مدى إمكانية المسألة عن الأخطاء القضائية في التشريع المغربي

2018 11 20
2018 11 20

مدى إمكانية المسألة عن الأخطاء القضائية في التشريع المغربي

ذ خالد الغزالي

باحث بكلية الحقوق

لنشر مقالاتكم يرجى إرسالها في صيغة Word مرفوقة بالصورة الشخصية للبريد الإلكتروني التالي :

Ujmc.publications@gmail.com

لا يختلف اثنان حول إقرار مسؤولية الدولة عن خطأ قضائي بنص دستوري حيث يعد  تطورا كبيرا في نظام مسؤولية الدولة عن أعمال الجهاز القضائي , ويمثل اعترافا بحق المواطن في الحصول على التعويض عن الأضرار التي لحقته جراء السير المعيب لمرفق القضاء باعتباره مرفقا عاما تتحمل الدولة مسؤولية الأضرار الناتجة عن نشاطه.

وحيث أقر الفصل 122 من دستور المملكة الصادر سنة 2011 والذي جاء فيه : ” يحق لكل من تضرر من خطأ قضائي الحصول على تعويض تتحمله الدولة ” ,وان دلة هذا على شيء فان ما يدل  على النهج الحقوقي الذي  انخرط فيها المغرب من خلال القطع مع بعض التوجهات المستمدة من التطبيق الحرفي لمبدأ عدم مسؤولية الدولة عن نشاطها القضائي , و تعد هذه الحالة من حالات المسؤولية من أهم الموضوعات التي يمكن إن تؤثر تأثيرا بالغا على  النظام القضائي في الدولة , فمنذ القرن التاسع العشر لم تكن مسؤولية الدولة عن أخطاء موظفيها معترفا بها , غير أنه مع التطورات الأيديولوجية التي حدثت في بداية القرن العشرين وتحولات الفكر السياسي الذي نقل فكرة السيادة من شخص القائد  إلى النظام السياسي للدولة , أصبحت هناك  إمكانية لمساءلة الدولة أمام القضاء عما أحدثته من أضرار للمواطنين , غير انه رغم هذا التطور فان بعض التشريعات المقارنة مازالت تأخذ بمبدأ عدم مسؤولية الدولة عن أخطاء مرفق القضاء لاعتبارات عديدة تروم إلى الحفاظ على  استقلالية السلطة القضائية , وعدم المساس بسيادة القضاء وتوفير الاستقرار و الأمن القومي للأحكام القضائية.

اقرأ أيضا...

وفي هذا السياق تتمحور الإشكالية الرئيسية في مدى إمكانية التعويض عن الأخطاء الناتجة عن جهاز القضاء باعتباره مرفقا من مرافق الدولة. تتفرع عن هذه الإشكالية الرئيسية تساؤلات عدة تتمثل فما يلي:

  • ما هي الأخطاء القضائية التي يمكن أن تسأل عنها الدولة ؟
  • ما هي الجهة القضائية المختصة في البت في قضايا التعويض عن الأخطاء القضائية ؟

أولا

 صور الأخطاء القضائية التي يمكن أن تسأل عنها الدولة.

تتعدد صور الأخطاء القضائية التي يمكن أن تسأل عنها الدولة , حيث في هذا الإطار نجد مسؤولية الدولة عن الخطأ القضائي اثر صدور حكم قضائي بالبراءة بعد حكم جنائي بالإدانة الصادر  في إطار المراجعة  , كما نجد  المسؤولية عن أعمال قضاة النيابة العامة وعن  الاعتقال الاحتياطي الخاطئ , وكذلك   مسؤولية الدولة عن أخطاء قضاة الأحكام  باعتباره أكثر صور الأخطاء القضائية وقعا في الحياة العملية .

  • مسؤولية الدولة عن الخطأ القضائي أثر صدور حكم قضائي بالبراءة بعد حكم جنائي بالإدانة.

تعد مسؤولية الدولة في هذه الحالة  استثناء من القاعدة التي كانت تقر مبدأ عدم مسؤولية الدولة عن أعمال القضاء , وبموجبه يحق للمتضرر من قرار قضائي قضى بإدانته وثبتت براءته فيما  بعد , المطالبة بالتعويض عن الضرر المادي و المعنوي الذي لحقه جراء هذا الخطأ القضائي , حيث تتحمل الدولة ما يمكن أن يحكم به من تعويضات مع احتفاظ حقها في الرجوع على الطرف المدني أو الواشي أو شاهد الزور الذين تسببوا بخطئهم في صدور العقوبة.

  • المسؤولية عن أعمال النيابة العامة وعن الاعتقال الاحتياطي الخاطئ .

لقد دأب قضاء الغرفة الإدارية بمحكمة النقض على استبعاد أعمال النيابة العامة من نطاق المساءلة في ظل الدساتير القديمة التي لم تكن تعترف بالمسؤولية الدولة عن الأخطاء القضائية عموما  ,وحيث كانت الغرفة  الإدارية بمحكمة النقض  تتصدى بإلغاء الأحكام  القضائية  التي كانت تسير في اتجاه إقرار المسؤولية الإدارية لجهاز النيابة العامة , أما بصدور الدستور الجديد لسنة 2011 فقد نص الفصل 122 منه على تعويض كل من تضرر من خطا قضائي تتحمله الدولة ,  غير أن هذا الفصل  لم يميز الفصل بين قضاة الأحكام و قضاة النيابة العامة على اعتبار أنهم جميعا يجسدون الجهاز القضائي ويسعون إلى خدمته  .

أما بخصوص الاعتقال الاحتياطي الخاطئ فقد أقرت بعض التشريعات أحقية المتضرر من الاعتقال الاحتياطي ثبتت براءته من التهمة المنسوبة إليه , في الحصول على التعويض عن مدة اعتقاله علاوة عن الضرر المعنوي اللاحق به , ومن هذه التشريعات نجد المشرع الفرنسي , أما المشرع المغربي فلا يقر ذلك غير آن القضاء الإداري ينظر أحيانا في طلبات التعويض عن الأضرار التي يتسبب فيها الاعتقال الاحتياطي الخاطئ , حيث أقرت المحكمة الإدارية بالرباط في حكم حديث لها اختصاصها في النظر في دعوى المسؤولية عن الخطأ القضائي المتمثل في الاعتقال الاحتياطي غير إنها أوجبت لقيام المسؤولية إثبات ركن الخطأ لإقرار هذه المسؤولية خلافا لما أقرته بعض التشريعات من اعتماد نظرية المخاطر , بالتالي فان التعويض عن الاعتقال الاحتياطي حسب ما ذهبت إليه المحكمة الإدارية بالرباط يجب أن يكون خاطئا أو تعسفيا ونتج عنه ضررا سواء كان ضررا ماديا أو معنويا , فضلا عن ثبوت براءة المعتقل احتياطيا بمقتضى حكم قضائي بات.

  • مسؤولية الدولة عن أخطاء قاضي الحكم

يعتبر خطا القاضي اكتر صور الأخطاء القضائية ,حيت اقر الفصل 109 من الدستور أن كل إخلال من القاضي بواجب الاستقلال وتجرد خطأ مهنيا جسيما بصرف النظر عن المتابعات القضائية المحتملة ونجد المجال اكتر تنظيما المسؤولية المدنية عن الأخطاء القاضي الفصل 81 من قانون الالتزامات و العقود حيت ينص هدا الفصل على إن :”القاضي الذي يخل بمقتضيات منصبه يسأل مدنيا عن هذا الإخلال تجاه الشخص المتضرر في الحالات التي تجوز فيه مخاصمته .

فالقاضي لا يكون إذن مسئولا عن جميع الأخطاء التي يمكن أن يرتكبها أثناء قيامه بأداء مهام وظيفته ,بل إنما تترتب مسؤوليته في الحالات التي يكون فيها محل لمخاصمته ليس إلا.

ولمعرفة الحالات التي تجوز فيها مخاصمة القاضي يجب الرجوع إلى الفصل 391 من قانون المسطرة المدنية, الذي حددها فيما يلي:

– إذا وقع من القاضي تدليس أو غش أو ثبت عليه اخذ رشوة أو كل ذلك سواء أثناء سير الدعوى أو عند إصدار الحكم

– إذا كانت مخاصمة القاضي قد قضى بها نص صريح في القانون.

– إذا كان ثمة نص في القانون يقضي باعتبار القاضي مسئولا.

-عند وجود إنكار العدالة .((Déni de justice

ويعتبر القاضي في هذه الحالات مسئولا مسؤولية شخصية إلا في حالة إعساره عندئذ  يجوز للمتضرر الرجوع على الدولة في إطار الفصل 80 من قانون الالتزامات و العقود مع احتفاظ الدولة بحقها في الرجوع على القاضي المعسر في حالة يسره.

ثانيا

الجهة القضائية المختصة بالبت في قضايا المسؤولية عن الخطأ القضائي.

أن المشرع المغربي لم يحدد جهة قضائية معينة للبت في طلبات التعويض عن الخطأ القضائي المؤسسة على الفصل 122 من الدستور وبالتالي فان المحكمة الإدارية تبقى صاحبة الولاية العامة للبت في طلب التعويض عن الخطأ المرتبط بسير مرفق عمومي والتحقق من قيام شروط مسؤولية الدولة عنه طبقا لقواعد المسؤولية الإدارية .

غير أن اختصاص المحكمة الإدارية في البت في قضايا التعويض عن الأخطاء القضائية فهو ينحصر في الأخطاء القضائية المرفقية التي تعود لمرفق القضاء وليس الأخطاء الشخصية التي يرتكبها القاضي في إطار الفصل 81 من قانون الالتزامات والعقود,حيت تخضع مسؤولية القاضي عند ثبوت حالات المخاصمة لقواعد اختصاص استثنائية ,فقد منح المشرع المغربي اختصاص البث في دعوى المخاصمة لمحكمة النقض .

أما بخصوص الحكم الصادر بالبراءة ردا على الحكم الصادر بالإدانة في إطار المراجعة حيت لم يحدد المشرع هنا الجهة القضائية المختصة في البت  في التعويض في هذه الحالة ,كما أن القضاء المغربي اختلف في تحديد الجهة المختصة في طلب التعويض ,حيت يذهب اتجاه قضائي إلى منح الاختصاص حصرا للغرفة الجنائية بالمجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا ) باعتبارها صاحب الولاية في البت في طلب المراجعة ,وهو الاتجاه الذي سار فيه قرار المجلس الأعلى –الغرفة الإدارية –صدر 2007/06/27 والذي قضى بان الاختصاص النوعي في الحكم بالتعويض لفائدة ضحية الخطأ القضائي في إطار المراجعة  يرجع إلى الغرفة الجنائية بالمجلس الأعلى محكمة النقض حاليا  .

بينما يذهب الاتجاه أخر إلى القول بان الاختصاص للبت في طلب التعويض هو اختصاص مشترك بين القضاء الجنائي الممثل في الغرفة الجنائية بمحكمة النقض والقضاء الإداري باعتباره صاحب الاختصاص الأصلي للبت في طلبات التعويض عن الخطأ القضائي المقام ضد الدولة حيت يكون المتضرر حق الخيار في هذه الحالة ,وحيت سارت في هذا الاتجاه محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط .حيث جاء في حيثيات احد قراراتها …لكن حيت أن عبارة :يقبل طلب التعويض في سائر مراحل مسطرة المراجعة لا تفيد حتما أن اختصاص القضاء الجنائي للبت في طلب التعويض عن الضرر الناتج عن الخطأ القضائي المقدم من قبل من صدر قرار المراجعة لفائدته هو اختصاص مانع لا يزاحمه فيه القضاء الإداري استنادا إلى المادة 8 من القانون رقم 90/41 المحدث للمحاكم الإدارية .

اترك تعليقاً