العرف حاكم في القانون -ظاهرة قضاء الشارع-

2016 11 07
2016 11 07

العرف حاكم في القانون

ظاهرة قضاء الشارع

img-20160704-wa0056

مصطفى اعليوي

طالب باحث

لا أحد يجادل في الحرية الشخصية ما لم تتعارض مع حرية الفرد عموماً و المجتمع خصوصا،فالقانون يعتبر المصدر المباشر للتجريم و العقاب حينما  يصدر عن السلطة المختصة ،التي تضع قواعد عامة و مجردة تطبق على  الجميع، كما أن العرف يعتبر مصدر غير مباشر للعقاب؛ و يتجلى ذلك في استنكار للفعل المخالف لطبيعة المجتمع .

لكل إنسان حريته الشخصية على اعتبار ان الأصل في الأشياء الإباحة، و الاستثناء هو تدخل القانون الوضعي بأوامر و نواهي ، يجرم الأفعال المخالفة للقانون و يفصل بين ما هو  مشروع و غير مشروع و هو ما يرمز له في القانون الجنائي، بمبدأ الشرعية و التجريم ، الذي تبناه و كرسه دستور 1 يوليوز 2011 .

 و بما أن المغرب دولة إسلامية ذات سيادة كاملة متشبة بوحدته و هويته الاجتماعية ،الذي  يتبؤ الدين الإسلامي مكانة الصدارة فيه، لذلك  فلابد من انسجام و توافق بين القاعدة القانونية و مقومات المجتمع التي تصدر فيها من حيث الاعتقادات و المبادئ و القيم السائدة في المجتمع كلما كانت أكثر قبولا من طرف الأفراد  ،لكي يتقبل الجزاء الردعي المخول دستوريا الى السلطة المختصة و بالتالي  الحفاظ على كينونته و ديمومته . إلا أنه في الآونة الأخيرة توالت ظاهرة الجزاء المجتمعي أو العدالة الخاصة أو  ما يصطلح عليه ” بقضاء الشارع” في توقيع الجزاء على المعتدي على حق المجتمع العام ؛ مما يعيدنا إلى نظام القبيلة و الجماعة التي تنعدم فيها قوانين تحكم و  تنظم العقاب مما يفتح  للعدالة الخاصة المجال بتوقيع  الجزاء العرفي الذي يبقى الحاكم فوق القانون بدل السلطة المختصة  بالإضافة إلى عدم وجود مؤسسات سجنية، من شأنها أن تعيد للفرد حقه و للدولة سيادتها على الأفراد باعتبارها السلطة الشرعية  في توقيع الجزاء .

كما أنه مع تطور الزمان و ما عرفته البشرية من قوانين استمدتها من الدين و العرف  وتطور الشعوب  بانفتاحها على عدة  قوانين ،بداية  بظهور الدولة الحارسة وصولا إلى  دولة التخلي  بتعدد أنظمتها ،باختلاف الحكم فيها و ما تتمتع به الدولة من سيادة على الأفراد ، بإصدارها قوانين تفصل بين ما هو مشروع و غير مشروع بغية الحصول على قاعدة قانونية، تنسجم و تتناغم مع بنى و مرتكزات المجتمع تعطي الحق  لسلطة الشرعية في توقيع العقاب على المخالف للقانون، إلا أن قصور الدولة سواء كان تشريعيا أم أمنينا فتح الباب بمصراعيه  للمجتمع في توقيع الجزاء على المخالف عوض الدولة، مما يمكننا طرح الإشكالية التالية إلى أي مدى استطاع السلطة المختصة  توقيع الجزاء على المخالف للنظام العام؟و أين يكمن قصورها حتى بات ما يصطلح عليه ”قضاء الشارع” يتدخل لتوقيع الجزاء عوض الدولة؟

لكل فرد حريته الشخصية ما لم تتعارض مع الطبيعة الإنسانية والأخلاق الحميدة وكذا القانون الوضعي مما يلزم جل التشريعات عامة، بسن قواعد تنظم وتحكم الحقوق و الحريات، داخل قالب اجتماعي متوازن مراعية خصوصية المجتمع، بمقاربة دينية اجتماعية تتلاءم وتتوافق  القاعدة القانونية مع المجتمع المطبق فيه، و المشرع المغربي لم يخرج عن القاعدة على اعتبار الدين الإسلامي و العرف المستمدة منه، و منها تلك التي تنظم الجريمة و كيفية الجزاء الموقع عليها على اختلافها سواء تعلق بحقوق الأفراد او النظام العام المجتمع.

إلى أن واقع الحال يعكس لنا نصوص قانونية سواء ببعدها كل البعد عن طبيعة المجتمع أو حبيسة الورق، لا يتم تفعيلها بسبب وجود تنافر بين النص التشريعي و الوعي الجماعي أم لم يوجد ، فالعرف يبقى  حاكم بكل مكوناته في النص التشريعي من أي جهة صادر منها حتى ولو دستوريا، فإنه لا محالة سيتلقاه الأفراد بنوع من التقاعس، و يتم إهماله ليس فقط من قبل الأفراد ،بل حتى من قبل المؤسسات المخولة لها تطبيقه لتنافره مع طبيعة المجتمع.

وتمهيدا لما سيأتي لا بأس أن نسوغ بعض الأمثلة ومنها الفصل 489 من قانون الجنائي الذي نادت وتنادي به بعض الجمعيات الحقوقية بإلغائه معتبرة الشذوذ الجنسي حرية فردية، ضاربة بالأساس الطبيعة الإنسانية و الوازع الأخلاقي و الخصوصية الدينية للمجتمع المغربي.

وما واقعة شواذ بني ملال التي مست المجتمع و تدخل ما سمي “بقضاء الشارع” في توقيع الجزاء رغم وجود نص يجرم الفعل. إلا أن قصور السلطة المختصة في ضبط الأمور، جعل الجزاء العرفي يصدر حكمه على الواقعة المطروحة، و بالتالي إهمال حق الدولة في توقيع الجزاء. مما يوضح لنا قوة العرف على القانون و يعزى هذا الى عدة اعتبارات منها خصوصية المجتمع وما يدخل فيه من مقومات اجتماعية  من دين و  قيم  و أعراف و عادات و متى تحقق احترام هذه المقومات سواء عند الصياغة أو عند التطبيق كنا آنذاك أمام قواعد صحيحة من حيث مصدرها ذات فعالية عند تطبيقها و متى وجد العكس كنا أمام قاعدة معيبة سيتلقاه الأفراد بنوع من الفتور  .

بالمقابل هناك نصوص سنتها وتسنها السلطة المختصة تهمل بصفة صريحة و يتم الإلغاء ء بعدم العمل بها لعدم انسجامه مع البيئة المطبقة فيها . و هذا واضح وجلي من خلال مقتضيات المادة 16 في فقرتها الأولى من مدونة الأسرة، التي تعتبر  الكتابة هي الوسيلة الوحيدة لإثبات العلاقة الزوجية، و ما تمديد دعوى سماع الزوجية لخمس سنوات وصلت إلى ثلاث مدد دون تحقق الغاية المرجوة و أجزم أن المشرع لازال سيعمل على تمديده مرة و مرات  ،إلا خير دليل على تنافرها مع أعراف المجتمع و فشل النص القانوني في كبح زواج شرعي صحيح مستوفي ، لجميع أركانه و شروطه ،لعدم تأطيره في صياغة قانونية مكتوبة، داخل مجتمع يحكمه العرف خاصة العالم القروي.

في الطرف الآخر نجد نصوص قانونية تجرم بعض الظواهر،لا يمكن القضاء عليها أو الحد منها لأنها لا تعتبر جرائم في رؤى وتصورات  أفراد المجتمع، كما هو الشأن بالنسبة للفصل 326 من القانون الجنائي الذي جاء في مقتضاه ’ يعاقب بالحبس من شهر الى ستة أشهر من كانت له وسائل العيش، و لكنه تعود على ممارسة التسول’ فيا ترى ما هي الحالات التي بث القضاء فيها؟  فمثلاً هذا النص القانوني رغم صدوره عن سلطة تشريعية إلا انه لا يطبق لتعارضه مع البيئة الصادرة فيه.

وفي المقابل الآخر هناك نصوص تجرم بعض الأفعال التي يستنكره المجتمع إلا ان هذا الأخير يبادر لتوقيع الجزاء الجماعي على كل من تعدى على الحق العام، و ذلك لقصور الدولة بكل مكوناتها في تفعيل النصوص القانونية المتعلقة بحفظ النظام العام.و ما الأحداث التي توالت و تدخل المجتمع رغم تجريمه من السلطة المختصة ما هو إلا خير برهان على عقم الإنتاج  وضيق أمد مثل هاته القواعد. و يبقى العرف الحاكم فوق القانون طبعا، إذا كان يتنافر مع الواقع و البيئة التي تطبق فيها.

فالعرف كما سبق الإشارة له أعلاه  يعتبر مصدر من مصادر التشريع ، فلا يمكن صدور قانون دون مراعاة طبيعة و خصوصية المجتمع ، و ما أحداث شواذ بني ملال و قبله مثلي فاس ،و تنورة انزكان تؤكد قوة الجزاء العرفي، رغم أن التدخل يبقى من حق الدولة بصريح الدستور فهي المسؤولة في تحديد الجزاء و توقيع العقاب ،إلا ان المجتمع يبقى فوق القانون كلما تعدى الحق العام و مس بالأخلاق الحميدة و الأمن المجتمعي.

و هذا يعزى الى عدم ملائمة النصوص التشريعية للحد من الاختلالات التي تمس النظام العام و كذا قصور المصالح الأمنية في التدخل الإستباقي لدرء أي تدخل غير  مشروع .

لكن واقع الحال يعطينا الجواب بصورة واضحة على اعتبار صحة القاعدة بصدورها عن السلطة التشريعية لكن غير فعالة و منتجة لأنها لم تراعي واقع المجتمع المغربي المطبقة فيه ، فلا محالة أنه سيتم الإلغاء بعدم العمل بها لعدم نجاعة القاعدة القانونية وقبولها من طرف الأفراد ة هذا القبول لا يتحقق إلا إذا كانت القاعدة القانونية معبرة تعبيرا سليما متطابق مع ما اعتاد الناس عليه في حياتهم لمدة  طويلة من الزمن و من هنا يستشفى على أن القاعدة القانونية ما هي إلا انعكاس مترسخ لما استقر في أذهان أفراد المجتمع من قواعد اجتماعية  ، و به وجب مراعاة خصوصية المجتمع حتى تحقق المراد وتبقى القاعدة القانونية لا قيمة لها إذا ما جردت من سياقها الاجتماعي .

 

 

 

أضف تعليقاً