المسؤولية الجنائية للصحفي

2016 11 07
2016 11 07

المسؤولية الجنائية للصحفي

%d8%b5%d9%84%d8%a7%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d9%88%d8%b3%d9%8a

صلاح الدين العروسي

طالب بماستر التوثيق والمنازعات المدنية

تؤدي وسائل الإعلام على مختلف أنواعها دورا هاما في المجتمع ، فهي تعمل على خلق وحدة معنوية بين أفراد الشعب الواحد باعتبارها السبيل الأوحد إلى معرفة ما يدور فيه والإحاطة بالقيم الاجتماعية السائدة بين جنباته ، فتكون بذلك رابطا يجمع بينهم .

اقرأ أيضا...

ومن ناحية أخرى ، فإن الصحافة تكشف ما قد يحيط بالمجتمع من نقص ، وتعمل على دفع الجهات المسؤولة إلى الإصلاح وتكملة هذا النقص سواء من النواحي الاجتماعية أو الاقتصادية أو الثقافية . لدرجة أن القوة التي تتمتع بها من حيث التأثير أهلها لتحمل لقب “السلطة الرابعة “. وهذا اللقب ما كان لتحظى به لولا ما تحدثه من تغيير في المواقف والمواقع السياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية، لذلك فإن الاهتمام بالصحافة لم يكن حكرا على فئة معينة دون الأخرى وإنما كان موضوع انشغال العديد من الجهات وعلى رأسها المشرع الوطني الذي يعمل على سن تشريعات تؤطر وتنظم الممارسة الصحفية بما يتلاءم والمناخ السائد في البيئة المجتمعية من جهة والتشريعية من جهة أخرى .[1]

إن هذا الدور الأساسي للصحافة يستوجب تمتيعها بالحرية ، حتى تستطيع تأدية رسالتها ، إلا أن هذه الحرية لا تعني أنها غير مسؤولة عما تنشره، فالحرية والمسؤولية عنصران لا يفترقان وذلك عملا بمبدأ ” آستحالة وجود حق مطلق” فالحرية تستوجب إقامة المسؤولية حالة تجاوز حدود معينة خصوصا إذا نتج إضرار بالأفراد وبالنظام العام ، إذ تقوم إذاك مسؤولية جنائية وأخرى مدنية. فالقانون يعمل على حماية المصالح والحريات سواء بنصوص القانون الجنائي أو غيره ، ولا تقيم تميزا بين ارتكابها من هذا الشخص أو ذلك عملا بمبدأ ” المساواة أمام القانون ” إلا أن ما سبق عرضه لا يعني أن القانون الجنائي للصحافة ما جاء إلا للحد من حرية هذه الأخيرة .فبالعكس من ذلك، فقد أتى للتوفيق بين حرية الرأي خصوصا ومجمل الحريات التي يتمتع بها الأفراد والجماعات داخل الدولة وخارجها. كما أن العمل القضائي يلعب دورا مهما في مجال المسؤولية الجنائية  للصحفي خاصة في مجال إسناد ودفع المسؤولية الجنائية للصحفي عنه نظرا لخصوصية القواعد القانونية المنظمة للمسؤولية الجنائية في مجال الصحافة كما سوف نحاول بيانها في هذا الموضوع .

و تظهر أهمية التطرق لموضوع المسؤولية الجنائية للصحفي نظرا لخصوصية القواعد المنظمة للمسؤولية الجنائية في إطار جرائم الصحافة ثم تعدد الأشخاص المسؤولين جنائيا وتعدد صور المسؤولية الجنائية للصحفي،

انطلاقا مما سبق يبقى الإشكال المطروح هو إلى أي حد استطاع المشرع المغربي في قانون الصحافة والنشر سواء القانون الحالي أو القوانين المرتقبة تحقيق ذلك التوازن بين حرية الصحافة كما جاء بها دستور سنة  من جهة 2011 وبين المصلحة الخاصة للأفراد  والنظام العام داخل المجتمع من جهة أخرى؟

إن هذه الإشكالية تجرنا لمعالجة هذا الموضوع وفق مبحثين نتناول في المبحث الأول الأحكام العامة للمسؤولية الجنائية في إطار الجرائم الصحفية وصور هذه المسؤولية ثم نتطرق في المبحث الثاني للعمل القضائي في مجال المسؤولية الجنائية للصحفي.

المبحث الأول 

المسؤولية في إطار الجريمة الصحفية وصورها

تعتبر الجريمة الصحفية كغيرها من الجرائم الأخرى ، تستلزم توفر الركن المادي والمعنوي وعلاقة السببية بين الركنين لإمكانية قيام المسؤولية الجنائية عنها، إلا أن ما يميز الجريمة الصحفية هو ضرورة توافر عنصر قد لا تعرفه الجرائم الأخرى ويتعلق الأمر بعنصر العلانية سواء بالقول أو الكتابة أو التخطيط ، وذلك تبعا لنوعية وسيلة الإعلام المقترفة للجريمة.

في إطار الجريمة الصحفية دائما ، يمكن القول بأنها تكتسي ” طابعا تضامنيا ” بين مجموعة أشخاص عاملين في إطار المؤسسة الصحفية ، ومرد ذلك هو كون العمل الصحفي ناتج عن مجموعة من المجهودات المبذولة من الأشخاص المذكورين ( أي العاملين في إطار المؤسسة الصحفية). ومن تم يطرح تساؤل هام حول الشخص المسؤول عن الفعل الصحفي المخالف للقانون الزجري للصحافة : أهو كاتب المقال أم مدير النشر أم صاحب المطبعة أم المسؤول عنها أم يسألون بصفة جماعية ؟

من أجل محاولة الإجابة على هذه الأسئلة سوف نتطرق للمسؤولية الجنائية في إطار القواعد العامة للقانون الجنائي في (المطلب الأول) ثم نتطرق في (المطلب الثاني) لصور المسؤولية الجنائية في إطار الجرائم الصحفية.

المطلب الأول: المسؤولية الجنائية للصحفي في إطار القواعد العامة للقانون الجنائي

إن تطبيق القواعد العامة للقانون الجنائي على جرائم الصحافة يجعل مفهوم المسؤولية واسع النطاق أكثر مما يتصور إذ سيمتد ليشمل الفاعل الأصلي والمشاركين والمساهمين في كل مرحلة تمر منها الصحيفة ، وحالة انتفاء مسؤولية الفاعل الأصلي تنتفي مسؤولية المشاركين والمساهمين تبعا لذلك ( في حدود معينة).[2]

يظهر الاختلاف أيضا بين المقتضيات الجنائية وقانون الصحافة فيما يخص قرينة البراءة، فقانون المسطرة الجنائية يعتبر المتهم بريئا إلى أن تثبت إدانته عكس قانون الصحافة الذي يعتبر المتهم ظنينا عليه إثبات براءته.بحكم أن الإثبات في قانون الصحافة والنشر يقع على عاتق الصحفي لكن المشرع المغربي في المشروع الحالي تجاوز هذا الأمر حيث نص في الفقرة الأخيرة من المادة السادسة من مشروع القانون رقم 88/13 على أنه ” تحترم قرينة البراءة وكافة ضمانات المحاكمة العادلة في قضايا الصحافة والنشر وفقا لأحكام الدستور والقوانين الجاري بها العمل”[3]

و خاصيات ومميزات المسؤولية الجنائية للصحفي تظهر من خلال ما ينص عليه الفصل 67 من قانون الصحافة الذي ينص على انه”:

” يعاقب الأشخاص الآتي ذكرهم بصفتهم فاعلين أصليين بالعقوبات الصادرة زجرا للجرائم المرتكبة عن طريق الصحافة وذلك حسب الترتيب التالي :

1-مدير النشر أو الناشرون كيفما كانت مهنتهم أو صفتهم .

2-أصحاب المقالات المتسببون إن لم يكن هناك مديرون أو ناشرون.

3-أصحاب المطابع إن لم يكن هناك أصحاب مقالات

4-البائعون والموزعون والمكلفون بالإلصاق إن لم يكن هناك أصحاب المطابع

  1. وفي الأحوال التي تكون فيها الكتابة أو الصورة أو الرسم أو الرمز أو طرق التعبير الأخرى المستعملة في ارتكاب الجريمة قد نشرت في الخارج ، وفي جميع الأحوال التي لا يمكن فيها معرفة مرتكب الجريمة أو تعذرت متابعته لسبب من الأسباب ، يعاقب بصفته فاعلا أصليا صاحب المقال أو واضع الرسم أو الصورة أو الرمز أو طرق التعبير الأخرى أو المستورد أو الموزع أو البائع.”

المطلب الثاني : صور المسؤولية الجنائية في إطار الجرائم الصحفية

يظهر لنا من خلال مقتضيات الفصل67 من قانون الصحافة والنشر أن المشرع المغربي أقام نوعا من المسؤولية عن فعل الغير إن صح القول وهي المسؤولية المفترضة لمدير النشر فلم يهدف إلى معاقبة الفاعل المادي للجريمة الصحفية إلا في حالات خاصة بالإضافة إلى إقراره ما يسمى بالمسؤولية المتدرجة أو بالتعاقب تم المسؤولية المشتركة .

 أولا : المسؤولية المفترضة

تعتبر المسؤولية المفترضة من السمات الأساسية التي تميز المسؤولية الجنائية في إطار جرائم الصحافة ، فالمشرع المغربي جعل من المدير فسما يخص الصحف اليومية أو متولي الطبع فيما يخص الصحف غير اليومية المسؤول الحقيقي عن الجريمة ، فهو بذلك يكون قد نص على حالة استثنائية متعلقة بالمسؤولية عن فعل الغير ، وذلك لوضع حد للعراقيل الناتجة عن تعدد المسؤولين و تسهيلا لوسائل الإثبات ، فضلا عن أن المدير أو الناشر الذي يتولى مهام إدارة الجريدة ، يفترض فيه أن يراجع ويراقب ما يتم نشره ، ويعد ارتكاب الجريدة التي يرأسها لجريمة معينة قصورا منه في القيام بالمهام المنوطة به وإخلالا بواجبه ومن تم تتم مساءلته جنائيا عن الإهمال.[4]

تبعا لما سبق ، تكون مسؤولية المدير مفترضة بشكل مطلق ، حتى في حالة تفويضه كلا أو بعضا من مهامه إلى شخص أخر أو حتى التعرف على صاحب المقال المعتبر جريمة .

إن المسؤولية الجنائية ملازمة لصفة المدير تتأكد بورود اسمه على الصفحة الأولى وذلك ما ينص عليه الفصل 9 من قانون الصحافة[5] . لا يمكن أن يدفع المدير المسؤولية عنه بإثباته غيابه وقت النشر أو عدم كفاية وقته لمراجعة ما وقع نشره ، فجهل المدير بالمقال المنشور في جريدة يديرها لا يفلته من الجزاء ، فمسؤوليته مبنية على افتراض قانوني . ما يمكن أن يقال عن المسؤولية المفترضة هو كونها مجحفة ، نظرا لتخويلها إمكانية متابعة شخص عن أفعال لم يقترفها بعيدا عن مبدأ شخصية العقوبة .

إن المسؤولية المفترضة التي تحدثنا عنها تمتد لتشمل الطابع والبائع والموزع والملصق وليس المدير وصاحب المطبعة فقط، إلا أن هذه المسؤولية تبقى احتمالية لكون الأشخاص المذكورين لا يسألون إلا في حالة تعذر مساءلة من سبقهم في الترتيب .

ثانيا : المسؤولية المشتركة

بالرجوع إلى الفصل 67 من قانون الصحافة ، يمكن القول أن هناك ثلاثة أصناف من الشركاء : *صاحب المقال أو المؤلف . *الشركاء حسب المفهوم الذين أتى به القانون الجنائي *أصحاب المطابع .

1صاحب المقال أو المؤلف لا يطرح تحديد صاحب المقال أي إشكال إذ يعتبر صاحبه هو كاتب إذا كان مكتوبا طبعا ، إلا أن هذه المسؤولية ليست بالسهولة المتوقعة ، خاصة إذا تعلق الأمر بنشر أخبار منطوية على السب والقذف في حق الغير . قدم المشرع المغربي مسؤولية المدير على مسؤولية صاحب المقال وجعل من هذا الأخير مشاركا أما المدير فهو الفاعل الأصلي ، وذلك تفاديا للحالات التي يعمل فيها مدير النشر على نشر مقالات بأسماء مستعارة.

2- الشركاء من زاوية القانون الجنائي بخصوص هذا الصنف من الشركاء ، يستفاد من الفصل 68 من قانون الصحافة أن المشرع أشار إليهم كاحتمال فقط، إذ أجاز متابعتهم دون تحديد شروط وظروف مشاركتهم خلافا لما فعله بالنسبة لكاتب المقال وصاحب المطبعة. تجد المشاركة المقصودة بهذا الصدد أساسها القانوني فيما ينص عليه الفصل 129 من القانون الجنائي ، إذ تتم بالمساعدة أو الأمر أو التحريض تحت تأثير الإغراء أو التهديد أو تقديم أية وسيلة من وسائل ارتكاب الجريمة مع العلم بذلك أو المساعدة في الأعمال التحضيرية .

3- أصحاب المطابع

على خلاف صاحب المقال الذي يتابع كشريك،يستفيد صاحب المطبعة من امتياز هام ، إذ لا يمكن متابعته كشريك إلا في حالة إصدار المحاكم حكمها بعدم مسؤولية مدير النشر جنائيا ، أي في حالة متابعة كاتب المقال كفاعل أصلي .[6]

عموما، يمكن القول إن صاحب المطبعة يوجد في وضعية خاصة ، فمتابعته كشريك لا تتم إلا في حالات استثنائية وهي براءة المدير.

ثالثا : المسؤولية المتدرجة أو بالتعاقب

يظهر من خلال المادة 67 من قانون الصحافة أن المشرع المغربي حريص على إيجاد مسؤول دائما عن جرائم الصحافة ، فرتب الأشخاص الذين تقع عليهم المسؤولية ترتيبا تسلسليا يقضي بعدم إمكانية متابعة أي شخص إلا في حالة انعدام الشخص الذي قدمه عليه القانون في الترتيب إن المتهم الرئيسي ، وبالدرجة الأولى الذي اختاره المشرع هو مدير النشر أو أصحاب الطبع ، تم يليه صاحب المقال الذي يتابع كفاعل رئيسي حالة عدم معرفة المدير الرئيسي ، وإذا تعذرت معرفة الكاتب ، تنتقل المسؤولية إلى الطابع ، وهكذا دواليك طبق ما بينه الفصل 67 المذكور.

المبحث الثاني

العمل القضائي في مجال المسؤولية الجنائية للصحفي

تعتبر المسؤولية الجنائية في المجال الإعلامي من أهم المواضيع القانونية التي تعرفها الممارسة القضائية بحكم التنظيم الهرمي الخاص للمسؤولين جنائيا وتعددهم وصعوبة الفصل بين قواعد إسناد المسؤولية الجنائية للصحفي أو دفعها عنه.[7]

 ويتضح من خلال العمل القضائي في جرائم الصحافة انه ساير المقتضيات التي جاء بها قانون الصحافة والنشر وذلك واضح  في مجموعة من الأحكام و القرارات القضائية سواء تلك الصادرة عن قضاء الموضوع أو محكمة القانون وهذه القواعد منها ما هو مرتبط بإسناد المسؤولية الجنائية( المطلب الأول) أو دفعها عن الصحفي( المطلب الثاني).

المطلب الأول: إسناد المسؤولية الجنائية للصحفي في العمل القضائي

من المبادئ المسلمة بها أن الصحافة مهن  نبيلة لها أخلاقيات وأدبيات وان الممارسة الصحفية تتم في إطار الحرية المسؤولة  و احترام ميثاق الشرف الصحفي ومقتضيات قانون الصحافة وتحت شعار الخبر مقدس وحق التعبير مشروط بعدم التعسف في استعماله مع الالتزام  باحترام الحياة الخاصة للأفراد، ويتضح من العمل القضائي في جرائم الصحافة أنه ساير المقتضيات التي جاء بها قانون الصحافة والنشر فيما يخص إسناد المسؤولية الجنائية وذلك من خلالا التأكيد على فكرة التضامن والتتابع في المسؤولية الجنائية للصحفي تماشيا مع ما نص عليه الفصل 67 و 68 من قانون الصحافة والنشر الحالي وإقرار المسؤولية الجنائية وفق تسلسل هرمي وحسب أهمية الدور المنوط بكل واحد( فكرة التتابع).[8]

الفقرة الأولى: إقرار المسؤولية المفترضة لمدير النشر

من المبادئ التي أقرها القضاء هي المسؤولية المفترضة لمدير النشر وفقا لما جاء به قانون الصحافة والنشر سواء في القانون الحالي أو المشروع قيد النقاش الآن ،ففي حكم صادر عن محكمة الاستئناف بالرباط الغرفة الجنحية ملف رقم 20/2008/1884 حكم رقم 4498 بتاريخ 2008/10/30 جاء فيه” وحيث أن ما قامت به الصحيفة المذكورة هو قذف في حق المشتكي بدون مراعاة لما يمكن أن سببه هذا من تأثير سيء على الحياة الشخصية والمهنية والاجتماعية للمشتكي وتأثير على حياة عائلته .

وان مدير النشر سمح بنشر ما ادعته… من قذف بدون مراعاة الأخلاقيات المهنية مما يجعله الفاعل الأصلي والمسؤول الوحيد عما وزع من خبر زائف”

وفي حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بالرباط في ملف جنحي عدد 2013/2102/1109 صادر بتاريخ 2014/3/12 جاء فيه ” وحيث عن النشر الذي تضمن عبارات اعتبرتها الإدارة المشتكية قذفا في حقها لم يتم نشره في الجرائد الإلكترونية أعلاه من قبل المتهم ولا أذن صراحة للصحفيين بنشره كما أن (ع.أ) لا يحمل صفة أي من الأشخاص المشار إليهم في الفصل 67 أعلاه مع العلم أن النشر طبقا لمقتضيات قانون الصحافة يقتضي أن تتجه نية صاحب التصريح صراحة إلى نشره علانية، لأنه إذا كان قانون الصحافة قد أعطى الحق لمدير النشر برفض نشر أي مقال دون ان يكون ملزما بتبرير ذلك فإنه في المقابل تبقى مسؤوليته مفترضة إذا ما تضمن النشر عبارات تمس بالأغيار، لكون من قام بتحقيق شرط العلانية في جنحة القذف يكون هو المسؤول الحقيقي عنها طالما أنه هو من قام بإيصال وقائع القذف إلى العموم، وبالتالي تقع عليه مسؤولية التحري والاحتياط قبل إقدامه على النشر”[9]

القاعدة التي تستشف مما سبق هو انه إذا كان قانون الصحافة والنشر قد أعطى الحق لمدير النشر برفض تشر أي مقال دون أن يكون ملزما بتبرير ذلك فغنه بالمقابل تبقى مسؤوليته مفترضة إذا ما تضمن النشر عبارات تمس بالأغيار لكون من قام بتحقيق شرط العلانية في جنحة القذف يكون هو المسؤول الحقيقي عنها طالما انه هو من قام بإيصال وقائع القذف إلى العموم وتقع عليه مسؤولية التحري والاحتياط قبل الإقدام على النشر.

الفقرة الثانية: تأكيد المسؤولية الجنائية لأرباب الجرائد والمكتوبات الدورية ووسائل الإعلام السمعية والبصرية والإلكترونية.

أكد القضاء المغربي أيضا في العديد من الأحكام المسؤولية الجنائية عن أفعال الأشخاص المسؤولين عن الجرائم تماشيا مع مقتضيات الفصل 69 من قانون الصحافة والنشر إذ أكد مسؤوليتهم عن أداء العقوبات المالية الصادرة لفائدة الغير على الأشخاص المسؤولين عن الجرائم المرتكبة عن طريق الصحافة( مدير النشر-أصحاب المقالات- أصحاب المطابع…) في حالة تعذر تنفيذ هذه العقوبات المالية على المحكوم عليهم.

وهذا  ما أكده حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بالرباط بتاريخ 2009/03/13 شكاية مباشرة  رقم 08/68 الذي جاء فيه” وحيث انه إذا كان الفصل 69من قانون الصحافة والنشر ينص بقوة القانون أن أرباب الجرائد مسؤولون عن العقوبات المالية الصادرة لفائدة الغير ضد مديري النشر وبصفة عامة جميع الأشخاص المشار إليهم في الفصلين 67 و 68 من قانون الصحافة والنشر إذا تعذر تنفيذها على هؤلاء الآخرين…..” [10]

وقد ذهبت المحكمة الابتدائية بالرباط أيضا في حكم لها صادر بتاريخ2008/10/30 ملف شكاية مباشرة رقم 2008/34/28 إلى ما يلي” وحيث أن مقتضيات المادتين 67 و68 من قانون الصحافة والنشر حددت الفاعلين الأصليين والمشاركين للجرائم المرتكبة عن طريق الصحافة بوسيلة من الوسائل المنصوص عليها في المادة 38 من نفس القانون وتم ترتيبهم ترتيبا تدريجيا ولا يمكن للمدعي معه أن يخرج عنه.

وحيث أنه بالرجوع للأشخاص الواردين بالمادتين أعلاه يتبين كون الجريدة لم يتم إدراجها ضمنهم”

يستفاد من هذا الحكم إقرار المشرع فكرة التتابع في إسناد المسؤولية الجنائية فلابد من احترام الترتيب الذي أعطاه المشرع في الفصل 67 من قانون الصحافة والنشر.  تم ضرورة تعذر تنفيذ العقوبات المالية الصادرة لفائدة الغير ضد مدير النشر أو الأشخاص المنصوص عليهم في الفصل المذكور للقول بمسؤولية أرباب الجرائد.

المطلب الثاني: العمل القضائي في مجال دفع المسؤولية الجنائية عن الصحفي

عمل القضاء المغربي في مجال دفع المسؤولية الجنائية عن الصحفي على تكريس حرية التعبير في مجال لصحافة من اجل إن تقوم بالمهام المنوطة بها على أكمل وجه وان يكون الإعلام المغربي فعال في ممارسة حرية التعبير بشكل جيد والمشرع المغربي عند تنظيمه للمسؤولية الجنائية لم عن التوجه الذي سلكته باقي التشريعات والمواثيق الدولية وذلك لاعتبارات ودوافع لا تختلف عن نظيرتها في باقي تشريعات العالم المماثلة لاسيما على مستوى قانون الصحافة والنشر الفرنسي بفعل التأثر العميق للقانون المغربي في أعمدته الرئيسية –تشريعا وفقها وقضاءا- بالقانون الفرنسي. والقضاء رغبة منه في تكريس هذا التوجه التشريعي ضمن مجال ممارسة الصحافة لمهامها بشكل يتلائم والنصوص القانونية المؤطرة لحرية التعبير عن طريق إقرار مجموعة من القواعد المرتبطة بدفع المسؤولية الجنائية عن الصحفي كحق النقد وحسن نية القاذف.

الفقرة الأولى: تكريس حق النقد

يقصد بحق النقد إبداء الرأي في عمل ما دون المساس بشخص صاحبه أو العمل بغية التشهير به أو الحط من كرامته فإذا تجاوز حق النقد باعتباره من الحقوق المكفولة بمقتضى القانون في مجال الصحافة الحدود المسموحة به قانونا وجب العقاب عليه  وقد أكد القضاء المغربي على اعتبار حق النقد من أسباب الإباحة كلما توفرت فيه مجموعة من الشروط والمتمثلة فيما يلي:

_أن ينصب النقد على واقعة ثابتة ومحققة فعلا لا أن تكون من عنصر الخيال .

_ان تكون الواقعة تهم المصلحة العامة لا الحياة الخاصة للأفراد.

_أن ينصب التعليق موضوع النقد على الواقعة ولا يخرج عنها.

_أن تكون العبارات المستعملة في حدود المعقول والمسموح به.

_افتراض حسن النية في الناقد .[11]

وهي الشروط التي سار عليها القضاء المغربي كما سبق وان قلنا فقد جاء في حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء ” وحيث أن المشتكى بهما تناولا بالنقد أعمال وتصرفات المطالب بالحق المدني أثناء ممارسته لعمله وذلك بكشف عيوب البرنامج الطي يسهر على تقديمه لمشاهدي……. دون أن يمس ذلك إعتباره أو شرفه”[12]

الفقرة الثانية: إقرار مبدأ حسن نية القاذف

تبني القضاء مبدأ حسن نية القاذف كسبب للإباحة من المسؤولية الجنائية من خلال ثبوت إتجاه إرادة القاذف من وراء إسناده لوقائع القذف تحقيق المصلحة العامة بعيدا عن نية التشهير والتجريح وقد  تم وضع مؤشرات وضوابط لاستخلاص حسن النية من خلال الشروط الآتية:

_وجود سبب مشروع للمعلومة

_انتفاء العداوة الشخصية اتجاه المقذوف والاحتياط والتبصر والقيام بالتحريات والأبحاث للتأكد من صحة المعلومة.

_عدم تشويه الوقائع[13]

وقد تبنى القضاء المغربي الوقائع المذكورة عند التمييز ين سوء النية وحسن النية عند القاذف في عدة قرارات قضائية جاء في بعضها” وحيت إن الحق في النشر إن كان مشروعا لكونه يروم تحقيق غايات نبيلة ما دامت المصلحة العامة تتحقق من الكشف عن وقائع حقيقة لانحراف القائمين على الإسهام في الشأن العام سياسيا وإعلاميا لكنها لا تعتبر مشروعة أبدا إذا كان الغرض منها إدعاء الاتهامات الزائفة على صفحات الجرائد والإساءة للغير”[14]

فالقضاء هنا أعطى كل الضمانات اللازمة للصحفي من أجل دفع الجهات المسؤولة على الإصلاح والمساهمة في تنوير الرأي العام فهي تمارس مهام رقابية إن صح القول وهو ما دفع القضاء لتكريس هذا الحق أو المبدأ شريطة عدم تجاوز الحدود المسموح بها قانونا.

خاتمة

ختاما يمكن القول أن المسؤولية الجنائية للصحفي تعتبر من الأمور الجوهرية التي يهتم بها المشرع المغربي في قانون الصحافة والنشر باعتباره من الأمور التي قد تؤدي إلى الحد من ممارسة حرية الصحافة .

والملاحظ أن قواعد المسؤولية الجنائية في إطار الجرائم الصحفية تختلف عن ما هو متعارف عليه في القواعد العامة للمسؤولية الجنائية في القانون الجنائي وذلك بحكم التسلسل الهرمي للأشخاص المسؤولين جنائيا وإقرار المسؤولية المفترضة لمدير النشر.و هذه القواعد سار على نهجها المشرع في مشروع قانون الصحافة والنشر الحالي رقم 88/13 .

كما أن القضاء يولي أهمية كبيرة للمسؤولية الجنائية للصحفي  سواء فيما يخص إسناد المسؤولية الجنائية للصحفي أو دفعها عنه وفق قواعد تختلف عن تلك المعمول بها في إطار القواعد العامة للمسؤولية الجنائية رغم عدم وجود قضاء متخصص كما هو الحال بالنسبة للتشريع الفرنسي لكن تبقى المقتضيات المؤطرة للمسؤولية الجنائية مقتضيات تلائم دستور سنة الذي أقر حرية التعبير المسموح بها قانونا لتمارس الصحافة مهامها على الوجه السليم.

لائحة المراجع

  • ضوابط المعالجة القضائية للشأن الإعلامي بين النص القانوني والممارسة القضائية، ورقة أعدها ذ.هشام ملاطي قاضي ملحق بوزارة العدل والحريات بمناسبة الحوار الوطني حول الإصلاح العميق والشامل لمنظومة العدالة .وزارة العدل والحريات، المملكة المغربية.[1]
  • العمل القضائي في جرائم الصحافة، إصدارات مركز الدراسات والأبحاث الجنائية بمديرية الشؤون الجناية والعفو، سلسة العمل القضائي، العدد 2، المملكة المغربية، وزارة العدل والحريات.ص 72.
  • عرض حول مشروع قانون رقم 13/88 يتعلق بالصحافة والنشر، مجلس النواب لجنة التعليم والثقافة والإتصال، 10 فبراير 2016، عرض منشور بموقع وزارة الاتصال، المملكة المغربية .
  • المسؤولية القانونية لمدير نشر الصحيفة الإلكترونية عن تعليقات الزوار مقال للدكتور عبد الحكيم الحكماوي نائب أول لوكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالرباط أستاذ زائر بكلية الحقوق سلا باحث قانوني، مقال منشور بالصفحة الرسمية للأستاذ عبد الحكيم الحكماوي على الفايسبوك.
  • قراءة في قانون الصحافة والنشر .ذ.أحمد بن عجيبة نائب الوكيل العام للملك.
  • الدستور المغربي لسنة 2011
  • الظهير الشريف رقم 378.58.1 يتعلق بقانون الصحافة والنشر بالمغرب ، ج.ر عدد 2404 مكرر بتاريخ 16 جمادى الأولى 1378 الموافق ل 27 نونبر 1958 ص 2856.
  • مشروع قانون رقم 13.88 يتعلق بقانون الصحافة والنشر

[1]  المسؤولية القانونية لمدير نشر الصحيفة الإلكترونية عن تعليقات الزوار مقال للدكتور عبد الحكيم الحكماوي نائب أول لوكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالرباط أستاذ زائر بكلية الحقوق سلا باحث قانوني، مقال منشور بالصفحة الرسمية للأستاذ عبد الحكيم الحكماوي على الفايسبوك.

 المفيد في شرح قانون الصحافة والنشر بالمغرب، محمادي لمعشكاوي ، ص235. نقلا عن كتاب القانون المبني للمجهول، محمد الإدريسي العلمي المشيشي، ص 199.[2]

 والأمانة العامة للحكومة.wwwmincom.gov.maانظر مشروع قانون الصحافة والنشر رقم 88/13 المنشور بكل من موقع وزارة الاتصال.[3]

 قراءة في قانون الصحافة والنشر .ذ.أحمد بن عجيبة نائب الوكيل العام للملك،ص 24.[4]

 ينص الفصل 9 من قانون الصحافة والنشر على أنه ” يطبع إسم مدير النشر أو مدير النشر المساعد عند الاقتضاء على رأس جميع النظائر وفي صفحتها الأولى وإلا فيعاقب صاحب المطبعة بغرامة تترواح بين 1200 و 2000 درهم عن كل عدد يصدر مخالفة لهذا المقتضى.[5]

[6]  عرض حول مشروع قانون رقم 13/88 يتعلق بالصحافة والنشر، مجلس النواب لجنة التعليم والثقافة والإتصال، 10 فبراير 2016، عرض منشور بموقع وزارة الاتصال، المملكة المغربية .

 العمل القضائي في جرائم الصحافة، إصدارات مركز الدراسات والأبحاث الجنائية بمديرية الشؤون الجناية والعفو، سلسة العمل القضائي، العدد 2، المملكة المغربية، وزارة العدل والحريات.ص 60.[7]

[8] ضوابط المعالجة القضائية للشأن الإعلامي بين النص القانوني والممارسة القضائية، ورقة أعدها ذ.هشام ملاطي قاضي ملحق بوزارة العدل والحريات بمناسبة الحوار الوطني حول الإصلاح العميق والشامل لمنظومة العدالة .وزارة العدل والحريات، المملكة المغربية.

 .www.marocdroit.com حكم منشور بموقع[9]

[10]  العمل القضائي في جرائم الصحافة، إصدارات مركز الدراسات والأبحاث الجنائية بمديرية الشؤون الجناية والعفو، سلسة العمل القضائي، العدد 2، المملكة المغربية، وزارة العدل والحريات.ص 72.

 ضوابط المعالجة القضائية للشأن الإعلامي بين النص القانوني والممارسة القضائية، ورقة أعدها ذ.هشام ملاطي قاضي ملحق بوزارة العدل والحريات بمناسبة الحوار الوطني حول الإصلاح العميق والشامل لمنظومة العدالة .وزارة العدل والحريات، المملكة المغربية.[11]

[12]  حكم صدر عن المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء بتاريخ 2011/07/04 عدد 8254 مكرر ملف عدد 2010/18/229.

[13] الأستاذ هشام ملاطي، المرجع السابق.

 حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء عدد 12170 صدر بتاريخ 2011/07/11 ملف عدد 2011/18/68.[14]

اترك تعليقاً