الدور التدخلي للقاضي الإداري في التشريع ـ نزاعات الوظيفة العمومية نموذجا ـ

2016 11 07
2016 11 07

الدور التدخلي للقاضي الإداري في التشريع

ـ نزاعات الوظيفة العمومية نموذجا ـ

  khalid-ezza

خالد الزاهري

باحث في القضاء الإداري

ماستر القضاء الإداري ـ كلية الحقوق ـ سلا

تقديم

يعتبر القاضي الإداري صاحب الاختصاص في حل النزاعات التي تكون الإدارة أحد أطرافه، شريطة أن تكون قد مارست نشاطها بصفتها صاحبة سلطة تحقيقا للمصلحة العامة، كما أن القاضي الإداري يعمل على تحقيق التوازن بين طرفي النزاع، الطرف الأول: الإدارة صاحبة مركز قوي تتمتع بالسلطة العامة لأنها تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة، والطرف الثاني: الخواص يهدفون إلى  تحقيق مصالحهم الخاصة.

وتعد فرنسا مهد القانون الإداري، وذلك بموجب إحداث القضاء الإداري متمثلا في مجلس الدولة    الفرنسي، هذا الأخير أنشأ قانونا متميزا عن قواعد القانون الخاص عن طريق الاجتهادات القضائية، ليطبق في المنازعات التي تكون الإدارة طرفا فيها.

وقد عرف المغرب بدوره التقاضي الإداري، لكن ليس بنفس التطور الذي أسست له فرنسا، وهو ما كان يطلق عليه ديوان المظالم.[1] الذي كان ينظر في النزاعات التي يكون المخزن طرفا فيها، ثم في مرحلة الحماية صدر ظهير خاص بالتنظيم القضائي بتاريخ 12 أغسطس سنة 1913 الذي أسند الولاية في المنازعات الإدارية إلى المحاكم الحديثة الفرنسية والمحاكم التقليدية،لكن، لم يكن ممكنا رفع دعوى الإلغاء للطعن في القرارات الإدارية، طبقا للمادة الثامنة من نفس الظهير، حيث أجازت المادة المذكورة رفع دعوى المسؤولية الإدارية فقط، واستثناء من هذه القاعدة كان من حق الموظفين الوطنيين أو الفرنسيين الطعن بالإلغاء في القرارات الفردية المتعلقة بنظام الموظفين أمام مجلس الدولة الفرنسي مباشرة.

وبما أن الدولة[2] هي مجموع المرافق العامة التي تهدف إلى إشباع الحاجة العامة تحقيقا للصالح العام، عن طريق ثلاث وسائل: وسائل مادية وهي مجموع الأموال العامة والخاصة التابعة للدولة، ووسائل قانونية وتتمثل في القرارات الإدارية والعقود الإدارية، ووسائل بشرية يجسدها مجموع الموظفين الذين يعملون لدى الدولة برابطة قانونية ونظامية.[3]

وقد عرفت المادة 2 من النظام الأساسي للوظيفة العمومية الموظف بنصها على ما يلي: يعد موظفا كل شخص يعين في وظيفة قارة ويرسم في إحدى رتب السلم الخاص بأسلاك الإدارة التابعة للدولة”، وعليه لا يعتبر موظفا، الشخص الذي يعين في وظيفة مؤقتة، أو يعمل لدى الإدارة بموجب عقد، بل يحب أن يعين ثم يرسم في وظيفة قارة في إحدى الأسلاك التابعة للدولة أو الجماعات الترابية.

وتعتبر نزاعات الوظيفة العمومية أهم أنواع قضايا القضاء الإداري لما تتميز به من خصوصية، حيث  أبدع القضاء الإداري في ظل هذا النوع من المنازعات مجموعة من الأحكام والمبادئ تهدف إلى حماية الموظف من جور السلطة الرئاسية الإدارية. كما أن أهم النظريات القضائية، والمبادئ القانونية، ظهرت في مجال منازعات الوظيفة العمومية.

وما يجب الإشارة إليه أن القاضي الإداري ساهم في وضع معظم القواعد القانونية التي تنظم مجال الوظيفة العمومية، إذ إن جل التشريعات الصادرة بهذا الصدد يجب أن تحترم المبادئ العامة للقانون التي أحدثها القضاء الإداري، حماية للمشروعية وحقوق وحريات الأفراد.

تأسيسا على ما سبق يبدو أن للقاضي الإداري فضل في إحداث ترسانة قانونية تنظم مجال الوظيفة العمومية، تضمن حقوق وحريات الموظف وتحميه من الشطط في استعمال السلطة الرئاسية، وعليه يبرز تساؤل مهم:

كيف يغني القاضي الإداري الترسانة التشريعية وكيف يساعد المشرع  في التأسيس لقواعد قانونية تضمن حقوق وحماية للموظف؟

هذا التساؤل المحوري يحيل على أسئلة فرعية:

كيف يتعامل القاضي الإداري مع طبيعة القانون الإداري؟ وما هو هدف القاضي الإداري في النزاعات المتعلقة بالموظف؟ وما هي المبادئ التي يعمل القاضي الإداري على إقرارها وإرسائها في التشريع؟

للإجابة على التساؤلات التي يطرحها موضوع البحث، كان لزاما تقسيم الموضوع إلى محورين:

الفقرة الأولى: طبيعة القانون المطبق على نزاعات الموظفين وأهداف القاضي الإداري

1: منهجية عمل القاضي الإداري مع القانون الإداري

2: أهداف القاضي الإداري في منازعات الوظيفة العمومية

الفقرة الثانية: بعض المبادئ التي أنتجها تراكم الاجتهادات القضائية في نزاعات الوظيفة العمومية

1:  بعض المبادئ التي أبدعها القضاء الإداري وأخذ بها المشرع

2: بعض المبادئ التي يعمل القضاء الإداري على إقرارها وإرسائها في التشريع

 

 

 

 

 

 

 

 

الفقرة الأولى: طبيعة القانون المطبق على نزاعات الموظفين وأهداف القاضي الإداري

لا شك أن قواعد القانون الإداري تختلف عن قواعد القانون الخاص، كما أن مميزات وخصائص هذا القانون تحتم على القاضي الإداري منهجية عمل معينة، يهدف من خلالها إلى حماية الموظف العام من شطط السلطة الرئاسية.

1: منهجية عمل القاضي الإداري مع القانون الإداري

تعد فرنسا مهد القانون الإداري ومنها انتشر إلى الدول الأخرى، ويرجع الفضل في ظهور هذا القانون إلى عوامل تاريخية تأتي في مقدمتها الأفكار التي جاءت بها الثورة الفرنسية عام 1789 م  التي قامت على أساس الفصل بين السلطات، ومن مقتضياته منع المحاكم القضائية القائمة في ذلك الوقت من الفصل في المنازعات الإدارية للحفاظ على استقلال الإدارة تجاه السلطة القضائية.

ودرج أغلب الفقهاء على تعريف القانون الإداري بأنه ذلك الفرع من فروع القانون العام الداخلي الذي يتضمن القواعد القانونية التي تحكم السلطات الإدارية في الدولة من حيث تكوينها ونشاطها بوصفها سلطات عامة تملك حقوقاً وامتيازات استثنائية في علاقاتها بالأفراد.

وفي هذا المجال يسود مفهومان للإدارة العامة المفهوم العضوي أو الشكلي، والمفهوم الموضوعي أو الوظيفي .

المفهوم العضوي : يهتم بالتكوين الداخلي للإدارة العامة،  فيعرف الإدارة العامة بأنها السلطة الإدارية سواء المركزية منها أو اللامركزية، وجميع الهيئات التابعة لها، بينما يهتم المفهوم الموضوعي بالجانب الوظيفي،  فيعرف الإدارة العامة بأنها النشاط أو الوظيفة التي تتولاها الأجهزة الإدارية لإشباع الحاجات العامة.

ويتميز القانون الإداري ببعض الخصائص  تلزم القاضي الإداري بمنهجية عمل مختلفة عن القاضي العادي، ومن هذه الخصائص: ،  أنه من صنع القضاء، أنه قانون سريع التطور ، وقانون غير مقنن.

أولاً :قانون من صنع القضاء

يتميز القانون الإداري بأنه قانون قضائي نشأ عن طريق المبادئ والقواعد الإدارية التي خلقها القضاء، وقد ساعد على ذلك عدم تقنين أغلب قواعد القانون الإداري فكان لابد للقضاء أن ينهض بهذه المهمة من خلال وضع أسسه ونظرياته.

وإذا كان التشريع ينهض في الحقيقة ببعض مواضيع القانون الإداري خاصة ما يتعلق ببعض النصوص الدستورية والتشريعية واللائحية التي تحكم جوانب مهمة من علاقات الإدارية العامة،فإن التشريع لا زال قاصراً عن مجالات أخرى كثيرة من قبل قواعد القرار الإداري وقواعد المسؤولية الإدارية وشروط الطعن بالإلغاء، وما إلى ذلك من مجالات لازال القضاء يمثل المصدر الرسمي الرئيس لأحكامه.

وقد كشف مجلس الدولة الفرنسي عن النظريات والمبادئ الأساسية التي يقوم عليها القانون الإداري وأستلم عنه القضاء الإداري في المغرب العديد من أحكامه، حتى أصبح دور المشرع في كثير من الأحيان مقتصراً على تسجيل ما توصل إليه القضاء الإداري من أحكام.

ودور القضاء الإداري في هذا المجال كان متميزاً عن دور القضاء العادي، الذي ينحصر  في تطبيق القانون على المنازعة دون أن يتعداه، لكن القاضي الإداري يبدع قواعد قانونية تتفق مع طبيعة منازعات القانون الإداري، الأمر الذي أضفى على قواعد القانون الإداري الطابع العملي الذي يتماشى مع ظروف واحتياجات المرافق العامة ومقتضيات سيرها الحسن وتطورها المستمر.

ثانياً: قانون سريع التطور

يتسم القانون الإداري بأنه قانون يتطور بسرعة تفوق التطور الاعتيادي في القوانين الأخرى، ولعل ذلك يرجع إلى طبيعة المواضيع التي يعالجها، فقواعد القانون الخاص تتميز بالثبات والاستقرار، وقد تمر فترة طويلة قبل أن ينالها التعديل أو التغيير، ويعود ذلك إلى أن العلاقات التي ينظمها القانون الخاص بفروعه المختلفة ” قانون مدني، قانون تجاري ، قانون المسطرة المدنية..” تتعلق بقواعد عامة تتطلب قدراً من الاستقرار، مع ترك الحرية للأفراد من تسيير الأمور الأخرى ذات الطابع المتغير في حدود القواعد العامة المنصوص عليها، على عكس القانون الإداري الذي يعالج مواضيع ذات طبيعة خاصة لتعلقها بالمصلحة العامة وحسن تسيير وإدارة المرافق العامة، والجانب الأكبر من أحكامه غير مستمدة  من نصوص تشريعية، وإنما من أحكام القضاء وخاصة القضاء الإداري الذي يتميز بأنه قضاء يبتدع الحلول للمنازعات الإدارية، ولا يتقيد بأحكام القانون الخاص، إنما يسعى إلى خلق ما يتلاءم مع ظروف كل منازعة على حده تماشياً مع سرعة تطور العمل الإداري ومقتضيات سير المرافق العامة.

ثالثاً : قانون غير مقنن

يقصد بالتقنين أن يصدر المشرع مجموعة تشريعية تضم المبادئ والقواعد العامة والتفصيلية المتعلقة بفرع من فروع القانون، كما هو الحال في مدونة القانون المدني أو مدونة القانون الجنائي…

ولا يخفى ما لتدوين القواعد العامة والتفصيلة لقانون ما من أهمية؛ من حيث إضفائه الثبات والاستقرار على نصوص التشريع وسهولة الرجوع إلى أحكامه.

وقد نشأ القانون الإداري في فتره انتشرت فيها حركة التقنين في أعقاب الثورة الفرنسية وتم تدوين قواعد القانون المدني في مدونة نابليون.

إلا أن القانون الإداري لم تشمله هذه الحركة رغم رسوخ مبادئه واكتمال نظرياته، ويرجع عدم تقنينه إلى سرعة تطوره، وتفرعه، وسعة مجالاته، مما يجعل من الصعوبة جمع أحكامه في مدونه واحدة، خاصة وان أحكامه في الغالب ذات طبيعة قضائية، ولا يخفى ما في أحكام القضاء الإداري من مرونة تتأثر بالواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والسياسي السائد في المجتمع.

وإذا كان عدم التقنين يعني عدم جمع أحكام القانون الإداري في مجموعة أو مدونة واحدة فإن ذلك لا ينفي وجود تقنينات جزئية لبعض موضوعات القانون الإداري، من ذلك وجود تشريعات خاصة بالموظفين وتشريعات خاصة بنزع الملكية للمنفعة العامة وقوانين خاصة بالتنظيم الإداري، أو القضاء الإداري، إلى غير ذلك من مواضيع يتعذر جمعها في تقنين شامل.

وعليه فطبيعة القانون الإداري لما يتميز به من خصائص تميزه عن القانون الخاص، تفرض منهجية عمل مختلفة عن ما يتمتع به القاضي العادي، فإذا كان تطبيق القانون هو الأصل في المنازعات العادية، فالاجتهاد والإبداع هو منهجية القاضي الإداري، ومرد ذلك أن القاضي الإداري لا يتمتع بقانون مقنن مجموع في مدونات ومستقر، بل يحتكم إلى مبادئ العدالة والمساواة والقواعد الدستورية العليا، لإيجاد حلول للنوازل التي تطرح أمام القضاء الإداري.

وهذه المنهجية ليست غريبة عن القضاء في الإسلام، حيث بعث الرسول محمد صلى الله عليه وسلم معاذ وفدا إلى اليمن فقال له: إن عرض لك قضاء فبم تحكم؟ قال: أحكم بكتاب الله، قال: فإن لم تجد، قال: فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فإن لم تجد، قال: أجتهد رأي ولا آلو، فضربه صلى الله عليه وسلم في صدره، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله. (رواه الإمام أحمد وجماعة بإسناد حسن).

2: أهداف القاضي الإداري في منازعات الوظيفة العمومية

يعتبر الموظف ذاك الشخص الذي يعين ويرسم في إحدى أسلاك سلم الإدارة التابعة للدولة، وعن طريقه يمكن للإدارة العامة أن تحقق أهدافها وتمارس نشاطها. وقد عرفت الوظيفة العمومية تطورا مهما، على جميع المستويات، بدأ من التعيين والتأديب وصولا إلى الأجرة والحقوق المالية…

وحيث كان دور الدولة ينحصر في مهام ثلاث وهي: الدفاع الخارجي والأمن الداخلي، والقضاء، كان الموظفون قلة، وتربطهم بالحاكم ـ الذي كان يمثل كل السلطات في الدولة ـ صلات وثيقة تقوم على النسب، أو الانتماء الطبقي أو العنصري، أو الحزبي…[4]

لكن انقلبت الأوضاع رأسا على عقب، حيث أصبحت الوظائف حقا للمواطنين على قدم المساواة، ووضعت أنظمة تؤطر ولوج الوظيفة العمومية، ووضيعة الموظف، وكان للقاضي الإداري الدور المهم في إبداع هذه النظريات وإرسائها في التشريعات الوطنية.

ويهدف القاضي الإداري بالدرجة الأولى إلى حماية الموظف من شطط السلطة الرئاسية، حيث كانت تستأثر السلطة الرئاسية بتأديب الموظف أو إنهاء خدمته الوظيفية دون أدنى ضمانات تحقق حماية للموظف في مواجهة الإدارة.

ولما كانت الإدارة تتمتع في ما يخص تأديب الموظف العمومي بسلطة تقديرية واسعة، حيث يرجع لها تأثيم الأفعال وربطها بما يناسبها من عقوبات، يبقى على عاتق القاضي الإداري رقابة أعمال الإدارة تحقيقا للمشروعية واحترام القانون.

وعليه فقد أقر القضاء الإداري مجموعة من الضمانات لحماية الموظف من تجاوز السلطة، ومكنه من الدفاع عن حقه وإثبات براءته من التهم المنسوبة إليه، وألزم الإدارة باتباع مجموعة من المساطر قبل أن تصدر قرار التأديب الذي قد يكون بالغ الخطورة على الموظف.

وحيث كانت الإدارة تتخذ قرار التأديب دون علم الموظف ودون إشعاره،ودون أن تستشير أي جهة إدارية كانت أو قضائية، ولم يكن بإمكانه إعداد دفاعه في مواجهة الإدارة، فقد أقر القضاء الإداري قواعد أساسية لا يمكن للإدارة أن تتحاشاها وإلا اعتبر خرقا للقانون نذكر أهمها:

ـ مواجهة الموظف بالمأخذ المنسوبة إليه

يقصد بمواجهة الموظف بما نسب إليه من أفعال ـ جرائم تأديبية ـ هو إطلاع الإدارة، الموظف المتهم بما تنوي اتخاذه في حقه من إجراءات نتيجة لأخطاء ارتكبها، كما يقصد بذلك ” إعلام الموظف المعني بالأمر بالمخالفات المنسوبة إليه، وتاريخ انعقاد المجلس التأديبي، وإخطاره بإمكانية الإطلاع على ملفه التأديبي “.

وانطلاقا من المعطيات السابقة، فالقضاء الإداري المغربي لم يتوان في إلغاء القرارات الإدارية  التأديبية لمخالفتها الشرط الخاص بالإخطار المسبق، باعتباره إجراءا جوهريا يجب على الإدارة صاحبة القرار الالتزام به قبل إصدار القرارات التأديبية، حيث ذهبت المحكمة الإدارية بمكناس، في حكم لها بتاريخ 8 أبريل 1999، باعتبار أن ” إخطار المعني بالأمر بالمخالفات المنسوبة إليه بقصد إبداء موقفه منها قبل توقيع الجزاء عليه، يقتضيه مبدأ حق الدفاع الذي يعتبر من المبادئ القانونية العامة الواجبة التطبيق ولو في غياب نص قانوني”.[5]

وبالنظر إلى أهمية الإخطار المسبق كضمانة إجرائية، حمل القاضي الإداري الإدارة مسؤولية إثبات أن الموظف المعني بالأمر قد استلم فعلا الإخطار، حيث اعتبر القاضي الإداري الإخلال بهذا الإجراء السابق لتوقيع العقوبة التأديبية هو إخلال بالمشروعية.

وعليه، أكد القاضي الإداري ضرورة إدلاء السلطة الإدارية بما يثبت إشعار المعني بالأمر بالمآخذ المنسوبة إليه، كما جاء في قرار للغرفة الإدارية بتاريخ 24 نونبر 1978، حيث اعتبر المجلس الأعلى ” أنه لم تدل الإدارة بما يفيد توصل الطاعن بالإنذار بالعودة المذكورة، فإن عدم احترام هذا الإجراء الجوهري  يؤدي إلى بطلان الطرد المبني على ترك الوظيفة”.[6]

استنادا  إلى الاعتبارات السابقة، يلاحظ أن القضاء الإداري اعتبر الإخطار المسبق مبدأ عاما للقانون والتي على السلطة الإدارية أن تراعيه دون إمكانية تجاهله، وأن القاضي الإداري يطبقه حتى وإن سكت على ذلك المشرع بغياب نص قانوني أو تنظيمي، باعتبار الإخطار المسبق من بين أهم الضمانات الإجرائية التي يجب أن تكون أساسا ومنطلقا لقاعدة حق الدفاع.

وهذا ما نص عليه صراحة النظام الأساسي للوظيفة العمومية،حيث ألزم السلطة التأديبية المختصة بتوقيع الجزاءات، باستفسار الموظف المعني قبل توقيع العقوبة التأديبية في حقه، وذلك طبقا للفصل 66 منه. حتى ولو كانت هذه العقوبة غير ذات طابع جسيم كالإنذار والتوبيخ.  حيث يترتب على عدم إتباع هذا الإجراء بطلان القرار التأديبي.

ـ إطلاع الموظف على ملفه التأديبي و إعداد الدفاع:

بعد أن تعمل السلطة الإدارية على إخطار الموظف المعني، يجب على الإدارة بعد ذلك أن تمكن الموظف من الإطلاع على ملفه التأديبي كاملا لتخويله الحق في الدفاع عن نفسه ضد الاتهامات المتابع بها، حيث يعتبر حق الاطلاع على الملف التأديبي كاملا، و تحضير الدفاع من الضمانات الأساسية التي أكدها المشرع في منطوق المادة 67 من النظام الأساسي للوظيفة العمومية، حيث جاء فيها :” للموظف المتهم الحق في أن يطلع على ملفه الشخصي بتمامه وعلى جميع الوثائق الملحقة به وذلك بمجرد ما تقام عليه دعوى التأديب …”

وعليه استقر الفقه والقانون والقضاء، على اعتبار حقوق الدفاع، وعلى وجه الخصوص تمكين الموظف من الإطلاع على ملفه التأديبي، من المبادئ العامة للقانون التي لا يسوغ للإدارة أن تتجاوزها، وإلا أصبح مقررها التأديبي متسما بعدم المشروعية وقابلا للإلغاء.

كما أن سلسلة من الإصدارات القانونية التي أكدت على هذا الحق الممنوح للموظف، حيث نجد إلى جانب الفصل 67 من النظام الأساسي للوظيفة العمومية، منشور الوزير الأول[7] الصادر في فاتح فبراير 1996، الذي يؤكد على :” ضرورة إطلاع الموظف على ملفه الشخصي بتمامه، وعلى جميع الوثائق الملحقة به قبل انعقاد المجلس التأديبي…، وعليه أطلب منكم إصدار تعليقاتكم إلى المصالح التي تشرفون عليها والمؤسسات الموجودة تحت وصياتكم قصد تقديم التسهيلات الضرورية.”[8]

ولم  يتوان القضاء الإداري عل التأكيد من أهميته، حيث ذهبت المحكمة الإدارية بوجدة في حكم لها صادر بتاريخ 17 ماي2005، حيث جاء فيه :” إن حق الدفاع هو حق قانوني لا يجب خرقه بالنسبة للعاملين بالإدارة العمومية سواء كانون موظفين رسميين أو أعوانا مؤقتين أو أعوانا في وضعية خاصة”[9]

وتجدر الإشارة إلى أن الموظف لم يكن يتمتع بأي ضمانة تسبق أو تلحق قرار التأديب، إلا أن القاضي الإداري باعتباره حامي الحقوق والحريات، عمل على حماية الموظف من سلطة الإدارة، وذهب إلى أبعد من هذا، حيث إنه يفسر النصوص المبهمة ويجعلها متماشية مع مبادئ العدالة، حيث ذهبت المحكمة الإدارية بمراكش في حكم لها :” يجب منح الموظف المتابع تأديبيا الوقت الكافي من أجل الإطلاع على ملفه وتقديم ملاحظاته ووسائل دفاعه، وأن يوما واحدا لا يعتبر كافيا لذلك.”[10]

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفقرة الثانية: مبادئ  أنتجها تراكم الاجتهادات القضائية في نزاعات الوظيفة العمومية

ساعد تراكم الاجتهادات القضائية ـ في فرنسا ـ إلى إنشاء قواعد قانونية متميزة عن القانون الخاص، وإرساء مبادئ عامة للقانون تحترمها الإدارة عند إصدار قراراتها وتكن ملزمة لها، ولقد أخذ القاضي الإداري المغربي هذا النهج في التعامل مع المنازعات المعروضة أمامه والتي تحتاج إلى اجتهاد لعدم وجود نص، أو لطبيعتها المركبة، أو في حالة تفسير النصوص القانونية.

1: بعض المبادئ التي أبدعها القضاء الإداري وأخذ بها المشرع

لقد عمل القضاء الإداري على إرساء قواعد قانونية تنظم الوظيفة العمومية، كما عمل على حماية الموظف منذ ولوجه إلى السلك الوظيفي، إلى خروجه منها، حيث كان ولوج الوظيفة العمومية مرتبطا بالنسب أو التوجه الحزبي أو السياسي، أو الديني، ولم يكن على أساس المساواة بين المواطنين، وكان الرئيس يؤدب الموظف كأن يخصم من مرتبه أو ينهي خدمته دون أي ضمانات، ودون أن يبين الأسباب التي دفعته إلى اتخاذ قرار التأديب.

وعليه، سنتعرض لبعض أهم المبادئ التي أقرها القضاء الإداري وأخذ بها المشرع في النظام الأساسي للوظيفة العمومية.

ـ مبدأ المساواة:

يعتبر مبدأ المساواة في ولوج الوظائف العمومية مبدأ دستوريا، إذ كانت الوظائف ـ كما سبق القول ـ  حكرا على طبقة معينة، وعليه أصبحت الوظيفة العمومية حقا لجميع المواطنين، ويجب أن تكون الفرص متكافئة أمام جميع المواطنين دون تمييز على أساس الجنس، أو الدين، أو العرق، أو أي مرجع أخر باستثناء الكفاءة والاستحقاق.

وقد نص الدستور المغربي على مبدأ المساواة في الفصل 31 منه بنصه على: ” تعمل المؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنين والمواطنات، على قدم المساواة، من الحق في:

ـ ولوج الوظيفة العمومية حسب الاستحقاق.

كما نص عليه الفصل الأول من النظام الأساسي للوظيفة العمومية حيث جاء فيه: لكل مغربي الجنسية الحق في الوصول إلى الوظائف العمومية على وجه المساواة، ولا فرق بين الجنسين عند تطبيق هذا القانون الأساسي، ما عدا المقتضيات التي ينص عليها أو التي تنتج عن قوانين أساسية خصوصية.

كما ينتج عن تطبيق مبدأ المساواة الذي أبدعه القاضي الإداري الفرنسي في مجال الوظيفة العمومية، عدم التمييز على أساس الانتماء الحزبي أو النقابي، وحيث تفشت الأنظمة الشيوعية في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، أصبحت الحكومات تتحفظ على توظيف الأشخاص ذوي التوجهات الاشتراكية، وعليه صدر حكم في قضية barelيعد من أحكام المرجع من مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 28 ماي 1954، هذا الحكم ألغى قرار كاتب الدولة المكلف بالوظيفة العمومية، الذي يمنع المتبارين من إجراء مباريات ولوج المدرسة الوطنية للإدارة بحجة آرائهم السياسية، وقد اعتبر القرار غير مشروع وينطوي على تجاوز في استعمال السلطة.

وعليه فقد نص الفصل 20 من النظام الأساسي للوظيفة العمومية على أنه :” يهيأ ملف خاص بكل موظف تسجل فيه وترقم وترتب بدون انقطاع جميع الأوراق التي تهم حالته المدنية وحالته العائلية وحالته الإدارية.

و لا يجوز أن تدرج في هذا الملف أية إشارة لنزعات صاحبه السياسية والفلسفية والدينية”.

ـ تعليل الإدارة لقراراتها الإدارية:

لم تكن الإدارة ملزمة بتعليل قراراتها الإدارية، حيث لم يلزمها أي نص صريح بتوضيح الأسباب التي دفعت رجل الإدارة أو الرئيس الإداري إلى اتخاذ مقرر معين، لكن القاضي الإداري كان يبحث في مدى وجود الأسباب المادية والموضوعية المعقولة التي تبرر اتخاذ العقوبة وشدة العقوبة، وحيث إذا تبين للقاضي الإداري غياب الأسباب المبررة للقرار الإداري يلغيه بدعوى تجاوز السلطة.

وعندما كثر إلغاء المقررات الإدارية لغياب الأسباب والدوافع المادية، أصبحت الدولة تتحمل التعويضات القضائية، وعليه تتضرر خزينة الدولة بسبب عدم ثريت رجل الإدارة وسرعته في اتخاذ المقررات. فصدر قانون رقم 03.01 الذي ألزم الإدارة بمسطرة تعليل أو تسبيب القرار الإداري عند إصداره.

ويعني تعليل الإدارة لقراراتها الإدارية، ضرورة إثبات ما تدعيه السلطات الإدارية كتابة عند إصدارها القرار، وذلك بإثبات صحة الدلائل التي استندت عليها في توقيع العقوبة التأديبية، بحيث إذا ثبت بطلان المسطرة ـ أي مسطرة التعليل ـ أصبح قرارها مشوبا بعيب الشكل، وموجبا للإلغاء.

ويجب التمييز في هذا الصدد بين التعليل أو التسبيب والسبب، فالأول مسطرة كتابية ويندرج ضمن ركن الشكل، حيث يجب على الإدارة أن تسلك مسطرة شكلية معينة عند إصدرا المقررات الإدارية، وتخلف هذه المسطرة يعني عيب في الشكل، أما الثاني فيندرج في ركن سبب القرار الإداري، ويعني وجود أسباب واقعية حقيقية مادية وقانونية تدفع الإدارة إلى اتخاذ المقرر، وتخلفها يعني عيب في ركن السبب.

وقد نظم مسطرة التعليل قانون رقم 03.01 حيث جاء في مادته الأولى[11] :” تلتزم إدارات الدولة والجماعات المحلية وهيأتها والمؤسسات العمومية والمصالح التي عهد إليها بتسيير مرفق عام بتعليل قراراتها الإدارية الفردية السلبية الصادرة لغير فائدة المعني المشار إليه في المادة الثانية بعده تحت طائلة عدم الشرعية، وذلك بالإفصاح كتابة في صلب هذه القرارات عن الأسباب القانونية والواقعية الداعية إلى اتخاذها.”

كما أن المادة الثانية من نفس القانون خصصت القرارات الإدارية القاضية بإنزال عقوبة إدارية أو تأديبية، حيث جاء في مضمونها:” تخضع للتعليل، مع مراعاة أحكام المادتين 3 و 4 من هذا القانون، علاوة عن القرارات الإدارية التي أوجبت النصوص التشريعية و التنظيمية الجار بها العمل تعليلها، القرارات الإدارية التالية:

أ: القرارات المرتبطة بمجال ممارسة الحريات العامة أو التي تكتسي طابع ضبطي؛

ب: القرارات الإدارية القاضية بإنزال عقوبة إدارية أو تأديبية؛

ج:.. ”

يستخلص من منطوق المادة أعلاه أن الإدارات ملزمة بتعليل مقرر التأديب ويتم ذلك كتابة، ويتضمن مقرر التعليل الأسباب التي جعلت الإدارة تتجه إلى توقيع عقوبة تأديبية في حق الموظف، وكذلك المنطلقات القانوني والواقعية التي تدعيها الإدارة وتنسبها كأفعال إلى الموظف المخطئ، كما أشار النص القانوني إلى أن عدم التزام الإدارة بهذا الإجراء يؤدي مباشرة إلى عدم مشروعية مقرر التأديب. مما يجعله مشوبا بعيب الشكل، وقابلا للإلغاء.

كما أن المشرع بنصه على هذه الإجراءات قيد السلطة الإدارية المختصة بالتأديب،  حيث جعلها تلتزم بمسطرة كتابية تبين فيها الوقائع القانونية، والمادية، وذلك تحت طائلة عدم مشروعية القرار. وعليه يجد الموظف نفسه متمتعا بضمانات إجرائية لاحقة على توقيع العقوبة التأديبية.

وعليه فإن عدم تراجع القاضي الإداري في إلغاء أي قرار إداري، لا تتوفر فيه الأسباب المادية والوقائع التي تبرر اتخاذ مقرر التأديب، والتي تبرر شدة العقوبة، جعل من المشرع المغربي إصدار قانون 03.01 الذي يلزم الإدارة بمسطرة شكلية جوهرية يكون عند الإخلال بها القرار تحت طائلة البطلان.

2:  مبادئ يعمل القضاء الإداري على إقرارها وإرسائها في التشريع

تعتبر السلطة التقديرية للإدارة الشريان الذي تتنفس من خلاله بما تحققه لها من حرية التصرف، وذلك بغرض تحقيق الصالح العام، ويقصد بها على العموم : ” الحالة التي تترك فيها القاعدة القانونية للإدارة حرية التقدير في ممارسة الاختصاص، أو :” حق إعمال الإدارة لحرية الاختيار في ممارسة الاختصاص”. وهو ما ينطبق في مجال المخالفات التأديبية للموظفين، حيث تعمل الإدارة على تأثيم الأفعال التي تصدر مخالفة للواجبات الوظيفية التي نص عليها الفصول من 13 إلى 18 من النظام الأساسي للوظيفة العمومية.

وبما أن المشرع لم يعمل على تعريف ماهية المخالفة التأديبية، بحيث جاء في الفصل 73: أذا ارتكب أحد الموظفين هفوة خطيرة سواء كان الأمر يتعلق بإخلال في التزاماته المهنية أو بجنحة ماسة بالحق العام…” وعليه فالإدارة تأثم أي فعل يبدو حسب سلطتها التقديرية خروجا عن الواجبات الوظيفية، فيكون الموظف قد أقدم على مخالفة تستوجب العقاب، فتصبح الإدارة خصما وحكما في نفس الوقت. كما لها أن تختار أي عقوبة ترى أنها مناسبة للفعل المقترف، من بين العقوبات المنصوص عليها في الفصل 66 من النظام الأساسي للوظيفة العمومية.

وهذا ما يطلق عليه تكييف الإدارة للأفعال المنسوبة للموظف، وحيث لم يكن مجلس الدولة الفرنسي يراقب تكييف الأفعال، لكنه تقدم خطوة مهمة إلى الأمام بأن جعل من اختصاصه النظر في التكييف القانوني للوقائع التي انطوى عليه إصدار العقوبة التأديبية وذلك في حكمه الشهير في قضية [12]Gamino في 14/1/1916 ليرى فيما إذا كانت هذه الوقائع تستدعي اتخاذ القرار بالفصل أم لا.

وفي المغرب: اختص القاضي الإداري بالرقابة على تكييف الوقائع وذلك منذ صدور حكم Courtille[13]فقد كان على مجلس الأعلى في هذه النازلة أن يحدد موقفه بالنسبة للأفعال والوقائع المنسوبة للطاعن، وما إذا كانت تشكل بالفعل أخطاء جسيمة تبرر إيقاع العقوبة عليه، وقد جاء في حيثيات الحكم :”وحيث…إن المعني بالأمر ارتكب خطأ مهنيا خطيرا يمس بالهيئة التي ينتمي إليها فإن مدير مصالح الأمن العامة لم يعط تكييفا غير صحيح، وإنه بدون أن يرتكب عدم الشرعية استطاع أن يحدد أهمية العقوبة التي يجب في نظره أن يأخذ فيها بعين الاعتبار العقوبات السابقة لتتوافق العقوبة مع الخطأ”

وتظهر خطورة أخرى إلى جانب تكييف الأفعال الصادرة عن الموظف، وهي تقدير العقوبة المناسبة للمخالفة التأديبية، أي مبدأ التناسب :وهو التقدير بين أهمية السبب (المخالفة المرتكبة) ومدى توافقه مع محل القرار أي الإجراء المتخذ (العقوبات التأديبية). ونادرا ما تتحدث القوانين عن تعريف التناسب وتترك الموضوع لاجتهادات الفقه والقضاء.

لقد رفض مجلس الدولة الفرنسي في قضائه التقليدي مد رقابته على مبدأ التناسب في مجال العقوبات التأديبية، على اعتبار أن ذلك يدخل في إطار السلطة التقديرية للإدارة التي لا يجوز التعقيب عليها. وقد استمر الحال كذلك إلى غاية سنة 1978 حيث قال بأنه آن الأوان لتقييد السلطة التقديرية في أهم مواقعها وهي سلطة التأديب وذلك في حكمه الشهير في 09 يوليوز 1978 في قضية [14]Lebon حيث راقب المجلس تناسب الخطأ مع العقوبة المتخذة من خلال الالتجاء إلى فكرة الخطأ الظاهر في التقدير.

إن الأصل أن تقف رقابة القضاء الإداري على قرارات السلطة الإدارية عند التحقق من الوجود المادي للوقائع التي اتخذتها هذه السلطة أساسا لقرارها، وصحة التكييف القانوني لهذه الوقائع، وعدم مخالفة هذه القرارات للقواعد القانونية، دون أن يتعدى ذلك إلى البحث في أهمية السبب وتقدير خطورته مع الإجراء المتخذ، لأن القاضي الإداري يكون بهذا التصدي قد خرج من وظيفته الأصلية وهي رقابة حسن تطبيق القانون، وتدخل في عمل الإدارة وأصبح بذلك الرئيس الأعلى لجهة الإدارة.

لكن مع تطور القضاء الإداري باعتباره قضاء متحرك وإنشائي واستلهامه لقواعده من المبادئ العامة للقانون، فقد امتد دوره إلى الرقابة على مدى التناسب بين سبب القرار ومحله، بحيث أن المفارقة الصارخة بين درجة المخالفة الإدارية وبين نوع الجزاء ومقداره وعدم تناسبهما يؤدي إلى عدم مشروعية القرار التأديبي.

ولقد بسط مجلس الدولة الفرنسي رقابته على التناسب، وذلك من خلال رقابته على إفراط الإدارة في توقيع الجزاء بالنظر إلى الخطأ المرتكب، بعدما كان يتصدى فقط للرقابة على الوجود المادي للوقائع والتكييف القانوني لها، وهو ما يشكل طفرة نوعية في مجال توسيع صلاحياته الرقابية بعد تواتر مجموعة من الأحكام خاصة بعد حكم LEBON سنة 1978سنتطرق إليها كالتالي:

  • ما قرره مجلس الدولة في قضية VINOLAY من إلغاء عقوبة العزل من الخدمة حيث وجدها غير مناسبة مع الأخطاء المنسوبة للموظف، والتي تمثلت في القسوة والصرامة في معاملاته[15].
  • وما أكده في قضية BOURY-NAUROU التي جاءت بمناسبة النظر في الطعن الذي قدمه ضد قرار عزله من الخدمة نتيجة لارتكابه خطأ تأديبي يتمثل في إهماله وتأخره عن الرد على المراسلات الإدارية الرسمية حيث ذهب إلى : ” …إلغاء عقوبة العزل من الخدمة، فقد وجد أن هذه العقوبة تشكل أقصى العقوبات في قائمة العقوبات التأديبية، ولا تتناسب مع الخطأ المرتكب والمتمثل في الإهمال والتأخير في الرد على المراسلات الإدارية”[16]

انطلاقا من هذه الأحكام والتي تجسد الرقابة الإيجابية والتي تقضي بعدم تناسب العقوبة مع الخطأ المهني، نجد مجلس الدولة في إطار بسط رقابته أن أيد العقوبة المقترحة من الإدارة وهو ما يمثل الجانب السلبي من الرقابة وذلك في عدة أحكام “حكم  [17]HUBSHMANوالتي تتلخص وقائعها في عدم التحاقه بمقر عمله بعد استنفاذه لمدة الرخصة المرضية رغم الدعوات المتكررة له بالالتحاق بعمله ليصدر قرار بعزله عن العمل، وهو ما لم يستسغه ليطعن في القرار أمام مجلس الدولة والذي زكى العقوبة نظرا لخطورة وجسامة الخطأ المرتكب.

يلاحظ أنه وبالرغم من بسط سيطرته على تناسب العقوبة مع الخطأ، فإنه لم يتدخل أبدا ليقرر العقوبة التأديبية المناسبة للمخالفة التأديبية، وإنما اكتفى فقط بإلغاء العقوبة وإحالة موضوع النزاع من جديد إلى السلطة التأديبية لتقرر العقوبة المناسبة، وهو عكس ما ذهب إليه القضاء المصري[18] حيث لم تكتف المحكمة الإدارية العليا ببسط رقابتها على مدى تناسب الجزاء مع المخالفة، بل أعطت لنفسها إضافة إلى إلغاء القرار المشوب بالغلو، حق تعديله إلى القدر الذي تراه مناسبا.[19]

أما في المغرب، فقد أعلنت الغرفة الإدارية صراحة بممارسة رقابة الملاءمة إلى جانب رقابة المشروعية، وذلك في حكمها التاريخي والشهير في 13 فبراير 1997 تحت عدد 136 في الملف الإداري عدد 289/96 حيث جاء في ديباجة القرار “القضاء الإداري يتوفر على صلاحية مراقبة مدى ملاءمة العقوبة المتخذة في حق الموظف مع حجم المخالفة المرتكبة من طرفه”[20]

كما أن المحكمة الإدارية بالرباط بسطت رقابتها على مبدأ التناسب في عدة أحكام كان أولها الحكم عدد 90 الصادر في 23 مارس 1995 والذي جاء فيه أن “للإدارة سلطة تقديرية في اتخاذ العقوبة المناسبة في حق الموظف حسب خطورة الأفعال المنسوبة إليه ومدى تأثيرها داخل المرفق العام …، وأن هذه السلطة لا رقابة للقضاء عليها ما لم يشبها غلو في التقدير”.[21]

إذن، يلاحظ أن القضاء المغربي وسع من صلاحياته لتشمل رقابته مبدأ التناسب في إطار الضمانات التي القبلية التي يمنحها المشرع في المجال التأديبي، وهو ما يشكل طفرة نوعية له في هذا المجال على غرار القضاء الفرنسي والمصري.

هذا وقد أسس القضاء الإداري أحكامه على مجموعة من النظريات من أجل تحقيق التوازن بين ضمان سير الجهاز الإداري وحماية حقوق وحريات الموظفين، ومنها:

  • نظرية الخطأ الظاهر الفرنسية
  • نظرية الغلو المصرية في استعمال السلطة التقديرية[22].

وعليه يجب على المشرع أن يعمل على تقنين المخالفات التأديبية كما فعل مع العقوبات التأديبية، وربطها بما يناسبها من عقوبات، وذلك لكي لا تكون الإدارة حرة طليقة في تأثيم الأفعال واختيار ما يروقها من عقوبات، لأن مبدأ العدالة يحتم ربط المسؤولية بالمحاسبة على قدم المساواة، حيث يمكن أن يقترف موظفان نفس الفعل، فيعاقب أحدهما وقد لا يعاقب الآخر لانتمائه النقابي أو الحزبي، أو يعاقب موظف بعقوبة أخف وآخر بعقوبة أشد عن نفس الفعل المرتكب.

خاتمة

لقد تبنى المغرب القضاء المتخصص بإحداثه للمحاكة الإدارية بموجب قانون 90.41 ومحاكم الاستئناف الإدارية بموجب قانون80.03. وعليه فقد نهج طريق ازدواجية القضاء في أفق إحداث مجلس الدولة أو المحكمة الإدارية العليا.

ولقد برز الدور المهم للقاضي الإداري منذ حقبة الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى (سابقا، ومحكمة النقض حاليا) حيث عمل على حماية القانون والمشروعية، وحماية الحقوق والحريات، وجبر الأضرار التي تصدر عن الإدارة، إما في إلغاء القرارات الإدارية غير المشروعة والمتسمة بتجاوز السلطة أو بالأعمال المادية التي لا تحترم القانون فتصير في عداد الاعتداء المادي.

وقد عرف مجال الوظيفة العمومية تطورا مهما في ما يخص الرقابة على قرارات تأديب الموظف العمومي، كما عرفت تغيرا على مستوى الترسانة القانونية المنظمة لمجال الوظيفة العمومية، حيث عمل المشرع على تحديث الترسانة القانونية الممثلة في الظهير الشريف رقم 1.58.008 الصادر بتاريخ 4 شعبان 1377 (24 فبراير 1958) المعدل والمتمم بعدة قوانين ( قانون11.04ـ  99.75 ـ 50.05 ) كما عرفت عدت إصدارات تؤطر عمل الإدارة في إصدار القرارات الإدارية المتعلقة بالوظيفة العمومية، كقانون 03.01 الذي يلزم الإدارة بتعليل قراراتها الإدارية.

ولا يجب على التطور أن يقف ها هنا، فكما رأينا في ما يخص السلطة التقديرية المطلة في تجريم الأفعال، واختيار العقوبات المناسبة لها، إذ يجب على المشرع، أن يعمل على تقنين المخالفات التأديبية،ويلجم هذه السلطة المطلقة، لكي يطبق مبدأ المساواة أمام القانون، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وحكامة المرافق العمومية.

هذا التطور لم يكن وليدة الصدفة، بل وليدة عمل قضائي، وتراكم اجتهادات قضائية، تأسست على مبادئ العدالة والمساواة والقانون، لينتج مبادئ عامة للقانون تلتزم الإدارة بتطبيقها.

وما تجدر الإشارة إليه، أن القاضي الإداري لا يزال يعمل على ترسيخ بعض المبادئ رغم أن القانون الإداري أخذ ينحى في اتجاه التقنين والركود، لأن بعض فروعه لم تعدل ولم تغير منذ سنوات طوال، وإذ هي عدلت، لا يمس التعديل إلا بعض الجوانب الثانوية فقط.

كما يجب على المشرع، أن يعمل على إتمام الازدواجية القضائية بالمغرب، وذلك بإحداث مجلس الدولة أو المحكمة الإدارية العليا، وإحداث المسطرة الإدارية لتسهيل ولوج المحاكم الإدارية، وضمان تخصص القضاة، وألا يقتصر ولوج المعهد العالي للقضاء على ذوي التخصص في القانون الخاص، بل يجب احترام خريجي القانون العام، الذين تخصصوا في القضاء الإداري أو المنازعات العمومية. وذلك لضمان قضاة متخصصين في المادة الإدارية، كما يجب تدريس علوم الإدارة إلى جانب العلوم القانونية، لكي يكون القاضي الإداري أدرى وأقرب إلى رجل الإدارة، وعليه يمكن أن نتحدث عن اجتهاد قضائي إداري بالمغرب.

والله ولي التوفيق.

[1] لمعرفة المزيد عن القضاء الإداري في الإسلام، أنظر مقال الباحث في المجلة الإلكترونية marcdroit، بعنوان ديوان المظالم بالمغرب في عهد الإسلام.

[2] تجدر الإشارة إلى أن أدوار الدولة تطورت عبر مراحل، ابتداء من الدولة الحارسة أو الدركية، التي كانت لها وظائف محددة تنحصر في: الأمن والدفاع والقضاء، ولم يكن لها أن تتدخل في شؤون الجمهور، لكن بعد الحروب التي شهدها العالم والأزمات الاقتصادية لم يعد في  مقدور الخواص أن يسيروا أنشطتهم الاقتصادية فتدخلت الدولة وأصبحت تتواجد على صعيد كل الأنشطة خصوصا مع انتشار النظام الاشتراكي، فكثرت المرافق العمومية التي تعمل تقريبا في كل القطاعات.

[3] وتقابلها الرابطة التعاقدية

[4]لكن يجب التنويه بالحضارة الإسلامية، حيث نصت أحكام الشريعة على وجوب توافر مجموعة من الصفات والمميزات في الموظف، حيث اعتمد الرسول صلى الله عليه وسلم في تعيين الموظفين (رغم بساطة الإدارة أبان ذاك العصر) على النزاهة والمقدرة، والجدارة، والتخصص… عملا بقوله تعالى: “إن خير من استأجرت القوي الأمين” (سورة القصص الآية 26)  وقوله صلى الله عليه وسلم” من ولي من أمر المسلمين شيء فولى رجلا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله”. وروي عن الخليفة عمر بن الخطاب أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: من ولي من أمر المسلمين شيء فولى رجلا لمودة أو قرابة بينهما فقد خان الله ورسوله والمسلمين”

4 المحكمة الإدارية بمكناس، حكم رقم 33 بتاريخ 8 أبريل 1999، رشيدة بنحلام ضد وزير النقل، منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 30، يناير ـ فبراير، 2000، ص .125.

5 الغرفة الإدارية بالمجلي الأعلى، قرار عدد 178 بتاريخ 24 نونبر 1978، الملف الإداري عدد 60654،  إدريس السلاوي ضد وزير السكنى والتعمير، أشغال اليوم الدراسي حول موضوع: القضاء الإداري وحماية الموظفين والعاملين في المرافق العمامة، الجزء الأول، تنظيم المحكمة الإدارية بفاس، يوم 20 مارس 2003، دون ذكر الطبعة ودار النشر، 2003 ، ص 127وما بعدها. منشور كذلك بمجلة قضاء المجلس الأعلى، الإصدار الرقمي، عدد 32، دجنبر ، ص 14.2000

 تسمية الوزير الأول في حقبة دستور 1996، لكن الدستور الجديد لسنة 2012 جاء بتسمية رئيس الحكومة.[7]

 منشور السيد الوزير الأول رقم 96/1، بتاريخ 1 فبراير 1996، المتعلق بتمثيل المحامين للموظفين العموميين أما املمجالس التأديبية.[8]

19 المحكمة الإدارية بوجدة، دون الإشارة إلى رقم الحكم، صادر بتاريخ 17 ماي 2005، عبد الحق عنوس ضد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، حكم أورده د. عبد الوهاب رافع، نزاعات الوضعية الفردية للموظفين والعاملين بالإدارات العمومية من خلال العمل القضائي، مرجع سابق، ص 368 وما بعدها.

 حكم صادر عن المحكمة الإدارية بمراكش، عدد 593 بتاريخ 30 يوليوز 1997.[10]

28 قانون رقم 03.01 بشأن إلزام الإدارات العمومية و الجماعات المحلية والمؤسسات العمومية بتعليل قراراتها الإدارية، الصادر الأمر بتنفيذه بموجب الظهير الشريف رقم 1.02.202 بتاريخ 12 من جمادى الأولى 1423 ( 23 يوليوز 2002) ، الجريدة الرسمية عدد 5029، بتاريخ 12 أغسطس 2002، ص 2282.

[12] علي أحمد الحسن، سلطات القاضي الإداري إزاء التكييف القانوني الخاطئ للوقائع في مجال تأديب الموظفين، ضمن مجلة الحقوق جامعة النهرين المجلد 14 العدد 2 ، بغداد،سنة 2011، صص 1-26

«Cet arrêt en date du 14 janvier 1916 émane du Conseil d’État et vise la loi du 8 juillet 1908. En l’espèce le docteur Camino, maire d’Hendaye avait été suspendu par arrêté préfectoral et révoqué par D. pour avoir d’une part méconnu les obligations qui lui étaient imposées par la loi du 5 avril 1884 en ne veillant pas à la décence d’un convoi funèbre auquel il assistait et d’autre part d’avoir exercé des vexations à l’égard d’une ambulance privée. les juges se trouvaient dans une situation de contrôle normal de la légalité interne de la décision attaquée, ils ont donc légitimement décidé qu’une faute, incomplètement établie, qui aurait été commise par Monsieur Camino en dehors de ses fonctions de maire n’a pas de raison d’entraîner la remise en cause son maintient à la tête de l’administration municipale »

[13] محمد عنتري : تحول الاجتهاد القضائي في مراقبة الملائمة بين الأفعال والعقوبة التأديبية، المجلة المغربية للإدارة والمحلية والتنمية، عدد 20-21،يوليوز-دجنبر،1997،ص102

   [14]  تتلخص وقائع هذه القضية في أن السيد Lebon رفع دعواه أمام محكمة تولوز الإدارية طالبا إلغاء قرار صادر في 10/7/1974 من مدير أكاديمية تولوز وإحالته إلى المعاش بدون طلب وإلغاء هذا القرار، ومنازعا ليس في ماديات الوقائع وإنما في جسامة الجزاء، وقد استندت الأكاديمية في إصدار القرار المطعون فيه إلى ارتكاب المدعي وهو معلم لأفعال مخلة بالحياء مع تلميذاته في الفصل والتي تبتت من وقائع التحقيق معه، ورفضت المحكمة طلب إلغاء القرار وذلك لكفاية السبب الذي قام عليه وطعن المدعي في هذا الحكم أمام مجلس الدولة، هذا الاخير وضح في حكمه أن الوقائع التي ارتكبها المدعي وقام عليها قرار الفصل كافية لتبريره وأن تقدير الإدارة بشأنها لم يكن مشوبا بغلط بين. وقد كانت هذه الوقائع أيضا سببا كافيا لرفض محكمة تولوز الإدارية إلغاء قرار الفصل [14]

[15]CE 27 JUILLET, 1978 VINOLAY, REC LEBON, 1978 p 318.

« si les  manquements aux règles d’une bonne administration qui lui sont imputés étaient de nature à justifier une une sanction disciplinaire, ils ne pouvaient légalement fonder sans erreur manifeste d’appréciation, une mesure de révocation qui constitue la plus sévère des sanctions figurants à l’échelle de peines ».

[16]CE 17 NOVEMBRE 1979, M BOURY NAUROU, LES GRANDS ARRETS DU CONSEIL D’ETAT.

[17] CE 17 NOVEMBRE 1979, M BOURY NAUROU, LES GRANDS ARRETS DU CONSEIL D’ETAT.

ويرجع ذلك إلى طبيعة النظام القضائي الإداري في التأديب، حيث أن مصر تتوفر على محاكم تأديبية وهي المختصة بتوقيع العقوبة إلى جانب الجهة الرئاسية، وعليه يمكنها التدخل لإقرار العقوبة المناسبة    [18]

[19] “قامت بتعديل جزاء أصدرته الإدارة ضد موظف إلى خصم شهر من راتبه بدلا من تخفيض الدرجة التي يشغلها إلى الدرجة الأدنى مباشرة”، حكم المحكمة الإدارية العليا رقم 3115 جلسة 13/06/1995.

[20] هذا القرار منشور بمجلة “منشورات المجلس الأعلى في ذكراه الأربعين” 1995-1997 ص 457

[21] هذا الحكم منشور بالمجلة المذكورة عدد 11 ص 74 وما بعده مأخوذ من موقع مدونة القانون والقضاء المغربي.

[22]وتعرف نظرية الغلو في السلطة التقديرية بكونها مصرية المنشأ ،وقد استخدمت لأول مرة في مجال التأديب ، إذ جاء في حكم المحكمة العليا الإدارية بمصر المؤرخ في 11نونبر 1961 “إذا كانت للسلطات التأديبية سلطة تقدير خطورة الذنب وما يناسبه من جزاء ، ومن غير تعقيب عليها في ذلك ،إلا أن مناط مشروعية تلك السلطات شأنهاشأن أي سلطة تقديرية أخرى ، ألا يشوب استعمالها غلو ،ومن صور هذا الغلو عدم الملائمة الظاهرة بين درجة خطورة الذنب وبين نوع الجزاء و مقداره “.

أضف تعليقاً