صلاحيات المحكمة الدستورية في الرقابة على الاتفاقيات الدولية

2019 04 28
2019 04 28

صلاحيات المحكمة الدستورية في الرقابة على الاتفاقيات الدولية

عبد الصمد ناس لحسن

عدل متمرن – باحث قانوني

يمكنكم الاستماع للمداخلة الصوتية بشأن هذا الموضوع على الرابط التالي

اقرأ أيضا...

مقدمة

مما لا نقاش فيه أن الدساتير تسمو وتعلو مرتبة عن باقي القوانين المعمول بها داخل الدولة، فالدستور من جهة هو الذي يحدد التوجه السياسي للدولة بحيث يوضح معالم النظام السياسي المنتهج، وعلاقة السلطات فيما بينها وحدود تدخل كل واحدة من هذه السلطات، كما انه من جهة أخرى يحدد التوجه الحقوقي للدولة، أي الحقوق والحريات التي وقع الإقرار بها ضمن مقتضيات الوثيقة الدستورية. وانطلاقا من هذه القيمة الاجتماعية والحقوقية تحديدا، تبرز أهمية ما يتضمنه الدستور من أحكام، هذه الأحكام التي يتعين أن تحظى باحترام الجميع بما فيها السلطة الحاكمة.

إن هذه الأهمية المذكورة هي التي يعكسها مفهوم قانوني معروف ،هو مفهوم التدرج التشريعي للقوانين ،فطبقا لهذا المفهوم الذي صاغه الفقيه هانس كلسن فان المنظومة القانونية للدولة تحتوي على أشكال من القوانين تختلف من حيث سموها وترابيتها ،إذ يتربع الدستور في قمة الهرم التشريعي ثم تليه القوانين التنظيمية في المرتبة الثانية من الهرم ثم القوانين العادية في المرتبة الثالثة ثم بعدها القوانين الفرعية في الرتبة الرابعة، اما الاتفاقيات الدولية  فيختلف موقعها باختلاف الأنظمة القانونية ،فمنها من جعلها اعلى مرتبة من التشريع، ومنها من أعطاها نفس مكانة التشريع أي في مرتبة متساوية معه، ومنها من اعترف لها بسمو مشروط كما هو حال النظام المغربي .

إن هذه التراتبية تفرض قاعدة جوهرية مفادها، ألا يخالف القانون الأدنى مرتبة مقتضيات القانون الأعلى مرتبة، لذلك فلا يمكن للقوانين التي هي أدني درجة من الدستور أن تتضمن مقتضيات مخالفة له.

ولتحقيق هذه الغاية، اتجهت مجموعة من الأنظمة السياسية إلى تكريس طرق مختلفة للنظر في مطابقة أو عدم مطابقة القواعد القانونية لمقتضيات الدستور.

فالرقابة على دستورية القوانين ما هي إلا آلية للتحقق من مطابقة القوانين سواء الداخلية منها أو الخارجية للدستور، وهي أداة كذلك لحماية المقتضيات الدستورية وخاصة تلك المتعلقة بالحقوق والحريات الأساسية من أي انتهاك قد يطالها من قبل جهة ذات سلطة عامة. فتم التفكير في إيجاد جهة تعهد إليها مأمورية حماية مقتضيات الدستور من أي تطاول أيا كان مصدره وكيفما كانت طبيعته، وذلك من خلال القيام بنوع من الرقابة التي تختلف أشكالها وطرق ممارستها من نظام إلى آخر.

وكما لا يخفى على الجميع فان الرقابة الدستورية على القوانين بالمغرب تتولاها جهة مستقلة عهد إليها منذ دستور 1992 بهذه المهمة فكانت آن ذاك المجلس الدستوري، إلى حين سنة 2011 وبمناسبة التعديل الدستوري سيتم استبدال هذا المجلس بهيئة أخرى هي المحكمة الدستورية.

وما يشد انتباهنا نحن  في هذا الموضوع، هو الرقابة على القوانين ذات المصدر الخارجي أو ما يعرف بالاتفاقيات الدولية أو الالتزامات الدولية ، حيث تتخلل هذا الموضوع إشكالية أساسية يتمحور موضوعها حول مدى قوة النفوذ الذي تتمتع به الاتفاقيات الدولية في مواجهة القوانين الوطنية بما فيها الدستور وأثرها عليها . وتتفرع هذه الاشكالية الى تساؤلات جوهرية ابرزها كيف يتم اخضاع الالتزامات الدولية للرقابة؟ وما هو اساس هذا الاخضاع؟ وماهي مسطرته؟

المحور الأول

الرقابة الدستورية كآلية لضمان سمو الدستور

إن هذا المحور سنجعله مجالا للحديث عن مبدأ سمو الدستور وعلاقته بمفهوم ذو طبيعة سياسية هو مفهوم السيادة، ثم نكمل الحديث بالتطرق لدور الرقابة الدستورية في تكريس مبدأ سمو الدستور.

النقطة الأولى

 علاقة مبدأ سمو الدستور بمفهوم السيادة

هناك إجماع على أن الدولة بالمفهوم الحديث لا يمكن أن تتشكل إلا بتوفر عناصر تخلق منها كيانا اجتماعيا ،وهذه العناصر منها ماهو مادي يمكن حصره في السكان والإقليم والسلطة السياسية ومنها ما هو قانوني يتمثل في السيادة باعتبارها عنصرا يترتب عنه اكتساب الدولة للشخصية القانونية وحظوتها بالاعتراف من قبل المجتمع الدولي[1] ،وسنركز الحديث بخصوص هذه العناصر على عنصر السيادة.

ارتبط مفهوم السيادة ببناء الدولة الحديثة أي دولة المؤسسات، فعبارة السيادة هي اصطلاح قانوني، باللغة الفرنسية souveraineté  وهي في الأصل مشتقة من مصدر لغوي لاتيني superanus  ومعناه الأعلى ،لذا يطلق البعض على السيادة السلطة العليا ،وكلمة سيادة في اللغة العربية تعني رفعة المكانة والمنزلة ويقال فلان سيد قومه والجمع سادة ، وخلاصة المعنى اللغوي للسيادة يدل على المنزلة والغلبة والقوة[2]، أيا كان مصدرها .وتحدث العلامة ابن خلدون عن أحوال الحكم وأشار بأنها هي العصبية القاهرة والغالبة لكل العصبيات الأخرى ،وهو يعني بذلك سيادة الدولة الداخلي والخارجي[3] .

هناك شبه إجماع على إن نظرية السيادة بمعناها الحديث تعود منابعها إلى الفقيه جون بودان وذلك عندما قال في كتابه عن الجمهورية ” إن الدولة إنما هي حق الحكم على الأسر فيها وحق إدارة شؤونها المشتركة بينها وذلك على أساس السلطان السيد”[4].وعليه يكون بودان قد اخرج معنى السيادة باعتبارها صفة لاصقة بالملك إلى كونها عنصرا من عناصر الدولة ومتصلة بوجودها ،على أساس أن الدولة لا يمكن اعتبارها دولة بالمفهوم الحديث إلا إذا كانت سيدة ومتمتعة فعلا باستقلال اعتباري يضمن لها ديمومتها بمعزل عن الحكام الذين يتولون أمورها، وقد عرف بودان السيادة “بأنها سلطة الأمر والنهي دون أن تكون مأمورة أو مكرهة من أي مكان على الأرض[5]“.

فحين توصف الدولة بأنها كيان يتمتع بالسيادة فالمقصود إن الدولة ذلك التنظيم السياسي الاجتماعي الذي يحق له وحده دون غيره أن يحتكر أدوات القوة التي يحتاجها[6]، وذلك بصورة مطلقة .

وعموما فان السيادة هي القدرة على الانفراد بإصدار القرار السياسي داخل الدولة أي داخل إقليمها وخارجه أيضا ،وبالتالي القدرة الفعلية على الانفراد المشروع بأدوات القمع داخليا والقدرة على رفض الامتثال لأي سلطة خارجية ،فالسيادة بهذا المفهوم لها معنيين، معنى داخلي يعكس سلطان الدولة على الإقليم والأشخاص المتواجدين به، ومعنى خارجي يتجلى في حرية الدولة في تصريف شؤونها الخارجية وتحديد علاقتها بمختلف الدول وحريتها في التعاقد معها .

غير أن جان جاك روسو يتناول مفهوم السيادة من منظور أخر حيث اعتبر أن العقد الاجتماعي هو الذي يعطي للمجتمع السياسي سلطة مطلقة على كل أعضائه، وهذه السلطة هي انعكاس لإرادة عامة تحمل اسم السيادة[7] ،وبالتالي فمفهوم السيادة عند جان جاك روسو هو مفهوم اجتماعي يستمد مصدره من العقد الاجتماعي الذي يمثل الإرادة العامة للشعب أو للأمة، وهذا ما نجد التنصيص عليه في الفصل الثاني من الدستور المغربي الذي جاء فيه “السيادة للأمة تمارسها مباشرة عبر الاستفتاء وبصفة مباشرة بواسطة ممثليها …”

والسيادة بهذا المفهوم هي التي تمنح القواعد الدستورية سموا مطلقا لا يمكن مجابهته بسمو آخر حتى ولو كان دوليا في إطار ما يعرف بسمو الاتفاقيات الدولية ،فالقواعد الدستورية تستمد سموها كما هو معلوم من إرادة شعبية مباشرة، تمارس في المغرب من خلال الاستفتاء الشعبي، وبما أن مفهوم السيادة كما سبقت الإشارة إليه هو سلطة الدولة على إقليمها وهذا هو المعنى الداخلي للسيادة، على أن هناك معنى خارجي مفاده عدم خضوع الدولة لأي جهة أجنبية كيفما كانت وهذا المعنى الأخير هو الذي يتحكم في سياسة الدولة الخارجية تجاه هذه الجهات الأجنبية، وهو الذي يجعل الدولة تمارس سيادتها تجاه الخارج من خلال رفض وعدم الخضوع لهذه الجهات الخارجية وما يصدر عنها من قوانين في إطار الاتفاقيات الدولية، لهذه الأسباب من الصعب التسليم بسمو الاتفاقيات الدولية على القوانين الوطنية لما في ذلك من مساس بسيادة الدول ،ولما في ذلك من تعارض مع مبدأ سمو الدستور باعتباره مبدءا دستوريا كما أشار إلى ذلك الفصل السادس من الدستور في فقرته ما قبل الأخيرة التي جاء فيها ” تعتبر دستورية القواعد القانونية وتراتبيتها ووجوب نشرها مبادئ ملزمة “.

لذلك فالمشرع الدستوري المغربي حين عرض لسمو الاتفاقيات الدولية في ديباجة دستور 2011، فهو لم يأخذ بهذا المبدأ على إطلاقه وإنما تناوله بشكل مقيد بشروط

كل هذه المعطيات تعكس لنا طرحا واحدا هو أن الدول تتخذ من مفهوم السيادة صمام امان  يمنحها الحماية اللازمة للحفاظ على خصوصيتها، فالدول تمارس سيادتها على المستوى الداخلي من خلال القوة الملزمة للقوانين التي تصدرها، وعلى المستوى الخارجي، حيث يتجلى هذا الأخير في رفض الدولة عدم الخضوع لإملاءات الجهات الأجنبية، سواء كانت دولا أو منظمات حقوقية ،وان كان هناك من يرى تراجعا لمفهوم السيادة المطلقة، وإعادة تكييفها أمام قضايا حقوق الإنسان ،هاته القضايا التي التي أصبحت تكرس مفهوم السيادة النسبية على حساب السيادة المطلقة للدولة، وتتجلى مظاهر هذا التكريس حسب هذا الرأي في الاستجابة للالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان من خلال ملائمة التشريعات الداخلية للمواثيق الدولية، والمراقبة الدولية لوضعية حقوق الإنسان[8] .إلا أن هذا الرأي لا يمكن الأخذ به على إطلاقه .

النقطة الثانية

دور الرقابة الدستورية في تكريس مبدأ سمو الدستور

كما سبقت الإشارة إلى أن مبدأ سمو الدستور  هو من المبادئ التي تجعل من القواعد الدستورية أسمى القواعد على الإطلاق ،وهذا السمو كما هو معلوم يستمد مصدره من الطريقة والكيفية التي وضعت بها هذه القواعد، باعتبارها طريقة تعبر بشكل مباشر عن إرادة الأمة،[9] فهذه القواعد هي منبثقة عن إرادة الشعب، وليس عن المؤسسات الدستورية كالبرلمان مثلا ،والتي هي من صنع إرادة الشعب ،إذ لا يمكن أن تنبثق القواعد الدستورية عن مؤسسة دستورية من إنشاء الشعب.[10]

وللحفاظ على سمو هذه القواعد ضمن منظومة القواعد القانونية للدولة، كان لزاما الاهتداء إلى فكرة الرقابة الدستورية على القوانين، من خلال إخضاع القوانين التي هي أدنى مرتبة من الدستور لمطابقة مضامينها للقواعد الدستورية.

وفي المغرب قد أسندت هذه المهمة في بادئ الأمر إلى جهاز قضائي هو الغرفة الدستورية بالمجلس الأعلى ،إلى حين التعديل الدستوري لسنة 1992 حيث سيتم إسناد مهمة الرقابة على دستورية القوانين إلى جهة مستقلة، ممثلة في المجلس الدستوري ،غير انه وبمقتضى التعديل الدستوري لسنة 2011 سيتم إحلال المحكمة الدستورية محل المجلس الدستوري في الرقابة على دستورية القوانين، بمقتضى الفصل 129 من الدستور[11]  .

وبالرجوع إلى أحكام الدستور والقانون التنظيمي رقم 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية، نجد أن هذه المحكمة تمارس العديد من الاختصاصات أبرزها الرقابة الدستورية على القوانين ،حيث تحال عليها القوانين التنظيمية قبل إصدار الأمر بتنفيذها، والأنظمة الداخلية لمجلسي البرلمان[12]، والأنظمة الداخلية للمجالس المنظمة بمقتضى قوانين تنظيمية قبل إقرارها وقبل الشروع في تطبيقها إحالة إجبارية[13]، وبالتالي فالمحكمة الدستورية في هذه الحالة تمارس رقابة قبلية إلزامية على القوانين التنظيمية والأنظمة الداخلية المذكورة ،وعليه فهي رقابة وقائية تقي المنظومة القانونية للدولة من خطر الخروج عن أحكام القواعد الدستورية بمقتضى قواعد هي اقل مرتبة من الدستور .وتأسيسا عليه يمكن القول بان الرقابة القبلية التي تمارسها المحكمة الدستورية بالمغرب هي تكريس مباشر لمبدأ سمو الدستور .

كما تحال أيضا القوانين العادية طبقا لأحكام الفصل 132 من الدستور وكذا الالتزامات الدولية طبقا لأحكام الفقرة الأخيرة من الفصل 55 من الدستور على المحكمة الدستورية إحالة اختيارية.

علما أن هذه القوانين قد تكون فيما بعد إصدار الأمر بتنفيذها وبدء العمل بها  محل رقابة بعدية من قبل نفس المحكمة إعمالا لتقنية الدفع بعدم الدستورية طبقا لمقتضيات الفصل 133 من الدستور والذي جاء فيه: “تختص المحكمة الدستورية بالنظر في كل دفع متعلق بعدم دستورية قانون أثير أثناء النظر في قضية ،وذلك إذا دفع احد الأطراف بان القانون الذي سيطبق في النزاع يمس بالحقوق والحريات التي يضمنها الدستور”.

“يحدد قانون تنظيمي شروط وإجراءات تطبيق هذا الفصل “.

وعليه فان القوانين العادية والالتزامات الدولية مراقبة دستوريتها إما بشكل قبلي من خلال احالتها على المحكمة الدستورية قبل إصدار الأمر بتنفيذها ،باعتبارها إحالة اختيارية ،وقد تكون رقابة بعدية من خلال ممارسة المتقاضين لحق الدفع بعدم الدستورية باعتبارها آلية للرقابة الدستورية غير الوقائية، وإنما باعتبارها رقابة جوهرها تنقية التشريع من الشوائب العالقة به وكذا ملاءمته مع مقتضيات الدستور.

وتنعكس الرقابة الدستورية للقوانين بشكل مباشر على مبدأ سمو الدستور من خلا ما يترتب من آثار على هذه الرقابة.

فكل قرار تصدره المحكمة الدستورية يقضي بعدم مطابقة مادة من قانون تنظيمي أو من قانون أو من نظام داخلي يكون حائلا دون إصدار الأمر بتنفيذ هذا القانون أو العمل بالمادة موضوع القرار من النظام الداخلي، واستثناءا يجوز إصدار الأمر بتنفيذ القانون أو العمل بالنظام الداخلي إذا كان بالإمكان فصل تلك المادة غير المطابقة للدستور من القانون التنظيمي أو القانون أو النظام الداخلي[14].أما الالتزامات الدولية فانه لا يمكن المصادقة عليها إذا تضمنت ما يخالف الدستور.

أما فيما يتعلق بآثار الرقابة البعدية وانعكاسها على مبدأ سمو الدستور فتتجلى من خلال ما أشار إليه الفصل 134 من الدستور، بحيث يترتب عن قرار المحكمة الدستورية بعدم دستورية مقتضى قانوني نسخه ابتداء  من تاريخ تحدده المحكمة الدستورية في قرارها، وهو نفس المقتضى الذي نصت عليه المادة 22 من مشروع القانون التنظيمي رقم 86.15 المتعلق بتحديد شروط وإجراءات تطبيق الفصل 133 من الدستور.

كل هذه المعطيات تدفعنا للقول بان الرقابة على دستورية القوانين ما هي إلا آلية لحماية القواعد الدستورية من مجابهتها بقواعد متناقضة معها وهي في الأصل اقل مرتبة منها، فالقيمة التي تكتسيها القواعد الدستورية المعبرة عن إرادة الشعب بشكل مباشر، لا يمكن مساواتها بقواعد وان كانت معبرة عن إرادة الأمة إلا أنها وضعت بشكل غير مباشر أي عن طريق ممثلي الأمة، وبالتالي فالرقابة الدستورية على القوانين هي آلية تكرس مبدأ سمو الدستور ،باعتباره بدوره من  المبادئ الدستورية وفقا لما نص عليه الفصل السادس من الدستور الذي جاء فيه:” تعتبر دستورية القوانين وتراتبيتها، ووجوب نشرها مبادئ ملزمة.”

النقطة الأولى

شروط اعتماد الاتفاقيات الدولية داخل المغرب

ظاهر الأمر، انه عند القراءة الأولية لمضمون ما جاء في الديباجة وفصول أخرى يتضح أن الاتفاقيات الدولية فعلا تسمو على التشريع الداخلي، غير انه سمو مقيد بشروط.

وهذا التوجه الذي اعتمدته المملكة في التعامل مع الاتفاقيات الدولية جعله يوازن بين مقتضيات المنظومة الدولية مع الحفاظ على خصوصية وهوية المجتمع المغربي،والتعامل بهذا الشكل مع الاتفاقيات الدولية هو ما يعكس مبدأ السيادة الذي اشرنا إليه أعلاه ،و هذا ما يبرر أيضا ممارسة المغرب لآلية التحفظ كآلية هي مبدئيا مظهر من مظاهر سيادة الدولة، وهي ثانيا تتيح للدولة حماية منظومتها التشريعية ذات خصوصية معينة من مجابهتها بقواعد دولية منافية لخصوصية الدولة .

فالمشرع الدستوري المغربي إذن تعامل مع مكانة الاتفاقيات الدولية بشكل حذر جدا وذلك عندما جعل من اعتماد الاتفاقيات الدولية رهينا بضرورة توفر العديد من الشروط،[15] والتي وقع التنصيص عليها سواء في ديباجة الدستور أو في فصول متناثرة منه.وتتجلى الشروط التي قيد بها المشرع سمو الاتفاقيات الدولية في المغرب فيما يلي:

1_شرط المصادقة:

والمقصود بالتصديق قبول الدولة أحكام المعاهدة بصورة نهائية،وهو أيضا تسجيل الوجود القانوني للمعاهدة، ويحدد القانون الداخلي لكل دولة السلطة المختصة بإجراء التصديق.إذ بالرجوع إلى الفصل 55 من الدستور يتبين أن الملك هو من يوقع المعاهدات ويصادق عليها غير انه لا يصادق على المعاهدات التي يترتب عليها تكاليف تلزم مالية الدولة إلا بعد الموافقة عليها بقانون،وتتم المصادقة من خلال توقيع الملك على المعاهدة أو رئيس الحكومة الذي يوقع عليها بالعطف.

وتعتبر المصادقة شرطا جوهريا للانضمام للاتفاقية واعتبار الدولة نفسها طرفا فيها مع ما يترتب عن ذلك من وجوب الالتزام بتنفيذها. ويستفاد منه انه لا يكفي فقط التوقيع على المعاهدة حتى تمتلك صفة السمو بل لابد من أن يصادق عليها البرلمان والحكومة معا.

     2_شرط النشر في الجريدة الرسمية:

والغرض من هذا الشرط هو جعل الاتفاقيات الدولية تمر من نفس المسطرة التي تمر منها القوانين الوطنية، وذلك بغرض منحها القوة الإلزامية على غرار القوانين الداخلية، إذ لا تكفي المصادقة على الاتفاقية حتى تصير قابلة للتنفيذ وإنما لابد من نشرها في الجريدة الرسمية[16] ،فالنشر هو الذي يعطيها القوة القانونية لتنفيذها وتطبيقها شانها شان جميع القوانين ،وذلك تحقيقا لعملية العلم بالقانون. وتحقيقا لغاية أسمى وهي الحد من الالتجاء التلقائي في اعتماد الاتفاقيات الدولية[17].

3_ شرط ملاءمة التشريع مع ما تطلبه التصديق:

وشرط الملاءمة هو متلازم مع شرط المصادقة بمعنى إن تخلف أحدهما لا يترتب عنه سمو الاتفاقيات الدولية فحتى لو صادق المغرب على اتفاقية دولية ونشرها، فان مقتضياتها لا تصير نافذة إلا بعد ملاءمتها مع التشريع الداخلي[18] والمقصود بالملاءمة هو ادماج مقتضيات الاتفاقيات الدولية في التشريع الوطني ،ويتخذ المشرع اساليب محددة في عملية الملاءمة فأحيانا يعتمد اسلوب الادماج المباشر للمقتضيات المنصوص عليها في اتفاقيات الدولية في القانون الداخلي[19]، ومن أمثلة ذلك ما ورد النص عليه في المادة 6 من القانون 62/06 المتعلق بالجنسية والتي تم تعديلها تماشيا مع مقتضيات المادة 8 من اتفاقية حقوق الطفل.

وهناك أيضا ما ورد النص عليه في القانون 07.04[20]  بمثابة مدونة الأسرة. وتحديدا المادة 209 والتي تمت ملائمة مقتضياتها تماشيا مع مقتضيات المادة الأولى من اتفاقية حقوق الطفل. وبهذا الادماج تصير مقتضيات اتفاقية دولية قانونا وطنيا فتندثر بذلك اشكالية السمو.

واحيانا اخرى يعتمد المشرع تقنية التنصيص المباشر والصريح[21] لسمو الاتفاقيات الدولية على التشريع الوطني ومن ابرز ما ورد في هذا الصدد ما تم تقريره في ظهير 6 شتنبر 1958 بمثابة قانون الجنسية المغير والمتمم بمقتضى القانون رقم 06.62[22] والذي نص في فصله الأول المعنون بالمصادر القانونية بشأن الجنسية على ما يلي:  “تحدد المقتضيات المتعلقة بالجنسية المغربية بموجب القانون و عند الاقتضاء بمقتضى المعاهدات أو الأوفاق الدولية التي تقع المصادقة عليها ونشرها.

إن مقتضيات المعاهدات الدولية المصادق عليها، والموافق على نشرها ترجح على أحكام القانون الداخلي.”

وهناك أيضا ما ورد النص عليه في قانون المسطرة الجنائية وتحديدا الفصل 713 الذي جاء فيه ” تكون الأولوية للاتفاقيات الدولية على القوانين الوطنية، فيما يخص التعاون القضائي مع الدول الأجنبية”. وبالتالي فما هو وارد في هذا النص وفي نصوص مماثلة يعبر بشكل صريح عن سمو الاتفاقيات الدولية على التشريع الداخلي شريطة ان تكون مصادق عليها .

4_شرط عدم مخالفة بنود الاتفاقية للدستور وقوانين المملكة والهوية الوطنية الراسخة:

يحيل هذا الشرط إحالة ضمنية على مفهوم السيادة، فالدولة المغربية لها الحق في ممارسة سيادتها عن طريق الانضمام من عدمه إلى اتفاقية معينة، وحتى إن اختارت الانضمام فيتعين ألا يكون على حساب سيادتها وإنما في نطاق الدستور وقوانين المملكة  كما يتعين ألا تمس المصادقة بالهوية الراسخة للمملكة والتي تنهل مصدرها من الهوية الإسلامية وخصوصيات المجتمع المغربي.

وتجب الإشارة إلى أن عبارة “كما صادق عليها المغرب، “تحيلنا على تقنية التحفظات”، باعتبارها آلية من آليات ممارسة السيادة. فالتحفظ تستعمله الدولة كأداة تمكنها من حماية مصالحها السياسية في الوقت الذي تسمح فيه بتوسيع رقعة المعاهدات الدولية، الأمر الذي يعطيها مرونة أكبر في التعامل مع الاتفاقيات الدولية، فالمغرب يلجأ إلى هذه الأداة من اجل الدفاع عن ثوابته وأحكام الدستور والهوية الراسخة وهذا الأمر ما هو إلا انعكاس لمستوى وعي المشرع المغربي لخلق التوازن بين سيادة المغرب الكاملة، وانخراطه  في المجتمع الدولي.

فالمغرب غالبا ما يتحفظ إذا سمحت به الاتفاقيات، في شكلين: الشكل الأول وهو استبعاد المقتضيات التي تخالف الشريعة الإسلامية باعتبار الدين الإسلامي هو دين الدولة (الفصل 3 من الدستور)، فالمغرب يتحفظ على جميع المقتضيات التي تشكل ضربا للهوية الوطنية الراسخة. والشكل الثاني هو التحفظ المتعلق بالمقتضيات الواردة في الاتفاقيات والمخالفة للدستور والقوانين المعمول بها في المملكة ومما يشكل ثوابت الأمة.

فالتحفظ إذن يبقى قيدا من القيود الواردة على الأخذ بالاتفاقية بأكملها وهذا يعنى به تكريس سيادة الدولة المغربية.

فالدستور الجديد إذن حاول الحفاظ على التوازنات المفروضة في سياق الموضوع، حيث نص من جهة على مبدأ السمو، لكن وضع الاتفاقيات الدولية في مرتبة أقل من الدستور وأعلى من التشريع الوطني عند استيفاء الشروط. وإن كان في واقع الأمر انه ليس من المنطقي القول بسمو الاتفاقيات الدولية على التشريع الداخلي مادام انه لا يتم اعتماد الاتفاقيات الدولية إلا إذا توفرت الشروط المذكورة، وهذا الأمر يدفعنا لافتراض أن الأحكام الواردة في الاتفاقيات الدولية المصادق عليها، لها نفس مكانة القوانين الوطنية باستثناء الدستور الذي تبقى أحكامه فوق الجميع.  فبالرغم من الإقرار بصفة السمو مباشرة ولأول مرة، لكن بالرجوع إلى التصدير ذاته، نستنتج أن المشرع قد وضع رابطا مهما بين اعتماد الاتفاقيات الدولية والسيادة الكاملة للدولة، وهذا الأمر رهين بالشروط المنصوص عليها.

وعلى العموم فانه لا يمكن التسليم بوجود سمو مطلق للاتفاقيات الدولية على حساب القوانين الوطنية، أما القول بسمو الاتفاقيات الدولية على الدستور فهذا الأمر لا يمكن إطلاقا، لان فيه خرقا لمبدأ سمو الدستور وفيه أيضا اعتداء ومساسا بسيادة الدول. وتبقى الشروط الموضوعة من طرف المشرع الدستوري المغربي في اعتماد الاتفاقيات الدولية بدورها آلية وصورة من صور الرقابة على الاتفاقيات الدولية.

إن ابرز مظهر من مظاهر سمو الاتفاقيات الدولية على التشريع الداخلي وما يرتبه من آثار الالتزام بأحكام هذه الاتفاقيات، هو ما يصدر عن بعض الجهات في إطار ما يعرف بالتكتلات الإقليمية من قوانين في شكل توجيهات، الهدف منها تنظيم مجال من المجالات. وخير ما يمكن التمثيل به لهذه التكتلات الإقليمية هو الاتحاد الأوروبي والذي تنضوي تحته إلى حد الساعة 28 دولة تتوزع ما بين أوروبا الشرقية وأوروبا الغربية. والاتحاد الأوروبي هو تكتل سياسي اقتصادي يهدف إلى تكريس معايير دولة القانون واحترام حقوق الإنسان، وضمان مبادئ الحرية والعدل والمساواة. ويتكون الاتحاد الأوروبي من مجموعة أجهزة أبرزها البرلمان الأوروبي ومجلس الاتحاد الأوروبي والمفوضية الأوروبية.

ومن أهم القوانين الصادرة عن المفوضية الأوروبية باعتبارها الجهاز التنفيذي للتكتل، هو قانون 25 يوليوز 1985 والمعروف بالتوجيهية المشتركة لدول الاتحاد الأوروبي، والذي يتضمن 22 مادة أصلية تعالج كل ما له ارتباط بطبيعة وأحكام المسؤولية المدنية عن مخاطر المنتجات المعيبة[23]، حيث تم إعلام جميع دول الاتحاد بمضمون هذه التوجيهية وبضرورة ملاءمة تشريعاتها مع المقتضيات الأساسية للتوجيهية، ومن بين المقتضيات التي تضمنتها التوجيهية والتي لها علاقة بموضوعنا هو ضرورة امتثال دول التكتل لمقتضيات التوجيهية، حيث ستتكلف المفوضية الأوروبية بمراقبة تطبيق مقتضيات التوجيهية وإعداد تقارير كل خمس سنوات بشان هذا الامتثال وتقديمها إلى المجلس الأوروبي[24]،وفي الوقت الذي امتثلت فيه اغلب دول التكتل لمقتضيات التوجيهية في آجال معقولة ، فان فرنسا امتنعت عن الامتثال ما دفع المفوضية الأوروبية إلى الضغط عليها بكل الوسائل من اجل إجبارها على تبني أحكام التوجيهية ضمن قوانينها الوطنية، وهو ما تم فعلا في مايو 1998 بمقتضى قانون تم إدراجه في صلب مدونة القانون المدني الفرنسي.[25]،

فهذه التوجيهية هي من بين النماذج من الاتفاقيات أو الالتزامات الدولية والإجبارية، التي يتعين على دول الاتحاد الاستجابة لها وتضمينها في قوانينها الوطنية، فيمكن القول بأنه أمام هذا النوع من الالتزامات الدولية فان السيادة الوطنية للدول المنضوية في التكتل تعرف نوعا من التراجع لفائدة الاجهزة المسيرة للتكتل، بل الأكثر من ذلك أن من بين الشروط التي يتطلبها الانضمام للاتحاد الأوروبي هو التنازل عن بعض الشؤون السيادية لصالح أجهزة الاتحاد وأيضا ملاءمة القوانين الوطنية مع قوانين الاتحاد.

النقطة الثانية

 رقابة المحكمة الدستورية على الاتفاقيات الدولية

1_الرقابة القبلية

بالرجوع إلى مضمون الفصل 55 من الدستور في فقرته الأخيرة، يتضح أن إحالة التزام دولي على المحكمة الدستورية يكون من قبل جهات محددة، وهي إما الملك أو رئيس الحكومة أو رئيس مجلس النواب أو رئيس مجلس المستشارين أو سدس أعضاء مجلس النواب أو ربع أعضاء مجلس المستشارين، وقد أشارت المادة 24 من القانون التنظيمي رقم 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية إلى كيفية هذه الإحالة، حيث تتم برسالة من الملك أو رئيسي مجلسي البرلمان أو برسالة أو عدة رسائل تتضمن في مجموعها إمضاءات عدد من أعضاء مجلس النواب وفق النصاب المذكور أعلاه .

ويتعين على المحكمة الدستورية أن تعمل على مطابقة الالتزامات الدولية للدستور بعد الإحالة داخل اجل 30 يوما أو في غضون ثمانية أيام في حالة الاستعجال بطلب من الحكومة.

وبإمعان النظر في مقتضيات كل من الفصل 55 من الدستور، وكذا ما ورد النص عليه في القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية، فإننا لا نجد أية إشارة إلى صيغة الإلزام بخصوص إحالة الاتفاقيات الدولية على المحكمة الدستورية للنظر في مدى احترامها لأحكام الدستور، وبالتالي فهي إحالة اختيارية .فالمشرع المغربي فضل الرقابة القبلية الاختيارية للالتزامات الدولية، من خلال إحالتها قبل المصادقة عليها إحالة اختيارية على المحكمة الدستورية، وهو نفس التوجه الذي تبنته الدساتير الأوروبية كفرنسا واسبانيا والبرتغال وهنغاريا، وذلك على خلاف ما أخذت به بعض الدول الإفريقية كالغابون مثلا التي فضلت أسلوب الرقابة الإلزامية على الالتزامات الدولية، من خلال عرضها على المحكمة الدستورية إلزاميا قبل التوقيع والمصادقة عليها،[26] وبالتالي فنوعية الرقابة على الالتزامات الدولية التي اقرها دستور الغابون في المادة 87 منه هي رقابة وقائية إلزامية ، ويظهر أن هذا النوع من الرقابة هو يعكس نوع من السيادة الشبه مطلقة ،حيث يتعين وبشكل إلزامي فحص جميع الالتزامات الدولية قبل المصادقة عليها، والنظر في مدى مطابقتها لأحكام الدستور، كما يظهر أيضا أن نجاعة هذه الرقابة لا يمكن الاختلاف بشأنها، من حيث كونها قادرة على حماية الدستور كأسمى وثيقة قانونية على الإطلاق، ضد الأحكام التي تحويها الاتفاقيات الدولية، والتي أحيانا ما تكون لا تتماشى وخصوصيات الدول .

وكما سبقت الإشارة فان المغرب قصر الرقابة الإلزامية والقبلية على القوانين التنظيمية، والأنظمة الداخلية للبرلمان وكذا الأنظمة الداخلية للمجالس المنظمة بمقتضى قوانين تنظيمية.

وبالرجوع إلى الفقرة الأخيرة من المادة 27 من القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية نجدها تنص على ما يلي :” إذا صرحت المحكمة الدستورية أن التزاما دوليا يتضمن بندا يخالف الدستور فانه لا يمكن المصادقة عليه.” وهذا المقتضى هو نفسه ما سبق وأشار إليه الفصل 55 من الدستور في فقرته الأخيرة بقوله:” إذا صرحت المحكمة الدستورية اثر إحالة الملك أو رئيس الحكومة أو رئيس مجلس النواب أو رئيس مجلس المستشارين أو سدس أعضاء المجلس الأول أو ربع أعضاء المجلس الثاني، الأمر إليها أن التزاما دوليا يتضمن بندا يخالف الدستور فان المصادقة على هذا الالتزام لا يمكن أن تقع إلا بعد مراجعة الدستور”، ومما يتضح من خلال المقارنة بين الفقرة الأخيرة من المادة 27 من القانون التنظيمي المذكور والفقرة الأخيرة من الفصل 55 من الدستور، أن هناك إضافة لمقتضى جديد في الفقرة الأخيرة من الفصل 55 من الدستور هي: أن المصادقة على الاتفاقية الدولية لا يمكن أن تقع إلا بعد مراجعة الدستور، وهذا المقتضى هو مالم يتم التنصيص عليه في المادة 27 من  القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية، غير انه وكما لا يخفى علينا فان الدستور المغربي يعد من صنف الدساتير الجامدة التي من الصعب تصور مراجعتها، مادام أن إخضاع الدساتير الجامدة للمراجعة يتطلب سلوك مسطرة خاصة، على خلاف الدساتير المرنة التي يمكن أن تطالها المراجعة بمقتضى مسطرة عادية هي نفس المسطرة التي تسلك في إصدار القوانين العادية، كما هو حال الدستور البريطاني، كما إن هذه المراجعة من المستحيل تصورها في الدستور المغربي استحالة مطلقة، إذا كان البند الذي تتضمنه الاتفاقية الدولية والذي يخالف الدستور له علاقة بمقتضيات الفصل 175 من الدستور والذي جاء فيه: “لا يمكن أن تتناول المراجعة الأحكام المتعلقة بالدين الإسلامي وبالنظام الملكي للدولة وبالاختيار الديمقراطي للأمة، وبالمكتسبات في مجال الحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في هذا الدستور “،وهذا تعبير صريح على استحالة مراجعة بعض مضامين الدستور، وهي تلك المضامين التي تشكل حجر الزاوية فيما يتعلق بالخصوصية التي تتمتع بها المملكة المغربية، والتي يستند عليها الشعب المغربي في حياته العامة[27].

لذلك نستنتج بان المشرع الدستوري المغربي في مواجهته الالتزامات الدولية قد وضع نظاما شبه متكامل لحماية الدستور المغربي من بعض المقتضيات الدولية، التي يمكن أن تؤثر بشكل ملحوظ على المنظومة القانونية ككل، وليس فقط على أحكام الدستور. وإذا كانت الشروط السابق ذكرها والمتعلقة باعتماد الاتفاقيات الدولية داخل المغرب، تجعل من مبدأ سمو الاتفاقيات الدولية مبدءا نسبيا، فان الرقابة على دستورية الاتفاقيات الدولية تزيد من حدة هذه النسبية، بحيث لا يمكن السماح لأي مقتضى دولي أن يلج  المنظومة القانونية للمملكة، إن لم يكن في الأصل يتماشى وأحكام هذه المنظومة، وعلى الخصوص تلك الأحكام المتعلقة بالثوابت الجامعة التي تقوم عليها حياة الأمة.

2_الرقابة البعدية

ليس هناك ما يمنع من اخضاع مقتضيات الاتفاقيات الدولية للرقابة البعدية شانها شان القوانين العادية، وذلك من خلال ممارسة الأفراد لآلية الدفع بعدم دستورية القوانين المنصوص عليها في الفصل 133من الدستور، لأنه ليس هناك من مانع من ان نتصور تعارض بعض مقتضيات الاتفاقيات الدولية او اتفاقيات برمتها بعد المصادقة عليها مع احكام الدستور، ولاسيما ونحن نعلم ان عرض الاتفاقيات الدولية على المحكمة الدستورية قبل المصادقة عليها هو امر اختياري، اذ ليس هناك من مقتضى يلزم الجهات المعنية بإحالة اتفاقية دولية على  المحكمة الدستورية للنظر في مدى مطابقة احكامها لمقتضيات الدستور، لذلك يمكن الافتراض بان تسمح الجهات المعنية بإحالة التزام دولي على المحكمة الدستورية قبل المصادقة عليه، بمرور أحكام اتفاقية دولية عن عمد ولأغراض سياسية او بدون قصد والمصادقة عليها دون عرضها على المحكمة الدستورية، مما يزيد من احتمال ان تكون هذه الاتفاقية تتضمن بندا او اكثر يخالف الدستور، لذلك فان الية الدفع بعدم الدستورية ستلعب في قادم الايام دورا اساسيا وفعالا في تنقية الاتفاقيات التي صادق عليها المغرب من المقتضيات التي تخالف احكام الدستور كما ستزيد من ملاءمة مقتضيات الالتزامات الدولية للدستور.

وكما هو معلوم فان الية الدفع بعدم الدستورية وطبقا لمقتضيات الفصل 133 من الدستور الذي جاء فيه: “تختص المحكمة الدستورية بالنظر في كل دفع متعلق بعدم دستورية قانون، أثير أثناء النظر في قضية، وذلك إذا دفع أحد الأطراف بأن القانون، الذي سيطبق في النزاع، يمس بالحقوق وبالحريات التي يضمنها الدستور. يحدد قانون تنظيمي شروط وإجراءات تطبيق هذا الفصل”. فان ممارستها لا تكون متاحة الا اذا كنا امام نزاع معروض على محكمة من محاكم المملكة بمختلف درجاتها، ودفع احد اطراف الخصومة بان القانون المراد تطبيقه على النزاع يمس بإحدى الحقوق والحريات المكفولة دستوريا دون ما تحديد لطبيعة هذه الحقوق.

وكما هو الشأن بالنسبة للقوانين العادية، اذا صرحت المحكمة الدستورية بان المقتضى المدفوع بعدم دستوريته هو غير دستوري فان قرارها هذا يترتب عليه نسخ ذلك المقتضى ابتداء من تاريخ تحدده المحكمة في قرارها.

نستخلص من كل ما قيل في هذا المضمار ان الرقابة الدستورية على الاتفاقيات الدولية سواء منها الرقابة القبلية او الرقابة البعدية تنعكس بشكل واضح على مبدا سمو الدستور من خلال حفظ وصيانة القواعد الدستورية من كل خرق يمكن ان يطالها سواء في علاقتها بالقوانين الوطنية او في علاقتها بالالتزامات الدولية.

خاتمة

إن للمحكمة الدستورية كمؤسسة دستورية دورا فعالا في الرقابة الدستورية على القوانين بصفة عامة، وعلى الالتزامات الدولية بصفة خاصة، وان كان أن إحالة هذه الالتزامات لا يكون بشكل إلزامي عليها، مما يزيد من احتمال تمرير بعض المقتضيات التي تتضمنها الاتفاقيات الدولية المصادق عليها إلى المنظومة القانونية للمملكة ،على الرغم مما تخضع له الاتفاقية الدولية من فحص مضامينها من قبل الأمانة العامة للحكومة خلال مسطرة اعتمادها، لذلك يحبذ لو تراجع المشرع الدستوري المغربي عن الإحالة الاختيارية لالتزامات الدولية على المحكمة الدستورية وإبدالها بإحالة إجبارية شانها شان القوانين التنظيمية والأنظمة الداخلية لمجلسي البرلمان وللمجالس المنظمة بمقتضى قوانين تنظيمية وذلك لسبب بسيط هو أن ما تتضمنه الالتزامات الدولية من مقتضيات لا تقل أهمية عما تتضمنه القوانين التنظيمية والأنظمة المشار إليها، بل الأكثر من ذلك إن مسالة اعتماد الاتفاقيات الدولية له ارتباط وثيق بمفهوم السيادة ،ومدى سماح الدولة لنفسها بالخضوع إلى لجهات أجنبية فيما يتعلق بما تصدره هذه الجهات من مقتضيات قانونية قد لا تتلاءم وخصوصية كل دولة على حدة ،لذلك فمفهوم السيادة يقتضي إخضاع الاتفاقيات الدولية للقرابة القبلية الإلزامية من طرف المحكمة الدستورية .

إننا لا ننكر ما تلعبه تلك الشروط التي أقرها المشرع الدستوري في ديباجة الدستور فيما يتعلق بالرقابة على اعتماد الاتفاقيات الدولية والتي كما سبق واشرنا أنها تحد من القول بسمو الاتفاقيات الدولية على التشريع الوطني، ولكن تبقى المحكمة الدستورية محطة مهمة كان يتعين أن تمر منه جميع الالتزامات الدولية قبل المصادقة عليها.

 

_ المختار مطيع، المختصر في القانون الدولي العام، دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع_ الرباط، طبعة 2015 ، ص88[1]

[2]_هاشم بن عوض بن احمد آل إبراهيم، سيادة الدولة بين مفهومها التقليدي وظاهرة التدويل، رسالة ماجيستر في القانون العام، جامعة الشرق الأوسط، كلية الحقوق، يونيو 2013، ص25

_ هاشم بن عوض بن احمد آل إبراهيم، مرجع سابق، ص 26 [3]

[4]_طلال ياسين العيسي، السيادة بين مفهومها التقليدي والمعاصر، دراسة في مدى تدويل السيادة في العصر الحاضر، مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية المجلد 26 العدد الأول 2012 ،ص 40

_ طلال ياسين العيسي، مرجع سابق، ص 40 و 41  [5]

_ هاشم بن عوض بن احمد آل إبراهيم، مرجع سابق، ص 24 [6]

_ هاشم بن عوض بن احمد آل إبراهيم، مرجع سابق، ص 27[7]

_سعيد الصد يقي، حقوق الإنسان وحدود السيادة الوطنية، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 50، ماي 2003 ،ص 84 و85[8]

_الفصل الثاني من الدستور” السيادة للأمة تمارسها مباشرة بالاستفتاء وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها “[9]

_رجاء ناجي مكاوي، القانون، ماهيته، مصادره، فلسفته وتطبيقه، ص[10]

_الفصل 129 من الدستور “تحدث محكمة دستورية”[11]

[12]_الفقرة الثانية من الفصل 132 من الدستور: “تحال إلى المحكمة الدستورية القوانين التنظيمية قبل إصدار الأمر بتنفيذها والأنظمة الداخلية لكل من  مجلس النواب ومجلس المستشارين قبل الشروع في تطبيقها لتبت في مطابقتها للدستور”.

[13]_ الفقرة الثانية من المادة 22 من القانون التنظيمي رقم 066.13 :” كما تحال على باقي الأنظمة الداخلية للمجالس المنظمة  بموجب قوانين  تنظيمية إلى المحكمة الدستورية للبت في مطابقتها للدستور، من لدن رئيس كل مجلس.”

_راجع المادة 27 من القانون التنظيمي رقم 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية.[14]

www. aljami3a.com ._عبد الحكيم الحكماوي، قيود سمو الاتفاقيات الدولية على التشريع الوطني ومحدودية تفعيل القضاء لها،[15]

_رجاء ناجي مكاوي، مرجع سابق ،ص 468[16]

_عبد الحكيم الحكماوي، نفس المقال[17]

_ عبد الحكيم الحكماوي نفس المقال[18]

_عبد الحكيم الحكماوي نفس المقال[19]

الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.04.22 بتاريخ 12 من ذي الحجة 1424 (03 فبراير 2004) والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 5184._[20]

_عبد الحكيم الحكماوي نفس المقال[21]

_الصادر الأمر بتنفيذه بموجب الظهير رقم 1.07.80 بتاريخ 23 مارس 2007، الجريدة الرسمية عدد 5513[22]

[23]_DIRECTIVE DU CONSEIL du 25 juillet 1985 relative au rapprochement des dispositions législatives, réglementaires et administratives des États membres en matière de responsabilité du fait des produits défectueux (85/374/CEE)

[24] Article 21: La Commission adresse tous les cinq ans au Conseil un rapport concernant l’application de la présente directive et lui soumet, le cas échéant, des propositions appropriées.

_عبد القادر العرعاري ،مصادر الالتزامات، الكتاب الثاني، المسؤولية المدنية، الطبعة الرابعة 2015،توزيع مكتبة دار الأمان، الرباط، ص 374[25]

[26]_ Article 87: Les engagements internationaux, prévus aux articles 113 à 115 ci-après doivent être déférés, avant leur ratification, à la Cour constitutionnelle, soi par le Président de la République, soit par le Premier Ministre, soit par le Président de l’Assemblée nationale, soit par le Président de l’Assemblée nationale, ou par un dixième des Députés. La Cour constitutionnelle vérifie, dans un délai d’un mois, si ces engagements comportent une clause contraire à la Constitution.

Toutefois, à la demande du Gouvernement, s’il y a urgence, ce délai est ramené à huit jours. Dans l’affirmative, ces engagements ne peuvent être ratifiés.

[27]_الفقرة ما قبل الأخيرة من الفصل الأول من الدستور:” تستند الأمة في حياتها العامة على ثوابت جامعة ،تتمثل في الدين الإسلامي        السمح، والوحدة الوطنية متعددة الروافد، والملكية الدستورية، والاختيار الديمقراطي.”

اترك تعليقاً