القانون الكائن

2016 11 07
2016 11 07

القانون الكائن

كتبها الدكتور عبد الحكيم الحكماوي

نائب أول لوكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالرباط

أستاذ زائر بكلية الحقوق سلا

باحث قانوني

يبدو التفكير في القانون أمرا محسوما عند الأفراد الذين يعتبرونه نتاجا لفئة معينة تقوم بوظيفتها من خلال انتمائها لمؤسسة معينة . ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن الفكر الإنساني المعاصر حسم الآليات الكفيلة بإنتاج القانون و بالتالي بتنظيم المجتمع و سلوك الأفراد ، و بنوا على فرضية الحسم هذه رؤيةً قائمةً على أن إنتاج القانون ما هو في جوهره إلا نتاج صراع حقيقي بين قوىً فكريةً  تجد لها موطِئ قدم في ساحة النقاش العمومي ، فتكون الغلبة لجهة لتحاول أن تترجم غلبتها تلك من خلال إصدار و سن نصوص قانونية حاملة لحمولات فكرية معِّبرة على تلك القناعات التي ارتأت أنها سادت و تمكَّنت . ككل مفهوم مؤسِّسٍ يجب أن تكون السيادة المُعتَقدة بدورها موضوع تساؤل . فجوهر السيادة ما هو ظهور سطحي قائم على آليات صورية مبنية على قنوات تداولية للسلطة و مراكز القرار ، كما لا يمكن اعتبار السيادة نتاجا حقيقيا لديمقراطية فوقية حسمت القرار لفائدة جهة دون أخرى .  و إنما السيادة التي يجب أن تكون أساس القانون هي رسوخ القيم في النفوس و سيادتها النفسية قبل السيادة الشكلانية أو المؤسساتية

يرى الناظر في منظومة القيم التي تسود المجتمع أنها في الحقيقة  تعبير تراكمِيٌ و تواترٌ طويلٌ لمجموعة من السلوكات التي ترسخت في ذهن الأفراد و ضبطت تصرفاتهم اليومية  و جعلت لهم حدودا يقفون عندها ، و في حالة تجاوزها لا يقدرون على المجاهرة بذلك التجاوز ، و إذا جاهروا سلوكا فإنهم لا يقدرون على نفي القيم التي تم تجاوزها كما لا يقوَوْن على نفي ضرورتها الاجتماعية . و هم بذلك يقيمون تمييزا حقيقيا بين السلوك الذي يأتونه و القيمة التي يؤمنون بها .

فهل يمكن القول بأن سلوك الأفراد ينبئ عن تحول عميق في فكر و جدان المجتمع أم هو نفاق قائم على الذاتية القائمة بدورها على المصلحة الشخصية التي يمكن التسويق لها بمسوغات متعددة و متنوعة و في أشكال معقدة قد تبدو معاصرة و حداثية ، لكنها في الحقيقة تختزل مجموعة من التناقضات التي تحمل بذور فنائها ؟

فالتسليم بكون التحولات الصورية في سلوك الأفراد يمكن أن تكون سببا أساسيا في إنتاج القانون الذي يساير الأوضاع المستجدة ، لا يخلو من التبسيط الذي ينم عن أحدى أمرين ؛ إما أن يكون مقصودا أو هو تعبير مجانب للصواب عن الحقيقة  و لكن هذا التعبير يكون عن حسن نية .

إن سيادة أي سلوك صوري معين لا يمكن أن نَبنِيَ عليه حكما يوصلنا إلى سن قاعدة قانونية تصبح مفروضة على الجميع ، و إلا فإننا سنؤسس لديكتاتورية الرأي الصوري ، بدل الاحتكام إلى الرأي المعبِّر على حقيقة و جوهر القيم الموجهة للسلوك ، و المميزة بين السلوك الحسن و السلوك القبيح ، و السلوك المقبول أو السلوك المنبوذ من المجتمع . فليس كل سلوك ظاهر و لو ساد مقبولا ، و ليس كل سلوك توارى عن الأنظار منبوذا . فظهور أو تواري السلوك إنما هو تعبير فردي معزول خاص بكل فرد على حدة ، و هو سلوك قائم على المصلحة و تحقيق اللذة الفردانية . و إنما ظهور ذلك السلوك بمظهر السائد إنما هو عبارة عن تعبير مجموعة من الأفراد عن رغباتهم و ميولاتهم الفردانية الرامية إلى تحقيق المصلحة بغض النظر عن جوهر تلك المصلحة اللهم ما ارتبط منها بكونها مرتبطة بالفرد بدل أن تكون مرتبطة بالجماعة  ما دامت السلوكات الظاهرة منفصلة عن القيم الكبرى التي تنظم الجماعة . و لذلك فإن القول بإمكانية تأسيس القانون على أساس الميولات الشخصية إنما هو تشريع و شرعنة لقانون الفرد بدل قانون الجماعة .

إن مفهوم القانون يأخذ مجموعة من المعاني تدور على أمرين ؛ أولهما جوهره و ثانيهما وظيفته .فمن حيث الجوهر ، فالقانون هو النظام الذي يحكم الوحدات و ينشئ بينها علاقات تبادلية يستحيل معها تصور وجود أو اشتغال وحدة معينة دون وجود باقي الوحدات أو اشتغالها معا ؛ فالقانون بهذا المعنى يفوق قدرة على الفرد و يفوق قدرة الجماعة في مسألة خلقه في كثير من الجوانب . ذلك أن مفهوم البنية قائم على اعتبار القيم المعنوية التي تساهم في خلق و إبداع التوجهات الكبرى الناظمة لسيرورة الجماعة أولا ، ثم الفرد تبعا لها . إن أسبقية الجماعة على الفرد أسبقية مفترضة في التنظيم . فلا يتصور وجود تنظيم بفرد واحد ، و إنما يفترض لقيام التنظيم وجود علاقات بينية بين فردين أو أكثر لهم علاقات متبادلة تحتاج إلى مجموعة مبادئ موَجِّهة تحدد طرقَ و آلياتِ اشتغالهم كما تنظم لهم حدود تصرفاتهم و تضع زيادة على ذلك معايير التمييز بين ما هو سوي و ما هو غير سوي . فالتنظيم الذي هو تشابك معقولٌ من قِبل الأفراد هو الذي يشكل جوهر النظام الحاكم للوحدات المختلفة .

و ما ينبني على اعتقاد القانون هو ذلك النظام المُفتَرَض لعيش الجماعة ، أن تكون له وظيفةٌ لازمةٌ له يجب ألا تختلط بجوهره ، و إنما يجب أن تنحصر في رسمه الصوري ، أي في الشكل الذي وُضِع به ليعلمه الغير من أفراد جماعات أخرى غير تلك التي يعيش فيها من يسري عليهم حكمه . و بالتالي فرسم القانون في شكل من الأشكال يؤشر من حيث هو وصف دقيق للنظام الحاكم للوحدات على وجود القيم و المعتقدات و المبادئ و الأفكار التي تسود الجماعة التي يرتبط بها ذلك الوصف ، و من جهة أخرى هو إعلان لأفراد الجماعات الأخرى التي تسود فيها قيم و معتقدات و مبادئ و أفكار مغايرة بأن هناك حدود يجب أخذها بعين الاعتبار حين التعامل مع أفراد تلك الجماعات ، وإلا فإن نظام الغاب هو الذي سيسود و هو الذي سيحكم العلاقات البينية بين الجماعات المذكورة . فالقانون بما هو رسم وفق ما ذكرنا ، هو الوصف المختصر لتاريخ طويل من تشابك بنيات مؤطرة ترسخي في وعي مجتمعات آمنت بضرورتها و بحتمية حمايتها .

إن فكرة الصراع على القانون ، إنما هو في جوهره صراع حول القيم المؤسسة للنظام الاجتماعي برمته . و هذا الصراع قائم على محاولة فرض تصور ولو على حساب الأغلبية لنظام مخالف للقيم و المعتقدات و المبادئ و الأفكار المؤسسة للسلوك الجماعي . و لعل هذا الصراع يعتبر من النتائج المباشرة للعولمة و الحداثة و ما بعدها و ما إلى ذلك ، و هو صراع يختزل السعي الحثيث إلى تحقيق توَحُّدِ ثقافة المجتمع بما يعيد ترتيب الأولويات الناظمة للقيم و المعتقدات و المبادئ و الأفكار ، بالشكل الذي يسير بالجماعات بالرغم من اختلافها نحو الانصهار في بوتقة نموذج واحد و متوحد تتساوى فيه القيم و تنتفي فيه الخصوصية و تتلاشى فيه الحدود بين الأفراد و بالتالي تتوارى فكرة الجماعة إلى غير رجعة .

و لعل المتمعن في هذه السيرورة التي يسير فيها الصراع حول القانون لن يخطئ النظر إلى المقاومة الشديدة التي تبديها المجتمعات في محاولة منها لإثبات ذاتها بما أوتِيت من قوة . فبحكم الغلبة المادية للطرف المهمين الراغب في فرض وجهة نظره تبدو مقاومة الطرف الضعيف مقاومة الوقت بدل الضائع ، لكنها تحمل في طياتها بذور قوتها و استمرارها ، ذلك أن قوتها تكمن في كونها سابقة لمظهرها المادي ، فهي القوة المحركة للوعي المقاوِمِ ، و هي الموجه له ، و بالتالي فانتصار الجهة المادية الغالبة لن يكون إلا انتصارا صوريا ما لم تنتفي شروط المقاومة القيمية انتفاء يستحيل معه الرجوع إلى الوراء ؛ و هو أمر غير متصور بالمرة و لو على سبيل الافتراض لأن فكرة التنوع و الاختلاف فكرة فطرية أصيلة و متجذرة في كينونة الفرد و الجماعة على حدة سواء .

لذلك وجب علينا إعادة التساؤل ما إذا كان القانون شيئا يمكن الاستحواذ عليه أم هو كائن عصي على السيطرة ؟

اترك تعليقاً