البعد الأخلاقي في بناء القاعدة القانونية و آثاره

2016 11 07
2016 11 07

البعد الأخلاقي في بناء القاعدة القانونية و آثاره

كتبها الدكتور عبد الحكيم الحكماوي

نائب أول لوكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالرباط

أستاذ زائر بكلية الحقوق سلا

باحث قانوني

إن التفصيل في الحديث عن الطبيعة الاجتماعية للقاعدة القانونية ، يجعل هذه الأخيرة لصيقة بمصدر نشأتها . ذلك أن القانون باعتباره المرآة النموذجية لطرق تنظيم السلوك داخل جماعة بشرية ما ، ما هو في حقيقة الأمر إلا مجموعة من القواعد القانونية التي تعبر عما يروج داخل ذات الجماعة من أفكار و مواقف تحكمها مبادئ و آراء و عادات و تقاليد منها ما هو مستمد من الدين و منها ما هو مستمد من الأعراف و ما إلى ذلك .

و من أجل أن تلعب القاعدة القانونية دورها كاملا في المجتمع ، لابد لها أن تكون معبرة بصورة حقيقية عن المخيل الجماعي ، لذلك فمتى ما ارتكن أي مشرع لفكرة ” استيراد ” القانون من نظام قانوني معين إلى نظام آخر ، فإن القانون المستورد سيلاقي فشلا ذريعا لا محالة في البيئة الجديدة . إذ أن بذور فشل أداء القاعدة القانونية لوظيفتها الأساسية نابعة من اختلاف البيئة التي سيطبق فيها القانون عن تلك التي نشأ فيها في الأصل . و لذلك وجب التساؤل عن الأبعاد الحقيقية المؤسسة للقاعدة القانونية ، إذ أن البحث في تلك الأبعاد له أهميته البالغة في تحديد قوة القاعدة المذكورة من جهة ، و من جهة أخرى في فرض احترامها من طرف الأفراد و الجماعات باعتبارهم نواة المجتمع  الذي ستطبق فيه القاعدة القانونية .

و حتى تتضح الصورة ، فإنه يتعين القول بأن القاعدة القانونية لها مجموعة من الأصول منها ما هو فكري ومنها ما هو حقوقي و منها ما هو سياسي و غير ذلك ، لكن ما يهمنا في هذا المقام هو ذلك البعد الأخلاقي الذي يشكل رافدا مهما من روافد بناء القاعدة القانونية ، إذ يبقى التساؤل عن دور الأخلاق في صياغة القاعدة القانونية تسؤلا متجددا ما تجددت العملية التشريعية . فما معنى البعد الأخلاقي في بناء القاعدة القانونية ؟ و ماذا يعني أن يكون للقاعدة القانونية بعد أخلاقي ؟

البعد الأخلاقي في بناء القاعدة القانونية  

في البداية يجب التمييز بين أمرين ، أولهما هو البعد الأخلاقي في بناء القاعدة القانونية ، و ثانيهما هو البعد الأخلاقي في الالتزام بالقاعدة القانونية .

إن أغلب الدراسات التي تتناول بالدرس و التحليل موضوع القاعدة القانونية، تحاول أن تلامس هذه الأخيرة من جانبين مهمين ، أولهما الطبيعة الاجتماعية للقاعدة القانونية و التي من خلالها يتم التركيز على كون القاعدة القانونية نابعة من المجتمع، و ثانيهما القوة الملزمة لتلك القاعدة و مدى إمكانية تجاوزها . و في هذا الإطار يتم الحديث عن تصنيف القواعد القانونية بين ملزم و غير ملزم ، إذ أن الأولى هو مما لا يمكن الاتفاق على مخالفته و هو كذلك ما يشكل جوهر النظام العام في كل تجلياته ، و أما الثانية فهي ما يمكن لإرادة الأطراف أن تخالفها ، و لا معيار في الحكم بها إلا من خلال مدى احترام مبدأ سلطان الإرادة .

لذلك فإن القاعدة القانونية وفق الدراسات الأكاديمية الكلاسيكية ما هي إلا نتاج للمجتمع الذي آمن بضرورة نهج سلوك معين في التعامل ، و بالتالي فإن النظام الاجتماعي ذاته هو الذي يجب أن يميز بيت القاعدة القانونية التي لا يمكن تجاوزها و تلك التي يمكن التغاضي عنها في إطار التعامل .

و مهما يكن فإن تحديد مدى صوابية السلوك الفردي و الجماعي من وجهة النظر القانونية يتحدد بمدى الالتزام بالقاعدة القانونية و مضمونها ، فمتى تحقق ذلك الالتزام نكون أمام ما يسمى بالالتزام الأخلاقي في تطبيق القاعدة القانونية ، و هو التزام محايد عن طبيعة القاعدة القانونية ذاتها . أي أن الالتزام الأخلاقي بالقاعدة القانونية يتمثل جوهره في التقيد بمضمونها بغض النظر عما إذا كانت تلك القاعدة تضمن الحد الأدنى من العدالة وفق المنظور الاجتماعي أم لا .

فالتزام الفرد أو الجماعة بقاعدة قانونية معينة و سعي القضاء إلى ضمان احترام تلك القاعدة هو ارتباط ” أوتوماتيكي ” بما تسنه الجهة التشريعية بغض النظر عن أساسه. إذ أن تمثل فكرة دولة الحق و القانون و سيادة هذا الأخير في المعاملات و التصرفات تنبني وفق هذه النظرة على فكرة الخضوع لإرادة المجتمع التي تم التعبير عنها من خلال تصويت نواب الأمة عن القانون المراد تطبيقه . و هكذا فإن الالتزام الأخلاقي بتطبيق القاعدة القانونية ما هو إلا التزام ببناء معياري مجرد يحاول تنظيم السلوك داخل المجتمع بغض النظر عما إذا كان ذلك البناء المعياري يجد له أصولا في البيئة الاجتماعية التي سيطبق فيها أم لا . و بالتالي فإن لهذا التعامل الأوتوماتيكي مع القاعدة القانونية عواقب وخيمة مهما ظهر للعيان أن القاعدة القانونية محترمة ؛ إذ أن أهم ما سينتجه هذا النهج يتمثل في الاحترام الشكلاني للتعامل و الظهور بمظهر المحترم للقاعدة القانونية المتسم بنوع من الحضارة و التقدم ، لكن في حقيقة الأمر يمكن القول بأن التسليم بهذا المنطق سيؤدي لاريب إلى الإضرار بالمراكز القانونية للأطراف في بعض الأحيان و إلى التأثير على مجموعة من المجالات الحيوية الأخرى بما يشكل ذلك من تأثير على الحقوق و الالتزامات للأفراد و الجماعات .

إن هذا الاختلال الذي تسببه القاعدة القانونية في مراكز الأفراد و الجماعات، لا يمكن تفسيره إلا بما يمكن أن نسميه اختلالا في البناء الأساسي للقاعدة القانونية . ذلك أن هذا البناء الذي يمكن أن يستند إلى مجموعة من المعايير يتعين أن يأخذ بعين الاعتبار تلك المعايير التي يجب و بالضرورة أن تستجيب للمتغيرات الاجتماعية السائدة داخلة مجتمع ما ، و  التي دفعت إلى التفكير في خلق أو إلغاء أو تعديل قاعدة قانونية معينة .

إن الحديث عن المعايير المتحكمة في بناء القاعدة القانونية متعدد الرؤى و الزوايا ، و لذلك فإن ما يهمنا في هذا الموضوع هو البعد الأخلاقي في ذلك البناء.

فإذا كانت فكرة الأخلاق قديمة قدم المجتمعات البشرية ، فإن قدمها ذاك لا يشفع لها في القول باستقرار مفهومها و مضمونها ؛ وهكذا فإن الدراسات التي تناولت الأخلاق حاولت أن تضع لها تأطيرا يجعل من السهل تبيان و إيضاح دور المنظومة الأخلاقية في المجتمع ، إلا أن تلك الدراسات بقيت عاجزة عن الاتفاق حول جوهر و كنه الأخلاق ، هل هي قيم معيارية مجردة ومحايدة يشترك فيها كل البشر بغض النظر عن عوامل اختلافهم ، أم أنها عبارة عن منظومة حاكمة لتجليات الضمير الجمعي للمجتمعات البشرية و مجسدة للقيم التي ينبغي الاحتكام إليها في الحكم على كل ما ينظم سلوك الأفراد و الجماعات .

و من المعلوم أن للرؤيتين آثار على مفهوم الأخلاق ذاتها ، و بالتالي على آثار تلك الأخلاق . فإن تم اعتبار الأخلاق قيم معيارية مجردة ، فذلك يعني أن البشرية جمعاء تحتكم لنفس المعايير و الضوابط السلوكية ، و بالتالي فإن الأداة القانونية التي تنظم سلوك الأفراد واحدة لا تتغير بتغير المجتمعات و الظروف في الحقبة الزمنية الواحدة و إنما قد تتغير باختلاف الحقب الزمنية تبعا لاختلاف مفاهيم المثل المؤطرة للسلوك الإنساني على امتداد التاريخ . و من ذلك نجد مثلا أن قيمة الخير و الشر باعتبارهما قيمتان أخلاقيتان أصلهما العقل البشري يمكن أن يشكلا رافعة أساسية تنبني عليها القاعدة القانونية و تكون تلك القاعدة صالحة لكل المجتمعات بدون استثناء مهما تباينت عاداتها و مبادئها و معتقداتها ، و بالتالي فإن الاتفاق الكوني على معايير أخلاقية واحدة يمكن أن يؤدي إلى خلق قاعدة قانونية كونية تحكم تصرفات الأفراد في كل المجتمعات بغض النظر عن طبيعتها أو توجهاتها الاجتماعية .

 و لعل من آثار هذا الاتجاه في تفسير الأخلاق ، ظهور أنظمة قانونية تتسم بالعالمية كما هو الأمر مثلا بالنسبة لمعظم القواعد القانونية المنظمة أخلاقلعالم المال و الأعمال ، على اعتبار أن هذه الأخيرة كما يسود الاعتقاد تحكم تعاملات و تصرفات ذات بعد  ” فوق مجتمعي ” ، أي أنها تحكم معاملات دولية أطرافها مختلفي الجنسيات و الانتماءات الوطنية ، مما لا يكون معه من المناسب إقرار قواعد قانونية مختلفة تحكم نفس المعاملة . و لعل أبهى صور هذا الاتجاه نجدها مجسدة في الاتفاقيات الدولية التي تحدد الإطار القانوني النموذجي الذي تضعه المنظمات الدولية القطاعية للدول الأعضاء من أجل الاسترشاد به في وضع القوانين الوطنية .

 فبالرغم من كون تلك الاتفاقيات تعطي للدول المختلفة حرية تكييف القاعدة القانونية النموذجية مع البيئة الخاصة بكل دولة على حدة ، فإن إدماج تلك القاعدة النموذجية في بناء قانوني معين لا يضمن الحد الأدنى من الانسجام إلا إذا أخذت القاعدة القانونية بكل أصولها الفلسفية الكونية . و من غير ذلك لا يمكن الحديث عن تمثل لروح القانون النموذجي .

و لنضرب لذلك مثلا في القانون البنكي ، إذ أن القواعد المعمول بها تفترض أن العمليات البنكية تقوم على أساس تحقيق الربح باعتبار عملياتها ذات طبيعة تجارية ، و لذلك فإن الفوائد التي تحصل عليها البنوك ما هي في آخر المطاف إلا أرباحا تجنيها ذات البنوك على إثر بيعها للعملة بقيمتها المستقبلية . وبالتالي فإن هذه النظرة لا يمكن أن يتم تجاوزها بالاحتكام لخصوصية المجتمعات المتمثلة في الدين أو الاعتقادات السائدة ؛ إذ أن أي تجاوز لذلك من شأنه أن يؤثر على العمليات البنكية عبر العالم و بالتالي سيعرقل تدفق رؤوس الأموال للاقتصادات الوطنية مما سيؤثر على مسيرة النمو العالمية و المحلية .

فإذا نظرنا إلى هذا المثال سنجده ملخصا لكل تجليات الاتجاه الرامي إلى جعل الأخلاق عبارة عن معايير عليا ذات بعد كوني و محايدة عن طبيعة النوع البشري و غير متأثرة باختلاف الطبائع البشرية الناتجة عن اختلاف الظروف الاجتماعية و الاعتقادية و غيرها . وبالتالي فإن القاعدة القانونية المؤسسة على هذا النمط من التفكير في الأخلاق ستحقق لا محالة الطابع الكوني ، لكنها لن تؤدي دورها كاملا في ضبط السلوك و التعاملات في كل المجتمعات . ذلك أن إهمال خصوصية المجتمعات من شأنه أن يؤدي إلى نفور أفراد تلك المجتمعات من القاعدة القانونية و بالتالي التعامل معها و كأنها لم تكن ، الشيء الذي سيؤدي إلى إهمالها و إلغائها بحكم العمل من جهة أو إلى التخلي عنها بالتخلي عن إتيان السلوك و التصرفات التي تحكمها تلك القواعد .

و لعل ما يقال عن القاعدة القانونية الكونية ، يمكن أن يقال على القاعدة القانونية المستمدة من النظم القانونية ” المركزية ” ؛ أي تلك القوانين التي تشرعها و تسنها الدول التي تضمن نوعا من السيادة التاريخية على الدول ” الدول المتخلفة”.

فالنموذج القانوني الفرنسي مثلا يعتبر – كما هو سائد اعتقادا – بمثابة الخلفية التاريخية للقانون المغربي و قوانين الدول التي سبق لفرنسا أن احتلتها أو بسطت نفوذها عليها بموجب اتفاقيات الحماية ؛ لذك فإن مجموعة من الاعتقادات تسود المجتمع ليس في أفراده فقط ، و لكن أيضا تمس النخبة المشرعة التي تعتقد أن الاقتداء بالنموذج الفرنسي ” المركزي ” يمكن أن يساهم في عملية الاندماج العالمي الذي يشكل العمود الفقري لحماية المصالح العليا للأوطان في كل المجالات. و بالتالي فإن تبني مثل هذا الخيار القائم على ثنائية المركز و الهامش أو المتبوع و التابع ، سيشكل لا محالة آلية تسهل عملية تدويل القيم الأخلاقية و جعلها عبر وطنية و غير آخذة بعين الاعتبار لخصوصيات المجتمعات المختلفة . و هو ما سيؤدي إلى عملية استيلاب حقيقية على المستوى التشريعي الشيء الذي سيساهم لا محالة في ضرب الخاصية الاجتماعية للقاعدة القانونية ، و القائمة أساسا على البعد الأخلاقي السائد في كل مجتمع على حدة .

إن الحاصل من كل ما ذكر ، أن كل ما يمكن أن يصنف في البعد الأخلاقي كأساس في بناء القاعدة القانونية ، له من الآثار ما لا يمكن أن يتصور و خاصة على مستوى أداء القاعدة القانونية لدورها في تنظيم المجتمع . إذ أن الأفراد و الجماعات متى ما رأوا في القاعدة القانونية انعكاسا للقيم التي يؤمنون بها فإنهم سينبرون للدفاع عنها بأنفسهم ، ذلك الدفاع الذي يؤسس على فكرة الانتماء للمنظومة القيمية . ومن تم فإن البعد الأخلاقي للقاعدة القانونية لا يعطي لهذه الأخيرة فرصة التطبيق فقط ، وإنما يمكنها من حظ عال من الاحترام الفردي و الجماعي لها و القائم على الإحساس الذاتي بأهميتها و الاحتكام إليها متى ما كانت نابعة من صميم المعتقد الجمعي . إذ أنها في الأخير ما هي إلا نتيجة منطقية لما تم الاستقرار عليه من قيم و معايير مجتمعية خالصة ، تهم التصرفات و الأعمال التي يأتيها الأفراد في المجتمع .

و لذلك فإنه يتعين البحث عن الآثار المحتملة للأخذ بعين الاعتبار بالبعد الأخلاقي في بناء القاعدة القانونية .

الآثار المحتملة لدور البعد الأخلاقي في بناء القاعدة القانونية

إن دوران القاعدة القانونية بين التخيير و الإلزام يجعل مفهوم النظام العام ، شبه حاضر في كل حديث عن القاعدة المذكورة . لذلك فإن هذا المفهوم إذا كان يتسم بنوع من الزئبقية و المرونة الزائدة ، بحيث يستحيل تحديد معالمه كما يذهب إلى ذلك الفقه القانوني ، فإنه يتمحور – بالرغم من ذلك – حول فكرة إلزامية القاعدة القانونية .

و يظهر في هذا السياق البعد الأخلاقي في بناء القاعدة القانونية على أنه محرك أساسي من محركات ذلك البناء ، مما يعطيه مكانة قوية أثناء النظر في دلالات القاعدة القانونية وما يستنبط منها من أحكام . لذلك فإنه في المجالات القانونية التي يجوز فيها الاجتهاد و إعمال الرأي يمكن الوقوف على التوجهات العامة لتلك القاعدة ، و لربما يمكن الذهاب أكثر في البحث و التقصي عن إرادة المشرع من وضعه لأية قاعدة قانونية . لذلك يجد المشتغل بالقانون ضالته عندما يستعين بالبعد الأخلاقي الذي حكم وضع القاعدة موضوع الدراسة أو التحليل أو التطبيق .

و هكذا يمكن القول بأن سيادة منظومة من الأفكار و العادات و التقاليد ، خلال حقبة تاريخية معينة من تاريخ المجتمعات ، يجعل لتلك المنظومة آثارها في بناء القاعدة القانونية ، و بالتالي متى ما تغيرت تلك المنظومة فإن أساس القاعدة القانونية من حيث البعد الأخلاقي يتغير بدوره ، و يظهر ذلك التغير في عدم قدرة القاعدة القانونية على لعب الدور المنوط بها كما كانت عليه في السابق .

إن تغير المعايير التي تحكم التصورات العامة للسلوكات الاجتماعية للأفراد و الجماعات ، يؤثر سلبا و إيجابا في موقع الأخلاق في بنيان القاعدة القانونية . فتحول التيار الاجتماعي العام من توجه ليبرالي مثلا إلى غيره سيؤثر في منظومة الأخلاق التي تتأسس عليها القاعدة القانونية ، و العكس صحيح . إذ أن البعد الاجتماعي للقاعدة القانونية و ما يشهده من تحول و تغير مضطرد ما هو في نهاية المطاف إلا تعبير سلوكي عن تغير منظومة القيم السائدة . و بالتالي فما كان يظهر في الماضي من الواجب قد لا يبقى كذلك في الحاضر أو المستقبل ، و يرجع ذلك إلى التغير في النظرة للأشياء ، مما يؤدي بالتبعية إلى التغير في المحددات العامة لفكرة النظام العام بما هو مجموعة من القواعد الآمرة التي لا يمكن الالتفاف عليها أو الاتفاق على مخالفتها سواء من قبل الأفراد أو من قبل الجهات الموكول لها أمر تنفيذ القانون سواء أكانت جهات إدارية و تنظيمية أو جهات قضائية .

فالبعد الأخلاقي في بناء القاعدة القانونية ، بعد غير متسم بدوره بنوع من الجمود أو الثبات ، و إنما يتصف بالتغير الدائم المنبثق من حركية النظام الاجتماعي ذاته و في جزئيات تفاصيله . لذلك فإن الحاجة إلى إدخال تعديلات على القوانين سواء بحذف بعض القواعد أو تغييرها أو إتمامها أو حتى خلق قواعد جديدة ، تبدو أمرا مبررا ما دام هناك تغيير في طبيعة المعايير و القيم الأخلاقية التي تحكم العلاقات داخل المجتمع .

و هنا وجب علينا الوقوف عند أمر له دلالة خاصة ؛ و يتمثل في كون النخب المؤثرة في خلق القاعدة القانونية تكون لها اليد الطولى في فرض منظومة القيم التي تؤخذ بعين الاعتبار عند صياغة القاعدة القانونية سواء من حيث البناء أو حتى المضمون . لذلك فإننا نرى أن النظام القانوني لأية دولة يتخذ أحد شكلين ؛

إما أن يكون عبارة عن تجسيد حقيقي للمتخيل الجمعي السائد في المجتمع المعني ، وهنا تلعب النخبة دورا في تلقف المعالم الكبرى لتلك المنظومة التي انتشرت و أثرت في البناء الاجتماعي ، لتحولها إلى مجموعة قواعد قانونية تحاول من خلالها جعل ما كان من القواعد اجتماعي خالص قواعد قانونية ملزمة . و بالتالي فإن القانون في هذه الحالة سيكون عبارة عن مجموعة من القواعد القانونية المنبثقة من قيم المجتمع السائدة ذاتها ، وهو ما سيضمن لها نوع من التماسك و التأثير و الحكم في سلوك الأفراد و الجماعات على السواء . و نشير في هذا المقام بأن أغلب القوانين السائدة في الدول ” المتقدمة ” هي من هذا الجنس من القوانين .

أما الطريقة الثانية فهي ؛ فهي التي تعبر عن فكر النخبة المؤثرة في بناء القاعدة القانونية بغض النظر عن القيم الاجتماعية السائدة في الوسط المراد تطبيق القاعدة القانونية فيه . فهذا النوع من الأنظمة القانونية غالبا ما يكون مطبوعا بنوع من الانفصام المطبق بين القانون و الوسط المراد تطبيقه فيه . و لا يمكن تفسير هذا الانفصام إلا من خلال تنافر المنظومة القيمية المستندة على البعد الأخلاقي ؛ إذ في الوقت الذي ترى فيه النخبة أن ضرورات التطوير تقتضي النظر إلى القاعدة القانونية على أساس أنها البوابة الأساسية للاندماج في المحيط الخارجي ، ترى القاعدة الاجتماعية أن القيم التي يجب أن تحكم السلوك و التي يتعين ترجمتها إلى قواعد قانونية هي تلك التي تنبع من التطور التاريخي للأمور و منطقها في المجتمع. و من هنا يظهر لنا تدافع الإرادات بين النخبة و القاعدة ، عند صياغة القاعدة القانونية ؛ الشيء الذي سيؤثر بدون أدنى شك في تحديد القواعد التي هي من النظام العام ، من تلك التي لا تدخل في نطاقه .

و هكذا فإن تأثير المنظومة القيمية المستندة على الأخلاق تظهر بشكل جلي في مجموعة من التحركات و التفاعلات الاجتماعية التي نراها يوميا ، و التي يمكن التمثيل لها من خلال مجموعة من الأمثلة ، كالصراع القائم بين من يؤيد فكرة إلغاء عقوبة الإعدام و من يناصر الإبقاء عليها . إذ أن كلا الرؤيتين ينطلق من منظومة قيم تتجاذب بين الكوني و الخصوصي .

ففي الوقت الذي يذهب فيه مؤيدو الإلغاء إلى الاحتكام إلى منظومة الحقوق الأساسية للإنسان كما هي متعارف عليها في العالم أجمع ، و وفق ما ترجمته المبادئ و الإعلانات  و العهود الدولية ، يرى الفريق الآخر أن الاختلاف لا يكمن في الحفاظ على الحقوق الأساسية للإنسان وعلى رأسها الحق في الحياة ، و لكن الأمر يتعلق بضرورة حماية نفس الحقوق بالنسبة للجميع ، إذ كيف – يقول هذا الفريق – لشخص اعتدى على حياة آخر أن يمتع بنعمة نفس الحق الذي حرم منه غيره ؟ و من هنا يبتدئ السجال الفكري الذي يجد سنده و أساسه في القيم الأخلاقية التي يتبناها كل فريق على حدة .

و نفس السجال يشهده الميدان الجنائي فيما يتعلق بالجرائم ذات البعد الأخلاقي ، كالفساد و العلاقات الجنسية التي يكون موضوعها قاصرين و ما إلى ذلك . فهذه الأنواع من الجرائم يمكن القول بأنها مواضيع يحاول كل فريق أن يجعلها ميدان مبارزة من أجل إظهار قوته إما من خلال قدرته على التأثير على حذف القاعدة القانونية التي تجرم العلاقة الجنسية بين الغريبين مثلا على أساس أنهما راشدان و لهما الاختيار المطلق في تبني أي نوع من العلاقات التي يريدانها ، أو من أجل تبيان القدرة على الإبقاء على تلك القواعد بل إدخال تعديلات عليها من أجل ضمان أكبر قدر من الزجر لها . فكلا الفريقين ينطلق من منظومة أخلاقية مغايرة للآخر .

 ففي الوقت الذي يستند فيه الفريق الأول إلى الانتصار للفكرة الحداثية في الأخلاق يتشبث الثاني بالأخلاق وفق المنظور الإسلامي وفق ما يراه ، و بالتالي فإن القواعد القانونية ستتأثر لا محالة بالمنظومة الأخلاقية التي ستنتصر في النهاية.

و إذا كانت القوانين ذات البعد الحقوقي ، هي التي يظهر فيها الدور الكبير لتأثير الأخلاق في بناء القاعدة القانونية ، فإن ذلك لا ينحصر في مجال القانون الجنائي بمفهومه  العام و إنما يتجاوزه إلى قوانين أخرى ذات النفس الليبرالي كما هو الأمر بالنسبة للقوانين المتعلقة بالمال و الأعمال . فيما تبقى مجموعة من القوانين محافظة إلى أقصى الحدود على هويتها التقليدية كما هو الأمر بالنسبة مثلا لقانون الالتزامات و العقود الذي بقيت قواعده في منأى عن أي جدال ذو بعد أخلاقي بالرغم من كونه هو المرشح أكثر من غيره إلى أن يكون محط نزاع و تدافع فكري حول المبادئ التي جاء بها و لعل الفصل 870 من ذات القانون لخير مثال على ذلك.

إن الحديث عن آثار البعد الأخلاقي في بناء القاعدة القانونية يبقى حديثا متجددا ما دام أن المفهوم الحقيقي للأخلاق ذاتها غير مستقر من جهة ، و من جهة أخرى ما دامت القيم الأخلاقية لا تزال في تغير مستمر من مجتمع لآخر و من حقبة تاريخية لأخرى . لذلك لابد من القول بأن فكرة القانون من حيث وظيفتها يجب أن تكون موضوع تساؤل علمي يحاول أن يجيب على تساؤلات عميقة من شأن الإجابة عليها أن تعيد النظر في آليات صناعة القانون ذاته و تطبيقه من قبل الجهات الموكول لها مهمة إنفاذه .

اترك تعليقاً