النزاع المسلح و الاحتلال العسكري

2016 12 11
2016 12 11

مسلك الماستر في

العدالة الجنائية والعلوم الجنائية

عرض تحت عنوان

النزاع المسلح و الاحتلال العسكري

من إعداد الطالبة:
شيماء الشواطي
نادية البرودي
هدى أبو يعلى
تحت إشراف الأستاذ:
د. رشيد المرزكيوي

 

مقدمة

في دوامة الحديث عن العنف’ و مسبباته و عناصر تكوينه النفسانية و الاجتماعية و السياسية’ و في دوامة تحديد سبل مكافحة الإرهاب في حدود النظام العالمي الجديد و العولمة ذات التوصيفات الثلاثة: ثقافية’ أمنية’اقتصادية…في دوامة كل ذلك’ تطفو النزاعات المسلحة على سطح التجاذبات الدولية. تتمظهر هذه النزاعات في مناطق إستراتيجية ساخنة من العالم تدفعنا إلى القول ” أن نهاية القرن العشرين لا تطاق’ و كذلك مطلع القرن الواحد و العشرين “[1] .

    إذا كان القانون الدولي الإنساني يعترف بواقع النزاعات المسلحة، ويتعامل معه على نحو براغماتي من خلال قواعد مفصلة وعملية تستهدف الأفراد، فإنه بالمقابل  لا  يحاول أن يقرر ما إذا كانت هذه الدولة أو تلك المجموعة من المتمردين تملك أو لا تملك الحق في اللجوء إلى القوة، وإنما يهدف أولا وقبل كل شيء إلى تضييق نطاق المعاناة التي تسببها الحروب على الإنسانية.

هذا وقد تخلى القانون الدولي عن استعمال لفظ “الحرب” واختار مكانه مصطلح “النزاع المسلح” وأطلقه على حالات معينة من استخدام القوة، وذلك بعد  أن دخل مفهوم الحرب المجال العام، وصار يستخدم للإحالة على أوضاع اجتماعية وسياسية أكثر مما هي قانونية، كالحرب الإعلامية والحرب ضد الفساد، والحروب الإلكترونية، وحرب الطرق وما إلى ذلك، كلها أسباب دفعت إلى اعتماد تمييز مفهوم الحرب عن باقي المفاهيم الأخرى فتم تدريجيا حلول مصطلح النزاع المسلح، محله، على الرغم من استمرار بعض الفقهاء في استعمال مفهوم الحرب.

هذا، ويميز القانون الدولي الإنساني بين نوعين من النزاعات المسلحة، وهما النزاعات المسلحة الدولية، والنزاعات المسلحة غير الدولية، وبالإشارة إلى ما جاء في تعريف القانون الدولي، فإن مصطلح النزاع المسلح  حل محل مصطلح الحرب، باعتبار أن الحرب محظورة من حيث المبدأ، بالإضافة إلى أن هذا القانون يقوم على مراعاة ما ينتج عن اندلاع الحروب من آثار مدمرة على الأشخاص والممتلكات، ويفرض على الأطراف المتنازعة الالتزام بقوانين الحرب، وأعرافها أثناء سير العمليات العسكرية، وبالتالي، فإن النزاع المسلح وفقا لاتفاقيات جنيف يأخذ طابعان: طابع النزاع الدولي، وطابع النزاع غير الدولي. وفيهما معا يجب على العسكريين المقاتلين أن يأخذوا على عاتقهم مهمة تنفيذ كل أحكام القانون الدولي الإنساني، وقانون النزاعات المسلحة خلال العمليات القتالية، دون التذرع بأوامر القادة ( من سياسيين وعسكريين على السواء )، كحجة بعدم المسؤولية عن الانتهاكات المرتكبة لهذين القانونين[2].

كما حددت نظرية القانون التشابه بين الاحتلال العسكري كما يراه القانون الدولي الإنساني وبعض العمليات التي تقوم بها الأمم المتحدة[3].  وتتطلب هذه العمليات نشر قوات دولية في أراضٍ ما،في  ظل ظروف يغلب عليها عدم الاستقرار على الصعيدين السياسي والعسكري. يمكن للسلطات الدولية أن تمنح سلطة قيادية واسعة حسب الحالات.

هكذا نجد أن مسألة التركيز على مفهوم النزاعات المسلحة وتصنيفها، كانت ولا زالت تثير العديد من الجدالات القانونية، خاصة مسألة المعيار  لتحديد نزاع مسلح دولي، وما إذا كان تصنيف القانون الدولى للنزاعات المسلحة كنزاعات مسلحة دولية، وغير دولية كاف ليشمل أنواع النزاعات التي تدور حديثا[4].

نفس الشيء فيما يتعلق بالتعريف القانوني للاحتلال وكذلك تحديد القواعد التي تنطبق عليه ’خصوصا مع التطور الذي شهده على مر الزمن بموجب التطورات التعاقدية التي طرأت على القانون الدولي للنزاعات المسلحة والممارسة المتعلقة به. ولذا ينبغي إلقاء الضوء – بقدر الإمكان- على النظام القانوني الذي يطبق على احتلال الأراضي في يومنا هذا.

انطلاقا من هذه الإشكالية، وضعنا تصميما للموضوع، وقد آثرنا أن يكون على الشكل المبين أعلاه.

 

المبحث الأول

  النزاع المسلح و القانون الدولي الإنساني

يعترف القانون الدولي الإنساني (قانون النزاعات المسلحة) بفئتين من النزاعات المسلحة هي النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية. وتشمل النزاعات المسلحة الدولية(المطلب الأول)’ استخدام دولة للقوة المسلحة ضد دولة أخرى. أما النزاعات المسلحة غير الدولية(المطلب الثاني)’  فتشمل العمليات العدائية بين قوات حكومية مسلحة وجماعات مسلحة منظمة, أو في ما بين تلك الجماعات داخل الدولة.

   المطلب الأول

النزاع المسلح الدولي: أطرافه، والقوانين المؤطرة له

يعتبر النزاع المسلح الدولي صراع مسلح يحكمه القانون  الدولي بين القوات المسلحة النظامية لدولتين على الأقل أو بين جيش نظامي وقوات مسلحة (تعرف بالمليشيات) مستقرة على أراضي دولة أخرى تستهدف فرض وجهة نظر إحدى الجهات المحاربة على الأخرى. وهي حالة قانونية اهتم القانون الدولي المعاصر بتقنين قواعدها، وتكون إما شاملة يستخدم فيها كل أنواع الأسلحة المحرم منها وغير المحرم، وإما محدودة (يتقيد الفرقاء باستخدام الأسلحة التقليدية)، وقد تكون عالمية (شهد العالم حربين عالميتين: الأولى 1914ـ1919، والثانية 1939ـ 1945)، أو إقليمية (الحرب العراقية ـ الإيرانية 1980ـ1989).

أولا : أنواع النزاع المسلح الدولي، وأطرافه

   بداية لا بد من الإشارة إلى أنواع النزاعات المسلحة الدولية، والتي نجملها فيما يلي:

  • النزاعات المسلحة البرية: هي عمليات تدار فيها النزاعات العدائية على اليابسة، بين قوى متحاربة من جيوش نظامية، وغيرها من المحاربين، هذا وكانت المادة الأولى من اتفاقية جنيف لعام 1908 قد عرفت المحاربين بأنهم أفراد الجيوش، وأفراد المليشيات والوحدات المتطوعة[5]
  • النزاعات المسلحة البحرية: هي نزاعات مسلحة تدور بين قوات مسلحة بحرية تابعة لجيوش نظامية أو غير نظامية، تمارس العمليات العدائية فيها على سطح الماء، وتحته وفي فضائه الخارجي، بواسطة سفن وطائرات حربية، على أن تتوجه العمليات العدائية فقط ضد الأهداف العسكرية دون تلك التي تتمته بحماية القانون الدولي الإنساني، كما أن حرية الأطراف ليست بمطلقة، من حيث الأساليب المستخدمة في العمليات القتالية[6]
  • النزاعات المسلحة الجوية: وهي نزاعات تجرى فيها العمليات العدائية فوق اليابسة والبحار، ولا يحق إلا للطائرات العسكرية أن تمارس القتال فيها، على أن تحمل هذه الطائرات وطاقمها إشارات مميزة يمكن التعرف عليها عن بعد، ويخضع طاقم الطائرات الحربية لقواعد الحرب والحياد في النزاعات المسلحة البرية، بالإضافة إلى الإحكام الواردة في النصوص المتعلقة بالنزاعات المسلحة البحرية، إن لم يوجد أحكام خاصة بهذه النزاعات[7].

أما بخصوص أطراف هذه النزاعات’ فقد كانت اتفاقية لاهاي الثانية لعام 1899 والمتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية والملحق التابع قد حددت  أطراف النزاع، وأجملتهم في:

– الجيوش النظامية التابعة لأحد الأطراف المتحاربة.

– مجموع الميليشيات والمتطوعين  شريطة حمل شارات مميزة لهم، حمل السلاح علنا، ثم احترام قواعد القانون الدولي الإنساني.

– سكان الأقاليم غير المحتلة والتي باقتراب العدو تحمل السلاح عفويا لمواجهة الغزو دون أن يكون لديها مسبقا الوقت الكافي لتنظيم ذاتها، وهؤلاء في حال سقوطهم أسرى حرب، تصير لهم حقوق وواجبات وفق ما تنص عليه المادة الرابعة من اتفاقيات جنيف لعام 1949.

هذا وكانت المادة 13 من اتفاقية جنيف الأولى، قد أضافت إلى الفئات المذكورة أعلاه الفئات التالية:

– أفراد القوات المسلحة النظامية الذين يعلنون ولاءهم لحكومة أو سلطة لا تعترف بها الدولة الحاجزة.

– الأفراد الذين يرافقون القوات المسلحة دون أن يكونوا جزء منها، مثل المدنيين الموجودين في طاقم الطائرة.

– أفراد الأطقم الملاحية للسفن والطائرات المدنية التابعة لأحد أطراف النزاع، والذين لا يتمتعون بحماية أفضل بموجب أحكام القانون الدولي[8]

 

ثانيا:  النزاعات المسلحة الدولية والقانون الدولي الإنساني

لا شك أن النزاعات المسلحة الدولية أكثر أشكال النزاع خضوعا للقواعد بموجب القانون الدولي الإنساني، إذ تنطبق جميع قواعد لاهاي لعامي 1899 و1907 واتفاقيات جنيف (باستثناء المادة الثالثة المشتركة بين الاتفاقيات) على النزاعات المسلحة والاحتلال، ويصدق القول أيضا على البروتوكول الإضافي الأول[9].

وعلى الرغم من وجود بعض اللبس الذي أدى إلى تفسيرات مختلفة – وهو سمة من سمات أي مجموعة قواعد قانونية – ترى اللجنة الدولية أن هذا الإطار القانوني مناسب بصورة عامة لمواجهة النزاعات المسلحة التي تدور رحاها اليوم فيما بين الدول، فقد صمد هذا الإطار – في معظمه – أمام اختبار الزمن لأنه صيغ كتوازن دقيق بين حتمية الحد من المعاناة في الحرب والضرورات العسكرية.

و يعتبر النزاع المسلح دوليا في حالة اللجوء إلى العنف المسلح، بين دولتين أو أكثر، سواء كان ذلك بإعلان سابق للحرب أو بدونه، ويفرض على الأطراف المتحاربة تطبيق القانون الدولي الإنساني، سواء اعترفت بقيام النزاع أو لم تعترف به كما يطبق في حالات الإحتلال الحربي، ونظرا لخصوصية اتفاقيات جنيف فإنها لا تقوم على مبدأ المعاملة بالمثل كما تحظر اللجوء إلى الأعمال الإنتقامية، وألحق البروتوكول الأول حروب التحرير الوطني، بالنزاعات المسلحة الدولية، بالإضافة إلى حالة النزاع التي تكون المنظمات الدولية طرفا فيها، وبجانب حركات التحرير، وبالتالي فإن قانون النزاعات الدولية هو الأولى بالتطبيق سواء كانت القوات الدولية تابعة لقيادة دولة أو أكثر، أو لقيادة مباشرة من دولة معنية، وأيا كانت الظروف فلا مجال لتطبيق قانون آخر، وإلا انتشرت الفوضى القانونية، وتكريسا لهذا المبدأ جاءت الإتفاقية المتعلقة بسلامة موظفي الأمم المتحدة، والأفراد المرتبطين بها.

أما ما يتعلق بالبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 فنجد أن موضوعه يتعلق ضحايا النزاعات المسلحة الدولية وهو متمم  للاتفاقيات الأربعة لسنة 1949 وتضمن اعتبار حروب التحرير الوطني نزاعا دوليا مسلحا ، ووسع البروتوكول مجال الحماية القانونية للوحدات الصحية وأعوان الخدمات الطبية المدنية على غرار الوحدات الصحية العسكرية’  وأعطى تفاصيل عن وسائل النقل الصحي من سيارات وسفن وزوارق وطائرات.

واعترف البروتوكول لمقاتلي حرب العصابات بصفة المقاتل وصفة أسير الحرب واهتم بالسكان المدنيين وصيانتهم وتجنيبهم تبعات النزاع المسلح أثناء العمليات العسكرية بهدف الحد من الأخطار التي تحدق بالسكان المدنيين زمن الحرب.

     ونصّ البروتوكول على بعث جهاز للاضطلاع بمهام التحقيق في حالات الخرق الجسيمة للقانون   الدولي الإنساني.

المطلب الثاني

النزاعات المسلحة غير الدولية: طبيعتها القانونية وواقعها

تعتبر النزاعات المسلحة الغير الدولية «نزاع ينفجر ضمن أراضي دولة ما، متخطياً حدود التمرد الشعبي أو العصيان»، وتعدّ درجة العنف التي وصل إليها الصراع الدائر بين الفرقاء المعيار الذي يميز بين الحرب الأهلية guerre civile والعصيان أو التمرد rébellion .

ولم يحدد قانون النزاعات المسلحة في اتفاقات عام (1899ـ1907ـ1929ـ1949) مفهوم النزاع المسلح غير الدولي، بل كان لابد من انتظار الملحق الثاني لاتفاقات جنيڤ لعام 1949، والموقع عام 1977؛ ليحدد موقف المشرّع الدولي من هذه النزاعات، عادّاً أن أحكام هذا الملحق تنطبق على النزاعات «التي تدور على إقليم أحد الأطراف السامية المتعاقدة بين قواته المسلحة وقوات مسلحة منشقة أو جماعات منظمة مسلحة أخرى، وتمارس تحت قيادة مسؤولة على جزء من إقليمه من السيطرة ما يمكنها من القيام بعمليات عسكرية متواصلة ومنسقة»، مميزاً إياها عن «حالات الاضطرابات والتوتر الداخلية مثل الشغب وأعمال العنف العرضية الأخرى وغيرها من الأعمال ذات الطبيعة المماثلة التي لا تعدّ منازعات مسلحة»[10].

أولا: القانون  الدولي الإنساني والنزاعات المسلحة غير الدولية

جاءت اتفاقيات جنيف لعام 1949 لتتجاوز الإشكال المتمثل في عدم خضوع النزاعات الداخلية المسلحة لأي سند قانوني، فوضعت على عاتق الدول التزامات محددة نصت عليها المادة الثالثة المشتركة، التي ظلت النص القانوني الفريد الذي يتضمن الحد الأدنى من الحقوق الأساسية لضحايا النزاعات المسلحة الداخلية حتى إبرام البروتوكول الإضافي الثاني لاتفاقيات جنيف لعام 1977، ومعروف أن عملية صياغة هذا البروتوكول التي أسفرت عن هذا البروتوكول، كانت تتصور وثيقة أكثر شمولا، ولكن عدم وجود اتفاق سياسي في الأيام الأخيرة من المؤتمر الدبلوماسي لعام 1977 حال دون الوصول إلى هذه النتيجة[11]، ولم تعرف المادة الثالثة المشتركة النزاع المسلح الداخلي، لكنها انطلقت من واقع افتراض حدوثه على أرض الأطراف المتعاقدة، وفرضت التزامات على أطراف النزاع، وحدد البروتوكول الثاني في مادته الأولى جملة من المبادئ التي تحكم وجود النزاعات المسلحة الداخلية، والتي نص عليها بأنها ” تدوم على إقليم أحد الأطراف السامية المتعاقدة بين قواتها وقوات مسلحة منشقة أو جماعات نظامية مسلحة أخرى، وتمارس تحت قيادة مسئولة السيطرة على جزء من إقليمها، ما يمكنها من القيام بعمليات عسكرية متواصلة ومنسقة، وتستطيع تنفيذ هذا البروتوكول”.

ولا تحتوي المادة الثالثة المشتركة على هذه الشروط الموضوعية القابلة للتطبيق حال اندلاع نزاع مسلح داخلي، علما أن العديد من النزاعات الداخلية التي نشهدها اليوم، تخضع للمادة الثالثة فقط لأن جزءً من الدول التي تندلع فيها النزاعات الداخلية ليست أطرافا متعاقدة في البروتوكول الثاني.

هذا وتكتفي المادة 3 من البروتوكول الثاني في جملتها الأولى بذكر النزاع المسلح الذي ليس له طابع دولي” والدائر في أراضي أحد الأطراف السامية المتعاقدة وتوجب على كل طرف في النزاع تطبيق أحكامها. وهذه المادة لا تعرّف النزاع المسلح غير الدولي، بل تنطلق من كونه ظاهرة موضوعية.[12]

وتشترط المادة لتوفر صفة نزاع مسلح داخلي الشروط التالية :

– لابد للطرف المناهض للحكومة المركزية من تنظيم عسكري فيه قيادة مسؤولة عن سلوك مرؤوسيها، وله نشاط في ارض معينة ويكفل احترام الاتفاقيات .

– لجوء الحكومة الشرعية إلى القوات العسكرية لمحاربة الثوار.

– اعتراف الحكومة بصفة المحاربين للثوار.

  • اعترافها بأنها في حالة حرب.
  • اعترافها بصفة المحاربين للثوار بغرض تنفيذ الاتفاقيات.
  • إدراج النزاع على جدول أعمال مجلس الأمن، او الجمعية العامة التابعين للأمم المتحدة بصفته مهددا للسلام الدولي او خارقا له او يشكل عملا عدوانيا.

– للثوار نظام تتوفر فيه خصائص الدولة

  • سلطات الثوار المدنية تباشر على السكان سلطة فعلية في جزء معيّن من التراب الوطني.
  • تخضع القوات المسلحة لأوامر سلطة منظمة، وتعبّر عن استعدادها لاحترام قوانين الحرب وتقاليدها.
  • تلتزم سلطات الثوار المدنية بمراعاة أحكام الاتفاقيات.

لقد تم الإقرار النهائي للصيغة القانونية المقدمة من طرف اللجنة الدولية للصليب  الأحمر في حالة قيام اشتباك مسلح ليس له طابع دولي على أراضي أحد الأطراف السامية المتعاقدة، يتعين على كل أطراف النزاع أن يطبقوا كحد أدنى الأحكام الآتية: الأشخاص الذين لا يشتركون مباشرة في الأعمال العدائية بمن فيهم أفراد القوات المسلحة والذين يتوقفون عن القتال بسبب المرض أو الجرح أو لأي سبب آخر، يعاملون في جميع الحالات معاملة إنسانية دون تمييز، ويستفيد من نفس الحماية كل مدني شارك في القتال بإرادته أو مجبرا و ذلك دون تمييز… و لهذا تحظر الأعمال التالية على كل المشاركين في القتال ثوارا كانوا أو قوات حكومية وغيره من الجماعات المتناحرة:

الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية و بخاصة القتل بكل أنواعه و بتر الأعضاء و المعاملة القاسية.

أخذ الرهائن والتعذيب والاعتداء على كرامة الشخص أو إهانته.

إصدار الأحكام و تنفيذها دون محاكمة عادلة.

و ليس في تطبيق الأحكام السابقة ما يؤثر على الوضع القانوني لأطراف النزاع[13].

أما فيما يخص أحكام البروتوكول الإضافي الثاني لحماية ضحايا النزاعات غير الدولية فنجد أن: هذا البروتوكول وقع أثناء المؤتمر الدبلوماسي لسنة 1977، وفي بدايته وضعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر مشروعا يتسم بالمرونة و العمومية ليتسنى تطبيق بنوده على كل أنواع النزاعات المسلحة الداخلية. وهكذا فإن وجود نزاع مسلح داخلي يستدعي وجود اشتباك أو مواجهة جماعية بين قوات مسلحة أو مجموعات مسلحة تتوافر فيها الحد الأدنى من التنظيم و تقوم بعمليات عسكرية تحت قيادة مسئولة تتمركز في جزء من الإقليم الوطني. لكن تحقيق هذه الشروط لا تكون دائما في متناول الجماعات المتمردة مما قد يحد من تطبيق بنود هذا النص. وهذا ما دفع إلى رفض المشروع في صيغته هاته، ثم إنه لا يمكن ترك كامل السلطة التقديرية للحكومة القائمة في الإقرار بوجود نزاع مسلح داخل أراضيها من عدمه[14].

وكان البروتوكول الإضافي الثاني قد عرّف النزاع غير الدولي بأنه نزاع تدور أحداثه على إقليم أحد الأطراف المتعاقدة بين قواته المسلحة وقوات مسلحة منشقة أو جماعة نظامية مسلحة أخرى ، وتمارس تلك النزاعات تحت قيادة مسؤولة على جزء من إقليم الطرف المتعاقد، ما يمكنها من القيام بعمليات عسكرية متواصلة ومنسقة، وتستطيع تنفيذ هذا البروتوكول. ( المادة الأول من البروتوكول الثاني الملحق باتفاقيات جنيف ) كما جسّد البروتوكول المذكور قاعدة هامة مفادها عدم جواز التدخل في النزاعات الداخلية، فلا يجوز لأي دولة استغلال القانون الدولي الإنساني في سبيل التدخل في الشؤون الداخلية للدولة التي يدور النزاع الداخلي على أراضيها[15]. (وفق منطوق المادة 2 من البرتوكول 2 الملحق باتفاقيات جنيف).

ودعّم هذا البروتوكول الضمانات الأساسية لغير المقاتلين وتقديم الخدمات اللازمة لمساعدة الأسرى وضمان الحقوق القضائية لهم عند تتبّعهم .

والى جانب هذه المواثيق الدولية يتعيّن ذكر بعض المواثيق الدولية التي لها علاقة بقانون “جنيف” مثل:

  • إعلان سان بتيرسبورغ لسنة 1868 المتعلق بحضر استخدام بعض القذائف المتفجرة .
  • إعلان لاهاي لسنة 1899 لحضر الرصاص من نوع “دم دم” .
  • بروتوكول “جنيف” لسنة 1925 لمنع استخدام الغازات السامة والأسلحة الجرثومية.
  • اتفاقية الأمم المتحدة لسنة 1980 لمنع استخدام بعض الأسلحة التقليدية .

ثانيا: واقع وتحديات النزاعات المسلحة غير الدولية

تعتبر إتفاقيات جنيف من أهم ركائز القانون الدولي الإنساني، وهو مجموعة القواعد التي يجب تطبيقها في الحروب بهدف حماية المدنيين والأشخاص الذين توقفوا عن المشاركة في القتال، ومن بينهم الجرحى والمرضى من العسكريين وأسرى الحرب. علماً أن هذه الاتفاقيات لا تهدف إلى وقف الحروب، بل إلى الحد من وحشية النزاعات المسلحة عن طريق تنظيم الأساليب الخاصة بالحرب. فالاتفاقيات تؤكد أنه حتى في الحرب هناك حدود يجب عدم تخطيها، إذ ليس للعسكريين الحق المطلق في استخدام مختلف الوسائل المتاحة، وإنما يجب على الإستراتيجية العسكرية تنظيم العمليات العسكرية التي تحد من الخسائر والأضرار في صفوف المدنيين. وشهدت سنوات الثمانينيات والتسعينيات دخول معاهدات دولية أخرى حيّز التنفيذ حرّمت أسلحة تقليدية معينة، كالألغام الأرضية المضادة للأفراد وكذلك الأسلحة الكيميائية. ولعل الإنجاز الأبرز كان عام 2009حيث وقّعت أكثر من مئة دولة معاهدة تاريخية ضد استخدام الذخائر العنقودية. من هنا نجد أن المشكلة ليست في القانون الدولي الإنساني أو في الاتفاقيات، إنما هي في عدم احترام القانون وخرقه باستمرار وهذا هو التحدي الكبير الذي نواجهه اليوم. فهناك انتهاكات جسيمة كالنزوح الجماعي للمدنيين وشن الهجمات العشوائية وسوء معاملة الأسرى. فحتى الحروب لها حدود، ولو تم التزام القواعد الموجودة إلى حدّ أبعد، لكان من الممكن تجنّب معظم المآسي التي تفرزها النزاعات المسلحة. بيد أن ثمة جوانب إيجابية وهي أن الكثير من هذه الانتهاكات لم يعد يسمح بالتغاضي عنها، كما أن مساءلة المسئولين عن أفعالهم زادت بشكل مضطرد عبر المحاكم الدولية والمحكمة الجنائية الدول[16].

كما يعد تحديد مفهوم النزاعات المسلحة غير الدولية مثار جدل كبير، لعدم إمكانية الاتفاق على ضوابط موضوعية يمكن على أساسها تمييز هذه النزاعات المسلحة عن غيرها من حالات العنف الداخلية، و واقع الأمر أن إخضاع هذا النوع من النزاعات لقدر من التنظيم الدولي بمقتضى قواعد القانون الدولي العام، ينسحب إلى مرحلتين أساسيتين: ترتبط الأولى ببداية اهتمام القانون الدولي التقليدي بتنظيم، و لو بقدر محدود، للحرب الأهلية ، أما المرحلة الثانية فتتعلق بتطور مفهوم الحرب الأهلية إلى مفهوم النزاعات المسلحة غير الدولية التي مر تنظيمها بدوره عبر مرحلتين أساسيتين خلال التطور الذي عرفته الصكوك الأساسية للقانون الدولي الإنساني[17].

ومن أهم ما نص عليه البروتوكول الإضافي الثاني، ضرورة استفادة كل الأشخاص المقاتلين وغير المقاتلين الذين يتأثرون بالنزاع المسلح، من نصوص هذا الاتفاق. و يلزم الأطراف المتواجهة مراعاة القواعد التي تنظم سلوكهم في القتال اتجاه المدنيين وأعضاء القوات المسلحة التابعة للعدو، و هذه الحماية تكون أثناء و بعد نهاية النزاع المسلح، دون تمييز بين الأشخاص ضحايا النزاع المسلح، .. إلا هذا البروتوكول الإضافي الثاني على الرغم من أنه جاء حقيقة بحماية دولية أكثر شمولا لفائدة ضحايا النزاعات المسلحة غير الدولية، إلا أنه أغفل الحديث عن العديد من النزاعات المسلحة غير الدولية مثل الاضطرابات الداخلية ،التوترات الداخلية.

 

المبحث الثاني

الاحتلال العسكري في قانون النزاعات المسلحة

المطلب الأول

تعريف الاحتلال العسكري

يعتبر الجزء الأساسي من النظام القانوني المتعلق بالاحتلال العسكري مدرج في كل من اللائحة الملحقة باتفاقية لاهاي الرابعة المؤرخة في عام 1907 والخاصة بقوانين وأعراف الحرب البرية[18]، واتفاقية جنيف الرابعة المؤرخة في عام 1949 والمتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب [19], وكذلك في البروتوكول الأول الإضافي إلى اتفاقيات جنيف، المؤرخ في 1977 والمتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة الدولية[20] .

وتنص المادة 42 من لائحة لاهاي لعام 1907، على أنه “تعتبر أرض الدولة محتلة حين تكون تحت السلطة الفعلية لجيش العدو، ولا يشمل الاحتلال سوى الأراضي التي يمكن أن تمارس فيها هذه السلطة بعد قيامها”[21].

يتم هنا الأخذ بمبدأ السلطة الفعلية كما هي الحال بالنسبة للقانون الدولي للنزاعات المسلحة بوجه عام. فمنطوق المادة 42 واضح بشكل كافٍ، إذ إن تعريف الاحتلال لا يرتكز على تصور الأطراف المعنية الذاتي للوضع بل إلى حقيقة واقعة ملموسة موضوعيًا متمثلة في خضوع أرض فعليا لسيطرة سلطة جيش العدو.

عند اعتماد اتفاقية جنيف الرابعة المؤرخة في 1949، تم توضيح هذا التعريف وتوسيعه بعد ذلك[22]’ فمبدأ السلطة الفعلية كما تحدده على وجه الخصوص الفقرة الأولى من المادة الثانية للاتفاقية ينطوي على تطبيق نظام الاحتلال العسكري الذي يطبق حتى لو لم تعترف الأطراف المتحاربة بحالة الحرب. بالإضافة إلى ذلك، يظل هذا النظام واجب التطبيق حتى لو لم تكن الهيمنة الأجنبية ناتجة عن نزاع مسلح. فالفقرة الثانية من المادة نفسها تضيف في الواقع بأنه ” تنطبق الاتفاقية أيضًا على جميع حالات الاحتلال الجزئي أو الكلي لإقليم أحد الأطراف السامية المتعاقدة حتى لو لم يكن هذا الاحتلال يواجه أية مقاومة مسلحة”. وبذلك تخرج المادة الثانية لاتفاقية 1949 عن الإطار الذي حددته المادة 42 من اتفاقية لاهاي لعام 1907 التي ربطت بين هذه الحقيقة وظاهرة الحرب بنصها على أن الاحتلال يتميز بسيطرة “جيش عدو”, فاتفاقية جنيف الرابعة تميل بذلك إلى توحيد القانون الذي يطبق على مختلف أشكال احتلال الأراضي مادامت نتاج عمل عسكري. فالفقرة الأولى من المادة الثانية التي تتعلق بالاحتلال المفروض تنص على أنه ” في حالة الحرب المعلنة أو في أي اشتباك مسلح آخر ينشب بين طرفين أو أكثر من الأطراف السامية المتعاقدة ” والفقرة الثانية المتعلقة بحالات الاحتلال الذي لا يواجه بمقاومة مسلحة تنتهي كلتاهما إلى وضع نظام قانوني متماثل، وهو ذلك النظام الذي نصت عليه اتفاقية جنيف الرابعة.

وبالإضافة إلى هذه الأوضاع، هناك عدة أنواع من الاحتلال للأراضي تبدأ من الاتفاق على الاحتلال أو الدعوة إليه، وتنتهي إلى الاحتلال بعد نهاية الانتداب الدولي (كما كان الحال في ناميبيا بعد 1966). ويتعين إذًا بشكل عام التمييز بين حالات الاحتلال الحربي (في حالة الحرب أو الهدنة أو بعد الاستسلام،…إلخ)، وحالات الاحتلال السلمي (بعد عقد الاتفاق).

فالأنواع الأولى تسمح عادة بتطبيق الاتفاقيات المتعلقة بالنزاعات المسلحة الدولية في حين أن الأنواع الثانية يمكن أن تستوحى بالقياس من هذه الاتفاقيات وذلك دون تطبيقها رسميًا. وسوف نستخدم مصطلح الاحتلال بالمعنى الحصري بدون أية إيضاحات أخرى للإشارة إلى تلك التي تتعلق بالفئة الأولى. وفيما يخص الاحتلال الحربي، تضع الفقرة الثانية من المادة السادسة من اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بنهاية الاحتلال فروًقا بينها. فعندما يكون الاحتلال ناتجا عن نزاع مسلح يوضح نص الفقرة الثانية من المادة السادسة أنه ” يوقف تطبيق هذه الاتفاقية في الأراضي المحتلة بعد عام واحد من انتهاء العمليات الحربية بوجه عام” [23] . أما في حالة استمرار الاحتلال’  فتطبق قائمة  من الأحكام المحددة لهذا الغرض , و في المقابل لم تتطرق المادة السادسة إلى حالات الاحتلال الذي لم تقابله مقاومة عسكرية. ومن وجهة نظر “بيكتيه” فإن الاحتمال الأكبر أن يكون عدم التطرق لهذه المسألة متعمدا وفي الواقع، يرى الكاتب أن الوفود المشاركة في مؤتمر 1949 أرادت بهذه الطريقة أن تدلل على وجوب تطبيق هذه الاتفاقية في حال حدوث تلك الافتراضات ما دام الاحتلال مستمرا’ يأتي هذا الاستخلاص متماشيا مع التأويل الذي يمكن أن نصل إليه في حال الشك، إذ إن القاعدة التي بني على أساسها القانون العرفي والتي استثنتها الفقرة الثانية من المادة السادسة هي مبدأ السلطة الفعلية: يجب تطبيق القواعد الخاصة بالاحتلال مادام قائمًا.

وعند اعتماد البروتوكول الأول الإضافي لعام 1977 تم التخفيف من حدة هذا الخلاف[24] في المعاملة، إذ لم يعد هذا الأساس الذي بني عليه واضحا، كما باتت نتائجه العملية غير مرضية. فالمادة الثالثة (الفقرة ب) من البروتوكول الأول الإضافي تنص على “توقف تطبيق الاتفاقيات والبروتوكول عند نهاية الاحتلال أيا كانت أسبابه”. وبالنسبة للدول الأطراف في البروتوكول باتت المناقشات الدائرة حول تحديد الإيقاف العام للعمليات العسكرية من الآن فصاعدا غير مجدية.

وعلى غرار هذا الإطار التعاقدي، ساهمت الممارسة في مسألة تحديد وتطوير التعريف المتعلق بالاحتلال العسكري. ووفًقا لما أثبته “روبرتس” فإن هذا المفهوم يتسع بالقدر الكافي ليشمل مجموعة متنوعة من الحالات’ ومع ذلك يقترح الكاتب إمكانية تحديد بعض المعالم المشتركة على الرغم من وجود هذا التنوع؛ ويلخصها في النقاط الأربع التالية

: (1)أن توجد قوة عسكرية على أرض ما، دون اتفاق صحيح يجيز ذلك أو ينظمه أو تكون النشاطات التي تمارسها عليها تشمل قدرا واسعا من الاتصالات مع المجتمع المضيف والتي لم يغطها على نحو كافٍ الاتفاق الأصلي الذي أجاز تدخلها.

(2): أ ن يكون الجيش قد استعاض عن النظام الساري في الأرض والمتعلق بالنظام العام والحكومة بهيكل قيادي خاص به’  أو أبد بوضوح قدرته المادية على الاستعاضة عنه.

(3): أن يوجد فرق من حيث الجنسية والمصلحة بين السكان من ناحية وبين القوة التي تتدخل في شؤونهم وتمارس سلطتها عليهم من ناحية أخرى، وألا يدين الأول بالولاء إلى الآخر.

(4): أن يكون هناك انقسام بين أجزاء مهمة من النظام القانوني المحلي أو الدولي وأن يتعين على الإدارة والحياة الاجتماعية، على الرغم من ذلك، الاستمرار في هذا الإطار وفقا لبعض القواعد القانونية، وأن يتطلب ذلك من الناحية العملية، مجموعة من قوانين الطوارئ للحد من المخاطر التي قد تسفر عن اشتباكات بين القوات العسكرية  و السكان.

فالاحتلال يدخل إذن في إطار قانون النزاعات المسلحة الدولية. فعند سيطرة جيش أجنبي بشكل فعلي على أرض ورفض السلطات ذات السيادة الاعتراف به، يعد ذلك احتلالاً. يدل على هذا الوضع، شكل من أشكال المقاومة التي يبديها صاحب السيادة وسكان الأرض والدفع بتطبيق القواعد اللازم تطبيقها في ظل انعدام الاستقرار هذا. فهكذا يعتبر “بنفينيستي” الاحتلال هو “سيطرة القوة الفعلية (سواء كانت دولة أو أكثر من دولة أو منظمة دولية كالأمم المتحدة) على أرض ليست لها عليها أية سيادة ورغم إرادة السلطة ذات السيادة على هذه الأرض”.[25]

المطلب الثاني

النظام القانوني المتعلق بالاحتلال العسكري

على الرغم من أن إطار هذا البحث لا يسمح بتحليل القواعد واجبة التطبيق تفصيليا في حالات الاحتلال العسكري، فمن المهم التذكير بأن هذا النظام يتميز في خطوطه العريضة بمبدأين عامين هما: وجوب احترام حقوق الفرد والمحافظة على وضع الأراضي والقوانين على ما هو عليه.[26]  فالمبدأ الأول جرى تجسيده عن طريق عدة قواعد تحرم على سبيل المثال عمليات النقل الجبري والترحيل [27] و الأشغال الشاقة [28]  واستيطان الأرض المحتلة [29]  وتدمير الممتلكات  المنقولة أو غير المنقولة…

والمبدأ الثاني ينص على أن الاحتلال يجب ألا يغّير من وضع الأرض المعنية وألا يفضي على وجه الخصوص إلى انتقال السيادة على هذه الأرض ’ وتنص المادة 47 من اتفاقية  جنيف الرابعة على أنه:” لا يحرم الأشخاص المحميون الذين يوجدون في أي إقليم محتل بأية حال أو بأية كيفية من الانتفاع بهذه الاتفاقية، سواء بسبب أي تغيير يطرأ نتيجة لاحتلال الأراضي على مؤسسات الإقليم المذكور أو حكومته، أو بسبب أي اتفاق يعقد بين سلطات الإقليم المحتل ودولة الاحتلال، أو كذلك بسبب قيام هذه الدولة بضم كل أو جزء من الأراضي المحتلة”. ويكرس هذا النص عدم المساس بالحقوق في الأراضي المحتلة حيث تزيد في هذه الحالة بشكل خاص حدة خطر الضغوط على السكان المدنيين المعادين.

وفي جانبه التشريعي الذي سوف نقوم ببحثه بشكل مفصل، فإنه [الاحتلال] يعني أيضا استمرارية النظام القانوني الساري في الأرض المحتلة. تعبر المادة 43 من اللائحة المؤرخة في سنة 1907 عن هذا المبدأ وذلك بفرضها على قوة الاحتلال احترام “القوانين السارية في البلاد،” إلا في حالة الضرورة القصوى التي تحول دون ذلك” وتكمل المادة 64 من اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949 هذا النص حيث تضيف بأنه يجب أن تبقى التشريعات الجزائية السارية نافذة، ولا يجوز للمحتل أن يغيرها إلا إذا كان فيها ما يهدد أمنه أو يمثل عقبة في تطبيق القانون الدولي الإنساني. تبقى محاكم الأرض المحتلة أيضا مختصة بالبت في الجرائم المخلة بالقانون المحلي، وذلك بما لا يتعارض وتطبيق القانون الدولي الإنساني أو سير العدالة الطبيعي[30], وبصورة أعم، تنص المادة 64 على أنه يجوز لدولة الاحتلال سن القوانين التي تراها  فقط “ضرورية “, وبالتالي تكون استمرارية القانون المحلي هي المبدأ بينما يظل تغيره الاستثناء , ورغم منطوق المادة 64 الذي يرجع إلى “التشريعات الجزائية” فإن ذلك يسري أيضا على النظام القانوني برمته. وفي هذا الصدد، يؤكد “جون بيكتيه”على “أنه إذا لم يشر المؤتمر الدبلوماسي صراحة إلا إلى احترام القانون الجنائي فإنما ذلك بسبب عدم مراعاة هذا القانون إبان النزاعات السابقة بشكل كافٍ. ولا مجال للاستنتاج من ذلك- بمفهوم المخالفة) أن المحتل غير ملزم باحترام التشريع المدني ولا حتى النظام الدستوري”.

وعلى الرغم من ذلك، لم يتحدد مغزى مبدأ استمرارية النظام القانوني بوضوح حيث يظل من جهة أخرى موضع نقاش فقهي لم يبت فيه إلى يومنا هذا في الوقت الذي يتسم فيه ما  تفرضه المادة 43 [من لائحة لاهاي] لسنة 1907 بالصرامة الشديدة، أي أنه يجب احترام القانون الساري، “إلا في حالة الضرورة القصوى التي تحول دون ذلك”، فإن ما تتضمنه المادة 64 [ من اتفاقية جنيف] لسنة 1949 يبدو قابلا لمجال تدخل أوسع. فهي تسمح فعلا للمحتل بسن التشريعات “الضرورية ” لتحقيق بعض الأهداف المشار إليها مثل الوفاء بالتزاماته حيال القانون الإنساني وإدارة الأرض بانتظام وضمان أمنه الخاص. وللوهلة الأولى ووفًقا لرغبة المفاوضين الذين أبرموا الاتفاقية, يمنح هذا الفارق الدقيق سلطة الاحتلال هامش تحرك أوسع فيما يتعلق بممارسة سلطتها الخاصة بتغيير القانون الداخلي. وبالرغم من ذلك، فإن الدراسة المتأنية لهذين النصين تقتضي إعادة النظر في هذا الانطباع الأول. ذلك أن فحوى المادة 43 من لائحة لاهاي لسنة1907, و التي تعبر عن صيغة توفيقية جرى التوصل إليها إثر جدل مكثف، بدأ إبان المؤتمر الأول الذي عقد في لاهاي سنة 1899 واستمر خلال المؤتمر الثاني الذي عقد في سنة 1907، فيها من السعة ما يفقدها الكثير من قيمتها كقاعدة.

خاتمة

بصفة عامة، إن القانون الدولي الإنساني صيرورة بنيت على تجارب سابقة، من أجل إحداث نوع من التوازن بين الضرورات العسكرية والإعتبارات الإنسانية، وهو الأمر الذي ينسحب على النزاعات المسلحة المعاصرة، واضعا نصب أعينه (القانون الدولي الإنساني ) على المستجدات الحاصلة في مجال الحرب،  والتي تقوم اللجنة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، على ضمان حمايتها وتعزيزها من أجل مواجهة التحديات الجديدة، وكذا  حماية الشخص الإنساني على اعتبار أنه الحلقة الأهم في عمل القانون الإنساني الدولي.

المراجع

[1] Le monde diplomatique عدد تموز 1999

[2]   أمل يازجي، القانون الدولي الإنساني، وقانون النزاعات المسلحة بين النظرية والواقع، مجلة  دمشق للعلوم الإقتصادية والقانونية، المجلد  20  العدد الأول 2004، ص 112

[3] Michael J. Kelly, Restoring and Maintaining Order in Complex Peace Operations,Kluwer, The Hague, 1999, pp. 145ss

[4] متوفر على الرابط http://www.icrc.org/ara/war-and-law/contemporary-challenges-for-ihl/overview-contemporary-  challenges-for-ihl.htm

[5] أمل يازجي، القانون الدولي الإنساني، وقانون النزاعات المسلحة بين النظرية والواقع، مرجع سابق، ص 124

[6] نفس المرجع ’ ص: 125

[7] نفس المرجع, ص: 128

[8] مرجع سابق’ ص: 117

[9] فيما عدا النزاعات المسلحة بين الدول، يغطي البروتوكول الإضافي الأول أيضا “النزاعات المسلحة التي تناضل فيها الشعوب ضد التسلط  الاستعماري والاحتلال الأجنبي وضد الأنظمة العنصرية، وذلك في ممارستها لحق الشعوب في تقرير المصير” المادة 4)

[10] أمل يازجي’ مرجع سابق ص: 130

[11] مقتطف من اللجنة الدولية للصليب الأحمر للمؤتمر   الدولي الثامن والعشرين للصليب الأحمر والهلال الأحمر، 2003، مرجع سابق، ص   15

[12] بازغ عبد الصمد، النزاعات المسلحة غير الدولية، الحوار المتمدن- العدد 3627 – 2012 / 2 / 3 16:37

[13] بازغ عبد الصمد، النزاعات المسلحة غير الدولية، مرجع سابق

[14] نفس المرجع

[15] نزار أيوب، القانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي لحماية حقوق الإنسان، سلسلة تقارير قانونية، عناوين مكاتب الهيئة، رام الله غزة،    ص  28 – 29

[16] مجلة الجيش مقال لريما سليم’ العدد 295 كانون الثاني 2010

[17] ماجد أحمد الزاملي، تباين الأنظمة المطبقة على طافتي النزاعات المسلحة، الحوار المتمدن، العدد 4100 – 2013 / 05/ 22، 17:28

[18] اتفاقية لاهاي الرابعة المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية والملحق الخاص بها  Convention (IV) concernant les lois et coutumes de la guerre sur terre et son Annexe: Règlement concernant les lois et coutumes de la guerre sur terre, La Haye, 18 octobre 1907, Deuxième Conférence internationale de la Paix, La Haye 15 juin – 18 octobre 1907, Actes et Documents, La Haye, 1907, Vol. I, pp. 626-637

[19] اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب، 12 أغسطس/آب 4 Convention (IV) de Genève relative à 1949 la protection des personnes civiles en temps de guerre, 12 août 1949, Actes de la Conférence diplomatique de Genève de 1949, Vol. I, Berne, Département politique fédéral de la Suisse, pp. 294- 3

[20] Protocole additionnel aux Conventions de Genève du 12 août 1949 relatif à la protection des victims des conflits armés internationaux (Protocole I), 8 juin 1977, Les Protocoles additionnels aux Conventions de Genève du 12 août 1949, Comité international de la Croix-Rouge, Genève, 1977, pp. 3- 89.

[21] المادة 42. لا تحتوي هذه المادة على تعريف للأراضي المحتلة فحسب، بل ً أيضا تحديدات جوهرية فيما يخص المنطقة التي يمكن لقوة 6 Voir Howard S. Levie, The Code of International Armed Conflict, Vol. 2, انظر سلطتها فيها تمارس أن الاحتلال Oceana, Londres / Rome / New York, 1986, p. 714.

[22] انظر Jean Pictet (éd.), La Convention de Genève relative à la protection des personnes civiles en temps de guerre: commentaire, Comité international de la Croix-Rouge, Genève, 1956, p. 67 ; Kelly

[23] المادة السادسة

[24] يبدو من الواضح أن مؤتمر 1949 قد تأثر بشكل بالغ بالمفهوم القديم الذي مفاده أن الاحتلال الحربي لا يشكل إلا مرحلة انتقالية  قصيرة إبان العمليات العدائية وحتى عقد اتفاق السلام. إلا أن هذا النموذج الذي لم تطرأ عليه أية تغييرات منذ القرن التاسع عشر، بدا بعد عام 1945 وقد أآل عليه الدهر وشرب. ومنذ الستينيات، ظهرت حالات احتلال ممتدة آما هي حال الأراضي التي احتلتها إسرائيل من 1967 وإلى يومنا هذا. ولذا ُألغي في الفقرة “ب” من المادة 3 للبروتوكول الأول الإضافي لعام 1977 التحديد الزمني لفترة عام واحد.

[25] كتعريف آخر Eric David, Principes dedroit des conflits armés, Bruylant, Bruxelles, 2002, p. 497 ”

إن الاحتلال يفترض […] وقوع نزاع مسلح بين دولتين، ووجودًا عسكريًا لأي من الدولتين على آل أو جزء من أرض الدولة الأخرى واستمرار النزاع بين دولتين”. 20

[26]     Robert Kolb,Jus in bello, Le droit international des conflits armés, Helbing & Lichtenhahn/  , Bâle/Bruxelles,

2003, pp. 187ss

[27] اتفاقية جنيف الرابعة، المادة 49، الفقرات 4 -1

[28] اتفاقية جنيف الرابعة، المادة 5-1

[29] اتفاقية جنيف الرابعة، المادة 49، الفقرة 6

[30] اتفاقية جنيف الرابعة، المادة 64، الفقرة 1

أضف تعليقاً