أزمة العقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة سبب رئيسي لضرورة تبني الغرامة اليومية كعقوبة بديلة

2018 11 13
2018 11 13

أزمة العقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة سبب رئيسي لضرورة تبني الغرامة اليومية كعقوبة بديلة

إسماعيل بوكيلي مخوخي

طالب باحث بسلك الماستر تخصص العدالة الجنائية والعلوم الجنائية

كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بفاس

لنشر مقالاتكم المرجو إرسالها للبريد الإلكتروني التالي :

Ujmc.publications@gmail.com

مقدمة:

يحدد التشريع الجنائي أفعال الإنسان التي يعدها جرائم بسبب ما تحدثه من إضطراب إجتماعي ويوجب زجر مرتكبيها بعقوبات أو تدابير وقائية[1]. تعتبر العقوبة ذلك الجزاء الذي يطال مرتكب الجريمة نظرا لسلوكه المنحرف، فيطبق في حقه عقاب لا بد أن يكون متناسبا مع ظروفه الشخصية، وقابليته ليتلقى المعاملة العقابية التي تستهدف تأهيله وتقويمه وإعادة إدماجه بين الأسوياء غير المنحرفين[2]، ويمكن تعريف العقوبة  كذلك أنها  ألم تفرضه الدولة على الجاني كرد فعل على سلوكه الإجرامي[3] أو جزاء  يوقعه المجتمع على المجرم مؤاخذة له بما اقترفه من أفعال[4].

اقرأ أيضا...

إن التوجه الجديد للعقوبة أصبح يتوخى الجمع بين غرض الردع و مفهوم الزجر، ثم الإصلاح وإعادة الإدماج، فالهدف الأسمى للعقوبة  يتجلى في الإصلاح أولا ثم القصاص ثانيا [5]، بحيث يمكن أن نعتبر خاصية الردع العام الناتجة عن العقوبة بمثابة الإنذار الموجه إلى الناس جميعا بسوء العاقبة وألم العقوبة إذا ارتكبوا الجرائم وانزلقوا في غياهبها.

وعلى ضوء النظريات الحديثة للعقاب أصبحت العقوبة وسيلة من وسائل إعادة الإدماج، انطلاقا من سن المشرع المغربي لآليات قانونية، هدفها إعادة الإدماج مثل: إدماج العقوبات[6]. والتي يتم تطبيقها عبر مرحلتين :

  • أولا : إدماج العقوبات أثناء المحاكمة الواحدة والتي تلزم القاضي بإصدار العقوبة الأشد.
  • ثانيا : تطبيق العقوبة في مرحلة التنفيذ داخل السجون عبر آلية الدمج.

ولعل المشرع المغربي بسنه لهذه القاعدة استهدف تجنب عدم المغالاة في توقيع العقاب و كذا عدم الإفراط  فيه[7].

إن الجذور التاريخية لمفهوم العقوبة السالبة للحرية تعود إلى فتح سجن أمستردام بهولندا سنة 1595م، لتصبح هذه العقوبة في وقتنا الحاضر الوسيلة المثلى التي تعاقب بها جل المجتمعات[8]، وقد أكد الفقه[9] على أنها معضلة كبرى تسبب أزمة لدى مؤسسات العدالة الجنائية، وبالرجوع إلى تقرير هيئة الأمم المتحدة لمؤتمر لندن سنة 1960 ثم التأكيد على امكانية تقسيم العقوبة انطلاقا من مدتها[10]، فصارت تنقسم لعقوبة طويلة المدة وعقوبة قصيرة الأمد.

وتتدخل مجموعة من المعايير في تحديد مدة هذه العقوبة، من قبيل شخصية الجاني وسوابقه الإجرامية وظروف ارتكابه للجريمة[11]، فعندما يتم الحكم بعقوبة سالبة للحرية قصيرة المدة في حق الجاني، يتبادر إلى الذهن تساؤل يفيد كم تقدر هذه المدة لتعتبر قصيرة؟ لأجل ذلك ذهبت عدة اتجاهات[12] من أجل تحديد المدة التي تعتبر قصيرة، حيث هناك من حصرها في عدم تجاوزها لثلاثة أشهر وآخرون قالوا ستة أشهر، وفريق جعلها تصل إلى تسعة أشهر، وآخرون سنة كاملة، لكن في جميع الأحوال فإن الأكيد هو أن العقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة تتنافى مع تحقيق أهداف السياسية العقابية[13].

يعتبر الحديث عن ترشيد العقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة صعبا لحد ما، فالأجدر بنا أن نتحدث عن  إعادة النظر فيها، عبر محاولة التقليص من الآلام التي تحملها حتى لا تكون  شحنة من الحرمانات. لقد عرف مفهوم العقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة في علاقة بمدى تحقيقها لأغراض العقاب تطورا هائلا[14]، لأن أول ما يعاب عليها  كعقوبة هو استهلاك مدتها خلال فترة الاعتقال الاحتياطي[15].

لذلك جاء علم العقاب لتحديد أسس المعاملة العقابية، قصد ضمان نجاح  العقوبات في تحقيق أغراضها[16]، حيث ظهر رأي يدافع[17] عن تمكين بعض المعتقلين احتياطيا من ممارسة حقوقهم المدنية والسياسية كما تقتضيه مبادئ العدالة ودولة القانون، خاصة وأن هذا الإجراء يبقى استثنائيا، هدفه وضع المعتقل بشكل احتياطي ليبقى رهن إشارة العدالة.[18]

إن المؤسسة السجنية اليوم أصبحت تعاني من معضلة التضخم والاكتظاظ نظرا للأعداد الهائلة من السجناء الذين يقبعون داخلها، غالبيتهم محكوم عليهم بعقوبات حبسية قصيرة الأمد[19]، و لأن هذا المشكل تعاني منه جل الدول جاءت بعض المطالب التي تنادي بتمكين هؤلاء السجناء من المشاركة السياسية قصد تنمية فكرة الإصلاح والتطوير في ذهنهم[20] على اعتبار أن هذه المشاركة ستحافظ على الصلة بينهم وبين المجتمع.

هذه الإرهاصات عجلت بظهور بعض الأصوات التي تنادي وتطالب بمد سلطة القضاء إلى المرحلة التنفيذية للعقوبة وبالتالي مد نطاق مبدأ الشرعية إليها عسى أن يساعد ذلك في الحد من الأزمة التي تعرفها هذه العقوبة[21]، وفي ضوء ذلك صارت الدول تعتمد على سياسة جنائية جديدة تقوم على أساس نظام يحتوي على بدائل العقوبات السالبة للحرية، ويأخذ بعين الإعتبار الطاقة الاستيعابية للمؤسسات السجنية[22]، لأن كل دولة يوجد بداخلها عدد كثير من السجون تصرف له ميزانيات بالجملة، قصد توفير موارد مالية للساهرين على تنظيم هذا القطاع، وكذلك توفير متطلبات الساكنة السجنية، لذلك كان  لابد من التفكير في سن عقوبات بديلة عن العقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة[23] تتوخى إحداث آثار إيجابية لمقترفي الأفعال الجرمية، وتحمل معها غاية إعادة إدماجهم في المجتمع وأيضا الابتعاد عن الوضع الإجرامي الذي يطالهم كلما قضوا مدة داخل المؤسسة السجنية.

فحاليا يوجد أكثر من تسعة ملايين سجين حول العالم والرقم في ارتفاع ملحوظ، فلذلك يعد الاكتظاظ من العوامل المهمة التي أفاضت الكأس قصد إعادة التفكير في إيجاد عقوبات بديلة للعقوبة الحبسية السالبة للحرية مع الاعتراف بأن السجن ليس هو الحل الناجع لتحقيق أغراض العقوبة[24].

ويعتبر مصطلح العقوبات البديلة مصطلحا جديدا، رغم وجود بعض تطبيقاتها على مستوى بعض القوانين الجنائية التقليدية[25]، ويقصد بها كل العقوبات التي تصلح أن تكون بديلة عن الحبس، أي يسمح باختيارها في حالات محددة قانونا مكان العقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة، وهذا لا يعني استبعاد هذه الأخيرة بل يعني فقط إمكانية استبدالها بعقوبة بديلة تتخذ مظهرا غير تقليدي[26]، وعرفها بعض الفقه[27] أنها بعض الجزاءات الأخرى التي يضعها المشرع أمام القاضي لكي تحل بصفة ذاتية أو موازية محل العقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة، فهي تتخد إذن نفس الإجراءات الجنائية العادية و تصدر عن طريق حكم قضائي ولكن بدلا من صدور هذا الحكم بعقوبة سالبة للحرية فإنه  يصدر بعقوبة بديلة لا تنطوي على سلب حرية المحكوم عليه.

إذن فالعقوبات البديلة تعتبر بمثابة نظام قانوني يتيح قضائيا إحلال عقوبة من نوع آخر محل عقوبة الحبس الأصلية، لكن هناك فئة[28] تنظر على أن هناك إشكالية تتعلق بمفهوم العقوبات البديلة للسجن في الأدبيات الجنائية العربية، وأنه يترتب على هذه الإشكالية أزمة في تعريف العقوبات البديلة وتطبيقاتها، وبالرغم من هذا التنوع والتباين في الآراء حول مفهوم أو مسمى العقوبات البديلة للسجن، فهناك اتفاق حول مشروعيتها ومبررات اللجوء إليها.

لقد أخذ مفهوم العقوبات البديلة للحبس مكانا متميزا جعله يطفو بقوة على الساحة القانونية والقضائية من خلال الدعوات التي أطلقت سواء من قبل العديد من الفقهاء والباحثين في مجال الجريمة نتيجة لما كشفه الواقع الفعلي وكذلك الدراسات والأبحاث الميدانية من مساوئ للسجون وما يترتب عليها من أضرار ومخاطر تلحق سواء بالسجين وبأسرته وكذلك بالميزانية العامة للدول، مما دفع الأمم المتحدة من خلال مؤتمراتها  واتفاقياتها[29] على الدعوة بضرورة البحث عن بدائل غير احتجازية تحل محل السجون وتراعي من خلالها حقوق الإنسان.

إن السياسية العقابية الحديثة اتجهت نحو خلق عقوبات بديلة ذات طبيعة مالية – الغرامة اليومية – عوض العقوبة الحبسية قصيرة المدة، وذلك عبر جعل المحكوم عليه يقوم بدفع مبلغ مالي يحدد من لدن قاضي الحكم إلى الخزينة العامة المكلفة باستخلاص الغرامات[30]، و تطبق عقوبة الغرامة اليومية في حق الرشداء[31] لكن ينبغي لنجاح فلسفة هذه العقوبة أن تتظافر جهود مختلف أجهزة العدالة الجنائية بشكل أوثق من أجل التقليص ما أمكن من اللجوء للإعتقال[32]، لأنه لا يمكن تخفيض عدد الساكنة السجنية  إلا عبر إستراتيجية متشاور بشأنها[33].

هنا تدخل المشرع الجنائي المغربي و سار على نفس المنوال حينما أقر العقوبات البديلة – الغرامة اليومية بالخصوص – على مستوى منظومته الجنائية من خلال مشروع ق.ج.م رقم 16.10، متأثرا بذلك بمجموعة من المرجعيات  التي أكدت على محدودية التشريع الجنائي المغربي في اعتماد العقوبات البديلة[34]، و كذلك هناك مجموعة من القرارات التي أكدت على أنه يتعين على الدول الأعضاء أن تبذل مجهودا لتقليص الاكتظاظ السجني وكذا التقليص من اللجوء إلى الاعتقال الاحتياطي، بالإضافة إلى تشجيع اللجوء المتزايد إلى الآليات البديلة لفض النزاعات و كذلك العقوبات البديلة كالغرامة اليومية[35].

لأن ظاهرة العود أصبحت مقلقة جدا، حيث أن نسبة العودة للإجرام مرتفعة جدا بعد قضاء العقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة[36]، لذلك ثم اقتراح عقوبات بديلة بأقل تكلفة وأكثر نجاعة، يوصي المجلس الوطني لحقوق الإنسان بأن يتم اعتبار المرجعية الدولية الصريحة[37]، خاصة مختلف قواعد الأمم  المتحدة والوثائق المختلفة الصادرة عن مختلف هيئات مجالس أوروبا في مجال العقوبات البديلة.

و تنبثق فلسفة الغرامة اليومية في القوانين الوضعية بالأساس من المقومات الثلاث التي تنبني عليها السياسة الجنائية [38] والتي تتمثل في التجريم والعقاب والمنع.

في مجال التجريم: نزع الصفة التجريمية عن الأفعال التي لا تشكل خطورة كبيرة على المجتمع.

في مجال العقاب: تظهر في صورة التزامات مالية يومية بدلا عن العقوبة التقليدية ومختلفة عنها في المفهوم والمضمون.

في مجال المنع: تقوم بالسيطرة على سلوك الجاني وتوجيهه طوال مدة تطبيق الغرامة اليومية، لتظهر نتائجها بعد ذلك في صورة سلوك الجاني في المستقبل.

إن عقوبة الغرامة اليومية لديها مجموعة من الأسس الفلسفية، فلما كان مصطلح الردع في نظر رواد المدرسة التقليدية يفيد على أن التهديد بعقوبة قاسية يمكن أن يكون سببا في إحجام الأفراد عن الإقبال لإرتكاب الجريمة[39] مما يتأتى معه المنع من انتشار عدوى الجريمة[40]، ظهر رأي[41] يخالف ذلك ويقر أن مفهوم الردع لا يرتبط دائما بقسوة العقوبة وبشدتها بقدر ما يرتبط بمدى جديتها وإمكانية توقيعها وتنفيذها على الجاني، لأن فعالية العقوبة  تكمن في التأكيد على أهمية توقيعها وليس بقسوتها.

لذلك جاء الفكر الجنائي الحديث بعد المدرسة التقليدية ينادي بإصلاح المجرم وتأهيله، لأن العقوبة المشددة أبانت على عدم جدواها في الوقاية الخاصة ( الردع الخاص، ومنع حالة العود) ولا تحقق أيضا الوقاية العامة (الردع العام)،وتعتبر العدالة البطيئة كذلك نوعا من الظلم، لأن سرعة القضاء بإنزال الجزاء على المتهم يؤكد للناس وجود تلازم فوري بين الخطيئة وبين جزائها[42].

إن التوجه الجديد من أجل تبني عقوبات بديلة – الغرامة اليومية –  يدل على التأثر بحركة الدفاع الاجتماعي الجديد[43]، والتي وصفت أنها حركة جاءت لسياسة جنائية إنسانية، وجاءت كذلك باعتبارها حل للأزمة التي تشهدها بعض العقوبات التقليدية خصوصا العقوبة السالبة للحرية، لذلك ذهبت مجموعة من التشريعات للإقرار والإعلان عن مبدأ يسمى التلطيف من العقوبة[44].

إن أول انشغال لحركة الدفاع الاجتماعي الجديد[45] هو ترقية الإنسان و اعتباره أساس القانون الجنائي، فأصبح معها الإنسان موضوع القانون الجنائي و ليس موضوع العقوبة، لأن من وجهة نظر هذه المدرسة يمكن للعقوبة أن تلعب دورها كوسيلة لإعادة الإدماج على اعتبار ذلك هو الهدف الأسمى للسياسة الجنائية، فهنا تفصح الحركة عن معارضتها لعقوبة الإعدام وللعقوبة السالبة للحرية و إيمانها بالعقوبات البديلة[46].

يتضح أن العقوبات البديلة – خصوصا الغرامة اليومية –  وليدة لما تمخضت إليه النزعة البرغماتية للسياسة الجنائية المعاصرة والتي ترى أن تكون للعقوبة منفعة وفائدة للمجتمع والمجرم[47]، حيث تؤمن هذه الأخيرة أنه ينبغي أن يتكيف القانون مع معطيات السوق وأن يوظف لخدمة هذا الأخير[48]، وبالتالي تلجأ الدولة إلى عقوبة – الغرامة اليومية – تحقق لها المنفعة وتكون غير مكلفة من الناحية المالية، وفي نفس الوقت تلعب دورا في إدماج المحكوم عليه في المجتمع.

ولقد أثبتت العقوبة البديلة – الغرامة اليومية – فاعليتها في موجهة الظاهرة الإجرامية لأنها تجمع بين إيقاع الجزاء ثم التأهيل وكذلك الإدماج الاجتماعي للمحكوم عليه وحماية حقوق الإنسان، إلا أنه يثار إشكال على مستوى التسمية[49] فهناك من  يظن أنه من المستحسن تسمية بدائل العقوبة عوض العقوبة البديلة، لأن الأمر في نظره يتعلق فعلا ببدائل تحل محل العقوبة السالبة للحرية وتستبدل بها، وخاصة أن البدائل المقصودة – الغرامة اليومية – لا تحتوي على ما يترتب على العقوبة من إيلام يمس الحرية، ويفرض القيد على الحركة، ويجعل المحكوم عليه يعزل عن العالم الخارجي، وينقطع عن التعايش بين الناس، وعن الاختلاط بالمجتمع.

وللعقوبة  البديلة – الغرامة اليومية – أساس حتى في الفقه الجنائي الإسلامي، فعندما يتناول هذا الأخير الجنايات وما يترتب عنها من جزاءات، يضع في حسبانه حفظ الضروريات والحاجيات للمجني عليه، وإصلاح الجاني بما يحفظ ضرورياته وحاجياته كذلك، لذلك لا يرمي الفقهاء – حين تقريرهم للعقوبة – إلى الانتقام أو التنكيل، بل لصيانة حق المجني عليه وردع الجاني وإصلاحه[50].

إن اللجوء إلى العقوبة البديلة – الغرامة اليومية –  في الفقه الجنائي الإسلامي ليس مطلقا، بل هناك قيود و ضوابط يجب احترامها و تطبيقها، فالحدود[51] لا يمكن إلغاؤها لإحلال عقوبات بديلة كيفما كان نوعها، لأن الفقهاء يعتبرونها حقوقا لله )مسائل تعبدية)، أما عقوبة القصاص فلا يمكن استبدالها بالعقوبة البديلة إلا حين يقع الصلح بين المجني عليه أو وليه مع الجاني مثل جرائم القتل والجرح، ويمكن اللجوء إلى التعزير[52] في حالة ثبوت الفعل الجرمي وعدم توفر جميع الشروط الشرعية الموجبة لإيقاع العقوبة، كما يمكن درء هذه العقوبة إذا وجدت هناك شبهة معينة. يعتبر التعزير الميدان المناسب لتقرير العقوبة البديلة المالية – الغرامة اليومية – ، والعقوبة البديلة المالية جائزة في الشريعة الإسلامية، تطبق عندما يكون الفعل الجرمي عبارة عن الغش في الأسواق وجنحة السرقة فيما دون النصاب[53].

يلاحظ أن العقوبة البديلة – الغرامة اليومية – تتسم بنوع من العدالة، لأنها تأخد جسامة الخطأ بعين الاعتبار[54] لأن الغاية منها هو التأهيل وإعادة الإدماج، ويمكن القول على أن عقوبة الغرامة اليومية تجسد مبدأ شخصية العقوبة، لأنها تطول الجاني وحده، ولطالما يتم طرح تساؤل جوهري يفيد مدى تحقيق عقوبة الغرامة اليومية لوظائف العقوبة؟ نقول على أن الفقه[55] أقر بتحقيقها للإصلاح والتأهيل كوظائف حديثة في علم العقاب، لأن مرتكب الفعل هو من يختار الالتزام بتطبيقها.

ومعلوم أن مبدأ الشرعية يشمل كذلك شرعية العقاب، حيث لا يمكن فرض عقوبة لم ينص عليها المشرع[56] فلذلك يجب على القاضي الجنائي أن يتقيد بما نص عليه المشرع في النصوص المؤطرة للعقوبات البديلة – الغرامة اليومية –[57]، استنادا لذلك ليس من حق القاضي الجنائي أن ينشيء أو يحكم بعقوبات بديلة غير تلك التي نص عليها القانون.

وانطلاقا مما سبق نرى في نظرنا أن فعالية عقوبة الغرامة اليومية تتجلى في أمرين اثنين:

  • التخفيف من الاكتظاظ في السجون.
  • تحويل ميزانيات مهمة نحو الاستثمار في التنمية البشرية.

و خلاصة القول فإن هذه الفعالية هي التي دفعت مجموعة من التشريعات الجنائية المقارنة إلى اعتماد عقوبة الغرامة اليومية كعقوبة بديلة عن الحبس قصير المدة. إن عقوبة الغرامة اليومية تحمل آثارا تنعكس على المحكوم عليه، أولا يتفادى الدخول إلى عالم ما وراء الأسوار “السجن”، ثم تجنبه صعوبة تكوين علاقات اجتماعية بعد خروجه من السجن خصوصا إشكالية الوصم الاجتماعي[58]. وكما ذكرنا سابقا فإنه من حق المحكمة تعويض عقوبة الحبس قصير المدة بعقوبة الغرامة اليومية تحدد أيامها أخدا بعين الاعتبار ظروف الجاني و ظروف الجريمة، وللمحكمة عند الحكم بالغرامة اليومية كذلك أن تأمر بتشطير أدائها عبر دفعات لاعتبارات صحية أو مهنية أو اجتماعية تلحق بالمحكوم عليه الراشد[59].

 

[1]  الفصل 1 من ق.ج. م .

[2]  عبد الكافي الورياشي، العقوبة السالبة للحرية بين الردع وإعادة الإدماج، أبحاث في الفقه الجنائي سلسلة المعارف       القانونية والقضائية ، طبعة 2016، ص: 336.

[3]  محي الدين أمزازي، العقوبة؟ منشورات جمعية تنمية البحوث والدراسات القضائية، طبعة 1993، بدون ذكر الصفحة.

[4]  أحمد الخمليشي، شرح القانون الجنائي، القسم العام، مكتبة المعارف بالرباط، طبعة 1985، ص: 36.

[5]  عبد الكافي الورياشي، المرجع السابق، ص: 336.

 [6] الفصل 119 ق.ج.م  وما بعده حيث ينص: في حالة تعدد الجرائم التي قد يرتكبها الجناة في وقت واحد، أو في أوقات متفرقة دون أن يفصل بينهما حكم غير قابل للطعن.

[7]  مريم الفقيه التطواني، إدماج العقوبات بين النظرية والتطبيق ، مجلة إدماج، عدد 7، 2004، دون ذكر الصفحة.

[8]  لطيفة مهداتي، الشرعية في تنفيذ العقوبات  السالبة للحرية ، الطبعة الأولى، دجنبر 2005، ص: 14.

[9]  Philippe Robert, Claude Faugeron, les forces chaches de la justice pénal, édition du centution, 1980, paris, p:5.

[10]  محمود نجيب حسني، علم العقاب، دار النهضة العربية، الطبعة الثانية، ص: 273.

[11]  أحمد فتحي سرور، أصول السياسة الجنائية، دار النهضة العربية، طبعة 1972، ص: 53.

 [12] أحمد عوض بلال، علم العقاب، دار الثقافة العربية، القاهرة، سنة 1983-1984، ص: 172.

[13]  فاضل زيدان محمد، العقوبات السالبة للحرية، دراسة مقارنة، دار التراث، بدون طبعة ، ص: 65.

[14]  حيث إن أول غرض ينبغي تحقيقه هو الردع العام الذي ظهر مع المدرسة التقليدية بروادها مونتسكيو وروسو وبكاريا    وفويرباخ، هؤلاء عرفوا الردع العام أنه بمثابة إنذار موجه للعموم بسوء عاقبة الإجرام حتى لا يقعوا في تقليد المجرمين في أفعالهم، أنظر:

Gaston Stefani, George levasseur et jambeau merlin, droit penal general, 15eme      edition,1995, p: 294.

وأقر بكاريا على أن قسوة العقوبة تساوي عدم العدالة، لأن تحقق الردع العام في نظره يكون عند وجود يقين تام بتطبيق العقاب أنظر:

Sesare beccaria, traite des delits et des piens traduits en francais, sans edition 1996, p:93.

[15]  جاسم محمد راشد الخديح، بدائل العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدة، دراسة مقارنة دار الشروق، طبعة 2000، ص: 63.

 [16]   سامي عبد الكريم محمود، الجزاء الجنائي، منشورات المجلة الحقوقية بيروت، بدون ذكر الطبعة، ص: 142-143.

[17] Laila abouloula, les pienes privatives de liberte en droit marocain D.E.S FAC RABAT 1998-    1999, p: 56.

[18] Mohammed drissi alami machichi, régime  juridique de la détention préventive in revue de la sureté nationale n° 184, 196, P2.

[19]  فوزية عبد الستار، مبادئ علم الإجرام وعلم العقاب، دار النهضة العربية، بيروت، الطبعة الخامسة، 1985، ص: 243.

[20]  أحمد التهامي، مدى دستورية مكونات العقوبة السالبة للحرية، المجلة المغربية للقانون واقتصاد التنمية، عدد 29-1993، ص: 174- 175.

 [21] محمد محيي الدين عوض، القانون الجنائي، مبادؤه الأساسية ونظرياته  العامة، دون ذكر الطبعة، ص: 24-25.

[22]  Basvensson : punir modérement, rev, Int, crimilg et depoltech. Avril, juin 1987, vol xl, p: 188.

[23]   يشهد المنتظم الدولي اليوم إجماعا على فشل العقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة في التأهيل وإعادة التربية والحد من الجنوح والإجرام، و حتى بيداغوجيا في نظرنا  تبقى المدة القصيرة التي يقضيها المحكوم عليه في المؤسسة السجنية لا يمكن أن تساعده على التأهيل وإعادة الإدماج بل حتى الدول التي تعتمد برامج محكمة لإعادة التربية تعترف بقصور العقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة في هذا الجانب، مع التأكيد على ضخامة الكلفة المالية للعقوبات السالبة للحرية حيث يرصد لها ميزانيات مالية مهمة بالإضافة إلى إمكانيات بشرية عديدة من قبيل: الشرطة / رجال القضاء / مساعدي العدالة/ الحراسة /  نقل السجناء / أطر المؤسسات السجنية / ميزانيات الأكل الخ…..

[24]  Série de manuels sur la justice pénale, nations unies, new york, 2008, p: 4.

وللإشارة فإنه في البرازيل تكلفة السجن والعقوبة السجنية تصل إلى:

المعدل المتوسط لتكلفة السجين : 800 دولار في الشهر.

المعدل المتوسط لبناء المكان : 12000 دولار لمؤسسة متوسطة البناء  و  19000 دولار لمؤسسة عالية الجودة.

وبالمقابل فتكلفة دراسة التلاميذ و بناء المدارس تكلف:

المعدل المتوسط لطالب أو تلميذ في مدرسة خاصة: 70 دولار شهريا.

المعدل المتوسط لبناء منزل لشخص غير سوي: 4000 إلى 7000 دولار.

أنظر نفس المرجع السابق أعلاه، ص: 5.

[25] إن القانون الجنائي الفرنسي يتضمن في قسمه العام عددا كبيرا من العقوبات البديلة نصت عليها ونظمتها بدقة ما يزيد عن 50 مادة، (المواد من 1-131 إلى 20-131) وهي رهن إشارة القاضي يحكم بها إما منفردة وإما تخييرية مع الحبس أو الغرامة.

[26] الحسين البوعيسي، واقع الوسائل البديلة للعقوبات السالبة للحرية (التنصيص والتطبيق)، مجلة الإشعاع، العدد 43، يونيو 2015، ص: 95.

[27] جاسم محمد راشد الخديج، المرجع السابق، ص: 68.

[28]  مبارك عناد فيصل العنزي، العقوبات البديلة للسجن وتطبيقاتها في القانون الكويتي، رسالة مقدمة استكمالا لمتطلبات الحصول على درجة الماجيستر في الشريعة والقانون، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض، 2017، ص: 65.

[29]  أنظر: مؤتمر الأمم المتحدة لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين، المنعقد في هافانا في الفترة من 27 غشت إلى 7 شتنبر عام 1990م، وأنظر كذلك: القواعد النموذجية الدنيا للتدابير غير الاحتجازية (قواعد طوكيو) الصادرة عن مؤتمر الأمم المتحدة بطوكيو عام 1999م، وقواعد معاملة السجينات والتدابير غير الاحتجازية للمجرمات (قواعد بانكوك) الصادرة عن مؤتمر الأمم المتحدة ببانكوك عام 2011م، وغيرها من القواعد والوثائق والصكوك الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة والخاصة سواء بمعاملة المسجناء، أو التدابير غير الاحتجازية للمجرمين عموما وللمجرمات والأحداث على وجه الخصوص.

[30]  Oussama Taleb , l’apport de la criminologie au droit pénal , 1er édition , 2015 , dar assalam , p: 225.

[31]  Manuel des principes fondamentaux et pratiques prometteuses sur les alternatives à l’emprisonnement office des nations unies contre la drogue et le crime, nations unies new york, 2008, p: 38.

[32]  Françoise vanhamene, la nationalité de la peine, bruyant, Bruxelles, 2009, p : 23.

[33]  إعلان واكادوكو سنة 2002 من أجل التسريع بالإصلاح الجنائي والسجني بإفريقيا.

[34]   تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان، أزمة السجون مسؤولية مشتركة، أكتوبر 2012.

[35]  القرار رقم 2013/25 المصادق عليه من طرف المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة بتاريخ 2013/07/25 حول القواعد الدنيا النموذجية لمعاملة السجناء، الفقرة 13.

[36]  أنظر  أرقام وزارة العدل والحريات المنشورة بمجلة الشؤون الجنائية، رقم 2، أكتوبر 2012، ص: 124- 125، وكذلك التوصيات رقم 21- 27- 12 ص 6- 8 – 9 الصادرة عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان، مرجع سابق، والذي تم التنصيص فيه على:إن العقوبات البديلة بالرغم من صعوبات أجرأتها، لها ميزتان على الأقل: مكافحة ظاهرة العود وتقليص الساكنة السجنية، ثم إنه إذا تم اعتماد عقوبات بديلة تأتي محل العقوبات التي تقل عن ستة أشهر سيتم ربح 3000 نزيل، ثم إن هناك 15000 نزيل ثم الحكم عليهم بعقوبات حبسية بجنح بسيطة: 78 بالنسبة لجنحة التسول والتشرد/ 364 بخصوص الهجرة السرية / 1690 تتعلق استهلاك المخدرات، بالإضافة أن هناك من أصل 65000 نزيل يمكن ل 36000 نزيل تفادي العقوبة السالبة للحرية أي ما بيناهز 55% من الساكنة السجنية، ثم هناك إشكالية على مستوى عدم تنفيذ العقوبات المالية وذلك بسبب تقاعس الأجهزة المكلفة بذلك عن تنفيذ عدد هائل من الأحكام بالغرامة، فمنذ سنة 1993 إلى 2012 استخلصت الدولة ملياري درهم من ستة ملايير درهم حكمت بها، وبالتالي فنسبة 33% تعتبر قيمة هزيلة تم الحكم بها.

[37]  مؤتمر ميلانو سنة 1958/ التوصية رقم 16: التشديد على وجوب اتخاذ التدابير اللازمة لعلاج ظاهرة تكدس السجناء باتخاذ كافة الإجراءات لتبني العقوبات البديلة ثم الاتفاقية الدولية لطوكيو التي ثم إبرامها من قبل  الجمعية العامة للأمم المتحددة بتاريخ 1990/12/17، تحت اسم قواعد طوكيو في دورتها تحت عدد 10/10/54، والتي تضمنت  بطبيعتها الأسس الرئيسية للعقوبات البديلة.

[38]  مبارك فيصل العنزي، المرجع السابق، ص: 81.

[39]   Stefani – levasseur – bouloc, «  droit pénal général », la crainte d’un chatiment, exemplaire et de nature à faire résiter les délinquants eventuels, 17éme dalloz, paris, 2000, p: 388.

[40]  Nadia bernaz, «  ce droit international et la peine de mort », thése pour le doctorat en droit public, présente et setenue le 12/12/2006, uiniversité paul cezanne, aix marseille III, p: 24.

[41] ميموني فايزة، العقوبات البديلة في النظام الجزائي، مجلة دراسات قانونية، مركز البصيرة، العدد 11، ماي 2011، ص: 28.

[42] عمر فخري عبد الرزاق الحديثي، حق المتهم في محاكمة عادلة، دراسة مقارنة، دار الثقافة للنشر والتوزيع ، طبعة 2005، الأردن، ص: 134.

[43]  Mareille delmaz marty, les grands systèmes de la politique criminelle, presses université du France , 1er édition, 1992, p: 18.

[44] Ree girarf, ces violences, enap, 2000, p: 13.

[45] Jean pierre ancel, la défense sociale a 50 ans, revue de science criminelle, édition Dalloz, paris 2005, p: 171.

[46] محي  الدين أمزازي، العقوبة، مطبعة الأمنية، الرباط، طبعة 1993، ص: 298.

[47]  Raymond gassin «  criminologie », 4éme édition, Dalloz, paris 1998, p: 501.

[48] Mareille delmaz marty, la mondialisation chances et risques recueil Dalloz, 2008, p: 43.

[49] أحمد زوكاغي، مجلة الملف، العدد 23، طبعة نونبر 2015، ص: 71.

لكن في نظرنا لا ينبغي أن يثير موضوع التسمية أي اختلاف، لأن الأهم هي الغاية من وراء إحداث العقوبات البديلة، و نظن أن من يستعمل مصطلح العقوبات البديلة يجد سنده كون هذه الأخيرة امتداد طبيعي لنظام العقوبات الجنائية مع إحداث تغييرات في نوعيتها و طبيعتها، أما الفريق الذي يستعمل مصطلح البدائل فيؤمن بأنها امتداد للتدابير البديلة مع انتفاء الطابع العقابي عنها، وهذا نظن أنه لا يستقيم، لأن الأصل هو أن العقوبات البديلة تعتبر صنفا جديدا للعقوبات المقررة.

[50]  عبد القادر عودة، التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي، دار الكتاب العربي، بيروت، الجزء الأول، ص: 68.

[51]  محمد رفيق، العقوبات البديلة بين الفقه الإسلامي والتشريعات المعاصرة، سلسلة المعارف القانونية والقضائية، الإصدار 44، طبعة 2017، ص: 126.

[52]  محمد رفيق، المرجع السابق، ص: 127.

ويجدر الذكر أنه من النصوص الشرعية التي توضح مشروعية العقوبة البديلة قوله “ص” ( أقيلوا ذوي الهيآت عثراتهم إلا الحدود) أخرجه أحمد في مسنده برقم 24946، وابو داود في كتاب الحدود برقم 4375.

[53]  ابن القيم، الطرق الحكيمة، دار البيان ، ص: 224 وما بعدها.

[54]  رؤوف عبيد، مبادئ القسم العام في التشريعات العقابية، دار الفكر العربي القاهرة 1979، ص: 77.

[55]  محي الدين أمزازي، جدوى إيجاد بدائل للعقوبات الحبسية القصيرة المدة، المجلة العربية للدفاع الاجتماعي، عدد 17، 1984، ص: 72.

[56]  محمد خالد فهد العنزي ، صلاحية العقوبات البديلة من وجهة نظر القضاة ومنسوبي الأجهزة الأمنية “دراسة مقارنة”، أطروحة مقدمة استكمالا لمتطلبات الحصول على درجة الدكتوراه في علم اجتماع الجريمة، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض، 2017، ص: 37.

[57] عبد الرحمن أبو توتة، أصول علم العقاب ، الطبعة الأولى، 2001، ص: 85.

[58] محمد أوزيان، تأثير اكتظاظ السجون على برامج الإصلاح والتأهيل، دراسة النطاق وكيفية المعالجة، قراءات في المادة الجنائية، الجزء الأول، طبعة 2015، ص: 151.

[59] طيب محمد عمر، العقوبة في الميدان الجنائي إلى أين؟ مجلة المحاماة، عدد 36، 1994، بدون صفحة.

اترك تعليقاً