سماع دعوى الزوجية .. المأزق التشريعي المتجدد

2019 02 04
2019 02 04

سماع دعوى الزوجية .. المأزق التشريعي المتجدد

كتبها الدكتور عبد الحكيم الحكماوي

استاذ جامعي زائر بكلية الحقوق سلا

-باحث قانوني-

تحتل مؤسسة الزواج مكانة مهمة ليس في حياة الإنسان الفرد فقط، وإنما في حياة المجتمعات برمتها على اعتبار أنها البذرة الأولى التي تضمن استمرار تلك المجتمعات؛ لذلك فهي تحظى بالاهتمام اللازم والرعاية الكافية الكفيلين بجعلها ترقى إلى مكانة التقديس الذي يرتبط بها سواء من حيث تعريفها أو حتى أحكامها.

ولما كان الزواج بهذا القدر من الأهمية فإنه كان ولا يزال محط اهتمام من طرف جميع المؤسسات الاجتماعية بكل توجهاتها وإن اختلفت الرؤى بشأنه، لكن الأكيد هو الاتفاق على تنظيم أحكامه تنظيما محكما يضمن لكل طرف فيه حقوقا ويحمله التزامات تتناسب والمركز الذي يحتله داخل المنظومة الاجتماعية الأسرية. وهكذا فقد أولى المشرع المغربي اهتماما خاصا بتنظيم الأحكام القانونية المؤطرة للزواج شروطا وشكليات، حتى لأنه لم يذهب في الاتجاه الغربي القائم على فكرة الأسرة الليبرالية المستندة إلى قواعد القانون المدني الخالص؛ وإنما بقي وفيا لروح الشريعة وأحكامها المرتبطة بالزواج والأسرة عموما، كما حافظ على الكثير من الخصوصيات المغربية الأصيلة التي تساهم في تأطير طقوس هذه المؤسسة في غير مخالفة لقواعد الشريعة الإسلامية.

اقرأ أيضا...

غير أنه وفي إطار السيرورة الطبيعية للتحولات التي يشهدها المجتمع المغربي، واستباقا منه لشكل العلاقات التي يجب أن تسود المجتمع المغربي حاول المشرع المغربي أن يدخل بعض “التحديثات” على مؤسسة الزواج مع الحفاظ على هويتها الحقيقية. ولعل ذلك يظهر في مجموعة من الجوانب منها ما يرتبط بالصداق والولاية والتعدد وغيرها من الأحكام. ومن ضمن ما استأثر باهتمام المشرع نجد فكرة توثيق العلاقة الزوجية، إذ حاول المشرع المغربي أن ينظمها بأحكام عامة تساهم في جعل الكتابة هي الوسيلة الوحيدة المقبولة في إثبات العلاقة الزوجية؛ لذلك فقد عمل على وضع المقتضيات العامة الواردة في المادة 16 من مدونة الأسرة، وهي المقتضيات التي عوضت – إلى حد ما – مقتضيات الفصل 5 من مدونة الأحوال الشخصية المتعلقة بسماع دعوى الزوجية. غير أن المستجد الذي أدخله المشرع المغربي على أحكام هذه الدعوى هو أنه جعل سماعها مقترنا بمدة أو فترة زمنية محددة حددت في الصيغة الأولى لمقتضيات المادة 16 من المدونة في خمس سنوات انتهت في الثالث من فبراير 2009 ، ليتم تمديدها لمدة خمس سنوات أخرى انتهت بتاريخ 04 فبراير 2014 غير أن إشكالية الزواج غير الموثق لم تحل فاضطر المشرع لزيادته خمس سنوات أخرى ستنتهي بتاريخ 4 فبراير 2019 من غير أن ينتهي ذكر لدعوى ثبوت الزوجية، مما يجعنا نتساءل حول الجدوى من هذا التحديد الزمني وما إذا كانت هناك فائدة منه خاصة وأن المؤشرات الاجتماعية تدل على أن الوعي بتوثيق عقد الزواج إن كان مرتفعا نسبيا في الوسط الحضري فإن الوسط القروي يطرح مجموعة من التحديات المرتبطة بانخفاض مستوى ذلك الوعي مع وجود تقاليد وعادات قد تتجاوز أحكام مدونة الأسرة برمتها وليس فقط بتوثيق الزواج؟

من ذلك وجب علينا إثارة أمرين اثنين؛ أولهما متعلق بالطبيعة التشريعية لمقتضيات وأحكام سماع دعوى الزوجية الواردة بالمادة 16 من مدونة الأسرة والآثار المترتبة عن ذلك، لنخلص في الأمر الثاني ل”سيناريوهات الحل” الممكنة للمأزق التشريعي المتعلق بالتحديد الزمني.

و لذلك فقد ارتأينا أن نتطرق لهذا الموضوع وفق الخطة التالية :

المبحث الأول : طبيعة مقتضيات التحديد الزمني لأحكام دعوى الزوجية وآثارها

المبحث الثاني : المأزق التشريعي و”سيناريو” الحل المقترح

المبحث الأول

طبيعة مقتضيات التحديد الزمني لأحكام دعوى الزوجية وآثارها

تعتبر المقتضيات الواردة بالمادة 16 من مدونة الأسرة مفتاحا أساسيا للنظر في مصير مجموعة من الحالات التي لا تزال عالقة سواء من حيث خضوعها لمقتضيات المدونة أو للنظر فيها أمام القضاء، لذلك فإن طبيعة مقتضيات التحديد الزمني لأحكام دعوى الزوجية تعطي صفة وقتية لتلك الأحكام (المطلب الأول) لا تلبث آثارها تندثر بمجرد انتهاء الفترة المحددة قانونا مما يجعلها عديمة الأثر كنتيجة منطقية لانتهاء وقت مفعول تلك المقتضيات (المطلب الثاني).

المطلب الأول

أحكام دعوى ثبوت الزوجية أحكام وقتية

من المعلوم أن القواعد القانونية على اختلاف أجناسها إما قواعد تتضمن أحكاما مستمرة في الزمان أو أحكاما وقتية. وإذا كانت الأحكام المستمرة في الزمان هي الأحكام التي لم يحدد لها المشرع نطاقا لسريان آثارها، سواء من حيث النطاق الزماني أو النطاق المكاني، فإن الأحكام المؤقتة هي تلك التي حدد لها المشرع فترة زمنية تسري فيها آثارها، غير أن ذلك السريان لا يهم إلا التصرفات والوقائع القانونية التي حددها المشرع بنفسه.

وهكذا؛ فالتجربة المغربية في مجال القوانين الوقتية لا تعدو أن تخرج عن صورتين من تلك القوانين من حيث سريان آثارها، فهي إما أن تحكم وقائع مادية أو قانونية وتصرفات قانونية بعينها وقعت عند دخول تلك القوانين حيز التنفيذ أو وقعت في فترة زمنية سابقة لتاريخ دخولها حيز التنفيذ – كما هو الحال بالنسبة للقانون الذي حكم القضية المشهورة بقضية الزيوت المسمومة -، أو أنها قواعد قانونية حدد من خلالها المشرع آجالا معينة للقيام بأعمال أو الامتناع عن القيام بأعمال يحددها القانون نفسه بغض النظر عما إذا كانت تلك الأعمال أو الامتناعات قد حدثت قبل دخول القوانين الوقتية حيز التنفيذ أو بعد أن دخلت إلى غاية انتهاء المدة التي حددها المشرع .

وإذا كانت مقتضيات الدستور تمنع رجعية القانون؛ فإن القوانين الوقتية التي تحكم أفعالا سابقة لتاريخ دخولها حيز التنفيذ تعتبر قوانين غير دستورية ويمتنع الخضوع لها ولو صدرت عن الجهة التشريعية المخولة لها ذلك، لأن تدخل هذه الجهة بالتشريع لا يعفي من الخضوع لأحكام القواعد الدستورية أعلى قيمة من القواعد القانونية العادية؛ وبالتالي فإن تصور وجود قواعد قانونية تسري آثارها على الوقائع والتصرفات القانونية السابقة على دخولها حيز التنفيذ أصبح أمرا مستحيلا بحكم مقتضى القاعدة الدستورية نفسها؛ مما جعلنا أمام نوع واحد من القوانين الوقتية ألا وهو المجسد في الحالة التي يحكم فيها ذلك القانون الوقتي الوقائع والتصرفات القانونية التي وقعت بعد دخول ذلك القانون حيز التنفيذ إلى حين انتهاء مفعوله. وعلى ذلك فإن كل الوقائع التي وقعت في ظل القانون الوقتي وبعد دخوله حيز التنفيذ تبقى خاضعة لأحكامه متى تعلق الأمر بتصرفات قانونية تعطي للأفراد مراكز قانونية تتحدد بموجبها الحقوق والالتزامات المتبادلة.

و برجوعنا لمقتضيات المادة 16 من مدونة الأسرة نجدها تنص على أنه: “إذا حالت أسباب قاهرة دون توثيق العقد في وقته، تعتمد المحكمة في سماع دعوى الزوجية سائر وسائل الإثبات و كذا الخبرة.

تأخذ المحكمة بعين الاعتبار وهي تنظر في دعوى الزوجية وجود أطفال أو حمل ناتج عن العلاقة الزوجية، وما إذا رفعت الدعوى في حياة الزوجين. يعمل بسماع دعوى الزوجية في فترة انتقالية لا تتعدى خمسة عشر سنة، ابتداء من تاريخ دخول هذا القانون حيز التنفيذ “.

فكما هو ظاهر من هذه المقتضيات نجد أن المشرع الأسري ذهب في اتجاه وضع قاعدة قانونية وقتية تسري أحكامها لمدة حددها في خمس سنوات ومدد مفعولها لخمس سنوات أخرى مرتين، وقد كان ذلك نتيجة رغبة التيارات الاجتماعية التي رأت بأن نظام الأسرة يجب أن يرتقي من حكم العرف إلى حكم القانون، وبالتالي فإن هذا الارتقاء لا يمكن أن يؤتي مفعوله إلا بفرض إجبارية وإلزامية توثيق العلاقة الزوجية وجعل الكتابة الوسيلة الوحيدة لإثبات تلك العلاقة وتمييزها عن غيرها من العلاقات التي تنشأ خارج أحكام مدونة الأسرة.

وما يستفاد من حكم هذه مقتضيات المادة 16 من مدونة الأسرة أن المشرع أعطى للأفراد المتزوجين والغير موثقين لعلاقاتهم الزوجية مدة محددة للجوء إلى القضاء من أجل تدارك هذا الإخلال في التوثيق، مؤسسا تصوره ذاك – حسب فهمنا – على رؤية اجتماعية خاصة تقوم على نمو الوعي بتوثيق الزواج ووجود مجموعة من القوانين التي تصب في هذا السياق كما هو الحال بالنسبة لقانون الحالة المدنية الذي يقوم على ترسيم الوقائع بناء على وثيقة الزواج أساسا، أو قانون الجنسية وغيرهما من القوانين ذات الارتباط بالمجال الأسري. غير أن رؤية المشرع تلك والمترجمة لرؤية توجهات اجتماعية لم تصمد طويلا؛ إذ سرعان ما ظهرت الحاجة إلى ضرورة تمديد الفترة الزمنية الأولى من أجل استيعاب الحالات التي لا تزال موجودة في الواقع لبلوغ الهدف المرجو من سن القاعدة القانونية نفسها، وهو ما اضطر المشرع عينه إلى التدخل من جديد بغاية إضافة مدة خمس سنوات أخرى لمرتين متتاليتين حتى يتم التخلص من الزواج غير الموثق، لكن الأمر على ما يبدو لم يكن كما تصوره المشرع أو كما أعطته القراءات السابقة للتشريع والمؤثرة فيه. لذلك فإن التساؤل حول جدوى تلك القراءات ومحاولة الرقي بها إلى مصاف القراءة السليمة يجعلها تصطدم بمجموعة من العوامل الاجتماعية والثقافية المتأثرة بالنزعة الدينية والعرفية التي تؤطر مؤسسة الزواج، مما يجعل تحديد فترة معينة لتوثيق عقد الزواج مسألة مجازفة حقيقية لا تصمد أمام طغيان العرف بمفهوميه العام والخاص في مسألة الزواج، بل إن القيود التي ما فتئ المشرع يضعها للحد من قيام علاقات زوجية خارج إطار “القانون” هي نفسها التي تكرس – في مجموعة من الحالات – سقوط نظرية التوثيق المكتوب للعلاقة الزوجية .

إن وجود أعراف و تقاليد مجتمعية في مجموعة من المناطق المغربية ترى في الزواج تحصينا للفتى والفتاة أو تؤطر العلاقات الزوجية المتعددة في إطار الشرع، تجعل من هذه المؤسسة محكومة برؤية دينية وعرفية تفوق قوتها قوة القاعدة القانونية. لذلك فإننا نجد محاولة الفرض القسري لأحكام مثل هذه القواعد القانونية خلال مدة معينة أمرا يبدو شبه مستحيل، مما يجعل القاعدة القانونية الواردة في المادة 16 من مدونة الأسرة قاعدة عديمة الجدوى متى ارتبطت بالتحديد الزمني. وعلى ذلك فإن إلزام القضاء بفترة معينة لسماع تلك الدعوى يبدو أمرا مجانبا للصواب ولا يحقق المبتغى المنشود بل يزيد من تعقيد الأمور والوضعيات ويضاعف من الحالات “الخارجة” عن نطاق القانون. لذلك فإننا نجد أنفسنا أمام تساؤل كبير حول الآثار القانونية التي ترتبها الطبيعة الوقتية لأحكام دعوى ثبوت الزوجية، وهو الأمر الذي سيكون موضوع المطلب الموالي .

المطلب الثاني

الآثار المترتبة على الصفة الوقتية لأحكام دعوى ثبوت الزوجية

إن الطبيعة الوقتية لقاعدة قانونية ما تعني أن وجود تلك القاعدة لا يتحقق إلا انطلاقا من دخولها حيز التنفيذ وينتفي بمجرد انتهاء المدة التي حددها المشرع لسريان أحكامها . وعلى ذلك فإن الحكم الذي تقضي به تلك القاعدة القانونية الوقتية لا يكون له أي مفعول إلا خلال الفترة البينية الفاصلة بين تاريخ سريان القانون وتاريخ انتهاء مدة سريانه؛ وهو الأمر الذي يجعلنا أمام حكم مؤقت يحد من ممارسة الحقوق والتحمل بالالتزامات إلا في الإطار الذي رسمه المشرع من الناحية الزمنية. لذا وجب علينا طرح سؤالين مهمين مرتبطين بالحكم الوارد في الفقرة الأخيرة من المادة 16 من مدونة الأسرة، وهي الفقرة التي تنص على أنه: “يعمل بسماع دعوى الزوجية في فترة انتقالية لا تتعدى خمسة عشر سنوات، ابتداء من تاريخ دخول هذا القانون حيز التنفيذ” (كما هي عليه بعد التمديد الثاني) موضوع هذين السؤالين هو هل يمكن تصور سريان حكم هذه القاعدة القانونية على الزيجات التي قامت من غير توثيق قبل دخول مدونة الأسرة حيز التنفيذ أم لا ؟ و هل يمكن فعلا القول بوجود حكم توثيق الزواج في المادة 16 فقط أم أن الأمر يتعدى نطاق هذه المادة إلى غيرها و يعطي للقضاء إمكانية توثيق الزواج بطريقة ضمنية من خلال أحكام مدونة الأسرة ذاتها ؟

فبخصوص السؤال المتعلق بمدى إمكانية سريان آثار الحكم الوقتي لسماع دعوى الزوجية على الزواج القائم قبل دخول مدونة الأسرة حيز التنفيذ؛ فإننا نرى أن هذه القاعدة لا يمكن أن تسري بالمرة على هذا الزواج، على اعتبار أن القاعدة القانونية موضوع الحديث هي قاعدة شكلية ترتبط فقط بمسألة اللجوء إلى القضاء من أجل التوثيق، والحال أن قيام الزوجية مسألة موضوعية تنشأ من العقد المبرم بين الطرفين متى توفرت أركانه وشروطه من غير التفاتة إلى وسيلة إثباته التي حددها المشرع في الكتابة كما هو ظاهر من مقتضيات الفقرة الأولى من نفس المادة 16 التي تنص على أنه: “تعتبر وثيقة عقد الزواج الوسيلة المقبولة لإثبات الزواج”، وهو الأمر الذي يجعل مسألة اللجوء إلى القضاء من أجل سماع دعوى الزوجية لا يعدو أن يكون الغرض منه الحصول على الوثيقة المكتوبة التي يمكن الاحتجاج بها تسهيلا للقيام بما يفرضه القانون على الأفراد كما سبقت الإشارة إليه بشأن الحالة المدنية والجنسية والكفالة وغيرها. وما يعزز هذا الطرح هو أن حكم القضاء بثبوت الزوجية لا يتحقق إلا بإثبات شروط موضوعية تدل على قيام الزواج ذاته قياما صحيحا ومكتملا، ما يعني أن الغرض من سماع دعوى الزوجية هو الكشف عن العلاقة الزوجية وليس إنشاؤها وتكون الأحكام القضائية الصادرة في هذا النوع من الدعاوى حكاما كاشفة لا منئشة.

إن الوقوف على تحقيق طبيعة دعوى ثبوت الزوجية هل هي منشئة أم كاشفة هو المفتاح الذي يجب التعامل معه عند النظر في القضايا المعروضة على القضاء، وبالتالي فإن الإجماع القائم على كون الأحكام القضائية الصادرة في دعاوى ثبوت الزوجية ما هي إلا أحكام كاشفة وليست منشئة يجعلها أحكاما موضوعية لا علاقة لها بالشكل وبالتالي لا يمكن أن يقيد الأخير بمدة محددة، لأن التقييد في القانون أصله ومحله في الموضوع وليس في الشكل .

ومما يترتب على اعتبار دعوى ثبوت الزوجية كاشفة ليس إلا؛ هو اعتبار الزوجية أصلا قائمة بقوة الواقع قياما منفصلا تمام الانفصال عن وسيلة إثباتها. لذلك فإنه من جهة أولى لا يستقيم القول بسريان الحكم الوقتي على ما نشأ قبل دخوله حيز التنفيذ من تصرفات، لأن القول بخلافه يعني التسليم برجعية القانون أي أن الأفراد سيكونون مجبرين على الخضوع لقاعدة لم تكن معلومة ولم تقرر وقت إبرامهم لزواجهم، وهو ما يجعلنا أمام هدر لقاعدة دستورية هامة، هذا إن سلَّمنا بكون القاعدة المعنية بتحديد المدة الزمنية قاعدة يمكن الركون إليها أصلا. ومن جهة ثانية فإن التحديد الزمني الذي جاء به المشرع في المادة المذكورة لا يعدو أن يكون مرتبطا بالحق في اللجوء إلى القضاء من أجل إثبات وقائع معينة قد تكون متنازع فيها وقد تكون غير ذلك كما هو الأمر في دعوى إثبات الزوجية ، لذلك يبقى التساؤل مشروعا حول مدى إمكانية القول بالحد من هذا الحق الذي يعتبر حقا إنسانيا تكفله كافة التشريعات والمواثيق الدولية فضلا عن كون هذا الحد يخرق القواعد الدستورية التي تضمن حق الأفراد في الولوج للقضاء؟

إن تدخل المشرع وفق التصور الذي جاء في مدونة الأسرة لم يكن موفقا لمجموعة من الاعتبارات التي يمكن إجمال أهمها في التالي :

أنه عوض أن يربط وقتية القاعدة القانونية بالموضوع ربطها بالشكل، و هو أمر لا يتصور في منطق القانون. لذلك لا يتصور أيضا أن تكون هذه القاعدة القانونية التي تحدد مدة اللجوء إلى القضاء من أجل إثبات الزوجية في خمس سنوات تم تمديدها خمس سنوات أخرى لمرتين قاعدة سليمة؛ ذلك أن القاعدة القانونية الوقتية على فرض قبولها فهي تهتم وتحكم الموضوع وليس الشكل.

أنه حكَّم قاعدة شكلية لاحقة في وضعيات موضوعية سابقة ومتجددة، مما يجعل بناء تلك القاعدة مهتزا ولا يمكن التسليم بصحتها ولا بفعاليتها؛ لأن قواعد الشكل ترتبط بالإجراءات التي يتم القيام بها أمام القضاء، بينما موضوع دعوى الزوجية ليس هو المنازعة في الموضوع حتى يجوز القول بإمكانية تصور تحديد المدة المسقطة للحق في الإجراءات، وإنما موضوعها مراكز قانونية تحدد حقوق والتزامات من طبيعة خاصة نشأت بين طرفي العلاقة الزوجية وغيرهم مما يعتبره الدين والعرف، وبالتالي لا يمكن تصور أن تحكم القاعدة الشكلية في الموضوع.

أن القول بتحديد مدة معينة لقبول دعوى الزوجية هو أمر يحد من أهم المبادئ التي تقوم عليها فكرة العدالة، ألا وهو الحق في الولوج إلى القضاء، كما يشكل خرقا لمقتضيات الدستور التي هي – من حيث التراتبية- أقوى وأسمى من القاعدة القانونية العادية التي يصدرها المشرع.

إن هذه المؤيدات وغيرها مما يرتبط بالحد من حق نصت عليه المواثيق والاتفاقيات الدولية كلها تجعل فكرة التحديد الذي جاءت به مدونة الأسرة مسألة منتقدة، وتجعل الوضع الذي أخذت به مدونة الأحوال الشخصية مسألة معقولة ومنضبطة للواقع والمنطق القانونيين؛ ذلك أن مقتضيات الفصل 5 من مدونة الأحوال الشخصية التي نصت على أنه: “يجوز للقاضي -بصفة استثنائية- سماع دعوى الزوجية واعتماد البينة الشرعية في إثباتها” ربطت هذه الدعوى الاستثنائية بالموضوع بدل الشكل وهو ما كان منسجما مع المبادئ العامة لبناء القاعدة القانونية، عكس ما هو الحال في مدونة الأسرة.

هذا من جانب الجواب على السؤال المتعلق بالمدى الزمني لسريان حكم دعوى الزوجية، أما فيما يتعلق بمدى إمكانية القول بأن المشرع لم يعتد إلا بالوثيقة المكتوبة (سواء أكانت رسما عدليا أو حكما قضائيا) لإثبات الزوجية أم أن المدونة تضمنت أحكاما ضمنية تعترف بالزواج الشرعي دون توثيقه، فإننا نقول بأن المشرع الأسري بالفعل اتجه في اتجاه الاعتراف بالزواج في صيغته الشرعية وليست القانونية، ويظهر ذلك من الأحكام العامة للزواج ذاتها. كما يظهر من مقتضيات المادة 156 من مدونة الأسرة في فقرتها الأولى التي تنص على أنه: “إذا تمت الخطوبة، وحصل الإيجاب والقبول وحالت ظروف قاهرة دون توثيق عقد الزواج وظهر حمل بالمخطوبة، ينسب للخاطب للشبهة إذا توافرت الشروط التالية … ”

فكما هو ملاحظ من هذه المقتضيات فإن المشرع تعامل مع فترة الخطوبة وما يتعلق بها من علاقة تقوم بين الطرفين على أساس أنها علاقة زوجية قائمة الذات كما هو الأمر بالنسبة لأية علاقة زوجية أخرى، غير أن هناك ظروفا قاهرة حالت دون توثيق عق الزواج، مما جعله يرتب كافة الآثار القانونية على عقد الزواج ذاك وخاصة إثبات النسب وما يرتبط به من ولاية ونفقة وإرث وغيره، مما جعل المشرع يبقى وفيا لروح الأحكام الشرعية المتعلقة بالزواج ويكشف حقيقة موقف المشرع الأسري من مسألة قيام الزواج وعدم ربطها بشكلية الكتابة أو الإشهاد، مكرسا بذلك النظرة الاجتماعية الحقيقية لهذه المؤسسة والقائمة على الإشهار بدل الإشهاد وتوفر باقي الشروط والأركان الأخرى.

و يستنتج من كل ذلك أن المشرع لما تعامل مع العلاقات الزوجية تعامل معها على أساس موضوعي ولم يتعامل معها على أساس شكلي مما تبقى معه مسألة تحديد مدة قبول دعوى إثبات الزوجية وإجبار القضاء بها مسألة فيها نظر، الشيء الذي يجعلنا نتساءل حول مصير هذا المأزق التشريعي -وما نجم عنه من واقع مُعطِّل لمصالح الناس- وسبل تجاوزه، وهو ما سيكون موضوع المبحث الثاني.

المبحث الثاني

المأزق التشريعي و ” سيناريو ” الحل المقترح

لقد نتج عن تحديد فترة زمنية محددة لسماع دعوى الزوجية أزمة قضائية إن جاز التعبير عند انتهاء كل فترة من الفترات التي تنتهي فيها الخمس سنوات؛ ذلك أن القضاء توقف مرتين عن الفصل في الدعاوى المتعلقة بثبوت الزوجية، المرة الأولى سنة 2009 عندما انتهت مدة الخمس سنوات الأولى التي حددها المشرع في الصيغة الأولى للمادة 16 من مدونة الأسرة، في حين توقف للمرة الثانية عن الفصل في القضايا المعروضة عليه مباشرة بعد انتهاء المدة الثانية، وهو الآن بصدد لتوقف للمرة الثالثة، مما يجعلنا نتساءل حول مصير مصالح المتقاضين وعموم المواطنين هل هي في خطر أم في مأمن ؟ وهل القضاء هو المسؤول عن هذه الوضعية أم أن المشكل ناتج عن المشرع ذاته ؟

ما من شك في أن مسؤولية المشرع الناتجة عن تدخلاته سواء من حيث تصوره للقانون وقواعده المنطقية ومدى تمكنه من الصناعة التشريعية أو من حيث رغبته في الجمع بين رؤى تيارات مختلفة لحد التناقض في بعض الأحيان تبقى ثابتة عن وضع قاعدة قانونية غير سليمة قد تعصف بحقوق الأفراد كما هو الحال بالنسبة لموضوع الدراسة هذا. ذلك أن إلزام القضاء بمدة محددة إن كان مبررا عند انتهاء مدة خمس سنوات الأولى على اعتبار أن سلطة القضاء تتجسد فقط في تطبيق القاعدة القانونية على عِلاَّتها مع عدم تمكن القضاء من أية وسيلة أخرى لتجاوز مقتضى تلك القاعدة القانونية، فإن انتهاء المدتين الثانية والثالثة هي فرصة لتنزيل بعض بنود الدستور من قبل القضاء بالشكل الذي يُجبر المشرع على أن يقوم بتدخل سليم من أجل تجاوز هذ المأزق التشريعي المرتبط بتحديد مدة قبول دعوى الزوجية.

وهكذا؛ فإذا تحققت لنا الصياغة المعيبة شكلا ومضمونا لمقتضيات المادة 16 من مدونة الأسرة وفق التفصيل أعلاه، فإن التعامل مع هذا الواقع وعلى ضوء انتهاء المدة “التشريعية” الثالثة يجعل ما نصت عليه المادة المذكورة بخصوص سماع دعوى الزوجية معدوما من حيث الأثر القانوني؛ لأن انتهاء المدة المحددة لقاعدة قانونية معينة وفق القانون ومنطقه يُنهي سريان حكم تلك القاعدة، وبالتالي ينتهي مفعولها مما يجعل القانون الساري المفعول مستقلا عن حكم القاعدة المنتهية الصلاحية ولا يجوز ربط أي مقتضى قانوني لا يزال جاريا بحكم القاعدة التي تصبح هي والعدم سواء، الشيء الذي قد يخلق نوعا من الفراغ القانوني بشأن حكم التصرفات التي كانت القاعدة المنتهية الصلاحية تؤطرها.

ولعل التدخل التشريعي عند انتهاء الفترتين الأولى والثانية كرس فكرة أن حقوق الأفراد المتعلقة بإثبات الزوجية رهينة بالتدخل التشريعي لإصلاح هذه الثغرة وتمديد المدتين المنتهيتين، مما جعل نفس السلوك ينشأ مباشرة بعد انتهاء الفترة الثانية. ولكن وعلى ضوء ما سبق، فإن التحليل السليم لهذا الوضع التشريعي المتأزم يجعلنا نرى الحل مجسدا في مستويين يكمل أحدهما الآخر؛

المستوى الأول يقوم على التأكيد على كون مسألة ثبوت الزوجية مسألة موضوع وليست مسألة شكل، لذلك فإن الخيار الممكن في هذا السياق وفي ظل غياب نص قانوني يسمح بالقول بتمديد فترة قبول دعوى الزوجية لمدة غير محددة وربطها بالموضوع كما كان عليه الأمر في ظل مدونة الأحوال الشخصية، يكمن في اللجوء إلى مقتضيات المادة 400 من مدونة الأسرة، وهي المادة التي تعتبر مفتاحا أساسيا من مفاتيح أحكام مدونة الأسرة، بل أصلا أصيلا كان على المشرع أن يُصدِّر به المدونة ويضعه في الأحكام العامة الواردة في الباب التمهيدي بدل أن يجعله في آخر مادة. ذلك أن مقتضيات هذه الأخيرة تنص على أنه : “كل ما لم يرد به نص في هذه المدونة، يرجع فيه إلى المذهب المالكي والاجتهاد الذي يراعى فيه تحقيق قيم الإسلام في العدل والمساواة والمعاشرة بالمعروف.” . إذ أن انتهاء المدة التشريعية التي حددها القانون يجعل القاعدة القانونية الواردة في الفقرة الثانية من المادة 16 منعدمة ولا أثر لها مما يجعل موضوعها في حكم ما لم يرد به نص في المدونة؛ الشيء الذي يفسح المجال للعمل بأحكام الفقه المالكي والاجتهاد الذي يحقق العدل والمساواة والمعاشرة بالمعروف. ولعل هذا التوجه القائم على اعتماد الوسائل الشرعية في إثبات الزواج يؤكده ما جاء في الفصل 32 من دستور 2011 والذي نص على أن :”الأسرة القائمة على علاقة الزواج الشرعي هي الخلية الأساسية للمجتمع. تعمل الدولة على ضمان الحماية الحقوقية و الاجتماعية و الاقتصادية للأسرة، بمقتضى القانون، بما يضمن وحدتها واستقرارها و المحافظة عليها”؛ إذ يُعتبر من القانون ما جاء في المادة 400 من مدونة الأسرة ما دام أن المشرع قد نص عليه ويمكن اعتباره قاعدة إسناد يرتكز عليها القاضي في أحكامه للنهل من أحكام الفقه المالكي فيما لا نص فيه حقيقة أو حكما في المدونة. وعلى ذلك يمكن في هذه الحالة إما النظر مباشرة من قبل القضاء في دعاوى ثبوت الزوجية على اعتبار أن ذلك يعتبر اجتهادا يحقق العدل والمساواة في جميع تجلياتها وعلى رأسها المساواة في حكم القانون كما يحقق قيم الإسلام في المعاشرة بالمعروف بين الزجين، وهو ما يشكل النواة الحقيقية للأسرة الشرعية التي اعتبرها الدستور النواة الأساسية للمجتمع، كما يمكن الرجوع إلى اعتماد البينة في إثبات الزوجية (كالإشهاد والتقارر) كما كان معمولا به قبل صدور المدونة ودخولها حيز التنفيذ.

أما المستوى الثاني؛ فيتمثل في الفكرة الجديدة التي جاء بها دستور 2011 من وجوب صدور الأحكام على أساس التطبيق العادل للقانون. ومن باب العدل في تطبيق القانون أن يضمن القضاء لكل فرد على حدة مركزه القانوني الذي يحدد له حقوقه والتزاماته التعاقدية والقانونية. و لعل في تجاوز هذه القاعدة القانونية الوقتية وتجاوز سلبياتها تطبيق عادل للقانون على اعتبار أنها قاعدة تحد من الحق في اللجوء للقضاء، وهي قاعدة غير دستورية يمكن الطعن فيها بعدم الدستورية متى صدر القانون التنظيمي الذي يبيح وينظم حق الطعن للأفراد، وهو الأمر الذي لم يكن متاحا قبل دستور 2011 سواء من حيث إمكانية تجاوز القضاء للقاعدة التشريعية لانتفاء فكرة التطبيق العادل للقانون في المنظومة القانونية المغربية  وعدم دسترتها، وكذا لعدم تمكين الأفراد من حق الطعن في دستورية القانون كما كان مكرسا بصورة ضمنية في الفصل 25 من قانون المسطرة المدنية. كما أنه من باب التطبيق العادل للقانون موافقة حكم القانون لروح العدالة بما تتضمنه فكرة عدم القابلية لرجعية القاعدة القانونية من حيث الزمان على الشكل الذي فصلناه أعلاه .

تلك إذن كانت أهم النقاط القانونية التي ارتأينا بسطها في موضوع دعوى ثبوت الزوجية وما ارتبط بها من مشاكل قانونية لم تؤثر على عمل القضاء فقط وإنما على مصالح وحقوق الأفراد وما يرتبط بها من مسائل يفرضها القانون . لذلك فإن أهم خلاصة يمكن أن نخلص إليها في هذا السياق وأهم توصية هي أن يتخلى المشرع على فكرة التحديد الوقتي لسماع دعوى ثبوت الزوجية وربط هذا الدعوى بمدى توفر أركان وشروط الزواج قبل صدور الحكم بالكشف عنه بدل ربط ذلك بالحق في اللجوء إلى القضاء الذي يعتبر أهم مبدأ من مبادئ حقوق الإنسان القائمة على الحق في التقاضي والخضوع لحكم القانون .

انتهى بحمد الله تعالى

اترك تعليقاً