قانون محاربة العنف ضد النساء ” التحرش الجنسي نموذجاً”

2018 12 09
2018 12 09

قانون محاربة العنف ضد النساء ” التحرش الجنسي نموذجاً”

مصطفى اعليوي

باحث قانوني

خريج ماستر التوثيق والمنازعات المدنية

إن قضية الأخلاق والفضيلة كانت وما زالت محور اهتمام الديانات السماوي وانعكس ذلك بطبيعة الحال على القوانين الوضعية وإن كان فيما بينها من تفاوت  وما تمتاز به من مرونة ونسبية من دولة إلى أخرى بل من مكان إلى آخر ومن زمن لآخر في ذات الدولة الواحدة، ولا شك أن جرائم الاعتداء الجنسي من أقدم الجرائم التي عرفها التاريخ البشري وذلك قبل نشوء المجتمع المنظم وظهور البنى الأولى لمفهوم القانون، ويعتبر التحرش الجنسي أحد صوره ويمكن تجسيده من خلال التعريف الأمم المتحدة بأنه” أي تلميح جنسي غير مرغوب به وأي طلب جنسي أو سلوك لفظي أو جسدي أو إيماءة ذات طابع جنسي وأي سلوك آخر ذي طبيعة جنسية واضح أو موح قد يتسبب في الإساءة أو إذلال الشخص الآخر أو المس بكرامته أو عندما يكون هذا السلوك شرطا للعمل أو يخلق بيئة عدوانية وغير آمنة للشخص الآخر.

فما عارفه المجتمع الدولي من تطور على مستوى الحقوق والحريات للإنسان عموما والطفل والمرأة على خصوصا، جعل من الاتفاقيات الدولية والإعلانات العالمية تنكب وتتوحد بِسن قواعد من شأنها توفير الحماية اللازمة للمرأة على المستوى الدولي، التي انعكست على مجموعة من التشريعات ومنها التشريع المغربي كذلك الذي تأثر بها، بدايةً مما عرفته مدونة التجارة من تعديلات أواخر القرن الماضي وذلك بتخويل المرأة الحق في ممارسة التجارة دون الحصول على إذن من زوجها، مروراً بمدونة الشغل ومدونة الأسرة، ثم دستور 2011 الذي ضم في طياته مجموعة من المستجدات المرتبطة بحقوق المرأة وحريتها، وقد تعززت المنظومة التشريعية المغربية بإصدار القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء كضمانة قانونية لحمايتها سواء من خلال العقوبات الزجرية إذا ما مُورِس في حقها عنف، والذي بادر المشرع بتعريفه بكونه ” كل فعل مادي أو معنوي أو امتناع أساسه التمييز بسبب الجنس يترتب عليه ضرر جسدي أو نفسي أو جنسي أو اقتصادي للمرأة” هذا من جهة، أو من خلال إحداث آليات التكفل بالنساء ضحايا العنف على المستوى الوطني والجهوي مما قد يشكل ضمانة حقيقة لها إذا ما تم التنزيل الفعلي لهذه المقتضيات من جهة أخرى.

اقرأ أيضا...

فالتحرش الجنسي أحد المستجدات التي ضمها القانون المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء عندما توسع في مجال تجريمه بحيث أصبح مُجَرمًا في الفضاءات العمومية وغيرها من الأماكن الواقعية منها أو الافتراضية، وليس فقط  ذلك التحرش الجنسي الواقع في إطار علاقة تبعية بين الرئيس والمرؤوس، المنصوص عليه وعلى عقوبته في الفصل 1- 503 من القانون الجنائي الذي أضيف بمقتضى المادة الخامسة من القانون رقم 24.03 المتعلق بتغيير وتتميم مجموعة القانون الجنائي المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5175 بتاريخ 12 ذو القعدة 1424 (5 يناير 2004)، ص 121. بحيث كان المشرع يشترط معيار السلطة كَمُحَدِد لمتابعة المتحرش سواء كان ذكر أو أنثى، وذلك ما يستشفى من عمومية الفصل المشار إليه أعلاه.

التحرش أو الحرش أو التحريش كلها كلمات مشتقة من الفعل الثلاثي حرش وهو ” إغراؤك الإنسان والأسد ليقع بقرنه ” وحرش بينهم أفسد وأغرى بعضهم ببعض، ومن هنا فالتحرش هو إستغواء الآخر وتهييجه وإثارة عواطفه ومشاعره وغرائزه الجنسية والعاطفية، ودفعه لممارسة فعل مذموم ومكروه، ويعني هذا أن التحرش مبني على الغواية والفِتنة وإثارة الآخر واستمالته عاطفيا ووجدانيا وانفعاليا وغريزيا وحركيا، وتهييجه جسديا وجنسيا عبر آليات تواصلية لفظية وغير لفظية للإيقاع به حيلة وخداعا واستهواء وانتشاء ولذة.

بدايةً نشير إلى نقطة في غاية الأهمية أن المشرع عندما عرف العنف الجنسي بقوله ” كل قول أو فعل أو استغلال من شأنه المساس بحرمة جسد المرأة لأغراض جنسية أو تجارية أي كانت الوسيلة المستعملة في ذلك” فالعنف الجنسي كمؤسسة قانونية بتعريف المشرع ، نجد أنه حصره في شخص المرأة واشترط المساس بجسدها، فالملاحظة الأولى التي تُستشف من هذا التعريف أنه لا يمكن أن نتصور الاعتداء الجنسي إلا إذا ما مَسَ جسدها بمنطوق التعريف المشار إليه أعلاه، ثانياً فالتحرش يعتبر صورة من صور العنف الجنسي إلا أننا نجد التعريف الذي أعطاه المشرع   للعنف الجنسي وبين الفصل 503-1 حينما عبر عن الضحية بمصطلح الغير وعاقب كل شخص أمعن في مضايقته، مما يتضح أن لفظ الغير المُعَبر عنه أعمُ من لفظ المرأة في تعريف العنف الجنسي، مما يدخل في حكمه كل من المرأة والرجل، وعليه يتضح أن تعريف العنف الجنسي لا ينسجم مع تجريمه للتحرش الجنسي، كما أن استعمـال مشرع القانون المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء للفظ الغير يوحي لنا أن القانون جرم التحرش الصادر من المرأة اتجاه الرجل والتحرش بين فردين من نفس الجنس.

وأما عن صور التحرش فتتعد صوره وتختلف باختلاف الثقافات والأعراف والمراكز، بحيث يمكن أن يأخذ صور متعددة لا حصر لها، كالنظر المتفحص والتعبيرات الوجهية بالعين مثلا، أو النداءات كالتصفير، وكذا التعليقات وذلك بإبداء ملاحظات جنسية عن الجسد، بل الأكثر من هذا يمكن أن يشكل الاهتمام غير المرغوب فيه صورة من صوره، والملاحقة سواء مشيًا أو باستخدام عربة ذات محرك أو بغيره.

كما أن العالم الافتراضي لا يقل أهمية مما يعرفه العالم الواقعي، إذ أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي منبر يرتاده معظم الأفراد في كل وقت وحين، سواء من داخل البيت أو خارجه وكذا من موقع العمل، وعليه فقد أصبح هذا العالم – الافتراضي –  ما قد يدفع بالبعض لإتيان سلوكيات مُجَرمة سواء أكان ذلك في شكل تعليقات ذات طبيعة جنسية، أو إرسال رسائل أو صور أو مقاطع فيديو ذات طبيعة جنسية عبر مختلف مواقع التواصل الاجتماعي مما يعرض من ثبت في حقه إتيان ما جرمه القانون للمتابعة رغم انتفاء القصد الجنائي لدى البعض لِعلة أنه ألِفَ القيام بذلك القول مع الضحية التي سبق لها أن بادلته نفس القول.

بالرجوع إلى القانون رقم 113.03 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء جاء في الفصل 1-1-503 يعتبر مرتكبا لجريمة التحرش الجنسي كل من أمعن في مضايقة الغير سواء في الفضاءات العمومية أو غيرها، بأفعال أو أقوال أو إشارات ذات طبيعة جنسية أو لأغراض جنسية، أو بواسطة رسائل مكتوبة أو هاتفية أو إلكترونية أو تسجيلات أو صور ذات طبيعة جنسية أو لأغراض جنسية.

وعليه يمكن القول مما سبق قوله إن بعض العبارات المتعلقة بالحالات التي تُعـدُ تحرشا جنسيا، جاءت فضفاضة وعامة حمالة أوجه، ففعل “الإمعـان” جاء عاماً بالإضافة إلى ذلك عدم تحديد المشرع معنى ” أغراض ذات طبيعة جنسية”؟ وكيف يمكن لنا أن نميز بين أغراض ذات طبيعة جنسية والأغراض التي ليست لها طبيعة جنسية، فالمشرع لم يحدد معايير موضوعية يمكن من خلالها تحديد الجرم، وبالتالي يتضح أن الأمر متروك للضحية عموما والمرأة على وجه الخصوص، باعتبارها الأكثر عُرضة للمضايقة، وفي هذا الإطار ما قد يشكل أغراض جنسية للمرأة قد لا يشكل ذلك لأخرى فعل أو قول ذو طبيعة غير جنسية، ويعزى ذلك إلى عدة اعتبارات متعلقة بالبيئة والثقافة والمرجعية الدينية.

فمن خلال العبارات العامة التي تضنمها القانون المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء أصبح من السهل تلفيق تهم من شأنها المس بكرامة  وسُمعة المدعى عليه خاصة إذا ما وُظِف بسوء نية ودُعم بشهاد شهود لا ضمير لهم، مما يبقى إشكال إثبات أو نفي جريمة التحرش الجنسي قائم، إذ أن كل واقعة تحرش لها حيثياتها وملابساتها التي تنظر على حدة، وتحتاج لدليل يقطع يقينا بأن الفعل أو القول أو الإشارة الصادرة عن الشخص هي تحرش جنسي يمس الجسد أو العِرض واقعيا، أما عن التحرش الجنسي الإلكتروني ،فيمكن القول أنه يبقى ممكن إثباتها في حال رفع دعوى قضائية ضد المتحرش بحيث أن أثار الجريمة المادي يمكن الرجوع إليه في أي وقت بخلاف التحرش الواقعي الذي يتعذر على الضحية إثباته؛ خاصة إذا ما كانت في مكان لوحدها وكان المكان غير متوفر على أجهزة كاميرا توثق ما قد وقع، وبالتالي إدانته بالعقوبات المنصوص عليها في الفصل 503-1 -1 من شهر واحد إلى ستة أشهر حبسا وغرامة من 2.000 إلى 10.000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين، وتضاعف العقوبة إذا كان مرتكب الفعل زميلا في العمل أو من الأشخاص المكلفين بحفظ النظام والأمن في الفضاءات العمومية أو غيرها.

أما إذا كان من ارتكب من طرف أحد الأصول أو المحارم أو من له ولاية أو سلطة على الضحية أو مكلفا برعايته أو كافلا له، أو إذا كانت قاصرا كانت العقوبة الحبس من ثلاث إلى خمس سنوات سجناً وغرامة من 5.000 إلى 50.000 درهم كما نص في الفصل 503-1-2.

أما عن الاختصاص القضائي فيرجع إلى المحكمة التي يقع في دائرة نفوذها إما محل ارتكاب الجريمة وإما محل إقامة المتهم أو محل إقامة أحد المساهمين أو المشاركين معه في الجريمة، وإما محل إلقاء القبض عليهم أو على أحدهم ولو كان القبض لسبب آخر؛ مع مراعاة الاستثناءات التي نص عليها القانون، ففي هذا الإطار لا إشكال فيما يخص الجرائم المرتكبة داخل المملكة، بخلاف الجرائم المرتكبة خارجها فقد حدد المشرع الاختصاص القضائي من المادة 707 إلى المادة 712 من قانون المسطرة الجنائية.

وفي حالة تقدم الشخص – الضحية – بكونه كان عرضةً للتحرش بها، وكانت الدعوى كيدية أو بدليل مصطنع وَاهِي سيضعه أمام دعوى مضادة من المدعى عليه بالتحرش، يمكن أن يكون محل متابعة استناداً إلى الفصل 445 من القانون الجنائي.

في الأخير إن  أي إصلاح قانوني مهما بلغت درجة تطوره، لن يكون له أثر في معالجة أي الظاهرة ما لم يرتكز على تشخيص حقيقي للواقع، كما أن الاقتصار على المقاربة القانونية من شأنه  تعميق الهوة ورفع حدة الصراع بين المرأة والرجل؛ ووجب التذكير أنه إذ اقتصر الأمر على المقاربة القانونية، فإن مصير القاعدة القانونية حتماً الإلغاء بعدم العمل، فهذه القاعدة من أهم القواعد التي تؤدي إلى تعطيل القاعدة القانونية وجعلها حبيسة النص القانوني لا تُفعل أو تطبق إلا في حالات نادرة جدا، فهي – قاعدة الإلغاء بعدم العمل  – تتعلق بقانون صدر ولم يطبق أصلا أو لا يتم التقيد بأحكامه على نطاق واسع كما هو الشأن بالنسبة لقانون محاربة العنف ضد النساء الذي جاء في سياق تلميع المنظومة التشريعية أمام المنتظم الدولي بدرجة أولى، كما أن واقع الحال يعكس ما سبق الإشارة إليه من تعامل الأفراد مع القانون بل وحتى المؤسسات الموكولة لها أمر تطبيقه.

اترك تعليقاً