سلطة المحكمة في إعادة تكييف الأفعال قراءة في قرار محكمة النقض عدد 828/1 بتاريخ 10/06/2015 في الملف الجنحي عدد 4230/2015

2019 04 25
2019 04 25

سلطة المحكمة في إعادة تكييف الأفعال

قراءة في قرار محكمة النقض عدد 828/1 بتاريخ 10/06/2015 في الملف الجنحي عدد 4230/2015

كتبها الدكتور عبد الحكيم الحكماوي

أستاذ زائر بكلية الحقوق سلا

باحث قانوني

 

تقديم

تطرح مسألة التكييف أو الوصف القانوني للأفعال في الميدان الزجري مجموعة من الإشكالات القانونية التي تتعلق بمدى سلطة المحكمة في التكييف وإعادة التكييف وما إذا كان للتكييف تأثير على تمتع المحكوم عليهم بحق الطعن أو ما كان لذلك التكييف تأثير أيضا على مبدأ التقاضي على درجتين في بعض الأحيان.

اقرأ أيضا...

صحيح أن الإشكالات المرتبطة بمسألة الوصف القانوني للأفعال تشكل نقطة خلافية في النقاش الفقهي والعمل القضائي، ولكن دراستها تعتبر من بين أهم المواضيع ذات الارتباط بمدى قدرة السلطة القضائية على تجسيد مبادئ العدالة على أرض الواقع في تناغم تام مع باقي الأجهزة المكلفة بإنفاذ القانون.

لذلك فإننا نرى أن نسلط الضوء في هذا المقال على المحددات القانونية لسلطة المحكمة في التكييف وإعادة التكييف مسترشدين بالتصور التشريعي لهذه المسألة ومنطلقين من قرار صادر عن محكمة النقض نعتبره ملخِّصا للتوجه القضائي “العام” في مسألة التعامل مع التكييف وإعادة التكييف؛ وحاصرين النقاش في الحديث عن الجانب المتعلق بسلطة المحكمة في إعادة التكييف وما إذا كان لتلك السلطة ضوابط قانونية من شأنها تقييد سلطة المحكمة في بعض الحالات دون الأخرى أم أن نظرة المشرع كانت متقدمة لبسط يد المحكمة في إعطاء الوصف القانوني المناسب للأفعال المعروضة عليها تحقيقا للعدالة وتعزيزا لمبدأ عدم إفلات المذنبين من العقاب؟

 معطى لابد منه؛

في قرار صادر عن محكمة النقض تحت عدد 828/1 بتاريخ 10/06/2015 في الملف الجنحي عدد 4230/2015، أيدت هذه الأخيرة قرارا استينافيا قضى بإلغاء حكم ابتدائي كان قد قضى بإعادة تكييف الأفعال المتابع بها المعروض على القضاء من جنحة الارتشاء إلى جنحة النصب.

وقد أسست محكمة النقض تأييدها للقرار الاستينافي بناء على تبنيها للحيثيات التي اعتمدها القرار الاستينافي موضوع الطعن بالنقض. وفي معرض التأسيس للموقف المؤَّيد تبنت محكمة النقض مجموعة من الحيثيات تقر بسلطة المحكمة في إعادة تكييف الأفعال المعروضة عليها لكن بشروط؛ وهو ما يستشف من الحيثية الأساسية التي اعتمدها القرار المذكور والتي جاء فيها:

“حيث إن الحكم المستأنف لما قضى بمؤاخذة الظنين من أجل جنحة النصب بدلا من جنحة الارتشاء بعد إعادة التكييف، وانتهى في تعليله إلى ثبوت أركان جنحة النصب طبقا للفصل 540 من القانون الجنائي بعد إعادة التكييف، يكون بذلك قد جانب الصواب من جهة لكون المحكمة وإن كانت تملك صلاحية إعادة التكييف فإن ذلك مقيد بشروط، وفي نطاق لا يجوز التوسع فيه، على اعتبار أن المحكمة هي جهة حكم وليست سلطة اتهام. فبالإضافة إلى أن إعادة التكييف هي إمكانية لا تشمل الجريمة الأشد بالنسبة للجريمة موضوع المتابعة، فإنه أيضا يتعين أن تتم في إطار الجرائم المماثلة لجنحة المتابعة كأن تنتهي المحكمة إلى إعادة التكييف مثلا من جنحة السرقة إلى محاولة السرقة أو إلى المشاركة في السرقة مادام أن الفصلين 114 و129 يعاقبان المحاولة والمشاركة بنفس العقوبة الأصلية، أو إلى إحدى الجرائم المماثلة في نفس العقوبة أو الأخف”.

أسس القرار:

يقتضي تقييم القرار موضوع النقاش الوقوف على الأسس التي اعتمد عليها قبل أن نعمل على تحديد مدى مطابقته للقانون وما إذا كانت الأسس المذكورة مطابقة للقانون أم لا.

بالرجوع إلى صلب القرار نجد أن محكمة النقض اعتمدت على ثلاثة أسس للحديث عن سلطة المحكمة في تكيف وإعادة تكييف الأفعال المعروضة عليها؛ ويمكن تحديد هذه الأسس على النحو التالي:

الأساس الأول: التأكيد على انعدام صلاحية المحكمة في التوسع في التكييف وإعادة التكييف لعلة كون المحكمة جهة حكم وليست جهة اتهام؛

الأساس الثاني: عدم إمكانية إعادة التكييف من جريمة أخف لجريمة الأشد؛

الأساس الثالث: أن تتم إعادة التكييف في إطار زمرة الجرائم المماثلة استنادا على وحدة العقوبة من حيث التشديد أو التخفيف؛

فكما يتضح من الأسس المعتمدة من قبل محكمة النقض أن إعادة التكييف لا يمكن تصورها إلا بناء على توفر الشروط الثلاثة، وهي شروط محل نقاش على مستويات عدة.

فمن حيث مستوى انضباط تلك الأسس لحكم القانون؛ فإن محكمة النقض باعتبارها محكمة قانون ومهمتها مراقبة محاكم الموضوع وما إذا كانت هذه الأخيرة ملتزمة بتطبيق القانون أم لا، كان عليها أن تقيم قضاءها ذاته على أساس من القانون، إذ لابد من الاستناد على أسس قانونية للقول بأن للشروط الثلاثة إطارا قانونيا يمكن الاحتكام إليه عند المنازعة أو التقييم أو للقول بصحة وقانونية تلك الشروط المستند عليها في القرار موضوع التعليق؛

ومن جهة الرقابة القضائية لمحكمة النقض على محاكم الموضوع؛ يجب أن تتأسس على أساس تشريعي للقول بالحد من سلطة هذه المحاكم في التكييف أو إعادة التكييف، وهو الأمر الذي يجب أن يتأسس على مقتضى تشريعي معين ويبرزه القرار موضوع التعليق لنقف على مدى خرق قواعد الاختصاص بالتكييف أو إعادة التكييف، خاصة وأن المادة 534 من قانون المسطرة الجنائية تنص على أن من بين أسباب النقض “سبب عدم الاختصاص”. وكما هو معلوم فإن عبارة “عدم الاختصاص” عبارة عامة تندرج تحتها مختلف صور عدم الاختصاص سواء المكاني أو النوعي أو حتى ما يدخل أو ما لا يدخل في نطاق سلطة المحكمة بصفة عامة، وهو الأمر الذي عنته محكمة النقض من كون المحكمة جهة حكم وليست جهة اتهام، على اعتبار أن عدم الاختصاص النوعي لا يمكن تصوره إلا بين الجهات القضائية التي أسند لها المشرع اختصاصات محددة أو قابلة للتحديد بموجب معايير تستند على المهمة الوظيفية لتلك الجهات، كما هو الأمر مثلا بالنسبة للاختصاص بالنظر في الجنح أو الجنايات. ولكن إذا تعلق الأمر باختصاص يعود لجهات ذات طبيعة مختلفة ولو كانت قضائية؛ فإن لكل جهة اختصاصها غير أن ذلك الاختصاص بمفهوم قانون المسطرة الجنائية لا يندرج في خانة الاختصاص النوعي وإنما يبقى في إطار فكرة الاختصاص الوظيفي المجردة عن كل وصف آخر. فالجهات القضائية قد تكون جهة حكم أو قد تكون جهة اتهام أو متابعة فبغض النظر عن كونهما معا جهتين قضائيتين فإن علاقة اختصاص كل واحدة منهما باختصاص الأخرى لا يدخل في نطاق الاختصاص النوعي وإنما يدخل في إطار فكرة الاختصاص الوظيفي القائم على أن كل جهة لها وظيفتها المختلفة عن وظيفة الجهة الأخرى. وبناء على ذلك فإن حرمان محاكم الموضوع من إعادة التكييف على أساس قواعد الاختصاص الوظيفي يجب أن يستند على أساس قانوني له وجود تشريعي حقيقي.

أما على مستوى ضابط المماثلة؛ فإن اللجوء إليه يجب أن يتم وفق القانون ذاته، ففكرة المماثلة لم تذكر في التشريع الجنائي وتحدد أحكامها العامة التي تسري على مجمل حالاتها إلا في التشريع الجنائي المغربي الموضوعي مثل ما نص عليه الفصل 158 بخصوص الجنح المتماثلة، وهي الجنح التي وضع لها ضوابط محددة تكوِّن أساس تقرير حالة العود ولا علاقة لها بالتكييف أو إعادة التكييف. بينما قرار محكمة النقض موضوع التعليق ربط مفهوم المماثلة بالعقوبة ذاتها – من غير اقتران لا بإحالة كما هو الضابط الوارد بالفقرة الأخيرة من الفصل 158 المذكور ولا بأي ضابط آخر – كما ربطها بفكرتي المحاولة والمشاركة بالرغم من كون هاتين الأخيرتين لا علاقة لهما بالمماثلة كما هي محددة قانونا.

ولنا أن نتساءل في هذا المقام هل تقييد سلطة المحكمة على النحو المذكور أعلاه يساير القانون من جهة ويحقق فكرة العدالة من جهة ثانية؟ هذا ما سنحاول الوقوف من خلال التحليل التالي.

التشريع والقضاء: مفترق الطرق بشأن تمكين المحكمة من سلطة إعادة التكييف     

بداية لابد من الوقوف على حقيقة التكييف أو إعادة التكييف؛ إذ يمكن تعريفه على أنه:  “عملية موضوعية تَبسُط من خلالها كل جهة قضائية عرضت عليها وقائع معينة نظرَها لإعطاء الوصف القانوني المناسب للفعل محل تلك الوقائع” ؛ وكما هو معلوم فإن للوصف القانوني للفعل موضوع الدعوى العمومية المعروضة أمام القضاء الزجري آثارا مباشرة سواء على مستوى القواعد الموضوعية اللازمة للفصل في تلك الدعوى أو على  مستوى القواعد الإجرائية المؤثرة في مسار الفصل في الوقائع المعروضة على القضاء الزجري.

وعلى هذا الأساس وجب التأكيد على أن مناقشة مسألتي التكييف وإعادة التكييف يجب أن تنطلق من إطارها القانوني الموضوعي وما يتيحه هذا الإطار للجهات القضائية المختلفة للنظر في الوقائع ليتم الانتقال بعدها إلى الحديث عن الآثار الإجرائية لعمليتي التكييف وإعادة التكيف. ولعل هذا التدرج في المناقشة هو الذي سيجعلنا نقف عند نطاق تدخل المحكمة في هاتين العمليتين وخاصة ما يتعلق بمدى امتلاكها لسلطة التكييف وإعادة التكييف أم أن سلطاتها في هذا الشأن محدودة للغاية ومضبوطة بضوابط؟

❸-1 الإطار القانوني الموضوعي للتكييف وإعادة التكييف

لقد حدد المشرع الجنائي ضوابط قانونية تخول للجهات القضائية ممارسة سلطتها في إعطاء الوصف القانوني للأفعال المعروضة عليها، ولذلك فقد وضع إطارا عاما يحكم الضوابط والآليات العامة التي تحكم عمليتي التكييف وإعادة التكييف، كما تولى وضع مختلف الأوصاف القانونية للأفعال التي يرتكبها الأفراد والتي تشكل مخالفة صريحة وسلوكا ممنوعا من وجهة نظر التشريع الجنائي. وبين الإطارين العام والخاص تنشأ سلطة المحكمة في توصيف الفعل المعروض عليها توصيفا سليما من الناحية القانونية يحقق الغرض من سن التشريع الجنائي والذي يتجسد في تحقيق الردعين العام والخاص اللازمين لإقامة الموازنة بين حقوق المجتمع الرامية لضمان الاستقرار والأمن وحقوق الفرد المتمثلة في جبر الأضرار اللاحقة به جراء الاعتداء الواقع عليه.

ولذلك فإن البحث في الأساس الذي يعطي للمحكمة سلطة التكييف أو إعادة التكييف لهو الكفيل بإعادة النظر في التوجه القضائي العام من هذه المسألة.

وهكذا فبالرجوع للفصل 118 من القانون الجنائي نجده ينص على أن: ” الفعل الواحد الذي يقبل أوصافا متعددة يجب أن يوصف بأشدها.”

إن الوقوف على مقتضيات الفصل المذكور وقراءته قراءة متأنية تجعلنا نقف على أمرين اثنين يتجسدان في صيغتي العمومية والوجوب.

فمن حيث العمومية؛ فإن المشرع لم يوجه خطابه التشريعي هذا لجهة قضائية بعينها دون أخرى، وإنما جاء خطابه عاما موجها لجميع الجهات القضائية بدليل عدم التخصيص وعدم ذكر الجهة المخاطبة بهذا المقتضى؛ بمعنى آخر لا يوجد في صياغة المقتضى المذكور ما يفيد اقتصاره على جهة قضائية معينة دون أخرى كاقتصاره مثلا على النيابة العامة وحدها أو اختصاصه بقضاء التحقيق عن سواه أو توجيهه لقضاء الحكم فقط، وكنتيجة لذلك فإن المقتضى التشريعي المنصوص عليه في الفصل 118 من القانون الجنائي إنما هو خطاب موجه لجميع الجهات المكلفة بتنفيذ حكم القانون على الوقائع والأفعال المخالفة للقانون الجنائي.

أما من حيث صيغة الوجوب؛ فإن ما ورد في الفصل 118 من القانون الجنائي لم يرد على سبيل الاختيار وإنما على صيغة الوجوب، فعبارة “يجب أن يوصف بأشدها” التي استخدمها المشرع في الفصل المذكور تدل على ذلك؛ الشيء الذي يجعل ما يترتب عن مقتضيات الفصل المذكور من قواعد وأحكام تعتبر من صميم النظام العام. والعلة في ذلك أن المشرع الجنائي المغربي يميز بين أمرين؛

  • أحدهما الغاية من وجود التشريع الجنائي عموما وهو ما نص عليه في الفصل الأول من مجموعة القانون الجنائي من أنه: ” يحدد التشريع الجنائي أفعال الإنسان التي يعدها جرائم، بسبب ما تحدثه من اضطراب اجتماعي، ويوجب زجر مرتكبيها بعقوبات وتدابير وقائية” فيكون بذلك قد حدد الهدف من سن التشريع الجنائي الذي يرمي إلى إحداث وتكريس نوع من الحماية الجنائية للحقوق والمقومات التي يتأسس عليها النظام الاجتماعي برمته من خلال تحديد الأفعال التي تشكل تهديدا للسلم الاجتماعي وتوصيفها بالوصف الجنائي تمهيدا لإيجاد الصيغة المناسبة لزجر مرتكبيها. وكما هو معروف فإن ورود هذا المقتضى في باب المبادئ العامة هو الذي يعطي الحق في النظر وإعادة النظر في الأفعال وما إذا كانت تشكل تهديدا أم لا، سواء أتم التنصيص عليها في القانون الجنائي نفسه أم في التشريعات الجنائية الخاصة.
  • وأما الأمر الثاني فيتجسد في التمييز بين الخطورة التي تكتسيها الأفعال المجرمة ذاتها، إذ أن توصيف القانون لفعل ما وتخصيص عقوبة معينة له يدخله في صلب مقتضيات الفصل 110 من القانون الجنائي، وبالتالي يجب على الجهات المكلفة بإنفاذ القانون أن تصف الفعل موضوع البحث أو موضوع الدعوى العمومية وصفا قانونيا سليما مستندا على مبدإ الشرعية من جهة ومن جهة أخرى تكون الغاية منه الحفاظ على النظام العام من خلال اختيار الوصف الأشد المستند على مقدرا العقوبة، لما في ذلك من تحقيق للردعين العام والخاص.

وبذلك فإن لصفة الوجوب التي اقترنت بمقتضيات الفصل 118 من القانون الجنائي غاية محددة ودقيقة وهي جعل القانون الجنائي ومقتضياته المختلفة وسيلة لإشاعة الأمن والأمان وتحقيق السلم والحفاظ عليه؛ وهو ما ينسجم و تمكين مختلف الجهات المكلفة بإنفاذ القانون الجنائي ( سواء أكانت شرطة قضائية أو سلطة قضائية – نيابة عامة أو قضاء تحقيق أو قضاء حكم) من سلطة إعادة النظر فيما إذا كان الوصف القانوني الذي أعطي للفعل موضوع الإجراءات الجنائية هو الوصف الأشد أم لا؟ وبالتالي الوقوف على ما إذا كانت مقتضيات الفصل 118 من القانون الجنائي قد تحققت أم لا؟

ومن الآثار القانونية المترتبة عن تفعيل مقتضيات الفصل 118 من القانون الجنائي أن تمتلك السلطة القضائية بجميع مكوناتها ( نيابة عامة أو قضاء تحقيق أو قضاء حكم) سلطة مراقبة مدى صحة الوصف القانوني المعطى للفعل موضوع الدعوى العمومية وما إذا كان ذلك الوصف يحقق الوصف الأشد فعلا أم لا، خاصة في الحالة التي تكون فيها المحكمة أمام أفعال تقبل عدة أوصاف جنائية. وكنتيجة لذلك فإن القول بكون المحكمة الزجرية لا تمتلك سلطة إعادة تكييف الأفعال المعروضة عليها في إطار الدعوى العمومية، خاصة، لأفعال معاقب عليها بعقوبة أشد وإجبارها على الالتزام بالتكييف الذي تعطيه النيابة العامة لتلك الأفعال، يجرد مقتضيات الفصل 118 من القانون الجنائي من كل أثر ولا يبقي أي معنى لفكرة “وحدة الفعل وتعدد الأوصاف واختلاف تلك الأوصاف باختلاف درجة العقوبة وبالتالي تحديد الوصف الأشد”.

فإجبار المحكمة على الاقتصار على الوصف القانوني الذي تعطيه النيابة العامة للفعل موضوع المتابعة الجنائية سيجعل من مقتضيات الفصل 118 من القانون الجنائي مقتضيات موجهة لجهة قضائية واحدة وهي النيابة العامة التي ستتكلف وفق هذا التوجه بإعطاء الوصف القانوني للأفعال، وبالتالي سيجرد تلك المقتضيات من أي أثر، هذا من جهة ومن جهة أخرى سيجعل المحكمة مقيدة بالوصف الذي أعطته النيابة العامة للفعل موضوع المتابعة الجنائية وما يقتضيه ذلك التقييد من الاقتصار على مجرد التحقق من مدى توافر العناصر التكوينية للجريمة الموصوف بها ذلك الفعل، وهو مسار سيفضي لا محالة إلى إمكانية تصريح المحكمة بعدم انطباق الوصف القانوني المعطى من طرف النيابة العامة للفعل موضوع الدعوى العمومية مع عدم إمكانية ممارسة أية سلطة في إعادة إعطاء الوصف القانوني السليم لذلك الفعل بعلة عدم إمكانية إعادة الوصف القانوني لذلك الفعل وخاصة إذا كان الوصف القانوني يقترن بعقوبة أشد. وجدير بالذكر أن العديد من المحاكم التي تسير في هذا التوجه تصرح بالبراءة معللة ذلك بعدم قيام العناصر التكوينية للجريمة الموصوف بها الفعل موضوع المتابعة، وهو التوجه الذي تبناه القرار موضوع التعليق.

غير أنه للحكم على مدى قانونية هذا التوجه يجب الرجوع إلى مقتضيات قانون المسطرة الجنائية وخاصة المادة 389 التي تنص على أنه: ” إذا تبين أن المتهم لم يرتكب الفعل أو أن الفعل لا يكون مخالفة للقانون الجنائي، فإن المحكمة تصدر حكما بالبراءة”. إذ يظهر أن المشرع حدد بموجب هذه المادة الحالات التي يجب أن تصرح فيها المحكمة بالبراءة وجعلها مقتصرة على الحالة التي لا يثبت فيها الفعل في حق المتهم أو لم يثبت ارتكاب الفاعل للفعل المتابع به؛ والحالة الثانية هي التي لا يكون فيها الفعل موضوع المتابعة مخالفا للقانون الجنائي. وإذا كانت حالة عدم ثبوت الفعل في حق المتهم مرتبطة بالفعل المجرم الذي أعطاه المشرع وصفا جنائيا، فإن الفعل الذي لا يكون مخالفة للقانون الجنائي يعني الفعل الذي يستصحب حالة إباحته ولم يخصص له المشرع الجنائي أي وصف جنائي ولا يندرج في إطار التعريف الوارد في الفصل 110 من القانون الجنائي. وينتج عن هذا التحديد الحصري لحالات التصريح بالبراءة ما يلي:

  1. أن التوجه القائل بضرورة تصريح المحكمة بالبراءة بعلة عدم توافر العناصر التكوينية للجريمة المتابع بها وعدم الالتفات للفعل موضوع المتابعة والنظر فيما إذا كان مجرما بالفعل أم لا بعلة أن المحكمة جهة حكم وليست جهة اتهام وبالتالي لا يمكنها إعادة التكييف وخاصة إذا كان الوصف المحتمل للفعل أشد من الوصف الذي أعطته النيابة العامة، يبقى توجها مخالفا لمقتضيات المادة 389 من قانون المسطرة الجنائية – وكذا لمقتضيات المادة 411 من نفس القانون – ويحتاج إلى سند تشريعي يدعمه.
  2. أن سكوت المشرع عن حالة عدم انطباق العناصر التكوينية للوصف القانوني المعطى من قبل النيابة العامة للفعل موضوع المتابعة كسبب للتصريح بالبراءة ينسجم مع موقفه المعلن في الفصل 118 من القانون الجنائي والذي يعطي بموجبه لقاضي التحقيق وكذا لقاضي الحكم إمكانية إعادة وصف الفعل الوصف الجنائي السليم والصحيح استنادا لصفة العمومية التي تتسم بها مقتضيات الفصل المذكور.
  3. أن الإحجام عن إعادة تكييف الفعل التكييف الصحيح ولو كان تكييفا سليما من شأنه المساهمة في إفلات مرتكب ذلك الفعل من المساءلة الجنائية وبالتالي إفلاته من العقاب بل ومجازاته بالتصريح ببراءته لمجرد خطإ في الوصف القانوني كما لو أن الأمر يتعلق بفعل لا يجرمه القانون؛ وهو ما يساهم في المزيد من تهديد الأمن العام والطمأنينة والسكينة المجتمعيين.
  4. يناقض ما ذهب إليه المشرع بموجب مقتضيات المادة 390 من قانون المسطرة الجنائية نفسها والتي نصت على أنه: “إذا لم يكن للفعل وصف جنحة أو مخالفة تدخل ضمن اختصاص المحكمة، فإنها تصرح بعدم اختصاصها وتحيل الطرف الذي أقام الدعوى العمومية على من له حق النظر.” – وهو نفس الاتجاه الذي سار عليه المشرع في المادة 413 من قانون المسطرة الجنائية – ولن يتحقق للتصريح بعدم الاختصاص في مثل هذه الحالات إلا إذا عملت المحكمة الابتدائية على إعادة تكييف الفعل المعروض عليها من جنحة أو مخالفة إلى جنائية وهو إعادة تكييف ينطوي على إعطاء الفعل موضوع المتابعة الجنائية وصفا أشد، الأمر الذي يزيد من إظهار انسجام المشرع مع مقتضيات الفصل 118 من القانون الجنائي.

إن هذه المبررات وغيرها تؤكد على أن المشرع يتجه إلى تمكين جميع الجهات القضائية من سلطة إعادة التكييف وخاصة إذا تعلق الأمر بإعادة التكييف إلى وصف أكثر شدة حرصا منه على زجر الإرادات العابثة بالاستقرار الاجتماعي، وليس في ذلك أي زيغ من المحكمة عن سلطتها في تطبيق القانون، بل تكريس لذلك وتعزيز لمكانتها في مراقبة النيابة العامة ذاتها في مدى سلامة توصيفها للفعل المقترف من طرف المتهم.

كما أنه مما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق أن المحكمة عندما تعيد وصف الفعل الذي يقبل أوصفا متعددة وتصفه بوصف أكثر شدة فإنها لا تمارس اختصاص النيابة العامة ولا تتقمص دور جهة الاتهام، ذلك أنها تمارس سلطتها على وصف الفعل الذي مارست عليه النيابة العامة سلطتها في التكييف ولا تتعداه إلى فعل آخر لم يكن موضوع الدعوى العمومية المثارة من طرف النيابة العامة؛ إذ لا يمكن الحديث عن تقمص المحكمة لدور سلطة الاتهام إلا في الحالة التي تتجاوز فيها الأفعال المعروضة عليها إلى أفعال إما لم تعرض عليها أصلا بالرغم من تحقق وجودها قبل إثارة الدعوى العمومية أو أفعال ظهرت بمناسبة نظرها في الدعوى العمومية. ولتأكيد هذا الاتجاه فإن المشرع عمل على غل يد كل من قاضي التحقيق والمحكمة عن النظر في الوقائع التي لم تعرضها عليهما النيابة العامة، وفي هذا السياق نص المشرع في المادة 84 من قانون المسطرة الجنائية على أنه: “ إذا علم قاضي التحقيق بوقائع لم يشر إليها في ملتمس إجراء التحقيق، تعين عليه أن يرفع حالا إلى النيابة العامة الشكايات والمحاضر المتعلقة بها.” بمعنى أن قاضي التحقيق لا يملك حق النظر في الوقائع الجديدة التي ظهرت له بمناسبة مباشرته لإجراءات التحقيق الإعدادي، لكن بالنسبة للوقائع التي سبق للنيابة العامة أن عرضتها عليه فله كامل الصلاحية في تمحيص وصفها القانوني وله أن يبقي عليه إن كان وصفا سليما أو يغيره إلى الوصف السليم طبق المقتضيات المادة 217 من قانون المسطرة الجنائية.

إن للحديث عن الإطار الموضوعي لممارسة سلطة التكييف وإعادة التكييف تأثير مباشر على طبيعة القواعد الإجرائية الناتجة عن ممارسة تلك السلطة، إذ أن النظر في طبيعة الفعل المخالف للقانون وتحديد وصفه القانوني السليم على النحو الذي يحقق الغرض من وجود القانون الجنائي ووفق المعايير التشريعية التي حددها القانون يعتبر مقدمة منطقية لتحديد القواعد الإجرائية واجبة التطبيق في حالة إعمال قواعد التكييف، وهذا ما سنتطرق له وفق ما سيأتي بعد.

❸- 2  الآثار الإجرائية لممارسة المحكمة لسلطتها في التكييف وإعادة التكييف

يتطلب البحث في الآثار الإجرائية لممارسة المحكمة لسلطتها في تكييف وإعادة تكييف الأفعال المعروضة عليها أن نطرح تساؤلا حول طبيعة المقتضيات القانونية لواردة في قانون المسطرة الجنائية ذات العلاقة بالتكييف وإعادة التكييف هل هي مقتضيات تنظم سلطة المحكمة في ممارسة حقها في التكييف وإعادة التكييف أم أنها مقتضيات تنظم الآثار المترتبة عن ممارسة تلك السلطة؟

غني عن البيان أن هناك فرق كبير بين مقتضى قانوني ينظم ممارسة مسألة ما ومقتضى آخر ينظم الآثار المترتبة عن ممارسة تلك المسألة، إذ أن هذا المقتضى الأخير لا يمكن الحديث عنه إلا بعد الفراغ من تحقق ممارسة المسألة موضوع التنظيم وفق الشروط التي وضعها المشرع.

ولذلك فإن البحث في المقتضيات التي أوردها المشرع في صلب قانون المسطرة الجنائية والمتعلقة بإعادة التكييف إنما هو بحث في الآثار المسطرية والإجرائية المترتبة عن ممارسة المحكمة الزجرية لسلطتها في تكييف وإعادة تكييف الأفعال المعروضة عليها، إذ يعتبر تحديد طبيعة هذه المقتضيات مدخلا مهما لفهم المقاربة التشريعية لهذا الموضوع فهما بعيدا عن المسلمات المتداولة والمعمول بها في الحقل القانوني.

لقد أورد المشرع العديد من المقتضيات القانونية التي تنظم الآثار المترتبة عن ممارسة إعادة التكييف من طرف المحكمة الزجرية. ولكن التساؤل المطروح يتمحور حول مدى تمتع المحكمة الابتدائية وكذا محكمة الجنح الاستئنافية بسلطة إعادة تكييف الأفعال من الأخف للأشد أم أنها – كما يذهب إلى ذلك التيار الغالب في العمل القضائي والتفسير الفقهي – ملزمة بالتقيد بإعادة التكييف من الأشد إلى الأخف حصرا؟ ومناسبة طرح هذا التساؤل ما يثيره الفهم المتداول لمقتضيات المادة 432  من قانون المسطرة الجنائية.

إن الجواب عن هذا التساؤل لا يستقيم إلا بتتبع مرتكزات التصور التشريعي للآثار المترتبة عن ممارسة سلطة إعادة التكييف من طرف المحكمة للوقوف على الحدود التي أعطاها المشرع للجهات القضائية المختصة في الفصل في الجرائم عموما (مخالفات وجنح وجنايات).

يتضح من خلال استقراء المقتضيات القانونية الإجرائية أن المشرع جعل إلزام المحكمة ببعض الإجراءات مشروطا بتحقق ممارستها لسلطة إعادة لتكييف بغض النظر عما إذا كانت تلك المحكمة محكمة درجة أولى أو محكمة درجة ثانية. وهكذا فإن أهم المواد ذات الصلة يمكن حصرها في المواد 368 و390 و411 و413 و432 من قانون المسطرة الجنائية وهي المواد التي سنقف عليها لتحديد الهدف من وجودها كشرط للجواب عن امتلاك المحكمة لسلطة إعادة التكييف.

وهكذا فبالرجوع للمادة 368 من قانون المسطرة الجنائية سنجدها تنص على أنه: “إذا لم يفصل المقرر بالإدانة في جميع الجرائم موضوع المتابعة، أو إذا لم يفصل إلا في جرائم وقع تغيير وصفها إما أثناء التحقيق أو عند صدور الحكم أو القرار أو الأمر، وكذلك إذا قضى بإخراج بعض الأفراد المطلوب متابعتهم من الدعوى، فإنه يجب على هيئة الحكم أن تعفي المتهم بناء على مقرر معلل من جزء المصاريف القضائية الذي لم يترتب مباشرة عن الجريمة المحكوم عليه بسببها”. فكما هو واضح فإن مقتضيات هذه المادة تؤكد أمرين اثنين؛

أولهما أن تغيير الوصف القانوني لا يقتصر على إصدار القرار فقط وإنما يمكن أن يتحقق بمناسبة إصدار الأحكام أو الأوامر أيضا، ومعنى هذا الكلام أن محكمة الجنايات التي تصدر القرارات القضائية ليست هي وحدها المختصة بإصدار مقررات قضائية بعد إعادة التكييف المتمثل في تغيير الوصف القانوني وإنما المحكمة الابتدائية أيضا من خلال ما تصدره من أحكام وقاضي التحقيق عبر ما يصدر عنه من أوامر، وبالتالي فإن الظاهر من مقتضيات المادة المذكورة أن المشرع لم يحصر سلطة تغيير الوصف – إعادة التكييف – في غرفة الجنايات وإنما اعترف بذلك لكل من المحكمة الابتدائية وقضاء التحقيق أيضا. كما أن تغيير الوصف القانوني وفق مقتضيات هذه المادة جاء بصيغة العموم ولم يقتصر على إعادة التكييف من الأشد إلى الأخف، بل إن العبارة التشريعية تستوعب تغيير الوصف بكل نواعه وصوره، ما يعطي الدليل بأن رؤية المشرع لسلطة المحكمة في إعادة التكييف رؤية منسجمة من خلال الاعتراف بإمكانية تغيير الوصف سواء من الأخف إلى الأشد أو من الأشد إلى الأخف.

وثانيهما أن هذه المادة رتبت على تغيير الوصف القانوني للفعل موضوع الدعوى العمومية المفصول فيها آثارا متمثلة في إلزام المحكمة بإعفاء المتهم بناء على مقرر معلل من جزء المصاريف القضائية الذي لم يترتب مباشرة عن الجريمة المحكوم عليه بسببها؛ وهكذا يظهر أن هذا الإعفاء مشروط بتغيير الوصف القانوني للفعل موضوع الدعوى العمومية.

وأما ما يتعلق بالمادة 390 من قانون المسطرة الجنائية فقد نصت على أنه: ” إذا لم يكن للفعل وصف جنحة أو مخالفة تدخل ضمن اختصاص المحكمة، فإنها تصرح بعدم اختصاصها وتحيل الطرف الذي أقام الدعوى العمومية على من له حق النظر.

يسري نفس الحكم إذا تعلق الأمر بجناية. وفي هذه الحالة، تصدر المحكمة إن اقتضى الحال أمراً بالإيداع في السجن أو بإلقاء القبض إذا كان المتهم غير معتقل. ويستمر اعتقال المتهم الموجود في حالة اعتقال، كما تستمر تدابير المراقبة القضائية الصادرة من قبل.

تحيل النيابة العامة القضية على الجهة المختصة عند الاقتضاء.”

إذ يظهر من مقتضيات هذه المادة أن المشرع نظم الآثار المترتبة عن تغيير الوصف القانوني للأفعال موضوع الدعوى العمومية، وجعل تلك الآثار مشروطة بذلك التغيير. فحسب مقتضيات هذه المادة فإنه لا يمكن التصريح بعدم الاختصاص وإحالة الطرف المقيم للدعوى العمومية على من له حق النظر إلا إذا تبين للمحكمة المعروض عليها النزاع أن الفعل موضوع الدعوى العمومية لا يشكل مخالفة أو جنحة، وهو ما يعني أن ذلك الفعل يشكل في نظر المحكمة جناية. ومعلوم أنه لا يمكن تصور الفصل في فعل يعتبر حسب التكييف الأولي له مخالفة أو جنحة إلا من طرف المحكمة الابتدائية، لذلك فإن إعادة التكييف واعتبار ذلك الفعل جناية إنما هو تكييف من الأخف إلى الأشد، يترتب عنه رفع يد المحكمة الابتدائية عن النزاع، ومن الآثار التي نصت عليها هذه المادة أيضا إلزام النيابة العامة بإحالة القضية على المحكمة المختصة عند الاقتضاء.

فالآثار المنصوص عليها في هذه المادة مشروطة بتغيير الوصف القانوني، الشيء الذي يؤكد أن المشرع لم ينظم سلطة المحكمة في التكييف أو إعادة التكييف بموجب هذه المادة وإنما نظم الآثار المترتبة عن ممارسة المحكمة لسلطتها تلك في إعادة وصف الأفعال المعروضة عليها بغض النظر عن النتيجة التي آل إليها تغير الوصف القانوني.

وهكذا فقد عمل المشرع على جعل صياغة المقتضيات القانونية المرتبطة بموضوع التكييف وإعادة التكييف صياغة شرطية، بمعنى أنه تحدث عن الآثار المترتبة عن ذلك واشترط أن تكون مسبوقة بممارسة المحكمة لسلطتها في فحص مدى سلامة التكييف أو الوصف القانوني الذي أعطته سلطة الاتهام للفعل موضوع المتابعة، ولم تتحدث كل تلك المواد عن سلطة التكييف ذاتها لأن واضع مقتضيات قانون المسطرة الجنائية منسجم مع تصورات وتوجهات واضع مقتضيات القانون الجنائي، وهي تصورات تعترف للمحكمة كيفما كانت درجتها بسلطة النظر في مدى سلامة الوصف القانوني للأفعال المعروضة عليها اعترافا مطلقا غير مقيد بأي شرط وغير محدد بأية حدود.

إن الحديث عن سلطة المحكمة الابتدائية في إعادة تغيير الوصف القانوني للأفعال المعروضة عليها من الأخف إلى الأشد أو من الأشد إلى الأخف والقول بأحقيتها في ذلك قد يعترضه رأي قائل بأن المشرع لم يعترف بسلطة إعادة التكييف إلا لغرفة الجنايات بصريح عبارة المادة 432 من قانون المسطرة الجنائية؛ غير أن هذا الاعتراض بدوره غير مرتكز على أساس لأن مناسبة وضع مقتضيات المادة المذكورة لا يتعلق بسلطة تلك الجهة القضائية في التكييف أو إعادة التكييف وإنما يتعلق بارتباط سلطتها واختصاصها في الفصل في الدعاوى العمومية المعروضة عليها عندما يتم تغيير الوصف القانوني للأفعال موضوع تلك من جناية إلى مخالفة أو جنحة.

فبالرجوع إلى مقتضيات المادة 432 من قانون المسطرة الجنائية نجدها تنص على ما يلي: ” لا ترتبط غرفة الجنايات بتكييف الجريمة المحال عليها، ويجب عليها أن تكيف قانونيا الأفعال التي تحال إليها، وأن تطبق عليها النصوص الجنائية المتلائمة مع نتيجة بحث القضية بالجلسة.”

إن ما ذهبت إليه المادة المذكورة يؤكد على أن غرفة الجنايات ملزمة بأمرين أولهما النظر في سلامة الوصف القانوني المعطى من طرف جهة الاتهام للأفعال المعروضة عليها، و ثانيهما أنه في حالة تغيير الوصف القانوني بغض النظر عن مآل ذلك التغيير فإنها تبقى مختصة في الفصل في الدعوى العمومية، بمعنى أن غرفة الجنايات تبقى مختصة في النظر في تلك الدعوى ولو أفضى تغيير الوصف إلى إعادة تكييف الفعل من جناية إلى جنحة أو مخالفة.

إن استمرار اختصاص غرفة الجنايات للفصل في الدعاوى العمومية التي أحيلت عليها متى تغير وصف الأفعال موضوع تلك الدعاوى هو أساس وعلة المادة 432 من قانون المسطرة الجنائية؛ ذلك أن المشرع لما نص على أن اختصاص النظر في المخالفات والجنح يعود للمحكمة الابتدائية وجعل هذا الاختصاص من النظام العام ورتب على ذلك جزاء البطلان إن لم تتألف المحكمة التي ستفصل في المخالفات والجنح على النحو المقرر قانونا وفق ما نصت عليه مقتضيات المادة 374 من قانون المسطرة الجنائية التي جاء فيها أنه: ” تعقد المحكمة جلساتها بقاض منفرد وبحضور ممثل النيابة العامة ومساعدة كاتب الضبط. يترتب البطلان عن الإخلال بهذه المقتضيات.” فإنه وضع مقتضيات المادة 432 من نفس القانون لجعل الغرفة الجنائية مختصة في النظر في الأفعال المعروضة عليها مهما كان وصفها القانوني السليم شريطة أن يكون الوصف القانوني الذي وصفت به عند إثارة الدعوى العمومية يحمل طابع الجناية. وهذا التوجه الذي سار فيه المشرع لا يحمل بين ثناياه أي تناقض على اعتبار أن المبادئ العامة لاختصاص الهيئات القضائية اختص قانون التنظيم القضائي بتقريرها؛ إذ نص القانون المذكور في فصله 9 على أنه: ” تختص محكمة الاستيناف بالنظر في الأحكام الصادرة ابتدائيا عن المحاكم الابتدائية وكذا في جميع القضايا الأخرى التي تختص بالنظر فيها بمقتضى قانون المسطرة المدنية أو قانون المسطرة الجنائية، أو نصوص خاصة عند الاقتضاء.”. فالفصل المومإ إليه أعلاه وضع المعايير العامة لاختصاص محكمة الاستيناف بجميع غرفها بما فيها الغرفة الجنائية، وجعل اختصاصها محددا في النظر في الاستئنافات الموجهة ضد الأحكام الابتدائية وكذا ما نص عليه قانون المسطرة المدنية أو الجنائية أو نصوص خاصة، ومما نص عليه قانون المسطرة الجنائية اختصاص الغرفة الجنائية في النظر في الدعاوى العمومية التي بسطت فيها المحكمة رقابتها على الوصف القانوني الذي أعطته جهة الاتهام للأفعال المعروضة عليها.

وبالتالي فإنه لتفادي جزاء البطلان المنصوص عليه في المادة 374 من قانون المسطرة الجنائية وتفعيلا لمقتضيات الفصل 9 من قانون التنظيم القضائي، أورد المشرع مقتضيات المادة 432 من قانون المسطرة الجنائية لا ليقر سلطتها في إعادة وصف الأفعال لأن هذا الإقرار وارد في مواد أخرى كالمادة 368 المشار إليها أعلاه، وإنما لجعلها مختصة في الفصل في الدعاوى العمومية المعروضة عليها ولو عملت على تغيير الوصف القانوني للأفعال المعروضة عليها، و ذلك على غرار الحديث عن الاختصاص كأثر من آثار ممارسة المحكمة الابتدائية أو قاضي التحقيق لسلطتهما في مراقبة سلامة الوصف القانوني للأفعال المعروضة عليهما.

وخلاصة القول أن المشرع لم يقيد سلطة المحكمة، مهما كانت درجتها، في تكييف أو إعادة تكييف الأفعال، ولم يحصر سلطة المحكمة الابتدائية خاصة في إعادة تكييف الأفعال المعروضة عليها من الأشد إلى الأخف، كما أنه لم يشترط أي شرط مقيد لسلطة المحكمة أثناء ممارسة إعادة التكييف، وكل ذلك من أجل ضمان عدم إفلات الجناة من العقاب، تحقيقا للمغزى الذي سُن من أجله التشريع الجنائي.

اترك تعليقاً