نظرة الميسرة أو الأجل القضائي بين الفقه الإسلامي والقانون

2016 11 12
2016 11 12

نظرة الميسرة أو الأجل القضائي بين الفقه الإسلامي والقانون

img-20160704-wa0056

مصطفى اعليوي

طالب باحث

تتضمن الالتزامات  قوة ملزمة للمتعاقدين و الرضوخ و الإذعان لها،بحيث لا يستطيع أي طرف أن يعدل أو ينهي الالتزام بإرادة واحدة أو يتملص من التنفيذ ما لم يصرح القانون بخلاف ذلك إذا ما  كان العقد صحيح و حال أجل الوفاء، فانه يصبح واجب التنفيذ ما لم يستطيع المدين الوفاء لعسره ،فأباح  القانون تمديد  أجلا أخر ليتمكن المدين المعسر من  التنفيذ، و منح للقاضي سلطة التدخل في مواجهة و تكييف الظروف،  التي لحقت المدين، فإلى أي حد اقر القانون ضمانات تمكن  المدين المعسر بالوفاء بدينه؟ و كيف نظم الفقه الإسلامي حالة المدين المعسر ؟

اقرأ أيضا...

نظرة الميسرة في الفقه الإسلامي

لا شيء اصدق من أن نبدأ بقوله عز و جل *و إن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة و أن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون * يعتبر مبدأ نظام المدين المعسر إلى أن يوسر في الفقه الإسلامي مبدأ إنسانيا و نظام اجتماعي شامل جامع مانع،  يضم مجموعة من المبادئ و القواعد المعيارية  المستمرة عبر الزمان باختلاف المكان عبر أرجاء المعمورة، فإذا ما حاولنا تأصيل مدونة نابليون 1804 التي ما فتئ الغرب يعتبرونها إنتاج خاص بهم ، نجد أن قواعدها  مستمدة و مشكلة من قواعد الفقه الإسلامي ؛ فهي علاقة فرع بأصل مدونة نابليون فرع  و الفقه الإسلامي كأصل وما الأجل القضائي – نظرة الميسرة -إلا قاعدة من القواعد ، التي تطرقت لها الشريعة الإسلامية وفصل فيها الفقه الإسلامي فهي تمثل جانب من الرأفة و الرحمة بالناس و التيسير عليهم و دفع الحرج عنهم.

و المقصودة بالعسرة المومأ لها أعلاه ضيق الحال من جهة المال ، أما النظرة فهي التأخير و من ذلك أنظرتك الدين أي أخرتك.وقد جاء في السنة النبوية العديد من الأحاديث الثابتة عن الرسول صلى الله عليه و سلم، التي تحض على منح نظرة الميسرة للمدين حتى يتبين يسره منها قوله *من انظر معسر كان له بكل يوم صدقة * و قوله عليه الصلاة و أزكى   السلام *من انظر معسر أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله* فأجمع الفقهاء على منح نظرة الميسرة للمدين المعسر أو المفلس بشرط ثبوت إعساره و يجب أن تقوم البينة على إعسار المدين حتى ينظر إلى الميسرة لعدم الإضرار بالغرماء.

وقد قال الإمام ابن كثير في تفسيره للآية أن الله عز جلاله أمر بالصبر على المعسر، الذي لا يجد وفاء ولما كان آهل الجاهلية يقول احدهم لمدينه إذا حل عليه الدين إما أن تقضي و إما أن تربي  فهي- نظرة الميسرة- ناسخة أو كاشفة لزمان ضلالي و تعسفي ،  فكان للإسلام دور محوري في كشف الغمة و وضع حد للجور و تنظيم المعاملات وفق قالب اجتماعي عادل .

و بالنظر إلى هذه الأدلة الثابتة بالكتاب و السنة يمكن القول أن الفقه الإسلامي نظام اجتماعي متوازن يحقق العدالة الاجتماعية، يتميز بخاصية التسامح في الاستيفاء و الأداء، على اعتبار أن الأصل يكون استيفاء الحق كله أو بعضه تسامحا و إيثارا خاصة إذا كان المدين في ضائقة  بمنح نظرة الميسرة التي حث الشارع عليها ووعد بالجزاء الموفور في الدنيا قبل الآخرة.

يشترط في نظرة الميسرة  في الفقه الإسلامي مجموعة من الشروط و الضوابط اللازم توافرها منها :

-أن يكون الدين المطالب به حال الأداء و هذا الشرط مفهوم لان نظرة الميسرة أساسا إنما تكون عند حلول الأجل المتفق عليه مع إمكانية التنفيذ، و تتمثل في اجل يمنحها القاضي إلى حين ميسرة المدين المعسر بإضافة  مدة معينة يستقيل  بتقديرها القاضي  حسب ظروف المدين و الدائن و مقدار الدين و غيرها ما إن تحقق أن له مالا سقط الآجل القضائي المسموح له و التزام بالوفاء بدينه.

-أن يكون المدين ذا عسرة حتى يتبين انه لا يملك مالا على الإطلاق إلا ما استثني لحاجته الضرورية، و يعود تقدير إعسار المدين أو يسره إلى اجتهاد القاضي.

– ألا يكون الوفاء نتيجة مماطلة المدين و سوء نيته أما إذا كان عدم الوفاء قد جاء نتيجة مطل و تبين انه معسر، فانه يكون قد عصى أوامر الله عز و جل وجاء في محكمه الكريم *يأيها الذين امنوا أوفوا بالعقود* و السنة النبوية عززت ذلك ،و  اعتبرت المماطلة في أداء الدين ظلم و جور نسبة إلى قوله صلى الله عليه وسلم  *مطل المدين ظلم *و اجتمع العلماء على معاقبة المدين المماطل الذي يتوفر على ما يمكنه من تسديد دينه، فللقاضي أن يحجز عليه و يبيع ماله للوفاء بما عليه من دين.

الأجل القضائي في القانون الوضعي

يعتبر الأجل القضائي تلك المهلة التي يعطي فيها القاضي للمدين أجلا ليتمكن فيه من سداد ديونه إذا حال بينه و بين تنفيذ التزامه أمر طارئ خارج عن إرادته.

إذا هو إرجاء لتنفيذ التزام ما أمر به القضاء رغم حلول الأجل أي الوفاء مراعاة لوضعية المدين و ظروفه، و على الرغم من آن هذا الأجل هو استثناء إلا انه من النظام العام فلا يمكن تعطيل هذا الحق و بالتالي يقع باطلا كل اتفاق يخالف ذلك.

  إن نظرة الميسرة تتسم بعمومية التطبيق سواء من حيث محل الالتزام أو مصدر الالتزام  فمن حيث محله تمنح نظرة الميسرة في كل الالتزامات،  بصرف النظر عن محلها سواء كان محل الالتزام  أداء مالي أو القيام بعمل أو من حيث مصدر الالتزام تمنح نظرة الميسرة في جميع الالتزامات سواء كان مصدر الالتزام توافق إرادتين – العقد – أو إرادة منفردة .

  يمنح القاضي أجلا للمدين بتوفر مجموعة من الشروط:

_أن تكون حالة المدين تستدعي أن يمنح القاضي الأجل  وجب أن يكون حسن النية في تأخره في الوفاء  لا مقصرا في ذلك ،و لا يجوز أن يكون معسرا و إلا فلا جدوى من منحه الآجل المذكور بل يجب أن يكون عنده من المال ما يكفيه للوفاء بالتزامه، و ليس في مقدوره مؤقتا أن يبيع هذا المال ليقوم بالوفاء كأن يكون المال عقارا أو منقولا يتعذر بيعه في الحال .

_ألا يصيب الدائن من جراء المدين الآجل القضائي  ضررا جسيما فإذا  كان في فيها ما يصيب الدائن بضرر جسيم، كآن يكون قد اعتمد على استيفاء الدين ليفي هو دينا عليه للغير لا يستطيع التأخر في الوفاء به ، و كان الأجل القضائي  مثلا يفوت عليه صفقة يعود فواتها بضرر له، فليس من العدل إغاثة المدين عن طريق الضرر الذي يصيب الدائن .

_ألا يكون مانع قانوني يمنع الأجل  القضائي  و كذلك الأجل الذي يمنحه القاضي للمدين يجب أن يكون  أجلا معقولا، فلا يجوز أن يمنح القاضي المدين آجلا طويلا يعطل فيه الدائن حقه بل يجب أن يقاس الأجل بقدر ما هو ضروري ليتمكن المدين من الوفاء.

إلا أن الأجل الذي يمنحه القاضي  للمدين يسقط في بعض الأحوال منها، إذا أعسر المدين أو أشهر إفلاسه و كذا إذا لم يقدم المدين للدائن ما وعد تقديمه من تأمينات و ضمانات للوفاء بالدين.

-إذا توفرت شروط المقاصة بين الدائن و المدين

صفوة القول أن مبادئ و قواعد الفقه الإسلامي لها قيمة قانونية تشريعية انعكست إيجابا على القوانين الوضعية و اللاتينية التي تخفي مصدر قوانينها، فيبقى الفقه الإسلامي ،حتى  إن اختلفت مذاهبه الفقهية في هذه المجموعة القانونية الكبيرة  -الفقه الإسلامي- يضم ثروة من المبادئ و الأصول يتمكن بها من أن يستجيب إلى مطالب وحاجيات الحياة.

اترك تعليقاً