دور القضاء في حماية الاطراف الضعيفة في المجال الاقتصادي

2016 12 01
2016 12 15

دور القضاء في حماية الاطراف الضعيفة في المجال الاقتصادي

عماد الخطابي

مقدمة

ادت التطورات الاقتصادية و الاجتماعية الى اختلال في التوازن العقدي, فلم تعد العقود تقوم على اساس توازن مصلحي اقتصادي, تتناسب فيه التزامات الطرفين, خصوصا في العقود التي يكون احد اطرافها مهني و الاخر مستهلك, اذ غالبا ما يستغل المهني وضعه المتفوق في وضع شروط قد تكون مجحفة بالنسبة للطرف الاخر الذي يضطر للقبول لحاجة ام لجهل بحيثيات العقد ما يضعه في موقع الطرف الضعيف في العقد, و يقصد بالطرف الضعيف في العقد الطرف الذي تنقصه القوة الجسمية او المعنوية, وقد اعتبر فريدريك لوكريك ان الضعف يتضح من خلال علاقة تعاقدية بين شخصين يحكمهما التخوف بحكم ضعف احدهما وذلك لاسباب متعددة : 1. ضعف المؤهلات الجسمية و النفسية . 2. ضعف المؤهلات التقنية.ويتمثل اما في ضعف التجربة او الخبرة او او الكفاءة او الامية او الحاجة الى السلعة او الخدمة. 3. غياب توازن بين اطراف العلاقة التعاقدية بحكم الظروف الاقتصادية و الاجتماعية لاحدهما. وقد انتبهت التشريعات الحديثة لهذا الاختلال الواقع في التزامات اطراف العلاقة التعاقدية, وحاولت العمل على استدراك هذا الخلل من خلال سن تشريعات تهدف لحماية الطرف الضعيف في العقد كما هو الحال بالنسبة للتشريع المغربي الذي اعتمد قانون 31.08 القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك, وسخر لذلك اجهزة ادارية عهد اليها بصلاحية مقاومة الشروط التعسفية المضمنة في نماذج العقود, المعروضة على المستهلكين, كما هو الحال بالنسبة للمجلس الاستشاري الاعلى للاستهلاك (المادة 204 قانون رقم 31.08) , الا ان ابرز جهاز يعول عليه لحماية الاطراف الضعيفة هو جهاز القضاء, فمن خلال قراراته و احكامه التي تمثل المستوى العملي للقاعدة القانونية بامكانه ان يلعب دورا مهما في تحقيق التوازن العقدي و التخفيف من حدة الاجحاف و الاستغلال الممارس على الاطراف الضعيفة,وهو ما سنتحدث عنه من خلال موضوع “دور القضاء في حماية الاطراف الضعيفة في المجال الاقتصادي”. اذا الى اي حد استطاع القضاء المساهمة في حماية الاطراف الضعيفة وتحقيق التوازن العقدي؟ هل كان تدخله فعالا واستطاع استثمار الاليات المتاحة له قانونيا؟ ام ان تدخله كان محدودا و اعوزته الوسائل؟. للاجابة عن هذه التساؤلات سنتناول الموضوع وفق التصميم التالي : المبحث الاول : اليات الحماية القضائية للطرف الضعيف. المطلب الاول : تفسير الشروط الغامضة في العقد لمصلحة الطرف الضعيف المطلب الثاني : الرقابة القضائية على الشروط التعسف المبحث الثاني : الحماية القضائية للطرف الضعيف في العقود الاستهلاكية- القرض الاستهلاكي نموذجا-. المطلب الاول : تعريف القرض الاستهلاكي وانواعه المطلب الثاني : مظاهر الحماية القضائية للطرف الضعيف في عقد القرض الاستهلاكي

المبحث الاول : اليات الحماية القضائية للطرف الضعيف.

المطلب الاول : تفسير الشروط الغامضة في العقد لمصلحة الطرف الضعيف .

يقصد بالتفسير تلك العملية الذهنية التي يقوم بها القاضي من اجل الوقوف على الارادة الحقيقية للمتعاقدين, وللقاضي الحق في ان يستعمل كل الاساليب القانونية التي من شانها ان تساعده على معرفة قصدهما , وتتيح عميلة التفسير للقاضي صلاحيات وسلطات مهمة لاعادة التوازن للعقد و حماية الطرف الضعيف, الا ان هذه الصلاحيات تتحدد حسب ما اذا كانت شروط العقد واضحة جلية (الفقرة الاولى) ام غامضة مبهمة (الفقرة الثانية).

الفقرة الاولى : تفسير شروط العقد الواضحة.

ينص الفصل 461 من قانون الالتزامات و العقود “إذا كانت الفاظ العقد صريحة, امتنع البحث عن قصد صاحبها.” يستشف من هذا الفصل انه في الحالة التي تكون فيها الفاظ العقد صريحة وواضحة, يمنع على القاضي تفسير العقد و يجبر على الاخذ بالمعنى الظاهر دون ان ينحرف عنه, وهذا في الحالة التي تعبر فيها الالفاظ الواضحة عن ارادة صريحة وواضحة, و هو ما سار عليه القضاء المغربي من خلال عدة قرارات منها قرار للمجلس الاعلى سابقا محكمة النقض حاليا بتاريخ 13/02/1962 “ان قضاة الموضوع مكلفون بتطبيق الاتفاقيات المبرمة, وليس من الجائز لهم تغييرها متى كانت شروطها واضحة وبينة “. اضافة الى قرار محكمة الاستئناف التجارية رقم ” 1554″الصادر بتاريخ1-11-2007 ملف عدد 838/07, الذي جاء فيه “تفسير الاحكام قاصر على شرح ما يكون غامضا به دون زيادة او نقصان في المنطوق او تغيير في الحقوق المكتسبة به ويجب ان يكون ضيقا يقصد منه الشرح فقط و ليس ذريعة لتعديل الحكم او الطعن فيه” . ورغبة من المشرع في تجاوز هذه الحالة دعى في المادة 9 من قانون حماية المستهلك الى الوضوح في العبارات و الشروط اثناء كتابة العقود “فيما يتعلق بالعقود التي يحرر جميع أو بعض شروطها المقترحة على المستهلك كتابة, يجب تقديم هذه الشروط وتحريرها بصورة واضحة ومفهومة…” في هذه الحالة تكون سلطة القاضي محدودة ومقيدة بما ورد في العقد من شروط وعبارات مما يصعب على القاضي التدخل لحماية الطرف الضعيف في العقد.

الفقرة الثانية: تفسير شروط العقد الغامضة.

الشروط الغامضة هي الشروط التي تتضمن عبارات غير واضحة و مبهمة, تكون فيها العبارات قاصرة عن التعبير السليم عن الارادة, وقد نص الفصل 462 من قانون الالتزامات و العقود على الحالات التي يتم التفسير او التاويل فيها كالتالي : “1 ـ إذا كانت الألفاظ المستعملة لا يتأتى التوفيق بينها وبين الغرض الواضح الذي قصد عند تحرير العقد. 2 ـ إذا كانت الألفاظ المستعملة غير واضحة بنفسها، أو كانت لاتعبر تعبيرا كاملا عن قصد صاحبها. 3-إذا كان الغموض ناشئا من مقارنة بنود العقد المختلفة بحيث تثير المقارنة الشك حول مدلول تلك البنود.” قد يتعمد الطرف القوي في العقد صياغة الشروط بهذا الشكل ليحاول استغلالها باعتبار ان الشروط الغامضة ستتيح له امكانية تضمينها ما لم يتم الاتفاق عليه و تتيح له التلاعب بها وفرض التزامات لم تكن حاضرة اثناء توقيع العقد مستغلا بذلك ضعف الطرف الاخر و حاجته الماسة لاتمام التعاقد, او عجزه عن فهم الظروف المحيطة بعملية التعاقد, ليكيفها حسب ما يناسبه اثناء تنفيد العقد, ولهذا يعتبر العقد الذي يتضمن شروطا غامضة المجال الامثل لتدخل القضاء, ولا تسعفنا القواعد العامة المنصوص عليها في قانون الالتزامات و العقود في التصدي لهذه الحالة حيث تنص المادة 473 من ق.ل.ع انه في حالة الشك يؤول الالتزام بالمعنى الاكثر فائدة للملتزم مما يجعل البائع المهني في حالات عدة و هو الطرف القوي في العقد يستفيد من هذه الحماية لانه هو المدين بالالتزام بالمسؤولية , وهو ما يبين عدم جدوى الاعتماد على هذه المادة, ولذلك تدارك المشرع المغربي الامر بالتنصيص على تفسير الشروط الغامضة في العقد لصالح الطرف الضعيف (المستهلك) وذلك في المادة 9 من قانون 31.08 “فيما يتعلق بالعقود التي يحرر جميع أو بعض شروطها المقترحة على المستهلك كتابة، يجب تقديم هذه الشروط وتحريرها بصورة واضحة ومفهومة. وفي حالة الشك حول مدلول أحد الشروط، يرجح التأويل الأكثر فائدة بالنسبة إلى المستهلك.” وجاء في قرار للمجلس الاعلى سابقا بتاريخ 07/01/1976 “ان صراحة الفاظ العقد لا تحول دون تاويله اذا تعذر التوفيق بينها وبين الغرض الواضح المقصود من العقد”. وايضا في القرار الصادر بتاريخ 20 ابريل 1966 الذي ورد فيه ان:”لمحكمة الموضوع الحق في الا تعتبر في العقود الا معناها دون مبناها…” .

المطلب الثاني : الرقابة القضائية على الشروط التعسفية.

اعطى المشرع المغربي اهمية بالغة للشروط التعسفية من خلال تخصيص عدة مواد من قانون 31.08 لبيان مفهوم الشرط الجزائي وعناصره (الفقرة الاولى), ومن خلال منح القضاء الرقابة على الشروط التعسفية واعتبارها الية مهمة لضمان حماية الطرف الضعيف في العقد (الفقرة الثانية).

الفقرة الاولى : ماهية الشرط التعسفي وعناصره .

يقتضي منا الحديث عن الشرط التعسفي تحديد ماهيته (اولا), ثم بيان عناصره (ثانيا).

اولا : ماهية الشرط التعسفي.

بالرجوع لمقتضيات قانون 31.08 نجده عرف الشرط التعسفي في المادة 15 ” يعتبر شرطا تعسفيا في العقود المبرمة بين المورد والمستهلك كل شرط يكون الغرض منه أو يترتب عليه اختلال كبير بين حقوق وواجبات طرفي العقد على حساب المستهلك…” فالملاحظ من التعريف ان معيار اعتبار الشرط تعسفيا يقاس بمدى تحقق نتيجة الاخلال الكبير بتوازن العقد لصالح المهني وهو ما يظهر ان المشرع المغربي تاثر بشكل كبير بتوجهات الاتحاد الاوربي المتعلقة بالشروط التعسفية في العقود المبرمة بين المهنيين و المستهلكين الصادرة عنه بتاريخ (5/4/1993) . كما تاثر المشرع المغربي بالتصور الذي تبنته المفوضية الاوربية في تحديد لائحة بشروط تعسفية اوردها المشرع على سبيل المثال لا الحصر في المادة 18 من قانون حماية المستهلك” مع مراعاة تطبيق النصوص التشريعية الخاصة أو تقدير المحاكم أو هما معا، وعلى سبيل المثال لا الحصر، تعتبر الشروط تعسفية إذا كانت تتوفر فيها شروط المادة 15، ويكون الغرض منها أو يترتب عليها ما يلي : 1. إلغاء أو انتقاص حق المستهلك في الاستفادة من التعويض في حالة إخلال المورد بأحد التزاماته ؛ 2. احتفاظ المورد بالحق في أن يغير من جانب واحد خصائص المنتوج أو السلعة المزمع تسليمها أو الخدمة المزمع تقديمها ؛ غير أنه يمكن التنصيص على أنه يجوز للمورد إدخال تغييرات مرتبطة بالتطور التقني شريطة ألا تترتب عليها زيادة في الأسعار أو مساس بالجودة وأن يحفظ هذا الشرط للمستهلك إمكانية بيان الخصائص التي يتوقف عليها التزامه ؛ 3. إعفاء المورد من المسؤولية القانونية أو الحد منها في حالة وفاة المستهلك أو إصابته بأضرار جسمانية نتيجة تصرف أو إغفال من المورد ؛ 4. إلغاء حقوق المستهلك القانونية أو الحد منها بشكل غير ملائم إزاء المورد أو طرف آخر في حالة عدم التنفيذ الكلي أو الجزئي أو التنفيذ المعيب من لدن المورد لأي من الالتزامات التعاقدية، بما في ذلك إمكانية مقاصة دين للمورد على المستهلك بدين قد يستحقه هذا الأخير على المورد؛ 5. التنصيص على الالتزام النهائي للمستهلك في حين أن تنفيذ التزام المورد خاضع لشرط يكون تحقيقه رهينا بإرادته وحده ؛ 6. فرض تعويض مبالغ فيه أو الجمع بين عدة تعويضات أو جزاءات عند عدم وفاء المستهلك بالتزاماته ؛ 7. تخويل المورد الحق في أن يقرر فسخ العقد إذا لم تمنح نفس الإمكانية للمستهلك، والسماح للمورد بالاحتفاظ بالمبالغ المدفوعة برسم خدمات لم ينجزها بعد عندما يقوم المورد نفسه بفسخ العقد ؛ 8. الإذن للمورد في إنهاء العقد غير محدد المدة دون إعلام سابق داخل أجل معقول، ما عدا في حالة وجود سبب خطير ؛ 9. تمديد العقد محدد المدة بصفة تلقائية في حالة عدم اعتراض المستهلك، عندما يحدد أجل يبعد كثيرا عن انتهاء مدة العقد باعتباره أخر أجل ليعبر المستهلك عن رغبته في عدم التمديد ؛ 10. التأكيد على قبول المستهلك بصورة لا رجعة فيها لشروط لم تتح له بالفعل فرصة الاطلاع عليها قبل إبرام العقد ؛ 11. الإذن للمورد في أن يغير من جانب واحد بنود العقد دون سبب مقبول ومنصوص عليه في العقد ودون إخبار المستهلك بذلك ؛ 12. التنصيص على أن سعر أو تعريفة المنتوجات والسلع والخدمات يحدد وقت التسليم أو عند بداية تنفيذ الخدمة، أو تخويل المورد حق الزيادة في أسعارها أو تعريفتها دون أن يكون للمستهلك، في كلتي الحالتين، حق مماثل يمكنه من فسخ العقد عندما يكون السعر أو التعريفة النهائية مرتفعة جدا مقارنة مع السعر أو التعريفة المتفق عليها وقت إبرام العقد ؛ 13. تخويل المورد وحده الحق في تحديد ما إذا كان المنتوج أو السلعة المسلمة أو الخدمة المقدمة مطابقة لما هو منصوص عليه في العقد أو في تأويل أي شرط من شروط العقد ؛ 14. تقييد التزام المورد بالوفاء بالالتزامات التي تعهد بها وكلاؤه أو تقييد التزاماته باحترام إجراء خاص ؛ 15. إلزام المستهلك بالوفاء بالتزاماته ولو لم يف المورد بالتزاماته ؛ 16. التنصيص على إمكانية تفويت العقد لمورد أخر إذا كان من شأنه أن يؤدي إلى تقليص الضمانات بالنسبة إلى المستهلك دون موافقة منه ؛ 17. إلغاء أو عرقلة حق المستهلك في إقامة دعاوى قضائية أو اللجوء إلى طرق الطعن، وذلك بالحد بوجه غير قانوني من وسائل الإثبات المتوفرة لديه أو إلزامه بعبء الإثبات الذي يقع عادة على طرف آخر في العقد، طبقا للقانون المعمول به. في حالة وقوع نزاع حول عقد يتضمن شرطا تعسفيا، يجب على المورد الإدلاء بما يثبت الطابع غير التعسفي للشرط موضوع النزاع.” ثانيا : عناصر الشرط التعسفي. لتحقق الشرط التعسفي يجب توفر عنصرين اساسين احدهما شخصي و الاخر موضوعي.

العنصر الاول : التعسف في استعمال القوة الاقتصادية للمهني. حيث يتمثل الأول في القوة الاقتصادية، على اعتبار أن المهني يستخدم قوته الاقتصادية والقانونية الناتجة عن خبرته بالعملية التعاقدية والتي تمكنه من فرض شروط على الطرف الضعيف – المقترض – في قالب عقود نموذجية معدة سلفا، لا يمكن التفاوض بشأنها، غير أن هذا المعيار محل نظر عند بعض الفقه، والذي يرى بان القوة غالبا ما تكمن في السيطرة الفنية والتقنية أكثر من القوة الاقتصادية.

العنصر الثاني :الميزة المفرطة التي يحصل عليها المهني. أما فيما يخص العنصر الثاني، والمتمثل في الميزة الفاحشة، وهي عدم التوازن بين الالتزامات المترتبة على العقد، سواء عن طريق المبالغة في تعداد الالتزامات الملقاة على عاتق المقترض أو عن طريق التخفيف من التزامات المهني، وقد تكون ذات طابع مالي، وقد تشمل أشياء أخرى كجوهر الشيء وتسليمه وتنفيذ العقد وفسخه وإبطاله.

الفقرة الثانية : الرقابة القضائية على الشروط الجزائية التعسفية .

الاصل ان تحديد التعويض هو من اختصاص قاضي الموضوع, الا انه استثناءا يمكن للمتعاقدين الاتفاق على تقدير التعويض مسبقا, في حالة عدم قيام احدهما بتنفيذ التزاماته او التاخير في تنفيذها, وهذا ما يسمى بالشرط الجزائي , ورغبة من المشرع في حماية الطرف الضعيف في العقد اعطى للقاضي سلطة جد ممهمة في تحديد و تعديل الشرط التعسفي الجزائي و التحكم فيه من خلال الغائه (اولا), او مراجعته (ثانيا).

اولا : الغاء الشرط التعسفي الجزائي.

بالرجوع لمقتضيات قانون حماية المستهلك نجده اعطى للقاضي سلطة تقديرية في تحديد الشروط التعسفية التي فيها اجحاف كبير بالمستهلك, ومتى اتضح له ان الشرط الجزائي يتضمن مبالغة في تقدير التعويض ومن شانه ان يؤدي الى اختلال كبير بين اطراف العقد الاستهلاكي, فانه يعتبر شرطا تعسفيا , وبالتالي شرطا باطلا ولاغيا طبقا للمادة 19 من قانون 31.08 .

ثانيا : مراجعة الشرط التعسفي. اتاح المشرع المغربي للقضاء سلطة مراجعة الشرط الجزائي من خلال مقتضيات الفصل 264 من قانون الالتزامات و العقود, اما بالزيادة فيه اذا كان زهيدا, او تخفيضه اذا كان مبالغا في ارتفاعه, او في حالة التنفيذ الجزئي. ففي حالة المبالغة في التعويض يبقى للقضاء صلاحية التدخل و تعديل الشرط الجزائي بتخفيضه دون الاخلال بتوازن العقد و الاضرار بالطرف الاخر. كما يتم تخفيض الشرط الجزائي في الحالة التي يكون فيها الالتزام نفد بشكل جزئي. واما في حالة كون المبلغ زهيد للقضاء الحق رفع قيمة الشرط الجزائي ليتناسب مع قيمة الاخلال بالالتزام.

المبحث الثاني : الحماية القضائية للطرف الضعيف في العقود الاستهلاكية-القرض الاستهلاكي نموذجا-.

خصص المشرع المغربي للقرض الاستهلاكي حيزا مهما في قانون حماية المستهلك, في الباب الاول من القسم السادس المعنون بالاستدانية. وقبل التطرق لمظاهر الحماية القضائية للطرف الضعيف في عقد القرض الاستهلاكي(المطلب الثاني), لابد من تعريف القرض الاستهلاكي و بيان انواعه (المطلب الاول) .

المطلب الاول : تعريف القرض الاستهلاكي وانواعه.

الفقرة الاولى :تعريف القرض الاستهلاكي.

عرف المشرع المغربي القرض الاستهلاكي في المادة 74 من قانون حماية المستهلك”كل عملية قرض ممنوح بعوض او بالمجان من مقرض الى مقترض يعتبر مستهلكا” و تدخل في حكم عمليات القرض عمليات الإيجار المفضي إلى البيع والإيجار مع خيار الشراء والإيجار المقرون بوعد بالبيع وكذا البيع أو تقديم الخدمات التي يكون أداؤها محل جدولة أو تأجيل أو تقسيط .

الفقرة الثانية: انواع القروض الاستهلاكية.

اولا: القرض المخصص: القرض المخصص يكون مرتبطا بعقد آخر بحيث يمنح التمويل لشراء منتوج أو خدمة معينة . و هو كل عقد قرض خصص لتمويل سلعة او منتوج او تقديم خدمة معينة , و منح المشرع للمقترض الامتناع عن تنفيذ التزاماته المقابلة اتجاه المقرض الا عند تسلمه للمنتوج او السلعة او الاستفاذة من الخدمة , كما ان حدود التزام المقترض محصور فيما استفاذ منه بموجب ذلك العقد.

ثانيا :القرض الاستهلاكي المجاني. و هو كل قرض يسدد بدون اداء فوائد, و هدفه انعاش المبيعات التي يقترحها الموزعون على زبناء شركات القروض للاستهلاك, و تكون مدة تسديد اقساطه قصيرة.و بصفة عامة فللمستهلك المقترض التمسك امام مقدم هذا النوع من القروض بطابع المجانية مجابها اياه بالاشهار المعلن لذلك العرض , و قد منع قانون 08-31 مطالبة المستفيذ من ذلك القرض بمصاريف او مبالغ اضافية تزيد عن السعر المتوسط لنفس السلعة او الخدمة مماثلة مع غيرها.

المطلب الثاني : مظاهر الحماية القضائية للطرف الضعيف في عقد القرض الاستهلاكي

الفقرة الاولى : الشروط التعسفية في القرض الاستهلاكي.

تعد القروض الاستهلاكية مجالا خصبا للشروط التعسفية ما يقتضي منا تحديد مظاهر الشرط التعسفي في القرض (اولا), ثم وسائل الحماية (ثانيا). اولا : مظاهر الشروط التعسفية في القروض الاستهلاكية. تتعدد صور الشرط التعسفي في القروض الاستهلاكية الا انه غالبا ما يتمثل في تجاوز الحد المعقول لسعر الفائدة (أ), وفي الحيلولة دون التسديد المبكر للقرض(ب) . (أ): تجاوز الحد المعقول لسعر الفائدة الاتفاقية. يعد الرفع من سعر الفائدة ابرز صور الشروط التعسفية في القروض الاستهلاكية, سواء تعلق الامر بالفوائد البنكية أو بفوائد التاخير الاتفاقية, والاصل ان الفوائد البنكية تحدد بواسطة دوريات صادرة عن والي بنك المغرب, الذي يحدد السقف الذي يجب ان تبلغه هذه الفوائد, وبالتالي لا يمكن للمؤسسة البنكية ان تتجاوزه, ويبقى لها الحق في ان تفرض حدا ادنى وهو ما يساهم في الرفع من التنافس بين المؤسسات البنكية, الشيئ الذي يفترض ان يخدم المستهلك, الا ان هذه الابناط في العديد من الحالات لا تتقيد بالحد الموضوع من طرف والي بنك المغرب وتعمل على تجاوز الحد المسموح به, مستغلة وضعها الاقتصادي القوي و ضعف المقترض بجهله بالامور الفنية و الاقتصادية المحيطة بابرام هذا العقد ومستغلة ايضا حاجة المقترض للقرض لتلبية حاجياته الاستهلاكية, ولا يقتصر البنك على الفوائد التاخيرية فقط, وانما يحدد غرامات متعددة على الزبون المتوقف عن اداء الاقساط الحالة و الواجبة, و الاكثر من ذلك ان البنك يستخلصها تلقائيا دون الرجوع الى القضاء, و لا حتى توجيه انذار الى المقرض يعلمه فيه انه قد تاخر عن دفع قسط او عدة اقساط . وفي حالة النزاع نجد القضاء يعمل على تخقيض نسبة الفوائد, ففي حكم لملحكمة التجارية بالرباط يحمل رقم 1242 بتاريخ 24/03/2014 في ملف رقم 62/8/2014 , والذي جاء فيه: بناء على المقال الافتتاحي للدعوى المقدم من الطرف المدعي بواسطة نائبه و المؤدى عنه الرسوم القضائية بتاريخ 07/01/43 عرض فيه ان المدعي عليه اقترض منه مبلغا ماليا حسب عقد لقرض للاستهلاك وانه نتيجة اخلال المدعى عليه بالتزاماته اصبح مدينا لفائدته بمبلغ 46.835,78 درهم وذلك الى غاية حصر الحساب بتاريخ 30/11/2013, وان جميع المحاولات الحبية المبذولة مع المدعى عليه لحمله على الاداء باءت بالفشل والتمس لاجل ذلك الحكم على المدعى عليه بادائه لفائدته مبلغ الدين المحدد اعلاه و الفائدة البنكية بنسبة 7% و الضريبة على القيمة المضافة و الغرامة التعاقدية بنسبة 10% الكل ابتداء من 30/11/2013 وبشمول الحكم بالنفاذ المعجل وبتحديد مدة الاكراه البدني في الحد الاقصى وبتحميله الصائر. وبالنظر الى بنود العقد اعتبرت المحكمة الامر يتعلق بعقد قرض للاستهلاك الشخصي المؤطر وفق قانون 31.08 القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك, والذي تعتبر احكامه من النظام العام, ويبقى للمحكمة بالتالي كامل السلطة في اثارتها تلقائيا. وحكمت المحكمة على المدعى عليه بادائه لفائدة المدعية مبلغ 11.564,67 درهم برسم الاقساط الغير مؤداة وفائدة التاخير عنها, ومبلغ 22.962,97 درهم برسم الراسمال المتبقي مع فائدة التاخير عنه بنسبة 4% . واستندت المحكمة في قرارها على عدة مواد منها المادة 108 من قانون 31.08 القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك والتي تشير انه لا يمكن للمقترض ان يتحمل اي تعويض او تطلفة اخرى غير ما تم ذكره سلفا, و المادة 110 من نفس القانون و التي تلزم المقرض بضرورة اثبات المصاريف التي يكون قد دفعها بسبب توقف المقترض عن الاداء. وفي حكم اخر للمحكمة التجارية بالرباط رقم 1741 بتاريخ 28/04/2014 ملف رقم 85-14, الذي جاء فيه انه بناء على المقال الافتتاحي للدعوى الذي تقدمت به المدعية بواسطة نائبها, المسجل بكتابة ضبط هذه المحكمة و المؤداة عنه الرسوم القضائيىة بتاريخ 8/1/2014, تعرض فيه انها دائنة للمدعى عليه بمبلغ 29594,53 درهم ناتج عن عقد قرض, وانه تقاعس عن اداء الاقساط التي بذمته رغم انذاره بالاداء, ملتمسة الحكم عليه بادائه لها مبلغ 29594,53 درهم الذي يمثل اصل الدين, مع الفوائد القانونية ابتداء من تاريخ الطلب اضافة الى التعويض عن التماطل قدره 10% من مبلغ الدين الاصلي, مع النفاذ المعجل وتحديد الاكراه البدني في الاقصى, وتحميله الصائر, مرفقة مقالها بعقد قرض , كشف حساب , رسال انذار ,صورة لبطاقة تعريف المدعى عليه , واصل بعيثة بريدية. وحكمت المحكمة على المدعى عليه باداء 6109,03 درهم عن الاقساط الحالة الغير مؤداة, مع تحديد مدة الاكراه البدني في الادنى و تحميله المصاريف بحسب المحكوم به ورفض باقي الطلب. ورفضت المحكمة طلب الفوائد القانونية و التعويض عن التماطل واعتبرتهما غير مبررين, لعد التنصيص عليهما في المواد من 103 و من 107 من القانون رقم 31.08 القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك.

ب: الحيلولة دون التسديد المبكر للقرض.

ان التسديد المبكر للقرض يعد وسيلة يتمكن من خلالها المقترض(المستهلك) انهاء التزاماته المتمثلة في اداء الاقساط المترتبة عن القرض, فكثيرا ما تتغير الاحوال المالية للشخص و يرغب في انهاء الالتزام و ازالته عن عاتقه, الا انه يصطدم في الغالب الاعم برفض المقرض, على اعتبار ان الفوائد البنكية التي يؤديها المستفيد من القرض عن القرض بشكل الربح الاساسي للمؤسسات البنكية من وراء منح القروض, واذا كان من مصلحة المقرض الرفع قدر الامكان من سعر القائدة قصد الحصول على السيولة النقدية, فانه ليس من مصلحته ايضا ان يفلت الزبون من هذه الفوائد بان يقوم بالاداء المسبق للاقساط المستقبيلة التي لم يحل اجل استتحقاقها بعد. ومن اجل الحيلولة دون تمكن المقترض من الاداء المسبق لراسمال القرض, فان البنك يجابهه بعدة عراقيل تجعل الدفع المسبق صعب التحقق, وذلك بان يفرض على الزبون اداء المبلغ المتبقي من الراسمال بعد فترة طويلة من ابرام العقد .

الفقرة الثانية : الامهال القضائي

نص المشرع في عدة مقتضيات قانونية على سلطة القضاء في منح مهلة للوفاء بالدين تمثل فرصة ثانية تمكنه من تنفيذ التزامه من ذلك ماجاء في الفصل 243 من قانون الالتزانات و العقود :”…يسوغ للقضاة, مراعاة منهم لمركز المدين, ومع استعمال هذه السلطة في نطاق ضيق ان يمنحوه اجالا معتدلة للوفاء وان يوقفوا اجراءات المطالبة مع ابقاء الاشياء على حالها”. بالاضافة الى ماجاء المادة 149 من قانون 31.08 ” ….يمكن ولاسيما في حالة الفصل عن العمل أو حالة اجتماعية غير متوقعة أن يوقف تنفيذ التزامات المدين بأمر من رئيس المحكمة المختصة. ويمكن أن يقرر في الأمر على أن المبالغ المستحقة لا تترتب عليها فائدة طيلة مدة المهلة القضائية. يجوز للقاضي، علاوة على ذلك أن يحدد في الأمر الصادر عنه كيفيات أداء المبالغ المستحقة عند انتهاء أجل وقف التنفيذ، دون أن تتجاوز الدفعة الأخيرة الأجل الأصلي المقرر لتسديد القرض بأكثر من سنتين. غير أن له أن يؤجل البت في كيفيات التسديد المذكورة إلى حين انتهاء أجل وقف التنفيذ.” واستنادا على هذه المادة قضت المحكمة الابتدائية بمكناس بامر ايقاف التزام المدعي المتمثل في اداءه لباقي الاقساط المستحقة عن عقد القرض العقاري الذي ابرمه مع المدعى عليها مع ما يترتب عن ذلك من اثار قانونية, وذلك الى حين انتهاء حالة عطالته عن العمل او تنفيذه للحكم الناتج عن دعوى اداء التعويضات عن العمل المقدمة في مواجهة مشغله مع النفاذ المعجل. وهو ما اكده قرار محكمة النقض عدد366 الصادر بتاريخ 19 يونيو 2014 في الملف التجاري عدد 520/3/1/2014 الذي جاء فيه “يحق للمدين ايقاف تنفيذ التزاماته بناء على امر يصدره رئيس المحكمة المختصة و الاستفادة من المهلة القضائية المنصوص عليها في المادة 149من القانون 31.08 المتعلق بحماية المستهلك, مع عدم ترتيب اي فائدة اثناء سريان المهلة القضائية في حالة حرمانه من اجره بسبب فصله عن العمل, او حالة اجتماعية غير متوقعة ويجوز علاوة على ذلك ان يحدد في الامر الصادر عنه كيفيات اداء المبالغ المستحقة عند انتهاء اجل وقف التنفيذ, وان عبارة “يجوز للقاضي”الواردة في الفقرة الثانية من الفصل المذكور تعود على رئيس المحكمة باعتباره هو من يصدر الاوامر وليست محكمة الموضوع” وقيد المشرع المغربي هذه السلطة بمجموعة من من الشروط وهي المذكورة في الفصل وهي المذكورة في الفصل 243 من قانون الالتزامات و العقود, وتتمثل هذه الشروط في : 1. ضرورة منح مهلة الميسرة في نطاق ضيق وبمراعاة مركز المدين: وهذا يعني ان المحكمة لا يمكنها ان تمنح مهلة للمدين الا اذا كانت ظروفه او مركزه الاقتصادي يستدعي ذلك, كحالة فصله عن العمل, او تدهور الظروف التجارية بسبب ظروف غير متوقعة. 2. حسن نية المدين: تعرض المشرع المغربي لمبدا حسن النية في الفصل 231 من قانون الالتزامات و العقود, كما جعل نبدا حسن النية هو الاصل وعلى من يدعي خلاف ذلك إثباته . 3. ان يكون الاجل الممنوح معقولا: ان المشرع المغربي لم يحدد اجلا يتقيد به القضاة في امهال المقترض, وبذلك ترك المجال مفتوحا من الناحية الزمنية لاعمال سلطة القاضي التقديرية لمنح مهلة الميسرة, مما يمكن معه معالجة كل حالة على حدة, تبعا لاختلاف ظروف و ملابسات كل قضية. وحدد قانون حماية المستهلك المدة القصوى للامهال القضائي في سنتين .

خاتمة ان الدور الموكول الى القضاء في مجال حماية المستهلك دور حساس يقوم على محاولة حماية حقوق الاطراف الضعيفة في العقد, دون التعسف في حق الاطراف الاقتصادية الاخرى, وبالتالي ضرورة مراعاة المصالح الاقتصادية و الاجتماعية للفرد و المجتمع. وقد وفق القضاء في العديد من الحالات في تحقيق الحماية اللازمة للاطراف الضعيفة مستعينا في ذلك بالنصوص الخاصة ابرزها قانون 31.08 القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك.

فهرس الكتب

1. عبد القادر العرعاري, مصادر الالتزامات, نظرية العقد, الطبعة الثالثة 2013. 2. مجلة القضاء و القانون. 3. رياض فخري, حماية حقوق المستهلك الاقتصادية و التمثيلية و الانصات اليه. 4. المهدي العزوزي, تسوية نزاعات الاستهلاك,الطبعة الاولى سنة 2013. 5. سلسلة دراسات و ابحاث 4, منشورات مجلة القضاء المدني. 6. نورة غزلان الشنيوي, العقود الخاصة المدنية و التجارية,الطبعة الاولى, 2016. 7. محمد الهيني, الحماية القانونية و القضائية للمؤمن له في عقد التامين , الطبعة الثانية,2010, PDF.

اترك تعليقاً