الدين و القانون في المجتمعات الاسلامية

2016 11 07
2016 11 07

الدين و القانون في المجتمعات الاسلامية[1]

tonia

محمد طونيا

طالب باحث

ماستر التوثيق و المنتزعات المدنية

كلية العلوم القانونية و الاجتماعية  و الاقتصادية – سلا –

 

المحور الاول : المرجعية الدينية في الدساتير الدول الإسلامية.

لفظُ «المرجعية»، في عُرْف الصرفيين العرب، مصدر صناعي، مَصوغ من «مرجع»؛ وهو اسم مكان، على وزن «مَفْعِل»، اشتُقّ من الفعل الثلاثي المُكوَّن من أحرف أصلية (رجع)؛ على رأي نحاة المدرسة الكوفية التي ترى أن الفعل هو أصل المشتقات جميعِها، لا الاسم؛ كما زعم النُّحاة البِصْريون. ويراد به، في معاجم اللغة العربية، معنى العودة أو الرّدّ[2]. وللمرجعية معانٍ اصطلاحية متعددة بتعدُّد الحقول المعرفية التي تُسْتخدَم فيها، وتثير دراستها جملة من الإشكاليات والقضايا في الثقافتين الغربية والعربية معاً. والواقعُ أن إشكالية مفهوم «المرجعية» ليست واردة في مجالي اللغة والأدب فقط؛ كما ادّعى أحدُهم[3]، بل يظهر طابعُها هذا في كافة مجالات استعمالها, وما يهمنا هنا هي المرجعية الاسلامية في قوانين الدول العربية الاسلامية.

و بخصوص علاقة الدين بالقانون و ما بينهما من تأثير يمكن القول بأن المرجعية التي تؤطر هذه العلاقة تجد سندها في المحددات الدستورية العامة التي تحكم العلاقات داخل الدول . و في السياق يمك القول بأن جل[4] الدساتير المعتمدة في الدول الإسلامية هي  دساتير تتبنى المرجعية الإسلامية في تحديد طبيعة النظام المعتمد في الدولة مع الانفتاح على المرجعية المستندة إلى الاتفاقيات الدولية في انسجام تام بما لا يتعارض صراحة مع المرجعية الأصلية .

و ارتباطا بما ذكر ؛ يمكن الرجوع إلى ما نصت عليه الدساتير للخروج بخلاصة مفادها أن التنصيص على المرجعية الإسلامية إما تكون بصورة صريحة أو بصورة ضمنية مع تعزيزها بقواعد دستورية تؤكد تلك المرجعية و تخص بعض المجالات بها ، و هو ما يُعتبر من قبيل المكونات الجوهرية للنظام الاجتماعي السائد في هذه الدولة أو تلك .

و هكذا ؛ نجد أن مجموعة من الدول نصت دساتيرها صراحة على أن الإسلام هو الدين الرسمي للبلاد ، و هذا يعني أن تلك الدول لم تتخل على هويتها المرجعية و بقيت صامدة في نبنيها بصورة صريحة مما يجعل فكرة الأمن الاجتماعي حاضرة بقوة . و يمكن التمثيل لتلك الدول بالأردن[5] و البحرين[6]   و تونس [7] و المملكة العربية السعودية[8]  و الامارات العربية المتحدة  و العراق[9]    و قطر[10]  و الكويت  و ليبيا [11] و مصر [12] و سلطنة عمان .[13]

و الجدير بالذكر أنه بعد الاطلاع على مضامين الدساتير التي تمت الإشارة إليها سيجد الباحث أن المرجعية الإسلامية حاضرة في جميع جزئيات الأحكام الدستورية ، و هو ما يؤكد فرضية قوة الهوية الوطنية التي تطبع النسيج الاجتماعي في فرض توجهاتها عند صياغة المضامين الدستورية المذكورة . و هنا يمكن طرح التساؤل التالي : هل يمكن القول بأن الإفصاح على المرجعية الإسلامية بصورة صريحة يعتبر مؤشرا على الانغلاق و التقوقع على الذات ؟ و يتفرع عن هذا التساؤل تساؤل آخر ينبني على مدى إمكانية القول برفض الآخر ؟

إن التساؤلات التي أشير إليها أعلاه تصبح غير ذات بال إذا ما تم النظر في جزئيات القوانين المعمول بها في تلك الدول ، وهو ما يعزز فرضية الالتقاء بين المرجعية الإسلامية و ما يشترك فيه المجموع الإنساني بصورة سليمة ؛ و هذه الخلاصة هي التي تؤكد بدورها أن فكرة التعايش في المجتمعات الإسلامية أكثر وضوحا وبروزا منه في المجتمعات غير الإسلامية . لذلك فإن الإفصاح عن المرجعية الإسلامية لا يعني بحسب المُلاحظ ذلك التقوقع الذي يحاول البعض إلصاقه بالدول الإسلامية .

في حين هناك دول اخرى لم تنص دساتيرها على الدين الإسلامي بشكل صريح, ومع دلك فالمرجعية الدينة لهده الدولة تضل بارزة من خلال التنصيص على دلك ضمنيا , وهذا يجعلها في مصاف الدول التي تعتبر ان الاسلام هو الدين الرسمي للبلاد.

ومن جملة هده الدول : السودان[14] و جزر القمر[15]  .

وهكذا يتضح مما سبق ان معظم الدول العربية تنص دساتيرها على  أن الإسلام هو الدين الرسمي للبلاد و ان كان هذا التنصيص ضمني احيانا  كما اسلفت الذكر.

اما الدستور المغربي فنجد المرجعية الدينية حاضرة بقوة من خلال مجموعة من بنوده سواء دستور 1996 او الدستور الحالي,

إن المقارنة بين دستور 1996 و مشروع الدستور الجديد فيما يخص قضية المرجعية الإسلامية، ينبغي أن تستحضر في هذا الخصوص التحولات التي حدثت في مشروع الدستور الجديد، والتي يمكن أن نحددها في ثلاثة عناصر أساسية:

التأكيد في هذا الدستور على أن التصدير يعتبر جزءا لا يتجزأ من الدستور، وهو المحدد الذي بمقتضاه ترتفع المرجعية الإسلامية إلى مرتبة الأصل الحاكم الذي يرجع إليه، أو الأصل الحاكم الذي يدفع بلادستورية أي قانون يخالفه.

تقسيم الفصل التاسع عشر[16] السابق إلى فصلين[17]، إذ بمقتضاه وقع التمايز بين السلطة الدينية للملك كأمير للمؤمنين، والسلطة السياسية للملك كرئيس للدولة، وهو التمايز الذي بمقتضاه تم إسناد مهمة التشريع للبرلمان في مجالات متعددة يدخل ضمنها قانون الأسرة والحالة المدنية.

التنصيص الدستوري على الدور التحكيمي للملك، وهو الدور الذي من شأنه أن يحسم في التدافع المجتمعي الذي يستند إلى تأويل مختلف للدستور فيما يرجع بالقضايا ذات الارتباط بالمرجعية والهوية.

وبالمقارنة بين دستور 1996 ومشروع الدستور الجديد، في القضايا التي تخص المرجعية، يمكن أن نلمس تقدما كبيرا أنهى الازدواجية في المرجعية التي ترك دستور 1996 المجال مفتوحا أمام تعمقها خاصة في العلاقة بين التشريع الوطني والمواثيق والمعاهدات الدولية.

يمكن أن نسجل في دستور 2011 الملاحظات الآتية بخصوص المرجعية:

التأكيد على المرجعية الإسلامية كمرجعية حاكمة، وذلك من خلال التنصيص على موقع الصدارة الذي يحتله الدين الإسلامي، وعلى تأطير القوانين بضرورة احترام الهوية والقيم الإسلامية.

وللعلماء في الدستور الجديد حضور أوسع، مقارنة مع دستور 96، فبالإضافة إلى دسترة المجلس العلمي الأعلى، أصبح لهم حضور فعلي في مؤسسات دستورية أخرى، حيث لهم حق العضوية في المجلس الأعلى للسلطة القضائية (الفصل 115)[18]، وفي المحكمة الدستورية(الفصل 129)[19]، وفي مجلس الوصاية(الفصل [20]44.

وتضمن الدستور الجديد مقتضى خاص بالأسرة والطفولة، فاعتبر في الفصل 32 أن «الأسرة القائمة على علاقة الزواج الشرعي هي الخلية الأساسية للمجتمع» وأن الدولة تعمل «على ضمان الحماية الحقوقية والاجتماعية والاقتصادية للأسرة، بمقتضى قانون، بما يضمن وحدتها واستقرارها والمحافظة عليها»، بل كرّس الفصل ذاته حق التعليم الأساسي للطفل وجعله واجبا على الأسرة والدولة، وأكد على أن الدولة تسعى لتوفير الحماية القانونية، والاعتبار الاجتماعي والمعنوي لجميع الأطفال، بكيفية متساوية بصرف النظر عن وضعيتهم العائلية»، ونص على إحداث «مجلس استشاري للأسرة والطفولة». وهو فصل أكد انتصار المقاربة على أساس الأسرة/المؤسسة، على حساب المقاربة على أساس المرأة/الفرد.

الحسم في قضية العلاقة بين التشريعات الوطنية والمواثيق الدولية وقضية من يكون له السمو، باشتراط عدم مخالفة المرجعية الإسلامية وأحكام الدستور، ففي الفصل لم يعتبر الدستور سمو المواثيق الدولية إلا بعد أن تستوفي شرطين أساسيين:

مصادقة المغرب عليها.

أن تكون في نطاق الدستور وقوانين المملكة وهويتها الوطنية الراسخة.

ربط المساواة بين الرجل والمرأة فيما يخص الحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية بأن تكون في نطاق أحكام الدستور وثوابت المملكة وقوانينها، وهما يعني استحضار عدم المخالفة للمرجعية الإسلامية في إثبات هذه الحقوق خاصة منها الحقوق المدنية.

تعزيز آلية الدفع بعدم دستورية القوانين من منطلق مخالفتها للمرجعية الإسلامية من خلال الفصل 130[21] الذي يقضي بتعيين عضو يقترحه الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى ضمن أعضاء المحكمة الدستورية التي تحال عليها القوانين للنظر في دستوريتها، ومن خلال الفصل [22]132 الذي يتيح للملك، وكذا لكل من رئيس الحكومة، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس المستشارين، وخُمس أعضاء مجلس النواب، وأربعين عضوا من أعضاء مجلس المستشارين ، أن يحيلوا القوانين أو الاتفاقيات الدولية، قبل إصدار الأمر بتنفيذها، أو قبل المصادقة عليها، إلى المحكمة الدستورية، لتبت في مطابقتها للدستور. ويمكن للملك بمقتضى هذا الفصل أن يحيل، من موقعه كحكم، بعض القوانين التي ينشأ بصددها اصطفاف قوي بين مكونات المجتمع، على المحكمة الدستورية للنظر في دستوريتها وعدم مخالفتها للمرجعية الإسلامية باعتبارها تحتل الصدارة ضمن ثوابت المملكة المغربية.

عدم إتاحة الفرصة للمراجعة الدستورية للأحكام المتعلقة بالدين الإسلامي كما في الفصل .175[23]

وبالتالي , فالاتفاقات الدولية بالنسبة إلى المغرب خصوصا و الدول العربية والإسلامية المختلفة عموما ، عندما تدخل فيها لا تعدو أن تكون إلا قانونا، وكل قانون لا بد أن يتقيد بمرجعية البلد ، وحين نتحدث عن البلاد الإسلامية فإننا نتحدث بالضرورة عن المرجعية الإسلامية، وعلى أهل القرار في هذا الشأن أن يلتزموا بالمرجعية ومقتضياتها عندما يقبلون على التوقيع على أية اتفاقية دولية. هناك تحفظ شائع على المواثيق الدولية فيما يخص حقوق الإنسان، ذلك أن المغرب و الدول الإسلامية عموما حينما تعرض عليهم مثل هذه الاتفاقات تتحفظ على ما يتعارض مع الشريعة الإسلامية. فالتحفظ[24] على المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان شائع وموجود، وله ممارسات في بلاد كثيرة من بلدان العلم العربي والإسلامي. وعلينا دائما كدول عربية وإسلامية أن نلتزم بهذا التحفظ فيما يخص توقيعنا على المواثيق الدولية التي تمس ثوابت أو أحكام قطعية من الكتاب أو السنة, وبالفعل هدا ما ينهجه المغرب خاصة في الدستور الحالي كما اشرت سابقا.

على أن الذي يزيد من تأكيد مواقع المرجعية الإسلامية في نص مشروع الدستور الجديد هو التلازم بين الوظائف التي أسندها دستور 1996 ومشروع دستور 2011 للملك أمير المؤمنين الوظائف السيادية والضمانية والتحكيمية، حيث تتطلب وظيفة توحيد الأمة حضور الدين الإسلامي باعتباره كما ينص على ذلك الفصل الأول إحدى الثوابت الجامعة التي تستند الأمة عليها في حياتها العامة، كما تتطلب وظيفة ضمان دوام الدولة واستمرارها في تمكين المرجعية الإسلامية الصدارة التي تستحقها بحكم قيام الدولة المغربية على هذه المرجعية منذ أربعة عشر قرنا، وهو ما أكده خطاب 9 مارس حين اعتبر التشبث بالثوابت الراسخة للأمة تمثل الدعامة الأولى، بل إنه اعتبر الملكية مستأمنة عل استمرار هذه الدعامة، كما تتطلب وظيفة حماية حمى الدين تفعيل دوره وضمان عدم المساس به، كما تتطلب وظيفة السهر على احترام الدستور تأمين استمداد قوانين المملكة من أحكام الدين الحنيف وعدم مخالفتها له، وهو ما كان صريحا ووضحا في نص الخطاب الملكي الذي عرض أهم مضامين الدستور حيث أكد أن سمو المواثيق الدولية وضمان المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق المدنية إنما يكون في نطاق احترام أحكام الدستور، وقوانين المملكة، المستمدة من الدين الإسلامي، كما تتطلب وظيفة صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات ضمان التزام الدولة بتوفير كل الوسائل للتنشئة على الهوية الإسلامية.

المحور الثاني: مصدرية الدين في قوانين البلدان الإسلامية.

تستمد الشريعة الإسلامية أحكامها من القرآن والسنة النبوية، ومن إجماع العلماء على حكم من الأحكام في عصر من العصور، ومن القياس بإثبات حكم فردي قياساً على حكم أصلي لعلة جامعة بينهما.

على أن تبدلات الحياة فرضت إعمال الاجتهاد الفقهي الذي لم يتوان في ابتداع قواعد جديدة. لكنه في ذلك اعتمد معايير ومبادئ وأدلة تساعده على استنباط أحكام منسجمة مع روح الشريعة، مثل: الاستحسان والمصالح المرسلة، وسد الذرائع، وما جرى به العمل، والعرف المستقر، وأقوال الصحابة التي لا تخالف نصاً شرعياً، والبراءة الأصلية (الاصل في الإنسان البراءة)…

ومن الخصائص المميزة للشريعة الإسلامية عن باقي الشرائع أنها أحاطت بمختلف جوانب الحياة، فهي تنظم حياة الفرد منذ مرحلة الجنين إلى ما بعد وفاته بتكريمه ميتاً وتنظيم انتقال تركته… وأنها تحدد حكم تصرفات الإنسان في مختلف مجالات الحياة العملية، والعقائدية، والأخلاقية، وأنها تتضمن جزاءات دنيوية وأخروية…

وهي في كل ذلك اختزلت المقاصد الكبرى في ما يسمى بالضروريات أو الكليات الخمس التي تستوجب الحماية الشرعية (القانونية)، وهي: الدين، النفس، والعقل، والنسل، والمال. وفي مجال الحاجيات سنت قواعد لمراعاتها: مثل رفع الحرج والمشقة، مع الأخد بما يليق في جانب التحسينات (المجاملات) كالطهارات، وستر العورات، وأخد أنواع الزينة، وأداب الأكل…

يستفاد مما سبق أن الشرع الإسلامي يتكون من شقين:

أصول الشريعة وهي القرآن والسنة والإجماع والقياس.

والفقه الإسلامي وهو اجتهاد الفقهاء الغني بالأحكام المتبادلة أحياناً تبعاً لاختلاف البيئة التي نشأ فيها ولأجلها.

لذلك فعندما نتحدث عن مدى انسجام القوانين مع الشرع الإسلامي، يجب أن نحدد ما نريده بدقة، هل الانسجام مع القرآن والسنة أم الانسجام مع أقوال الفقهاء والمذاهب. وهو ما سنتولى بيانه لاحقاً عند الحديث عن مصادر القانون.

وإن العالم الإسلامي مقسم إلى أزيد من خمسين دولة، لكل منها ظروفها السياسية الخاصة، وظروفها هذه ثرت بعمق في النهج القانوني الذي اعتمدته، وفي مدى انسجامه مع قواعد الدين، أو قطيعته أو تنكره لها. وعموماً يمكن تقسيم الدول الإسلامية إلى عدة زمر، وإن كان يصعب تصنيفها بكاملها في نفس الخانات، بسبب تفاوتها واختلافها في كثير من الجزئيات، وبسبب التبدلات التي تطرأ على الأنظمة صعوداً ونزولاً.

أولاً: بلدان ألغت القواعد ذات المصدر الديني مطلقاً.

ونمثل لها بالدول التي اختارت النهج الاشتراكي وكرست مبادئ الماركسية اللينينية المعادية للدين، كدول أوربا الشرقية ودول وسط آسيا (الاتحاد السوفياتي سابقاً الذي كان يضم عدداً من الجمهوريات الإسلامية)… فانعكس ذلك على قوانينها الداخلية التي استمدت من ايديولوجياتها السياسية بشكل مطلق، فحظرت كل ممارسة دينية علنية، وإن كان انهيار الاشتراكية سمح لها بالعودة لقواعد الدين. مع ملاحظة أن عودتها تلك كثيراً ما أغضبت الدول الغربية، التي هالها أن ترى دولة إسلامية تنمو في قلب أوربا، فكان أن أشعلت حرب البوسنة والهرسك ودامت لعدة سنوات بهدف منع عودة الإسلام للحياة العامة، ومثلها حرب الشيشان، والنزاع حول إقليم كارباخ…

ثانياً: بلدان سلكت النهج العلماني.

بدرجة أقل من الفئة السابقة، تبنت دول إسلامية أخرى مبادئ العلمانية المعادية للدين، لكن ليس لحد منع الممارسات العلنية. ونمثل لها بتركيا التي كرست مبدأ علمانية القانون (في دستور 1924 المتضمن لقواعد العلمانية،والمعدل في 1937 و 1980) منذ ثورة مصطفى أتاتورك الشهيرة. وتوجت المسيرة بإصدار قانون 1962 المقتبس من القانون السويسري. وهو لم يقتصر على تعطيل القصاص والحدود، كما الشأن بجل الدول الإسلامية، بل ألغى كذلك قواعد الشرع الخاصة بالزواج والطلاق والإرث… وإن كانت تركيا تشهد تحولات كبرى في العقود الأخيرة، تنم عن عودة متمهلة وبخطى مدروسة للقواعد الشرعية في مختلف مجالات الحياة، وما صعود حزب إسلامي إلى الحكم وفوزه المتكرر بالانتخابات وتغييره لوجه تركيا ولشكل علاقاتها الخارجية مع شركائها الاستراتيجيين… إلا أمثلة لذلك، بالرغم مما تتعرض له محاولاتها استحياء القيم والمبادئ الشرعية من ضغوط وانتقادات شديدة من قبل الاتحاد الأوربي والجيش التركي الحارس الأمين للعلمانية.

وعلى نهج “تركيا أتاتورك”، لكن بخطى متوالية وأقل جرأة سارت تونس، التي بعد أن اقتبست قانونها الداخلي من فرنسا أخضعته لاحقاً لعدة تعديلات همت قانون الاسرة، من أجل تحقيق المساواة بين الجنسين. وبذلك قيد الطلاق ومنع تعدد الزوجات… وإن تونس تعيش تحولات أكثر ارتجاجاً من تلك التي عرفتها تركيا على إثر ثورة ديسمبر 2010 التي أطاحت بالنظام وهيأت الظروف لصعود إسلامي لم يكن في حسبان أي كان. بما يشي بعودة أكيدة للنهل من قواعد الشرع الإسلامي.

والحقيقة أن المشرع المغربي وصل في مجال الاسرة إلى نتائج قريبة من نظيره التونسي، وإنما الفارق أنه استقى قواعده من الشرع الإسلامي الذي كان السباق لتكريس حقوق المرأة وتسويتها في الواجبات والحقوق مع الرجل، ومن اجتهادات الفقهاء القدماء والمحدثين…

فالتطور الذي عرفه قانون الأسرة المغربي منذ 1957 وإلى غاية تعديل فبراير 2004، انطلق برمته في الشريعة الإسلامية، معملاً الاجتهاد وإعادة قراءة النصوص الشرعية (الكتاب والسنة)، أكان على مستوى رفع سن الزواج، أو اشتراط موافقة الزوجة والتصريح بالموافقة أمام العدلين… فكل هذه القواعد الجديدة مستقاة من الشريعة الإسلامية وليس من أي مصدر آخر، كما يعتقد الكثيرون.

ثالثاً: بلاد تعتمد القواعد ذات المصدر الديني.

دول لم ينفصل فيها الدين عن الدولة، إنما تأثرت كثيراً بقوانين الدول المستعمرة فتعطلت بها عديد من القواعد المستقاة من الشرع الإسلامي. وهذه الفئة تجمع جل الدول الإسلامية، وإن كان بتفاوت فيما بينها.

رابعاً: بلاد تطبق قواعد الشرع بشكل “شامل”.

وهذه الدول، على قلتها وصعوبة اعتبارها تعتمد الشرع بشكل شامل، وما زالت تنتصر للقواعد الإسلامية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية وإلى حد ما السودان وبشكل أقل ليبيا في نظامها السابق… حيث ما يزال ببعضها مكان للحدود والقصاص (وإن كان من الخطأ اختزال الشرع الإسلامي في الحدود والقصاص)، وإلى جانب القواعد المتعلقة بالأسرة… وقد انضافت إليها دول أخرى كانت قد ألغت قواعد الدين ثم عادت إليها بعدة تفاعلات سياسية، كإيران وأفغانستان وطالبان…

وللإشارة فجل هذه الدول تخلط أحياناً ما بين الشرع كما هو محدد في القرآن والسنة وبين أقوال السلف التي تعتبرها شرعاً ملزماً غير قابل للتأويل فأحرى الاجتهاد والانتقاد، بل وأكثر من ذلك بين الشرع وبين الأعراف التي كثيراً ما تحسب من الشرع وتلبس نفس قداسة النصوص الشرعية القطعية الثبوت والدلالة. وقد مثلنا سلفاً عن فرض بعض الدول شكلاً خاصاً للباس، حتى بالنسبة للأجانب المقيمين والسياح (المملكة العربية السعودية أو إيران أو أفغانستان على عهد طالبان). ووصل الخلط حد اعتبار عدد من حقوق المرأة محرمة شرعاً مثل ذهابها للمدرسة وسياقة السيارة…

خامساً: استقرار المغرب مدين لتشبثه بالثوابت وانفتاحه على العصر .

القانون المغربي ينتسب للزمرة الاخيرة. فالمغرب ظل وفياً للشرع الإسلامي على مدى تاريخه الطويل، وبالضبط للمذهب المالكي. إلى أن دخل المعمر، فشرع لتوه في صياغة بعض القوانين كالتقنين المدني والتجاري والعقاري والجنائي… لتطبق من حيث الأصل، على الاجانب المتواجدين على أرض المغرب طوال مدة الحماية، لكن تطبيقها تجدر بعد ذلك وتوسع فامتد إلى المغاربة وأضحت بذلك القوانين المستعارة من فرنسا مغربية تطبقها المحاكم المغربية تلقائياً على الأجانب والمغاربة سواء.

وإن نسبة القانون المغربي الموروث عن المعمر الفرنسي إلى أصول فرنسية خالصة فيه كثير من المغالطة والحيف. بل هنالك تشابه كبير بين المبادئ القانونية المستمدة من القانون الفرنسي وبين قواعد الشرع الإسلامي، ما دام القانون الفرنسي الأصلي، أي قانون نابليون استمد من الشرع الإسلامي.

مدونة نابليون نهلت جل مبادئها من المذهب المالكي.

ما لا يعرفه الكثيرون أو يرفضون قبوله هو أن مدونة نابليون أخدت برمتها عن الشرع الإسلامي وعن المذهب المالكي بخاصة. ومع أن جل الباحثين بالغرب يصرون على إنكار الاصول الإسلامية للقانون المعاصر (تماماً كما ينكرون فضل الأصول الإسلامية للعلوم التجريبية والاجتماعية الاخرى وللفلسفة)، ومع أن الباحثين المسلمين لا يجتهدون كثيراً في إبراز فضل المذهب المالكي على التنوير والنهضة المعاصرين، فإن عدداً قليلاً من الباحثين الغربيين المنصفين لا يجدون غضاضة في الإقرار بهذا الفضل. فهذا الفقيه الفرنسي SIDIOU يعترف بالجدور المالكية لمدونة نابليون ولإعلانات حقوق الإنسان، معللاً بأن الغرب لم يكن له أي خيار آخر سوى النهل من المذهب المالكي على أكثر مستوى، بما كان له من صلات بعرب إفريقيا وصقلية. مستشهداً بكون الحكومة الفرنسية آنذاك كلفت وزيرها بيرون Peyron بترجمة مختصر الفقه للخليل إسحاق بن يعقوب المتوفى سنة 1442. وبالفعل فلما كان عهد احتلال نابليون لمصر (ومصر كانت مالكية آنذاك) أمر بترجمة أشهر كتب الفقه المالكي إلى اللغة الفرنسية. ومن أوائل هذه الكتب (كتاب الشيخ خليل) الذي كان نواة القانون المدني الفرنسي، الذي جاء متشابهاً إلى حد التماثل مع أحكام الفقه المالكي، باستثناء بعض القواعد التي صعب تبنيها ثقافياً آنذاك ومنها الإقرار بمساواة المرأة مع الرجل واحتفاظ المرأة المتزوجة بأهليتها لتدبير أمورها وأموالها… ينضاف إلى ذلك ضعف استيعاب المترجمين وعموماً المستشرقين لروح ومقاصد الشرع الإسلامي، مما يفسر نقل جل القواعد الشرعية بدون روح…

والحقيقة أن اتصال الطلاب الغربيين بالمدارس الإسلامية ونهلهم من جامعاتها في الاندلس (قرطبة وملقا…) وأقدم الجامعات في العالم نشأت في شمال إفريقيا (جامعة القرويين، الزيتونة، الأزهر…) وغيرها، فكان لها أكبر الاثر في نقل الأحكام الفقهية والتشريعية إلى لغات المستشرقين من شعوب عديدة. هذا في وقت لم تكن أوربا والغرب عموماً تملك نظاماً متقناً ولا قوانين عادلة في ذلك الحين، اللهم إلا ما كان من القانون الروماني الذي أصبحت جل مبادئه متجاوزة، والقانون الكنسي المستبد الظالم.

فإلى جانب الاستشراق الذي لم يتوقف أبداً، والهجمات التي قادها الغرب على البلاد الإسلامية ( في القرنين الحادي والثاني عشر 11و12) واحتلال نابليون لمصر لعب القرب الجغرافي بين الغرب الإسلامي وأوربا (وعبرها إلى أمريكا)، دوراً رئيسياً في نقل العلوم الشرعية لا سيما المدرسة المالكية إلى أوربا ومنها إلى أمريكا.

ولما اندلعت حركات التحرر والانعتاق التي أيقظت أوربا بكاملها ومعها أمريكا نهلت من التعاليم الإسلامية التي كانت السباقة إلى تكريس قيم الحرية والكرامة الإنسانية والعقل والتعقيل (في زمن كان الغرب المسيحي غارقاً في ظلمات الاستبداد والاسترقاق)… لحد التقديس، تعالي كانت السباقة لوضع وتكريس والإعلان عن لوائح حقوق الإنسان والارتقاء بها على الكونية، من دون تمييز ولا تفاضل بين الناس على أي أساس كان. وبذلك فالدساتير المعاصرة وحركات التحرر كلها مدينة للشرع والفقه الإسلاميين.

ويعود الفضل على فقهاء المالكية بالمغرب الإسلامي في نقل هذه التعاليم والقيم إلى التشريعات الداخلية للبلدان الأوروبية وغلى لوائح حقوق الإنسان العالمية. إذ على طول أمد الاستشراق ظل الموطأ والمدونة والتهذيبات والمختصرات (أمهات كتب الفقه المالكي) محط دراسات علمية وأكاديمية عميقة.

وإذا كان لنا أن نستحضر الشواهد، فهي كثيرة نكتفي منها ببضع أمثلة من القواعد والنظريات القانونية التي يشهد التاريخ بتألقها في الفقه الإسلامي (المالكي) ولك تدخل الغرب إلا مع بداية عهد الدولة الزمنية (عكس السلطة الزمنية والسلطة الروحية والدينية) والقانون الوضعي المستقى من مذهب مالك، من هذه النظريات: نظرية الظروف الطارئة، والتعسف في استعمال الحق، وتقديم المصلحة العامة على الخاصة، والغنم بالغرم، وتحمل التبعة، والاضطرار الملجئ، والمصالح المرسلة والاستحسان، وحقوق الإنسان والمساواة في الحقوق والحريات…

وعلى الجملة فإذا كانت قوانين البلدان الإسلامية المعاصرة، ومنها المغربي، قد اسقت مصدرها المباشر من القوانين الغربية وبالذات من قوانين نابليون، فهي في الحقيقة مستقاة من المذهب المالكي، الأب الشرعي للقوانين الوضعية المعاصرة بكاملها.

وقد كانت الدولة العثمانية حاولت تقنين الأحكام الفقهية، فبدأت بوضع مشروع مجلة الأحكام العدلية حوالي منتصف القرن التاسع عشر (1869) مستجمعة قواعد المعاملات مما جعلها شبيهة بتقنين نابليون. بيد أن هذه الخطوة تزامنت للأسف مع نهاية الدولة العثمانية ومع بداية الاستعمار الذي فرض تقنيناته على الدول المستعمرة، فتوقفت حركة تدوين وتبويب الأحكام الفقهية من قبل المسلمين وناب عنهم في ذلك غيرهم.

هذا ونشر الى انه في حم صدر عن محكمة العدل الدولية سنة 1958/08/32 م اشادباحكام الشريعة الاسلامية و الإشارة الى انها احد الانظمة القانونية الراقية في العالم الحديث . ومن قبل ذلك انتهى مؤتمر الفقه الاسلامي الذي انعقد بكلية الحقوق جامعة باريس عام 1951 الى ان مبادئ الفقه الاسلامي لها قيمة تشريعية لايماري فها, وان اختلاف المداهب الفقهية في هذا النظام القانوني العظيم ينطوي على ثروة من المفاهيم الفقهية, وصناعة مناط الاعجاب , يتيحان لهذا التشريع الإستجابة لمطالب الحياة الحديثة و التلاؤم مع حاجتها.

التذرع بإسقاط بعض القواعد، لإنكار الأصول الشرعية للقانون المغربي.

يدعي الكثيرون أن القانون المغربي بعيد بل ومنفصم عن الشريعة الإسلامية، بدليل أن القواعد الشرعية لم يتبناها القانون الفرنسي تعطلت في القانون المغربي بالتبعية. فالقانون الجنائي مثلاً لا يطبق القصاص في الاعتداء على النفس ولا القطع في السرقة، ولا الرجم أو الجلد في الزنى وشرب الخمر… وإنما عوضها بالعقوبات المعترف بها في قانون نابليون، كسلب الحرية والغرامة والحرمان من الحقوق والمصادرة…

لكن الحقيقة أن أسباباً أكبر من ذلك بكثير (التوزيع غير العادل للثروات، كثرة الفقر والهشاشة، وبالمقابل كثرة الإغراء الذي تمارسه وسائط الإعلام والحياة المادية والاستهلاكية، وكل ذلك في ظل غياب التأطير الديني والأخلاقي، وتراجع القيم والتربية…) هي التي تقبع وراء عدم تطبيق الحدود والقصاص… ولعلها نفس الاسباب التي عطلت تطبيق الحدود في أزمنة متعددة من تاريخ الدولة الإسلامية (على عهد عمر ابن الخطاب في عام الرمادة… وغيره).

ومع أن القوانين المغربية تعرضت في جزء كبير منها للمراجعة والتعديل بعد الاستقلال، فقد بقيت بعض بصمات القانون الفرنسي ظاهرة عليه ولم يحصل تراجع عنها رغم تعارضها الصارخ مع الشريعة الإسلامية، إلا في تاريخ متأخر. من ذلك مثلاً المادة 6 من القانون التجاري التي كانت تقيد حق المرأة في ممارسة التجارة بواجب استصدار إذن زوجها. لكن بعد التعديل، بمقتضى فاتح غشت 1996، ولتقريب المبدأ من قواعد الشرع ، ألغي هذا القيد فأضحى من حق المرأة المتاجرة من دون حاجة إلى موافقة زوجها واعتبر هذا المبدأ من النظام العام، بحيث يبطل كل اتفاق مخالف له (م. 17 ق ت). وبذلك تحقق الانسجام بين مبادئ القانون التجاري، وقانون الاسرة الذي اعترف لزوجة بالأهلية الكاملة لإدارة أموالها وسحب من الزوج كل سلطة على أموال زوجته، وهذا منذ مدونة 1957 للأحوال الشخصية (ف 35/4) بل وقبل ذلك بزيد من أربعة عشر قرناً. نفس الشيء يقال عن الفصل 726 من قانون الالتزامات والعقود الذي كان يحظر على المرأة المتزوجة إجازة خدماتها دون إذن مسبق من زوجها، وهو أيضاً كان مأخوداً عن الواقع والعرف الفرنسيين لا من الشرع الإسلامي، فألغي الفصل لتعارضه مع قانون الأحوال الشخصية القديم (ف 35/4).

إنما وخلافاً لهذا الأصل، ظلت فروع خرى من القانون المغربي وفية لمبادئ الشرع. وعلى رأسها قانون الأسرة. فمدونة الأسرة التي تنظم الزواج والبنوة والطلاق والإرث، استمدت بالكامل من الشرع والفقه الإسلاميين، وبالأولوية من المذهب المالكي. وأشارت المدونة القديمة غيرما مرة إلى أنه إذا ما جوبه القاضي بفراغ في مسألة معينة، أو بغموض النص فإنه يلزم بالرجوع إلى الرأي الراجح أو المشهور من مذهب الإمام مالك، ونصت المدونة الحالة ( فبراير 2004) على أنه: “كل ما لم يرد به نص في هذه المدونة، يرجع فيه إلى المذهب المالكي والاجتهاد الذي يراعى فيه تحقيق قيم الإسلام والعدل والمساواة والمعاشرة بالمعروف” (المادة 400).

وإن عديداً من القواعد المكرسة في المدونة القديمة كانت تتعرض لانتقادات حادة، لكونها غير منسجمة مع روح الشرع ولا مع العصر، من ذلك مثلاً حق الولي في إجبار المولى عليها على الزواج ولو كانت رافضة، ومنها الولاية على المال، التي كانت تنتقل عند فقد الأب إلى الغرباء دون الأم. وهو ما لا يقبله المنطق في عصر أضحت المرأة تتحمل مسؤوليات كبرى، فكيف تحرم من تحمل المسؤولية عن أبنائها. ومنها الطلاق الذي كان يتم في غياب الزوجة ويخضع لمزاجية الزوج وهواه…

وهذه القواعد المستقاة من الأعراف لا من الشرع وعدالته، كانت سبباً في ممارسة انتهاكات وخروقات من قبل الأزواج والأولياء والمقدمين على القاصرين. مما ثار حفيظة القانونيين والحقوقيين والمنظمات الحقوقية، وانتهى الأمر إلى تعديل تلك القواعد (العرفية المصدر). فألغيت ولاية الإجبار، وأضحت الولاية على الأبناء تنتقل للأم مباشرة بعد فقد أو غياب الأب، وأضحى الطلاق لا يسمع إلا في حضرة الزوجة وطبقاً لإجراءات يشرف عليها القضاء بشكل جزئي (الطلاق) أو كلي (التطليق)…

والواقع أن هذه التعديلات لم تفعل أكثر من العودة إلى روح الشرع الإسلامي، وأكثر من إلغاء بعض الأعراف التي علقت به على مدى العصور المعتمة التي مرت بها المجتمعات الإسلامية. فالشرع الإسلامي قبل غيره أقر حرية أو كرامة المرأة واحترام إرادتها، وفرض استئذانها في أمور أقل خطورة من الزواج والولاية والطلاق، فكيف يصادر حقها في مسائل تعتبر ذاتية جداً بالنسبة لها، وتهم مصيرها بكامله؟ فقد ثبت أن الرسول الكريم أمر باستئذان المرأة وموافقتها على الزواج، كما ثبت أنه ردَّ (أبطل) زواجاً، لم توافق عليه المرأة…

وانطلاقاً من قواعد الشرع التي تفرض احترام باقي الديانات والاعراق وتمكين أصحابها من العيش طبقاً لأحكام شريعتهم (كما أصَّلت لذلك وكرسته صحيفتنا المدنية). لذلك فما قيل عن المغاربة المسلمين في شأن استمرار خضوعهم في قضاياهم الشخصية والعائلية للشرع الإسلامي، فإن المغاربة اليهود ظلوا على مر القرون الطويلة للدولة المغربية يطبقون في ميدان قانون الأسرة والاحوال الشخصية، قواعد الشريعة اليهودية، على ما سنبين لاحقاً. ومع أنهم لا يتوفرون على تقنين مكتوب في الموضوع، فهم في ميدان الزواج والبنوة والطلاق والتوارث يطبقون قواعدهم المستمدة من دينهم وأعرافهم ويتقاضون أمام محاكمهم العبرية الخاصة حيث يوجد قسم للقضاء العبري في كل محكمة ابتدائية، بالمدن التي تقطنها طائفة يهودية.

حقيقة أنه بعد انحطاط الأمة الإسلامية تعرضت المرأة لكثير من الحيف، فهمشت وجردت من كافة حقوقها وأبعدت عن الحياة العملية، الشيء الذي أساء لمراكزها كثيراً، ولم تعد تحسن أي شيء، فكان طبيعياً والحالة هذه أن تجرد من كافة حقوقها، لكن وبعد أن تحسنت نسبياً أوضاع الدول الإسلامية وبدأت المرأة تستعيد شيئاً من كرامتها ومكانتها، بات مخجلاً أن تبقى المرأة مهمشة وتتجاهل حقوقها.

وما قيل عن المغاربة المسلمين يقال عن المغاربة اليهود في ميدان قانون الاسرة. إذ معلوم عن المجتمعات الإسلامية أنها لطالما احتضنت الأقليات غير المسلمة واحترمت مبادئها الدينية. وعلى نفس الطريقة فاليهود المغاربة خضعوا طوال تعايشهم بالمغرب لقواعد الأحوال الشخصية اليهودية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لائحة المراجع :

[1]  مداخلة القيت في اطار سلسلة ندوة الطالب للموسم الجامعي 2014-2015

[2]  – «لسان العرب» لابن منظور، مادة «ر ج ع».

[3]  – «مفهوم المرجعية وإشكالية تأويل النص الأدبي» لمحمد خرماش، مجلة «كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز»، فاس، ع.12، ص54.

[4]  لم يتم تعميم هذه الملاحظة لأن هناك بعض الدول التي لم يشر إلى أن دين الدولة هو الإسلامية بالرغم من وجود مسلمين بنسب كبيرة فيها ، و يرجع ذلك إلى التنوع الطائفي الذي يطبع مجتمعات تلك الدول كما هو الأمر بالنسبة للبنان أو إلى الاختيارات الإيديولوجية التي انتهجتها تلك الدول كما هو الأمر بالنسبة لتركيا .

[5]  ينص الدستور الأردني في مادته الثانية على أن : ” الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية “.

[6]  جاء في المادة الثانية من دستور المملكة البحرينية ما يلي : : ” دين الدولة الإسلام ، …. “

[7]  ينص الدستور التونسي في فصله الاول ان : : ” تونس دولة ، حرة ، مستقلة ، ذات سيادة ، الاسلام دينها…

[8]  وجاء في الفصل الاول من دستور المملكة العربية السعودية ان ” المملكة العربية السعودية دولة عربية اسلامية ذات سيادة تامة ؛ دينها الاسلام ودستورها كتاب الله تعالى وسنة رسوله ” .

[9]  وينص الفصل السابع من دستور الامارات العربية المتحدة ان : ” الإسلام هو الدين الرسمي للاتحاد، والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع فيه، ولغة الاتحاد الرسمية هي اللغة العربية “.

[10]  ينص الدستور العراقي في مادته الثانية على ان :  ” لاسلام دين الدولة الرسمي وهو مصدر أساس التشريع لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الاسلام ” .

[11]   ينص الدستور القطري في مادته الاولى على ان : ” قطر دولة عربية ذات سيادة مستقلة , دينها الاسلام  , والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي لتشريعاتها… “

[12]  ينص في مادته الثانية ان : ” دين الدولة الإسلام و الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع ” .

[13]  وجاء في المادة الخامسة من الدستور ان : الاسلام دين الدولة ” .

[14]  – وينص الدستور السوداني في مادته الخامسة : ” (1) تكون الشريعة الإسلامية والإجماع مصدراً للتشريعات التي تُسن على المستوي القومي وتُطبق على ولايات شمال السودان.

(2) يكون التوافق الشعبي وقيم وأعراف الشعب السوداني وتقاليده ومعتقداته الدينية التي تأخذ في الاعتبار التنوع في السودان، مصدراً للتشريعات التي تُسن على المستوي القومي، وتُطبق على جنوب السودان أو ولاياته ” .

[15]  – ينص دستور جزر القمر على انه : – puiser dans l’Islam, l’inspiration permanente des principes et règles qui régissent l’Union,

– تستسقى من الإسلام الإيحاءات الدائمة للأسس و القوانين التي تحكم الاتحاد ” .

[16]  – ينص الفصل 19 من دستور 1996 على ان : ” الملك أمير المؤمنين والممثل الأسمى للأمة ورمز وحدتها وضامن دوام الدولة واستمرارها، وهو حامي حمى الدين والساهر على احترام الدستور، وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات.

                        وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة”.

[17]  الفصلين 41 و 42 من الدستور الحالي.

وجاء في الفصل 41 ” الملك، أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية.

يرأس الملك، أمير المؤمنين، المجلس العلمي الأعلى، الذي يتولى دراسة القضايا التي يعرضها عليه.

ويعتبر المجلس الجهة الوحيدة المؤهلة لإصدار الفتاوى التي تعتمد رسميا، في شأن المسائل المحالة إليه، استنادا إلى مبادئ وأحكام الدين الإسلامي الحنيف، ومقاصده السمحة.

تحدد اختصاصات المجلس وتأليفه وكيفيات سيره بظهير.

يمارس الملك الصلاحيات الدينية المتعلقة بإمارة المؤمنين، والمخولة له حصريا، بمقتضى هذا الفصل، بواسطة ظهائر”.

وفي الفصل 42 ان : ” الملك رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، وعلى احترام التعهدات الدولية للمملكة.

الملك هو ضامن استقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة.

يمارس الملك هذه المهام، بمقتضى ظهائر، من خلال السلطات المخولة له صراحة بنص الدستور.

تُوقع الظهائر بالعطف من قبل رئيس الحكومة، ماعدا تلك المنصوص عليها في الفصول41 و44 (الفقرة الثانية) و47 (الفقرتان الأولى والسادسة) و51 و57 و59 و130 (الفقرتان الأولى والرابعة) و174″.

[18]  –  وجاء في الفصل 115 من الدستور ان : ” يرأس الملك المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ويتألف هذا المجلس من:

–         الرئيس الأول لمحكمة النقض، رئيسا منتدبا؛

–         الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض؛

–         رئيس الغرفة الأولى بمحكمة النقض؛

–         أربعة ممثلين لقضاة محاكم الاستئناف، ينتخبهم هؤلاء القضاة من بينهم؛

–         ستة ممثلين لقضاة محاكم أول درجة، ينتخبهم هؤلاء القضاة من بينهم؛

 ويجب ضمان تمثيلية النساء القاضيات من بين الأعضاء العشرة المنتخبين، بما يتناسب مع حضورهن داخل السلك القضائي؛

–         الوسيط؛

–         رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان؛

–         خمس شخصيات يعينها الملك، مشهود لها بالكفاءة والتجرد والنزاهة، والعطاء المتميز في سبيل استقلال القضاء وسيادة القانون؛ من بينهم عضو يقترحه الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى.”

[19]  – وجاء فيه : ” تُحدث محكمة دستورية.”

[20]  – و جاء في الفصل 44 من الدستور الحالي : ” يعتبر الملك غير بالغ سن الرشد قبل نهاية السنة الثامنة عشرة من عمره. وإلى أن يبلغ سن الرشد، يمارس مجلس الوصاية اختصاصات العرش وحقوقه الدستورية، باستثناء ما يتعلق منها بمراجعة الدستور. ويعمل مجلس الوصاية كهيئة استشارية بجانب الملك حتى يدرك تمام السنة العشرين من عمره.

يرأس مجلس الوصاية رئيس المحكمة الدستورية، ويتركب، بالإضافة إلى رئيسه، من رئيس الحكومة، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس المستشارين، والرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، والأمين العام للمجلس العلمي الأعلى، وعشر شخصيات يعينهم الملك بمحض اختياره.

قواعد سير مجلس الوصاية تحدد بقانون تنظيمي.”

[21]  الفصل 130 ” تتألف المحكمة الدستورية من اثني عشر عضوا، يعينون لمدة تسع سنوات غير قابلة للتجديد، ستة أعضاء يعينهم الملك، من بينهم عضو يقترحه الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى، وستة أعضاء يُنتخب نصفهم من قبل مجلس النواب، وينتخب النصف الآخر من قبل مجلس المستشارين من بين المترشحين الذين يقدمهم مكتب كل مجلس، وذلك بعد التصويت بالاقتراع السري وبأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم كل مجلس.

إذا تعذر على المجلسين أو على أحدهما انتخاب هؤلاء الأعضاء، داخل الأجل القانوني للتجديد، تمارس المحكمة اختصاصاتها، وتصدر قراراتها، وفق نصاب لا يُحتسب فيه الأعضاء الذين لم يقع بعد انتخابهم.

يتم كل ثلاث سنوات تجديد ثلث كل فئة من أعضاء المحكمة الدستورية.

يعين الملك رئيس المحكمة الدستورية من بين الأعضاء الذين تتألف منهم.

يختار أعضاء المحكمة الدستورية من بين الشخصيات المتوفرة على تكوين عال في مجال القانون، وعلى كفاءة قضائية أو فقهية أو إدارية، والذين مارسوا مهنتهم لمدة تفوق خمس عشرة سنة، والمشهود لهم بالتجرد والنزاهة.”

[22]  الفصل 132 ” تمارس المحكمة الدستورية الاختصاصات المسندة إليها بفصول الدستور، وبأحكام القوانين التنظيمية، وتبت بالإضافة إلى ذلك في صحة انتخاب أعضاء البرلمان وعمليات الاستفتاء.

تحال إلى المحكمة الدستورية القوانين التنظيمية قبل إصدار الأمر بتنفيذها، والأنظمة الداخلية لكل من مجلس النواب ومجلس المستشارين قبل الشروع في تطبيقها لتبت في مطابقتها للدستور.

يمكن للملك، وكذا لكل من رئيس الحكومة، أو رئيس مجلس النواب، أو رئيس مجلس المستشارين، أو خُمس أعضاء مجلس النواب، أو أربعين عضوا من أعضاء مجلس المستشارين، أن يحيلوا القوانين، قبل إصدار الأمر بتنفيذها، إلى المحكمة الدستورية، لتبت في مطابقتها للدستور.

تبت المحكمة الدستورية في الحالات المنصوص عليها في الفقرتين الثانية والثالثة من هذا الفصل، داخل أجل شهر من تاريخ الإحالة. غير أن هذا الأجل يُخفض في حالة الاستعجال إلى ثمانية أيام، بطلب من الحكومة.

تؤدي الإحالة إلى المحكمة الدستورية في هذه الحالات، إلى وقف سريان أجل إصدار الأمر بالتنفيذ.

تبت المحكمة الدستورية في الطعون المتعلقة بانتخاب أعضاء البرلمان، داخل أجل سنة، ابتداء من تاريخ انقضاء أجل تقديم الطعون إليها. غير أن للمحكمة تجاوز هذا الأجل بموجب قرار معلل، إذا استوجب ذلك عدد الطعون المرفوعة إليها، أو استلزم ذلك الطعن المقدم إليها.”

[23]  الفصل 175 ” تُعرض مشاريع ومقترحات مراجعة الدستور، بمقتضى ظهير، على الشعب قصد الاستفتاء.

تكون المراجعة نهائية بعد إقرارها بالاستفتاء.

للملك، بعد استشارة رئيس المحكمة الدستورية، أن يعرض بظهير، على البرلمان، مشروع مراجعة بعض مقتضيات الدستور.

ويصادق البرلمان، المنعقد، بدعوة من الملك، في اجتماع مشترك لمجلسيه، على مشروع هذه المراجعة، بأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم.

يحدد النظام الداخلي لمجلس النواب كيفيات تطبيق هذا المقتضى.

تراقب المحكمة الدستورية صحة إجراءات هذه المراجعة، وتعلن نتيجتها.”

[24]  –  التحفظ وسيلة متاحة لكل دولة طرف في المعاهدة لإستثناء بند أو أكثر من الاتفاق من التزامها، أو تأويله وتفسيره حسب ما يخدم مصالحها.

 جاء في الفصل 2 من اتفاقية فيينا أن التحفظ هو << كل تصريح من جانب واحد، كيفما كانت صيغته أو اسمه، تقدمه دولة عندما توقع على معاهدة أو تصادق عليها أو تقبلها أو توافق عليها أو تنخرط فيها، وتهدف به إلى استثناء أو تغيير المفعول القانوني لبعض مقتضيات المعاهدة في تطبيقها على هذه الدولة >>.

أضف تعليقاً