الأقصى من المعلومات التي في حوزتها، والتي لا تندرج ضمن الاستثناءات الواردة في هذا القانون، بواسطة جميع وسائل النشر المتاحة خاصة الالكترونية منها بما فيها البوابات الوطنية للبيانات العمومية.

وجدير بالذكر أن القانون الجديد للتنظيم القضائي الذي صادق عليه مؤخرا مجلس المستشارين، نص في المادة 96 منه على أنه تنشر أهم القرارات والاجتهادات القضائية الصادرة عن محكمة النقض وفق ضوابط يحددها النظام الداخلي لهذه المحكمة، وهو ما يعد تنزيلا حقيقيا لآلية النشر الاستباقي للمعلومات، وألزم هذا القانون في المادة 35 منه مسؤولي المحاكم بتيسير وصول المتقاضين إلى المعلومة القانونية والقضائية طبقا للقوانين الجاري بها العمل، وأساس هذا المقتضى هو التوصية رقم 132 من ميثاق إصلاح منظومة العدالة، والتي تحث على تحسين ظروف استقبال المواطنات والمواطنين بالمحاكم وتعميم المعلومة القانونية والقضائية، وكذا التوصية رقم 136 التي تنص على تحديد آلية للتواصل بين المحاكم ووسائل الاعلام، بما يساهم في تفعيل مبدأ الحق في المعلومة، فبموجب الفقرة الثانية من المادة 35 من مشروع قانون التنظيم القضائي ، يعتبر كل مسؤول قضائي أو من ينيه عنه، ناطقا رسميا باسم المحكمة كل فيما يخص مجاله، ويمكنه عند الاقتضاء، التواصل مع وسائل الاعلام من أجل تنوير الرأي العام.

وبعد صدور القوانين الجديدة السلطة القضائية، أصبح المجلس الأعلى للسلطة القضائية بصفته الساهر على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة؛ منخرطا في تكريس الشفافية إذ لم تعد قراراته وأعماله تتخذ في منأى عن اطلاع العموم عليها، حيث ألزم القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية في المادة 65 منه بأن يتم تدبير وضعية القضاة المهنية وفق مبادئ متعددة منها الشفافية. ولهذا فإنه حسب المادة 94 من القانون التنظيمي أعلاه؛ فإنه يسمح للقاضي المعروض على التأديب الاطلاع وأخذ صورة عن ملفه التأديبي.

هذا، وإن المادة 56 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية ألزمت المجلس بنشر جدول أعماله قبل كل اجتماع، والمادة 60 تؤكد على نشر المجلس الأعلى للسلطة القضائية للنتائج النهائية لأشغال كل دورة وفق الكيفية المحددة في نظامه الداخلي، هذا النظام الداخلي الذي تنص المادة 17 منه على أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية ينشر نتائج أشغاله النهائية المتعلقة بتعيين المسؤولين بمختلف المحاكم وبتعيين القضاة في السلك القضائي فور موافقة الملك عليها، كما ترفع إلى علم الملك باقي النتائج النهائية لأشغال كل دورة من دورات المجلس الذي يقوم بنشرها. ولتسهيل إمكانية الاطلاع على المقررات التي يتخذها المجلس، نصت الفقرة الثالثة من المادة 17 أعلاه على أن جميع مقررات المجلس يتم نشرها بالموقع الالكتروني للمجلس وبأي وسيلة يعتبرها ملائمة لهذا الغرض.

وقد استثنت الفقرة الثانية من المادة 60 أعلاه نشر أسماء القضاة المعنيين بالعقوبات من الدرجتين الأولى والثانية المنصوص عليها في المادة 99 من القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة[6].

وحسب المادة 74 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية؛ فإنه قبل ترقية هذا المجلس للقضاة، يهيئ لائحة الأهلية للترقية برسم السنة الجارية، وتنشر هذه اللائحة بالمحاكم وبالموقع الالكتروني للمجلس وبكل الوسائل المتاحة قبل متم شهر يناير كل سنة. والنشر الاستباقي ليس مقصورا على ما ذكر بل يشمل حسب المادة 76 من القانون التنظيمي للمجلس حتى نشر لائحة الخصاص بمختلف المحاكم، حيث يتم نشر هذه اللائحة بالمحاكم وكذا بالموقع الالكتروني للمجلس وبكل الوسائل المتاحة ليطلع عليها (أي لائحة الخصاص) عموم القضاة، هذا النشر الذي تقوم به الأمانة العامة للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وتتلقى الأمانة العامة طلبات القضاة بشأن لائحة الخصاص أعلاه، وتشعر كل قاض بتوصلها بطلب انتقاله، كما تشعره بمآله.

إن التزام أعضاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية بالقيام بمهامهم بكل شفافية ليس فضيلة؛ بل واجب تقتضيه ضرورة سير المرفق القضائي، وحماية لحقوق وحريات القضاة الذين انتخبوا عددا لا يستهان به من القضاة لعضوية المجلس، ووضعوا فيهم ثقتهم مع غيرهم من المعينين، ليسهروا جميعا على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة ولتحقيق العدالة، وأدى هؤلاء الأعضاء اليمين على أن يقوموا بمهامهم بأمانة[7]، فلا أمانة لمن لا شفافية في عمله.

ومن شأن تعزيز الشفافية في عمل السلطة القضائية أن تحصن هذه السلطة إزاء التوجهات الفئوية السلبية، كما تعزز من قابليتها للمساءلة، وتاليا من الثقة العامة بأدائها.

ثالثا: المشاركة

لا يخفى على أحد أن القضاء يعد شأنا مجتمعيا، ولم يكن شأنا مجتمعيا إلا لأنه يعد الساهر على حماية حقوق وحريات الأفراد والجماعات وأمنهم القضائي، وإذ يعد القضاء كما ذكر، فإن الكل يجب أن يبصم بصمته للنهوض بهذه المؤسسة الحقوقية مع احترام استقلالها عن باقي السلط الموجودة في الدولة.

والمشاركة حسب تصدير دستور 2011؛ تعد أحد مرتكزات الدولة الحديثة، وقد سعى الدستور إلى إشراك عدد كبير من الشخصيات خارج الجسم القضائي في مهمة تدبير الوضعيات المهنية للقضاة، وكذلك اشراكهم في مهام أخرى منها إعداد تقارير حول وضعية القضاء ومنظومة العدالة وإصدار التوصيات الملائمة بشأنها، وإصدار آراء مفصلة حول كل مسألة تتعلق بالعدالة بطلب من مجموعة من الفاعلين السياسيين مع مراعاة مبدإ فصل السلط[8]؛ إن هؤلاء الشخصيات حسب الفصل 115 من الدستور؛ هم الوسيط ورئيس المجلس الوطني لحقوق الانسان، وخمس شخصيات يعينها الملك مشهود لها بالكفاءة والتجرد والنزاهة، والعطاء المتميز في سبيل استقلال القضاء وسيادة القانون، من بينهم عضو يقترحه الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى.

إن ما يجب ملاحظته؛ هو أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية لم يعد منغلقا على القضاة بل أصبحت عضويته مفتوحة أمام شخصيات حقوقية وأكاديمية ودينية، وهو ما لم يكن قبل دستور 2011، حيث كان دستور 1996 في الفصل 86 منه يجعل عضوية المجلس الأعلى للقضاء محصورة على القضاة وحدهم، إضافة إلى وزير العدل المسؤول السياسي الذي كان عضوا في المجلس ونائبا للملك الذي هو رئيس هذ المجلس. وإن هذا التنوع الموجود في أعضاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية ينبع من دور هذا المجلس في ضمان استقلالية القضاء والتي هي حاجة اجتماعية وليس فقط للقضاة. فضلا عن أن إشراك شخصيات مستقلة في تركيبته يمنع من تحوله تبعا لانتخاب أعضائه من القضاة، إلى تغليب المصالح الفئوية النقابية للقضاة على المصالح العامة للمتقاضين[9].

وسعيا لتعزيز المشاركة في النهوض بوضعية القضاء ومنظومة العدالة، مكن القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية في المادة 110 منه هذا المجلس الأخير من تلقي تقارير حول وضعية القضاء ومنظومة العدالة، هذه التقارير التي تعدها جهات متعددة منها مؤسسات وهيئات حماية الحقوق والحريات والحكامة الجيدة المنصوص عليها في الدستور، والجمعيات المهنية للقضاة، وكذا جمعيات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية المهتمة بقضايا العدالة والمؤسسة بكيفية قانونية منذ ثلاث سنوات على الأقل. وحسب المادة 106 من القانون التنظيمي أعلاه، فإن المجلس الأعلى للسلطة القضائية قبل وضعه لمدونة الأخلاقيات القضائية يستشير في هذا الأمر الجمعيات المهنية للقضاة.

ومن أجل إيجاد حلول لصعوبات سير العمل بالمحاكم، نص مشروع القانون المتعلق بالتنظيم القضائي في المادة 18 منه على أنه تحدث على صعيد كل محكمة لجنة لبحث صعوبات سير العمل بها، ودراسة الحلول المناسبة لذلك، وتتضمن هذه اللجنة شخصيات من المسؤولين القضائيين والكاتب العام للمحكمة مقررا لها، ويتم إشراك هيئة المحامين في هذه اللجنة ممثلة في شخص نقيب الهيئة بدائرة نفوذ المحكمة.

رابعا: المساءلة

حسب الفصل الأول من الدستور، فإن النظام الدستوري للمملكة يقوم على مجموعة من الأسس منها ربط المسؤولية بالمحاسبة، وبما أن القضاء يعد من المرافق العمومية، فإن هذه المرافق بناء على الفصل 154 من الدستور؛ تخضع لمعايير منها المحاسبة، والمجلس الأعلى للسلطة القضائية باعتباره مؤسسة تتمتع بالاستقلال المالي والإداري وتضع الدولة رهن إشارته الوسائل المادية والبشرية اللازمة ليقوم بمهامه المسنودة له بموجب الدستور والقانون، فإن أعمال هذا المجلس تكون خاضعة لمراقبة من يرأسه وهو الملك[10]، ولا يخفى على مهتم بالشأن القضائي أن أعضاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية يؤدون قبل مباشرتهم لمهامهم، القسم بين يدي الملك على أن يقوموا بمهامهم بتجرد وإخلاص وأمانة ونزاهة، والحرص التام على استقلال القضاء، وكتمان سر المداولات والتصويت، وألا يتخذوا أي موقف علني في أي مسألة من المسائل التي تدخل في نطاق اختصاصات المجلس[11].

ولتفعيل مراقبة الملك ومحاسبته للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، فإن الرئيس المنتدب لهذا المجلس حسب المادة 61 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية؛ يرفع إلى الملك تقريرا عاما بشأن نشاط المجلس عند نهاية كل دورة، ووفقا للمادة 109 من نفس القانون التنظيمي، فإن المجلس الأعلى للسلطة القضائية يرفع كذلك للملك تقريرا سنويا حول حصيلة عمله وآفاقه المستقبلية. وتحال نسخة من هذا التقرير إلى رئيس الحكومة قبل نشره بالجريدة الرسمية.

وبالنسبة للنيابة العامة، فإن استقلالها لا يجعلها في منأى عن المسؤولية، فهي مسؤولة أمام الملك الذي يعين رئيسها، وأمام المجلس الأعلى للسلطة القضائية، فحسب المادة 110 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، فإن هذا المجلس يتلقى تقارير الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة حول تنفيذ السياسة الجنائية وسير النيابة العامة، قبل عرضه ومناقشته أمام اللجنتين المكلفتين بالتشريع بمجلسي البرلمان.

أما القضاة، فباعتبار وظيفتهم الحساسة والتي لها علاقة وطيدة بحقوق وحريات المواطنات والمواطنين، فإنهم مسؤولون أمام المجلس الأعلى للسلطة في كل الحالات التي يرتكبون فيها مخالفات مهنية.

ومن المستجدات حسب النظام الأساسي الجديد للقضاة؛ تكييف المشرع للإخلال بالالتزامات الواردة في اليمين التي يؤديها القاضي عند تعيينه لأول مرة في السلك القضائي، حيث يعتبر الاخلال بالالتزامات المتحدث عنها إخلالا بالواجبات المهنية، وبمقارنة اليمين التي يؤديها القاضي طبقا للنظام الأساسي للقضاة الجديد باليمين التي كان يؤديها بموجب النظام القديم لسنة 1974؛ يلاحظ أن بعض الالتزامات الواردة في اليمين الأولى مستجدة، حيث بموجب النظام الأساسي للقضاة الجديد يلتزم القاضي بقيامه بمهامه بحياد وتجرد وتفان، وبحفاظه على صفات الوقار والكرامة، وبالتطبيق العادل للقانون، وكلها التزامات لا نجد لها أثرا في اليمين المنصوص عليها في النظام الأساسي لسنة 1974[12].

ويمكن توقيف القاضي حالا عن مزاولة مهامه إذا توبع جنائيا أو ارتكب خطأ جسيما، وقد سبق لنا في أحد مقالاتنا التأكيد على أن توقيف القاضي حال متابعته جنائيا يعد انتهاكا لقرينة البراءة المضمونة دستوريا وبموجب قانون المسطرة الجنائية.

وكأهم مستجد جاء به النظام الأساسي للقضاة؛ التنصيص على الأخطاء الجسيمة مع حصرها، والقانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة قبل إحالته على المحكمة الدستورية جعل الأخطاء الجسيمة على سبيل المثال لا الحصر، وهو ما اعتبرته المحكمة الدستورية غير دستوري حيث جاء في قرارها ما يلي: ” وحيث إنه، اعتبارا للعواقب الوخيمة المترتبة عن توقيف القاضي ومراعاة لجسامة مسؤولياته، فإن على المشرع أن يحدد الحالات التي يعتبرها مكونة للخطأ الجسيم، وأن يستعمل في ذلك عبارات دقيقة وواضحة لا يعتريها لبس أو إبهام. وحيث إنه تأسيسا على كل ذلك، فإن ما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة 97 من النظام الأساسي للقضاة من أنه يعد خطأ جسيما “بصفة خاصة”، يوحي بوجود حالات أخرى يمكن أن تعد خطأ جسيما غير تلك المذكورة صراحة في هذه المادة، مما يجعل عبارة “بصفة خاصة” مخالفة للدستور.

هكذا، فإن عدد الأخطاء الجسيمة التي إن ارتكب القاضي إحداها يمكن توقيفه حالا عن ممارسة مهامه حسب المادة 97 أعلاه؛ هو تسعة أخطاء جسيمة، نذكر منها فقط: الخرق الخطير لقاعدة مسطرية تشكل ضمانة أساسية لحقوق وحريات الأطراف؛ الخرق الخطير لقانون الموضوع؛ الإهمال أو التأخير غير المبرر والمتكرر في بدء أو إنجاز مسطرة الحكم أو في القضايا أثناء ممارسته لمهامه القضائية.

وطبقا للمادة 98 من النظام الأساسي للقضاة؛ فإن متابعة القاضي جنائيا لا تحول دون متابعته تأديببا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] أبو بكر الأزدي. جمهرة اللغة ج 2 ص 831، زين الدين الحنفي الرازي. مختار الصحاح ص 308. المعجم الوسيط ج2 ص 915.

[2] المادة 9 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية.

[3] أنظر القيمة الثالثة من مبادئ بانغالور للسلوك القضائي.

[4] التعليق على مبادئ بانغالور للسلوك القضائي: مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة ص 102

[5] التعليق على مبادئ بانغالور للسلوك القضائي ص 104-105

[6] العقوبات من الدرجة الأولى: الإنذار-التوبيخ -التأخير عن الترقية من رتبة إلى رتبة أعلى لمدة لا تتجاوز سنتين-الحذف من لائحة الأهلية لمدة لا تتجاوز سنتين. يمكن أن تكون عقوبات هذه الدرجة مصحوبة بالنقل التلقائي.

العقوبات من الدرجة الثانية: الاقصاء المؤقت عن العمل لمدة لا تتجاوز ستة أشهر مع الحرمان من أي أجر باستثناء التعويضات العائلية-الانزال بدرجة واحدة. تكون هاتان العقوبتان مصحوبتين بالنقل التلقائي.

[7] المادة 9 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية.

[8] أنظر المادة 108 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، والفصل 113 من الدستور.

[9] المفكرة القانونية، الإصلاحات القضائية في المغرب وتونس بعد 2011. ص 15.

[10] أنظر الفصلان 56 و115 من الدستور.

[11] المادة 9 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية.

[12] ينص الفصل 18 من النظام الأساسي لرجال القضاء لسنة 1974 على ما يلي: “يؤدي كل قاض عند تعيينه لأول مرة وقبل الشروع في مهامه اليمين التالية: أقسم بالله العظيم أن أقوم بمهامي بوفاء وإخلاص وأن أحافظ كل المحافظة على سر المداولات وأسلك في ذلك كله مسلك القاضي النزيه المخلص”.

اترك تعليقاً