الإثبات في الجريمة الإلكترونية

2018 11 25
2018 11 25

الإثبات في الجريمة الإلكترونية

الدكتور عبد الحكيم الحكماوي

نائب الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستيناف بالرباط

أستاذ زائر بكلية الحقوق سلا

باحث قانوني

إذا كان التقاضي يعتبر أسمى سلوك حضاري يمكن للفرد أن يسِم به سلوكه متى مُست مصالحه و مراكزه القانونية ؛ فإن ذلك يجب أن يكون متسما بنوع من الانسجام مع المعايير و القيم الأخلاقية التي سادت المجتمع و عبر عنها المشرع من خلال نصوص قانونية واضحة ضمنها في تشريعات تحكم سلوك الأفراد و تحمي حقوقهم و مراكزهم القانونية و تضمن لهم إمكانية الدفاع عن كل ذلك أمام قضاء عادل و نزيه .

و لما كان الارتكان إلى القضاء يعتبر من حيث الترتيب الزمني آخر مرحلة يمكن اللجوء إليها ؛ فإن ذلك يجب أن يكون ممن كانت مصالحه مهددة سواء أكانت تلك المصالح محمية بمقتضيات زجرية أو غير زجرية كما يجب أن يكون ذلك اللجوء مقرونا بوسائل مثبتة للاعتداء على تلك المصالح أو مهددة للمراكز .

اقرأ أيضا...

و كما هو معلوم فإن فكرة الإثبات بصفة عامة يمكن أن تندرج في سياق الصراع القائم بين كل من مدرسة الإثبات الحر [1] و مدرسة الإثبات المقيد [2] و مدرسة الإثبات المختلط [3] ؛ و لذلك يبدو من المفيد جدا أن نقف عند نطاق الأخذ باتجاهات تلك المدارس في المجال الجنائي عموما و مجال إثبات الجريمة الإلكترونية على وجه الدقة على اعتبار أن حداثة ظهور هذا النوع من الجرائم يطرح العديد من الإشكالات التي تنبع من صميم طبيعة الجريمة الإلكترونية ذاتها . و هكذا يمكن القول بأن الطبيعة المادية للجريمة الإلكترونية تفرض على الجهات المكلفة بإنفاذ القانون ضرورة التعامل مع الوسائل الجديدة و الكفيلة بالكشف عن تلك الجرائم من جهة و تحديد مرتكبيها من جهة أخرى .

و في ظل الصعوبات التي تطرحها الجريمة الإلكترونية سواء على المستوى الواقعي أو القانوني ، يبدو البحث في نظام إثبات هذا النوع من الجرائم مجازفة نظرا لوجود هوة فارقة بين مستوى التنظيم التشريعي للجريمة الإلكترونية و التطور الذي يشهده هذا النوع من الجرائم . و هي الهوة التي يمكن و صفها بالمتطورة وفق متتالية هندسية تجعل من المستحيل على المشرعين الإحاطة بجميع حيثياتها و جوانبها . لذلك فإن البطء التشريع في هذا المجال و ضعف التعاطي الواقعي [4]  مع مختلف مظاهر الجريمة الإلكترونية يعتبران من الدوافع الأساسية التي تؤثر سلبا في بلورة تصور ملائم لنظام إثبات ملائم من شأنه المساهمة في محاربة الجريمة الإلكترونية .

و إذا كانت البحث في مسألة إثبات الجريمة الإلكترونية أمرا صعبا ، فإن الصعوبة تبدأ انطلاقا من تعريف الجريمة الإلكترونية ذاتها على اعتبار أن التعريف يعتبر مدخلا أساسيا لتحديد نطاق اعتماد وسائل إثبات معينة دون غيرها و مدى السلطات التي يتمتع بها القاضي في تقدير القيمة القانونية لتلك الوسائل أو ما يملكه الأطراف من حرية في التعامل مع نفس وسائل الإثبات . لذلك يذهب معظم المهتمين إلى القول بأن الجريمة الإلكترونية [5] باعتبارها مظهرا جديدا من مظاهر السلوك الإجرامي لا يمكن تصورها إلا من خلال ثلاث مظاهر ؛ إما أن تتجسد في شكل جريمة تقليدية يتم اقترافها بوسائل إلكترونية أو معلوماتية ، أو في شكل استهداف للوسائل المعلوماتية ذاتها و على رأسها قاعدة المعطيات و البيانات أو البرامج المعلوماتية ، أو أن يتم اقتراف الجرائم العادية في بيئة إلكترونية كما هو الأمر مثلا بالنسبة لجرائم الصحافة .

و مهما يكن فإن تصور فكرة الجريمة الإلكترونية هو ما يحدد طرق الإثبات التي يمكن الارتكان إليها في حالة إثارة الدعوى العمومية .

فبينما تبقى القاعدة المتعلقة بحرية الإثبات قائمة متى تعلق الأمر بجريمة عادية اقترفت بوسائل إلكترونية أو جرائم تمت في بيئة إلكترونية ، فإن إثبات الجريمة الإلكترونية بمعناها الدقيق ، الذي يجعل من قاعدة البيانات أو النظام المعلوماتي ذاته هدفا للسلوك المنحرف ، يتطلب مهارات خاصة قد تخرج في كثيرا من الأحيان عن نطاق إرادة الأفراد العاديين مما يجعل إمكانية الحصول على الدليل أمرا صعبا للغاية ، و بالتالي يفقد الضحايا أهم وسيلة من وسائل التبليغ عن الجرائم الإلكترونية التي يتعرضون لها و هو الأمر الذي يوحي بكون عصر الحصول على الدليل من طرف الضحية قد ولى و أن هذه الأخيرة سيصبح دورها مقتصرا على التبليغ فقط على أن تتولى أجهزة و جهات أخرى مهمة البحث عن الدليل .

و انطلاقا مما سبق يصح لنا التساؤل حول ما إذا كان للجريمة الإلكترونية علاقة بوسائل الإثبات أم لا ؟ بمعنى آخر هل يمكن القول بأن الإثبات بوسيلة إلكترونية يقتصر فقط على الجريمة الإلكترونية بمعناها الضيق أم يمكن اللجوء إليه و لو تعلق الأمر بجريمة عادية و إن لم تقترف بسائل إلكترونية ؟

إن تصور هذا الاحتمال أو ذاك يجعل الباحث واقفا أمام إشكالية مركزية تقوم على ضرورة استحضار البعد الشرعي عند البحث في الدليل الإلكتروني ، ذلك أن الفراغ التشريعي الذي تعرفه معظم الدول في هذا المجال يبعث على التساؤل حول البعد الأخلاقي عند تحصيل الدليل الإلكتروني و عرضه أمام القضاء و موقف هذا الأخير من ذاك الدليل .

و إذا كنا سنقتصر في موضوعنا هذا على فكرة شرعية الدليل الناتج عن البحث في الفضاء الإلكتروني ، فإن ذلك تمليه مجموعة من الاعتبارات أهمها كون طرق تحصيل و مدى كفاية التشريعات الإجرائية في ذلك ستتم دراسته في ورقة أخرى من أوراق هذه الندوة . لذلك فإن موضوعنا سيلامس الجانب المتعلق بتقدير الدليل الإلكتروني المقدم أمام القضاء الزجري و ما إذا كانت لهذا الأخير سلطة في الأخذ أم عدك الأخذ به من أجل الفصل في الدعاوى العمومية المثارة .

و لإبراز هذه الجوانب ارتأينا بسط نظرنا وفق التالي :

المبحث الأول : الإثبات الجنائي في البيئة الإلكترونية بين الحرية و التقييد

المبحث الثاني : الدليل الإلكتروني الجنائي و سؤال الشرعية

المبحث الأول

الإثبات الجنائي في البيئة الإلكترونية بين الحرية و التقييد

 

ينطلق الحديث حول مدى حرية الحصول على الدليل لإثبات الجريمة الإلكترونية من الاختلاف الفقهي حول صور الجريمة الإلكترونية ، إذ يمكن جمع صور الجريمة الإلكترونية في فئتين ؛ الفئة الأولى تضم مختلف الجرائم التقليدية التي تتم بوسائل إلكترونية و هنا يطرح السؤال حول ما إذا كانت حرية الإثبات هي الأصل (المطلب الأول ) بينما الفئة الثانية فهي الجرائم التي تستهدف النظم و البرامج و قواعد البيانات المعلوماتية ؛ إذ في هذا الصنف من الجرائم يمكن تصور تقيد الإثبات كقاعدة ( المطلب الثاني ) .

المطلب الأول

مدى ارتباط حرية الإثبات بالجريمة التقليدية المقترفة بوسيلة إلكترونية

 

كما هو معلوم فإن نظام الإثبات الحر هو الذي يحكم الجرائم بصفة عامة . و لذلك فقد وجد رأي أنصار هذا النظام صداه في معظم التشريعات الجنائية و منها التشريع المغربي عندما نص عليه في المادة 286 من قانون المسطرة الجنائية [6] ؛ و هي المادة [7] التي تؤكد أن للأطراف سواء جهة الادعاء أو المتهم كامل الحرية في أن يقدموا ما يتوفرون عليه من وسائل إثبات أمام المحكمة وأن هذه الوسائل يجب أن تناقش شفاهيا حتى يحصل الاقتناع الوجداني [8] للمحكمة التي تنظر في النزاع الجنائي. ذلك أنه لا يمكن تصور التصريح بإدانة شخص ما إلا إذا وجد من الأدلة ما يكفي لإثبات وجود الجريمة ذاتها و إثبات نسبة وجودها إلى الشخص المتهم دون غيره  [9] ؛ و هو ما لا يمكن أن يتم إلا بتوفير وسائل الإثبات الكفيلة بذلك و التي تؤدي بالضرورة إلى خلق نوع من الاقتناع الوجداني للقاضي الجنائي باعتبار ذلك جزءا لا يتجزأ من تصور و نظرة المجتمع للدور الذي يجب أن يلعبه القاضي الجنائي [10] من أجل الوصول إلى الحقيقة [11] من خلال نظام الإثبات المعتمد  ضمانا لأمرين ؛ أولهما ضبط إيقاع الأمن و الاستقرار للمجتمع و ثانيهما التأكد من عدم مساس حريات و حقوق الأفراد بأي نوع من أنواع الاعتداء .

و إذا كان نظام الإثبات الحر ركيزة أساسية من ركائز الإجراءات الجنائية ، فإن اعتماده قائم على فكرة كون الجريمة ما هي في آخر المطاف إلا واقعة قانونية أو مادية [12]، لا يمكن للقانون أن يحدد طرق إثباتها بصورة حصرية ؛ رفعا لكل حرج يمكن أن يقع فيه الأطراف وتمكينا لهم من أن يدافعوا عن أنفسهم بحرية و بشكل يرونه هم مناسبا للوصول إلى مبتغاهم .

و في هذا السياق يطرح التساؤل حول ما إذا كان تصور المشرع لفكرة الإثبات في المجال الجنائي يبقى تصورا ثابتا مهما كانت الطريقة ارتكبت بها الجريمة أم أن تنوع الوسائل التي يمكن أن ترتكب بها الجريمة ” التقليدية ” يؤثر سلبا و إيجابا على قبول فكرة الحرية في الإثبات ؟

إن هذا التساؤل يبقى مشروعا متى تعلق الأمر بالجرائم ” التقليدية ” التي يتم ارتكابها بطرق إلكترونية ؛ ذلك أن انفصال مفهوم الجريمة كبناء قانوني عن الوسيلة التي ترتكب بها  يخلق العديد من الإشكالات المرتبطة بالإثبات في المجال الجنائي . ففي الوقت الذي نسلم فيه بكون حرية الإثبات تبقى هي الأصل مادام أن الأمر يتعلق بجريمة ” تقليدية ” ، نجد أن ارتباط هذا الإثبات بالوسيلة التي ارتكبت بها الجريمة يثير صعوبة بشأن الحد الفاصل بين ما يدخل في استطاعة الأطراف أن يثبتوه بقدراتهم الخاصة و ما لا يدخل . و على هذا الأساس تطرح فكرة إثبات ارتكاب جريمة ” تقليدية ” ما و نسبتها إلى شخص معين مسألة جوهرية تتعلق بضرورة إثبات أن الشخص مرتكب الجريمة ارتكبها بوسيلة إلكترونية و أن هذه الوسيلة الإلكترونية تدخل تحت سيطرته و أنه هو من يتحمل المسؤولية عنها و عما يمكن أن تحدثه من أضرار للغير .

و لعل هذا التحدي الذي تطرحه الوسائل الإلكترونية في إثبات الجرائم العادية أو “التقليدية ” هو ما جعل واضعي اتفاقية بودابيست يؤكدون على فكرة ضرورة ملائمة القوانين الداخلية لما جاء بمقتضيات تلك الاتفاقية و خاصة ما يرتبط بمجال تطبيقها [13] .

لذلك يظهر أن الإثبات في الجرائم ” التقليدية ” التي يتم اقترافها بوسائل إلكترونية يتجه نحو التقيد وهو ما يتماهى مع طبيعة تلك الوسائل التي يستحيل على الأفراد العاديين و حتى الأجهزة المكلفة بإنفاذ القانون أن تتوفر عليها اللهم إذا ما خول لها القانون إمكانية التعاون مع الجهات المحتكرة للخدمات المعلوماتية و الحصول على المعلومات و البيانات المفيدة في البحث و الإثبات في الميدان الجنائي .  لذلك يبقى من الأكيد القول بأنه بالقدر الذي أخذ الفكر القانوني يتراجع فيه عن فكرة الحرية في الإثبات في هذا النوع من الجرائم نتيجة الإكراهات التقنية و المادية ، فقد بدأ التفكير في نقل جزء من عبء الإثبات إلى جهات الاتهام بصورة مطلقة ، و يثبت ذلك كله من خلال منع الأفراد العاديين من التعامل مع مزوي الخدمات الإلكترونية مباشرة و جعل هذا التعامل حكرا على الأجهزة المكلفة بالبحث و التحري عن الجرائم كالشرطة القضائية أو النيابة العامة أو قضاة التحقيق .

و لعل هذا التراجع الذي بدأ يشهده مبدأ حرية الإثبات في مجال الجريمة ” التقليدية” متى ارتبطت بوسيلة إلكترونية يعد مؤشرا صريحا حول كون التشريعات الوطنية التي تهتم بالجريمة الإلكترونية تقترب أكثر فأكثر إلى تقييد فكرة الإثبات في مجال مكافحة الجريمة الإلكترونية منى كانت تلك الجريمة قد استهدفت نظاما إلكترونيا كيفما كان نوع الاستهداف و ارتكبت بوسيلة إلكترونية . و هو ما سوف نتطرق إليه في المطلب الموالي .

المطلب الثاني

 ارتباط تقييد الإثبات في الميدان الجنائي بالجريمة الإلكترونية

 

إن مسألة التعريف كما أثرناها سابقا تبقى ذات أهمية بالغة من أجل تحديد نطاق تطبيق وسائل الإثبات في محاربة الجريمة الإلكترونية ؛ ذلك أن صعوبة امتلاك الدليل الإلكتروني من طرف الأفراد يجعل مسألة الدفاع عن حقوقهم أمرا صعبا من شأنه التأثير على عمل المحققين و جهات إنفاذ القانون كالنيابات العامة و قضاء التحقيق .

و لذلك فإن المشرعين الوطنيين و استلهاما منهم للمبادئ التي جاءت بها اتفاقية بودابيست و الاتفاقية المرتبطة بها ، شرعوا في وضع مجموعة من المقتضيات القانونية التي تفرض على مزودي الخدمات الإلكترونية التعاون مع الأجهزة المكلفة بالبحث عن الجرائم الإلكترونية [14]، و في هذا السياق يمكن القول بأن محاربة الجريمة الإلكترونية بالقدر الذي تبدو أهميتها فهي تهدد مجموعة من الخصوصيات المرتبطة بالحياة الخاصة للأفراد [15].

و يظهر أن انحصار الحصول على الدليل الإلكتروني من طرف الجهات الرسمية المكلفة بالتحقيق في الجرائم الإلكترونية و إلزام الجهات المشرفة على تقديم الخدمات الإلكترونية على تزويدهم بالبيانات و المعطيات الضرورية لذلك [16]، يدخل في نطاق مفهوم الاستثناء الوارد بقانون المسطرة الجنائية و الذي نصت عليه المادة 288 [17] . إذ أن القوانين المنظمة لوظائف الجهات المكلفة بتسيير و حفظ البيانات الشخصية ذات الطبيعة الإلكترونية تفرض على هذه الجهات الحفاظ على السر المهني إلا ما استثني بمقتضى القانون . و بالتالي فإن رغبة الأفراد العاديين في الحصول على تلك المعطيات و البيانات تصطدم بهذا المقتضى القانوني و هو ما يجعل الحصول على الدليل المستعمل في إثبات الجريمة الإلكترونية يخضع لشكليات و قيود قانونية لم تنص عليها قواعد قانون المسطرة الجنائية و إنما نظمتها قوانين أخرى تدخل في نطاق مفهوم  ” الأحكام الخاصة ” الواردة في المادة 288 أعلاه .

إن الحديث عن عدم قدرة الأفراد على الحصول على الدليل و اقتصار ذلك على الجهات المكلفة بإنفاذ القانون يندرج في خانة اتجاه الرأي نحو التقييد من حرية الإثبات بل و حصرها في الشكليات التي أقرها المشرع من أجل الحصول على الأدلة المرتبطة بالجريمة الإلكترونية ، و بالتالي فإن فكرة حرية الإثبات كما نادت بها المدرسة اللاتينية الجرمانية لم تصبح ذات أهمية مادام أن طبيعة الدليل الإلكتروني تأبى أن يكون هذا الأخير متاحا للأفراد نظرا لاتصاله بحياتهم الخاصة .

لكن بالرغم من ذلك فإن الجهات القضائية المكلفة بإنفاذ القانون و إن كانت تملك صلاحية الحصول على الدليل الإلكتروني لإثبات الجريمة الإلكترونية كيفما كان نوعها ، فإن السؤال الذي يبقى مطروحا في هذا السياق هو ما إذا كان الحصول على الدليل الإلكتروني يجب أن يخضع لشكليات معينة أم أن الأمر يتجاوز ذلك كنتيجة منطقية للخصائص التي يتميز بها ذلك الدليل من جهة و لمتطلبات التعاون في مجال مكافحة الجريمة المعلوماتية من جهة أخرى ؟

إن الجواب عن هذا التساؤل هو ما سوف نحاول الإجابة عنه في المبحث الموالي .

المبحث الثاني

 الدليل الإلكتروني الجنائي و سؤال الشرعية

يرتبط الدليل عموما بفكرتي الشرعية و الحقيقة ، فمن جهة يعتبر الدليل الوسيلة الوحيدة للوصول إلى الحقيقة المراد إثباتها أمام القضاء ، و من جهة أخرى يجب أن يتميز هذا الدليل بكونه مشروعا أي تم الحصول عليه وفق ما يقتضيه القانون [18]. و إذا كان الحصول على الدليل يجب أن يجسد فكرة الانضباط لروح القانون ، فإن هناك مجموعة من الأفراد قد يتلاعبون بالأدلة التي قد تثبت إدانتهم فتضيع حقوق الضحايا و تندثر الأدلة ولا يحصلون جراء ذلك على حقوقهم كما لا يحصل المجتمع باعتباره المتضرر الأكبر من الجريمة على حق في معاقبة الجاني.

لذلك فإن الموازنة بين حقوق الفرد المتهم من جهة و حقوق المجتمع من جهة أخرى [19]، و بين هذه الحقوق و ضرورة احترام القواعد الشرعية و القانونية أثناء البحث عن الدليل افي في البحث الجنائي عموما و في مجال الجريمة الإلكترونية على وجه الخصوص ؛ تعتبر أساس سؤال شرعية الدليل ذاته . فهل يمكن للمحكمة التي عرض عليها دليل تم الحصول عليه بطريقة غير قانونية أن تلتفت إليه أم أن دواعي احترام القانون يجب أن تقدم على دواعي البحث عن الحقيقة[20]؟

إن اقتران الحقيقة بالدليل [21] يجعل هذا الأخير هو الأساس في التركيب المنطقي للأحداث و الوقائع انطلاقا من مقدمات معلومة للوصول إلى واقع تترجمه وسائل الإثبات المعروضة في النزاع . و لذلك فإن مفهوم الدليل عند البعض هو : ” وسيلة الوصول إلى معرفة حقيقة واقعة ما ” [22] غير أن الحقيقة المتحدث عنها في هذا السياق هي الحقيقة القضائية المتسمة بنوع من النسبية و ليست الحقيقة الواقعية التي تجسد حقيقة الجريمة باعتبارها واقعة مادية مشهودة و محسوسة .

فالحقيقة المطلقة لا مجال للحديث عنها في ميدان الإثبات عموما و الإثبات الجنائي على وجه الخصوص ، نظرا لارتباط الحقيقة في الميدان الجنائي بالحكم القضائي المعبر عنها ، و الذي يعتبر بدوره مجرد تعبير عما خلص إليه القاضي جراء ما وصل إليه اقتناعه الصميم .

لذلك فافتراض شرعية الدليل كأساس للوصول الحقيقة قد يكون سببا معيقا لذلك الوصول ، وهو الأمر الذي ذهب بالقضاء إلى البحث عن الحقيقة باعتبارها غاية المشرع من إقرار قواعد الإثبات ، و أن الأدلة التي لا توصل إلى إقرار الحقيقة أدلة لا قيمة لها و لا تنسجم و إرادة المشرع .

و هكذا فإن القضاء و خاصة الفرنسي منه ، بعد أن كان متشبثا بشرعية الحصول على الدليل باعتبار ذلك تجسيد لإرادة المشرع التي ظهرت في شكل قواعد قانونية واجبة الاحترام ، أصبح يتجه شيئا فشيئا إلى اعتماد الدليل الموصل إلى الحقيقة بغض النظر عن طريقة الحصول عليه ، لأن الدليل المعتمد حسب هذا الاتجاه القضائي هو الدليل الموصل للحقيقة و لو تم تحصيله بطرق غير مشروعة[23].

و قد كان تحول سلوك القضاء على النحو المذكور أعلاه مثار نقاش بين الفقه و من طرف الخصوم ذاتهم . لذلك فمنهم من تمسك بضرورة احترام القواعد القانونية باعتبارها ضامنة لحقوق الإنسان خلال جريان المسطرة و الإجراءات و عرض النزاع على المحكمة ، و منهم من اعتبر أن ذلك التوجه يخالف التعهد الدولي و خاصة ما يتعلق بالالتزام بحقوق الإنسان .

و من هنا فقد كان الاعتقاد في بادئ الأمر بأن ما ذهب إليه القضاء الفرسي من ضرورة الالتزام بالكشف عن الحقيقة بدل التقيد بالشكليات القانونية من أجل استخلاص الدليل ، مخالف لمقتضيات المادة السادسة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان [24] . ذلك أن الحق في المحاكمة العادلة يقتضي بالضرورة التمسك و التقيد بما أقره القانون من قواعد واجبة الاتباع .

لكن هذا الرأي لم يصمد طويلا و خاصة من تنامي تأسيس التوجه القضائي الجديد على تبني فكرة الحقيقة كأساس للفلسفة الدليل . ومن تم فقد ذهب أنصار هذا التوجه إلى اعتماد معيار أخلاقي ينبني على فكرة كون الدليل وسيلة للكشف عن الحقيقة ، و لما كان الأمر يتعلق بنقل واقع أمام القضاء فإن القانون لن يستطيع تحديد سلوك الأفراد للوصول إلى غاياتهم و لم تم اعتماد معايير يخضع لها ذلك السلوك . و كنتيجة على هذا التوجه فقد رأى أنصار هذا التيار بأن مسألة التقيد بالشروط التي حددها القانون من أجل الحصول على الدليل  أضحت مسألة متجاوزة في ظل ضرورة احترام حق الخصوم في المناقشة الشفاهية و الحضورية لوسائل الإثبات المثارة من قبلهم . فمادام أن الأطراف قدموا أدلتهم و وسائل إثباتهم و ناقشوها حضوريا أمام المحكمة ، فإن هذه الأخيرة تملك كامل صلاحيتها في تقدير دليل كل طرف من أجل الوصول إلى الحقيقة ، و بالتالي فإن تمتع المحكمة بسلطة تقديرية في هذا المجال يعتبر ضمانه مهمة من ضمانات المحاكمة العادلة متى احترم شرط العلانية و الحضورية في مناقشة الدليل .

كما أن أنصار هذا الاتجاه يؤكدون على أن هذا الأخير جاء من أجل مساعدة الطرف الضعيف في الخصومة ، و ذلك بتمكينه من إيجاد وسائل إثبات دفع الضرر عنه ، سواء بإثبات براءته أو إثبات الضرر الحاصل له ، و هو ما يؤسف حقيقة لمبدأ تساوي الأسلحة حتى لا تكون لطرف الغلبة على الطرف الآخر . كما يؤكد هذا التيار أن ما ذهب إليه القضاء الفرنسي مطابق لروح مقتضيات المادة السادسة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان ما دام يضمن الشروط الكاملة للمحاكمة العادلة .

و لعل ما أثير من نقاش سابق بشأن شرعية الدليل و ما يتعلق به من أحكام ، يصب مباشرة في خانة الحديث عن الدليل الإلكتروني عند البحث عن الجريمة الإلكترونية ، ذلك أن الإكراهات التي تعترض إيجاد هذا الدليل تجسد عمق النقاش الذي بسطناه آنفا على اعتبار أن امتلاك الأفراد للسيطرة على أدواتهم الإلكترونية قد يشكل عائقا حقيقيا أمام البحث و التحري عنا لجرائم . إذ أن وجود قيود متعددة ذات طبيعة أخلاقية أو قانونية قد يجعل من العسير على جهات العدالة المكلفة بإنفاذ القانون أن تتوصل إلى الدليل سواء في الوقت الطبيعي أو وفق ما يقتضيه أمر الكشف عن الحقيقة . و ما يؤكد هذا المعطى هو وقوف فكرة الخصوصية و ضرورة التقيد بالقواعد القانونية الحامية لها حجرة عثرة أمام الوصول إلى الحقيقة .

و يدخل في هذا السياق ما قد تعترضه جهات البحث و التحري من عقبات قد تنتج عن معارضة الجاني المفترض لتمكين تلك الأجهزة من القن السري ، مثلا ، من أجل فتح البريد الإلكتروني للحصول على الدليل أو مدى قدرة تلك الأجهزة في اعتراض تلك الرسائل من غير إذن مالكها أو حتى الاطلاع علة بياناته الشخصية الممسوكة من طرف مزدي الخدمات ، و ما إذا كان ذلك مخالفا للقانون أم لا .

كما أن الخصائص التي يتمز بها الدليل الإلكتروني من كونه غير مادي بالمفهوم التقليدي ، يؤكد صعوبة الحصل عليه بالطرق القانونية العادية بما يقتضيه ذلك من ضرورة سلوك إجراءات معقدة قد يؤدي احترامها إلى تفويت الفرصة على العدالة لتقول كلمتها . خاصة في الحالة التي يعمد فيها الأفراد إلى التلاعب بأدلة إثبات ما اقترفوه من جرائم و العبث بها بل وإتلافها في الغالب من الأحيان .

لذلك فإن تبني مبدأ علاقة الدليل بالحقيقة يعتبر مسلكا منتجا لتسيير الأدلة في الخصومة الجنائية ما دام أن الأطراف يبقى لهم الحق في مناقشة علنية و حضورية لتم الحصول عليه من تلك الأدلة .

ومما يزيد من أهمية هذا التوجه ، هو أن الدليل المستخلص من الوسائل الإلكترونية ، قد يكون هدفا للمنازعة فلا يتم اعتماده إلا بالتأكد من صحته وفق ما يقتضيه القانون [25]  و ما تفرضه مقتضيات المادة 288 من قانون المسطرة الجنائية. كما أنه يجب التأكيد على أن ارتباط الدليل في الجريمة الإلكترونية بوسائل تقنية يؤدي بالضرورة إلى الوقف على حد من حدود ذلك الدليل و هو نسبة الفعل المرتكب إلى الأداة التي استعملت في ارتكابه ، و ليس إلى الشخص المالك لتلك الأداة .

و هكذا ففي الفضاء الإلكتروني يظهر أن إثبات نسبة الفعل الإجرامي إلى الشخص الطبيعي تبقى أمرا صعب المنال ، و قد وقف القضاء على هذه الحقيقة من خلال  مجموعة من قراراته [26] . و مما يرتبط بهذا المعطى كون المنازعة في جمع و فحص عناوين البروتوكول ( IP ) هل تعتبر مسا بالمعطيات الشخصية أم لا . لذلك فقد ذهب القضاء الفرنسي إلى القول بكون مجرد جمع تلك المعطيات لا يعتبر مسا بالخصوصية و لا بالمعطيات الشخصية .

و لعل هذا التوجه الذي سار فيه القضاء الفرنسي يؤكد كون عناوين البروتوكول لا تثبت العلاقة المباشرة بين الجريمة المقترفة و الشخص الطبيعي بقدر ما تثبت تلك العلاقة و الآلة التي ارتكبت بها .

و على كل ذلك يبقى أمر البحث عن دليل نسبة الجريمة إلى الشخص الطبيعي أمرا خاضعا للقواعد العادية ، بعد التأكد من كون الآلة التي توجد بحوزته هي الوسيلة الحقيقية التي استعملت في ارتكاب الجريمة . من أجل كل ذلك يبقى البحث و الحديث عن شرعية الدليل و مدى قدرته على إثبات الحقيقة أساسا لاعتماده أو عدم اعتماده خلال سريان المحاكمة الجنائية .

تلك كانت بعض الأحكام المرتبطة بالقواعد العامة للإثبات الجنائية بعيدا عن القراءة التقنية لتلك القواعد و ما إذا كان القانون الوطني قد تبناها أم ، على اعتبار أن القناعة راسخة لدى الجميع بضرورة تأهيل هذا القانون ليكون في مستوى تطلعات القائمين على محاربة الجريمة الإلكترونية . لكن بالمقابل فقد كان هذا الموضوع مناسبة حقيقية لإبراز بعض جوانب تدخل القضاء من أجل رفع اللبس عن مجموعة من الإشكالات التي تعترض الجهات المكلفة بالبحث عن الأدلة الإلكتروينة و كذا مختلف جهات إنفاذ القانون و لو في الدول التي كانت سباقة إلى وضع قواعد قانونية تنظم طرق إثبات الجريمة الإلكترونية .

تم بحمد الله تعالى .

[1]  تقوم مدرسة الإثبات الحر على فكرة ترك الحرية للأطراف من أجل تقديم الأدلة التي يرونها مناسبة لهم من أجل الدفاع عن مصالحهم المهددة أمام القضاء ، و لذلك فإن المشرعين الذين أخذوا باتجاه هذه المدرسة لا يضعون أي شرط من الشروط أمام المتقاضين و لم يقيدوهم بأية شكليات أو يضعوا لهم أي حدود من أجل نهج طرق معينة من طرق  الإثبات . لذلك فإن اتجاه هذه المدرسة ينسجم في نظرنا أكثر مع المنازعات التي يكون موضوعها إثبات كل ما يهدد المظاهر الواقعية و المادية للعلاقات الإنسانية ، وهو ما يتحد فيه نطاق إثبات الجرائم بصفة أساسية باعتبارها وقائع مادية مع ما يتصل بالوقائع المادية و القانونية المدنية بمفهومها العام .؛ إذ أن المشرع ترك الباب مشرعا للأطراف من أجل تقديم ما يرونه مناسبا لإثبات

[2]   مدرسة الإثبات المقيد تقوم على فكرة تقييد الحق في الإثبات وفق ضوابط و شكليات محددة سلفا من أجل لجم حرية الأفراد في اختلاق وسائل الإثبات قد تكون خارج نطاق قدرة خصومهم ، كما تهدف إلى تقييد سلطة القضاء في الأخذ بوسائل الإثبات إلا ما نص عليه المشرع سلفا و حدد قيمته الإثباتية . و هذه المدرسة ترى أن العدل و الإنصاف يتجسد في تحديد وسائل الإثبات و جعلها محصورة وفق ما تصوره المجتمع حتى لا يفاجأ الخصوم بوسائل للإثبات قد تكون غريبة عنهم و لا تعطى الفرصة للقضاء من أجل التحكم في وسائل الإثبات و هوما قد يشكل خطرا على مصالح الأطراف و مراكزهم . و قد لاقت هذه المدرسة انتقادات عنيفة نتجت عنها اعتناق مجموعة من المشرعين فكرة مدرسة الإثبات الحر و خاصة متى تعلق الأمر بالميدان الجنائي باعتبار الجريمة ما هي في آخر المطاف إلا وقائع مادية .

[3]   يذهب أنصار هذه المدرسة إلى القول بأن نظام الإثبات يجب ألا يساير المدرستين السابقتين ، على اعتبار أن كل واحدة منهما تشكل خطرا على حقوق و مصالح الأطراف المتنازعة ؛ ففي الوقت الذي يمكن أن يتسبب اتجاه التقييد في الحرمان من المجموعة من تلك الحقوق و تهديد للمصالح ، نجد أن مدرسة الإثبات الحر يمكن أن تشكل سندا لهدر تلك الحقوق و المساس بتلك المصالح . و لذلك فإن أنصار هذه المدرسة يرون أن فكرتي التقييد في مجملها أو الحرية على إطلاقها تشكلان مساسا بفكرة العدالة المنشودة من اعتماد وسائل الإثبات أمام القضاء ، وهو الأمر الذي يفرض على المشرع أن يمزج بين الفكرتين من خلال اعتماد نظام إثبات مختلط يقوم على التمييز بين ما يدخل في نطاق الواقع و ما يرتبط بمجال القانون كقاعدة أساسية . فما كان يدخل في نطاق الواقع جاز للأطراف أن يثبتوه بكل حرية ، وما كان يرتبط بضوابط قانونية فإن إمكانية إثباته يجب أن تنضبط للشروط التي حددها القانون سلفا سواء من جانب الأطراف أو من جانب المحكمة .

[4]  من الأسباب الواقعية التي تؤثر في بلورة نظام إثبات متكامل في مجال الجريمة الإلكترونية ضعف التصريح بهذا النوع من الجرائم و خاصة من قبل المقولات التي تعتبر هدفا مباشرا لمرتكبي تلك الجرائم ، فحسب دراسة صادرة عن الأمم المتحدة فإنه حسب استطلاع عالمي للرأي تم الوقف على حقيقة مفادها أن حوالي 80 %  من الجرائم الإلكترونية لا يتم التصريح بها من طرف القطاع الخاص ، و هي النسبة التي عزاها التقرير إلى مجموعة من العوامل منها ضعف التحسيس بمخاطر هذا النوع من الجرائم و أو الجهل بطرق التبليغ عنها ، أو الخوف من ضياع السمعة بالنسبة للمقاولات .

أنظر في هذا السياق :

Groupe d’experts chargé de réaliser une étude approfondie sur la cybercriminalité : ” Étude approfondie sur le phénomène de la cybercriminalité et les mesures prises par les États Membres, la communauté internationale et le secteur privé pour y faire face  ” , Vienne, 25-28 février 2013publication de  UNODC/CCPCJ/EG.4/2013/2 , p 7.

[5]  يعرف البعض الجريمة الإلكترونية بأنها ” كل فعل إجرامي يتم اقترافه بواسطة جهاز حاسوب أو على الشبكة أو بواسطة أية أداة معلوماتية ” ( انظر التعرف الذي أعطاه موقع http://fr.norton.com/cybercrime-definition )

في حين يعرفها المنجد الفرنسي بأنها : ” جميع الجرائم المرتكبة على شبكات الاتصال و خاصة الانترنيت ” ( انظر http://www.larousse.fr/dictionnaires/francais/cybercriminalit%C3%A9/10910062 )

في حين عرفتها موسوعة Wikipédia بكونها : ” جميع الجرائم الممكن اقترافها ضد أو بواسطة نظام معلوماتي مربوط بشبكة ” ( انظر http://fr.wikipedia.org/wiki/Cybercriminalit%C3%A9 ) .

و يظهر من هذه التعريفات أن الجريمة الإلكترونية أنها متفقة على كون النظام المعلوماتي يعتبر أساسيا للحديث عن الجريمة المعلوماتية ، إذ أن هذا النظام قد يكون مساعدا في اقتراف هذا النوع من الجرائم أو قد يكون هو الهدف ذاته من ارتكاب الجريمة ؛ لذلك يمكن القول بأن هذه التعريفات تخلط بين أمرين : أولهما موضوع الجريمة و ثانيهما أداة ارتكاب الجريمة . فإذا كانت هذه الأخيرة يمكن اعتبارها عنصرا من عناصر الركن المادي للجريمة أو الوسيلة أو الأداة التي تقترف بها الجريمة ، فإن هذا الوصف لا يجعل الأداة داخلة في ماهية الجريمة الإلكترونية على اعتبار أن ما يخرج عن ماهية الشيء لا يمكن أن يدخل في جوهره و بالتالي لا يمكن أن يصلح لأن يكون عنصرا من عناصر التعريف . و من هذا الجانب فإننا ننتقد القول بأن الجرائم الإلكترونية هي التي ترتكب بواسطة وسائل إلكترونية ، ما دام الأمر يتعلق بجرائم عادية لكن وسائل اقترافها إلكترونية . و لكن الأمر يختلف عندما يتعلق الأمر بموضوع الجريمة ، إذ متى ثبت أن الجريمة استهدفت نظاما معلوماتيا بأي شكل من الأشكال يمكن القول بأن الأمر يتعلق بجريمة معلوماتية . ذلك أن موضوعها هو ما يميزها عن غيرها ، فإذا كانت جريمة السرقة مثلا تستهدف المس بمال الغير و جريمة الضرب تستهدف المس بالسلامة الجسدية للغير و جريمة القتل تستهدف إزهاق روح الغير ، فإن الجريمة الإلكترونية تستهدف النظام المعلوماتي في جزئياته و يكون هو الهدف من الفعل الإجرامي ، و بالتالي يمكن القول بأن الجريمة الإلكترونية شأنها شأن باقي الجرائم يمكن أن تعرف انطلاقا من موضوعها و ليس انطلاقا من الوسائل التي ترتكب بها . و بناء على ذلك فخلافا لما تذهب إليه جل التعريفات للجريمة الإلكترونية فإننا نقترح أن يقتصر تعريفها على موضوع الاعتداء بدل أن يشمل أيضا الوسيلة التي تقترف بها، و على ذلك يمكن تعريف الجريمة الإلكترونية بكونها ” كل اعتداء على نظام معلوماتي أو قاعدة بيانات معلوماتية كيفما كان نوعه مجرم قانونا و معاقب عليه بمقتضاه ” . و يستفاد من هذا التعريف أن الجريمة لا يمكن أن توصف بكونها إلكترونية إلا إذا كان الغرض منها هو استهداف نظام معلوماتي معين أو قاعدة بيانات معلوماتية ، و أما إذا ما استخدمت الوسائل المعلوماتية كالحاسب و الهاتف النقال و غيرهما في اقتراف الجرائم العادية فلا يمكن إدخال هذا النوع من الجرائم ضمن طائفة الجرائم المعلوماتية أو الإلكترونية .

[6]  تعتبر المادة 286 من قانون المسطرة الجنائية مطابقة للفصل 427 من قانون المسطرة الجنائية الفرنسي .

[7]  تنص المادة 286 من قانون المسطرة الجنائية على أنه :  ” يمكن إثبات الجرائم بأية وسيلة من وسائل الإثبات ما عدا في الأحوال التي يقضي القانون فيها بخلاف ذلك . ويحكم القاضي حسب اقتناعه الصميم … ”

[8]  يعتبر الاقتناع الوجداني من أهم المبادي التي تقوم عليها العدالة في النظم الديمقراطية ، إذ يعتبر هذا المبدأ من مظاهر إثبات الحرية للمتهم باعتباره الطرف الضعيف في الدعوى العمومية بغرض عرض ما يتوفر عليه من وسائل إثبات و من حجج يمكن أن يافع بها عن براءته متى وجد نفسه أمام وسائل إثبات قد تجعل الحكم الجنائي لغير صالحه . و لا يمكن اعتبار الاقتناع الوجداني مجرد انطباع مجرد يحصل في نفس المحكمة أو القاضي الذي يتولى النظر في النزاع الجنائي ؛ و إنما يجب النظر إليه باعتباره خلاصة مجموعة من الانطباعات العقلية و الذهنية التي تحصل في ذهن القاضي انطلاقا من عرض وسائل الإثبات أمامه و مناقشتها و بسط وجهات النظر فيها من قبل كل أطراف الخصومة الجنائية ، على أن تكون تلك الانطباعات مدعومة ببناء منطقي يقود إلى استنتاج الحقيقة من وسائل الإثبات المعروضة على المحكمة علانية و حضوريا بالشكل الذي ينفي الجهالة عن الجريمة ذاتها و يبدد كل شك في كون الجريمة منسوبة للمتهم ،,  إلا فإن تخلف اي شرط من الشروط المذكورة يعتبر أساسا للحكم بالبراءة إما لانتفاء شروط قيام الاستنتاج المنطقي و العقلي المؤدي إلى القناعة الوجدانية أو لوجود شك في كون الأدلة المعروضة تعبر فعلا عن الحقيقة الواقعية التي تجسد فكرة الخروج عن النظام الاجتماعي بالشكل الذي يتعين معه تدخل فكرة الزجر .

انظر في هذا السياق :

محمد الأمين السيوطي ؛ أدلة الإثبات الجنائية ، مطبعة الوطن ، الطبعة الثانية ، طبعة 2009 ، ص 45 .

كمال الدين الفريد ، اقتناع القاضي الجنائي ، مقال منشور بمجلة المذكرة القانونية ، العدد 22 ، يوليو 2001 ، ص 98 و ما بعدها .

Fayol-Noireterre Jean-Marie, « L’intime conviction, fondement de l’acte de juger », Informations sociales, 2005/7 n° 127, p. 46-47.

[9]  Pierre BOLZE : ”  LE DROIT À LA PREUVE CONTRAIRE EN PROCEDURE PENALE ” , Doctorat  Université Nancy 2 , Faculté de Droit, Sciences économiques et Gestion , soute;nue en 2010 , p 6 .

[10] Olivie LEROUX et Yves POULLET : ” En marge de l’affaire GAIA: de la recevabilité de la preuve pénale et du respect de la vie privée ” , Revue Générale de Droit Civil Belge , Année 2003 , p 163 .

[11]  C. Cohen, « Actualité et pérennité du problème de l’administration de la preuve en droit pénal » ; Gaz. pal. 18 mai 1999, chr. p. 610 s. Et P. Ravier, « vérité et vérité judiciaire » ; revue de la gendarmerie nationale, 2ème trimestre 1976, n° 108, p. 23.

[12]  إن اعتبار الجريمة واقعة مادية يعني أنه يجب التعامل معها بخلاف التعامل مع التصرف القانوني ، فإذا كان إثبات هذا الأخير يتولاه القانون من خلال تحديد الوسائل المعتمد لذلك ، فإن الواقعة القانونية و المادية عموما يجب أن تثبت من خلال أمرين أولهما هو إثبات وقوع الواقعة ذاتها و إثبات نسبتها إلى شخص معين أو جهة معينة ، , هو ما يجعل من العسير تقييد سلطات شخص ما بإثباتٍ محدد سلفا .

انظر في هذا الخصوص :

Pierre BOLZE : ”  LE DROIT À LA PREUVE CONTRAIRE EN PROCEDURE PENALE “, Op cité , p 33 .

[13]  لقد أكدت الاتفاقية المذكورة على أهمية اعتماد مجموعة القواعد القانونية الخاصة بإثبات الجرائم التي يتم اقترافها بواسطة الوسائل الإلكترونية أو الجرائم الإلكترونية ذاتها مع إقرارها في التشريعات الوطنية لكون ذلك هو أهم وسيلة للتصدي للجريمة التي تقترف في الوسط الافتراضي .

[14] Bertrand WARUSFEL : ” Procédure Pénale et technologie de l’information , de la convention sur la cybercriminalité à la loi sur la sécurité quotidienne ” ,  Revue ” Droit et Défense ” , N° 1 Année 2002 .

[15]  انظر في هذا السياق :

Olivie LEROUX et Yves POULLET : ” En marge de l’affaire GAIA: de la recevabilité de la preuve pénale et du respect de la vie privée ” Op cité .

[16]  و في هذا الإطار فقد ذهبت المحكمة الابتدائية بباريس في حكم مختلف صادر بتاريخ 30 يناير 2013  أن مزودي الخدمات ملزمون بحكم القانون بتمكين الجهات القضائية بالبيانات و المعطيات التي تدخل في إطار حوزتهم و ذلك لأغراض بحث مدنية أو جنائية ، و أن الجهات المذكورة لا تتحمل أية مسؤولية قانونية ما دام القانون الفرنسي و القوانين الأوروبية تجيز لها ذلك  . و قد جاء في إحدى حيثيات الحكم المذكور ما يلي :

” Attendu que l’article 6 de la LCEN ne modifie pas l’obligation de conservation des données d’identification de leurs abonnés pendant un an par les opérateurs mais prévoit la communication des données “à la demande de l’autorité judiciaire” sans que cette communication ne soit limitée aux infractions pénales ou aux autres cas visés à l’article 34-1 du CPCE, la LCEN prévoyant une obligation de communication plus large ;”

[17]  نصت المادة 288 من قانون المسطرة الجنائية على أنه : ” إذا كان ثبوت الجريمة يتوقف على دليل تسري عليه أحكام القانون المدني أو أحكام خاصة ، تراعي المحكمة في ذلك الأحكام المذكورة .”

[18]  و الشرعية في اللغة الفرنسية هي ” la Loyauté  ” و هي مشتقة من كلمة ” Loyal  ” التي تجد أصلها في عبارة ” Legalis  ” أي مطابق للقانون و هي عبارة تشترك في أمرين أولهما مطابقة القانون و ثانيهما تضمنها لفكرة الأخلاق ، ومن هذين المضمونيين يتضح المفهوم القانوني الذي أعطي للشرعية ، حيث تم تعريفه من قبل البعض بكونه : ” السلوك القويم لكل واحد من الخصوم و الذي بموجبه يتم تمكين الخصم الآخر من الوقت الكافي لتقديم دليله و تحضير وسائل دفاعه ، و يتضمن أيضا معنى الابتعاد عن كل تدليس ”

[19]  يذهب كثير من الباحثين إلى القول بأن وظيفة المسطرة الجنائية هي الموازنة بين حقوق طرفين كبيرين هما المجتمع من جهة و المتهمين من جهة أخرى ، و في هذا السياق يمكن سرق بعض تلك الأقوال فيما يلي :

” Le processus pénal doit assurer un équilibre  entre deux intérêts également puissants, également sacrés, qui veulent à la fois être protégés, l’intérêt général de la société qui veut la juste et prompte répression des délits, l’intérêt des accusés qui est lui aussi un intérêt social et qui exige une complete garantie des droits de la collectivité et de la defense ”

  1. Hélie, Traité de l’instruction criminelle ou théorie du Code d’instruction criminelle, t. 1 ; Paris, Plon, 2ème édition, 1866, p. 4.

[20]  يذهب الكثيرون ممن يبحثون في الجريمة و إثباتها إلى القول باقتران مفهوم الإثبات بمفهوم الحقيقة ، و هو اتجاه في نظرنا يبدو صحيحا ، ذلك أن الدليل إن لم يكن يؤد إلى إظهار الحقيقة كما هي واقعة و نقلها أمام القضاء بصورة وفية و صادقة تعكس المراكز الواقعية و القانونية للأطراف حقيقة فإنه لا يكون منتجا في الدعوى و هو ما سينعكس في إبقاء للك الأطراف على حالها من غير حلحلة للمشاكل و الجرائم المعروضة على أنظار القضاء .

و في هذا الصدد يقول F. Hélie :

” les formes de la procédure sont destinées, comme des phares, à éclairer la marche de l’action judiciaire […] Elles doivent être assez puissantes pour faire sortir la vérité du sein des faits ”

[21] Pierre BOLZE , Op cité , p 13 .

[22] E. Molina, La liberté de la preuve des infractions en droit français contemporain ; Thèse, Aix Marseille 3, dir. S. Cimamonti, 2000 ; Aix en Provence, PUAM, 2001, p. 3.

[23]  لقد سبق للقضاء الفرنسي أن أصدر مجموعة من القرارات و الأحكام التي تؤكد على ضرورة احترام شكليات الحصول على الدليل ،  من تلك القرارات ما جاء في القرار رقم   n° 05-84837 بتاريخ 11 ماي 2006 :

” Vu l’article 6 de la Convention européenne des droits de l’homme et l’article préliminaire du code de procédure pénale, ensemble le principe de la loyauté des preuves ;

Attendu que porte atteinte au principe de la loyauté des preuves et au droit à un procès équitable, la provocation à la commission d’une infraction par un agent de l’autorité publique ou par son intermédiaire ; que la déloyauté d’un tel procédé rend irrecevables en justice les éléments de preuve ainsi obtenus ”

في حين أن الاتجاه القضائي الثاني الذي يذهب إلى إمكانية الاعتداد بالدليل مهما كانت طريقة الحصول عليه  فإنه يبدو أكثر تطورا ، ذلك أن العديد من القرارات أصبحت متواترة عن محكمة النقض الفرنسية ، و منها :

و القرار رقم 93-82.717   الصادر بتاريخ  6 أبريل 1994

Les juges répressifs ne peuvent écarter les moyens de preuve produits par les parties au seul

motif qu’ils auraient été obtenus de façon illicite ou déloyale. Il leur appartient seulement, en application de l’article 427 du Code de procédure pénale, d’en apprécier la valeur probante.

القرار الصادر بتاريخ 27 يناير 2010 و الذي جاء فيه :

” dès lors qu’aucune disposition légale ne permet aux juges répressifs d’écarter des moyens de preuve remis par un particulier aux services d’enquête, au seul motif qu’ils auraient été obtenus de façon illicite ou déloyale et qu’il leur appartient seulement, en application de l’article 427 du code de procédure pénale, d’en apprécier la valeur probante, après les avoir soumis à la discussion contradictoire, la cour d’appel a justifié sa decision ”

[24]  و تنص هذه المادة على ما يلي :

« 1. Toute personne a droit à ce que sa cause soit entendue équitablement, publiquement et dans un délai raisonnable, par un tribunal indépendant et impartial, établi par la loi, qui décidera, soit des contestations sur ses droits et obligations de caractère civil, soit du bien-fondé de toute accusation en matière pénale dirigée contre elle. Le jugement doit être rendu publiquement, mais l’accès de la salle d’audience peut être interdit à la presse et au public pendant la totalité ou une partie du procès dans l’intérêt de la moralité, de l’ordre public ou de la sécurité nationale dans une société démocratique, lorsque les intérêts des mineurs ou la protection de la vie privée des parties au procès l’exigent, ou dans la mesure jugée strictement nécessaire par le tribunal, lorsque dans des circonstances spéciales la publicité serait de nature à porter atteinte aux intérêts de la justice.

  1. Toute personne accusée d’une infraction est présumée innocente jusqu’à ce que sa culpabilité ait été légalement établie.
  2. Tout accusé a droit notamment à :
  3. a) être informé, dans le plus court délai, dans une langue qu’il comprend et d’une manière détaillée, de la nature et de la cause de l’accusation portée contre lui ;
  4. b) disposer du temps et des facilités nécessaires à la préparation de sa défense ;
  5. c) se défendre lui-même ou avoir l’assistance d’un défenseur de son choix et, s’il n’a pas les moyens de rémunérer un défenseur, pouvoir être assisté gratuitement par un avocat d’office, lorsque les intérêts de la justice l’exigent ;
  6. d) interroger ou faire interroger les témoins à charge et obtenir la convocation et l’interrogation des témoins à décharge dans les mêmes conditions que les témoins à charge ;
  7. e) se faire assister gratuitement d’un interprète, s’il ne comprend pas ou ne parle pas la langue employée à l’audience. »

[25]  و هنا يجب التذكير بالاستثناء الوارد بالمادة 288 من قانون المسطرة الجنائية ، و الذي يؤسس و يمهد لتطبيق القواعد القانونية الواردة بالقانون رقم 53 – 05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية ، و خاصة في الشق المتعلق بالجزم في نسبة الدليل الإلكتروني إلى مالك الأداة المنتجة لذلك الدليل .

[26]  من تلك القرارات ما ذهبت إليه محكمة الاستيناف بباريس في قرار صادر عنها بتاريخ 27 أبريل 2007 ، و الذي جاء فيه :

” l’adresse IP ne permet pas d’identifier le ou les personnes qui ont utilisé cet ordinateur puisque seule l’autorité légitime pour poursuivre l’enquête (police ou gendarmerie) peut obtenir du fournisseur d’accès l’identité de l’utilisateur”

و هو نفس الاتجاه الذي سار فيه عندما أكد نفسه القضاء بأن عنوان البرتوكول ( IP ) لا يدل إلا على تسلسل أرقام مرتبط بآلة و ليس بالشخص ، إذ جاء في قرار صادر عن نفس المحكمة بتاريخ 15 أبريل 2007 ما يلي :

“cette série de chiffres en effet ne constitue en rien une donnée indirectement nominative relative à la personne dans la mesure où elle ne se rapporte qu’à une machine, et non à l’individu qui utilise l’ordinateur pour se livrer à la contrefaçon “

اترك تعليقاً