جريمة التفالس

2016 12 11
2016 12 11

مسلك الماستر في

العدالة الجنائية والعلوم الجنائية

عرض تحت عنوان

جريمة التفالس

اعداد الطالبات 

شيماء الشواطي

 هدى أبويعلى

نادية البرودي

 

إذا كان المبدأ أن المقاولات التجارية و غيرها تستمر في مزاولة نشاطها بشكل عادي، و بشكل يوفر للفاعلين الاقتصاديين الأهداف المنشودة من وراء إنشائها، فإن هذه المقاولات لا تلبث أن تعرف مشاكل متنوعة تضرب في الصميم الأهداف المرجوة، _مشاكل قانونية و اقتصادية و مالية و اجتماعية تعصف في بعض الأحيان بمستقبل المقاولة_الأمر الذي ينعكس سلبا على جميع المتعاملين معهـا و على الاقتصاد الوطني برمته، على اعتبار أن هذه المقاولة من قواعد هذا الاقتصاد.

و في ضوء هذه التحديات الاقتصادية و سعيا وراء الحفاظ على استمرارية استغلال المقاولات، و على مناصب الشغل الموجودة بها،أمور فرضت على المشرع المغربي هجر نظام الإفلاس_ و الذي كان يركز على معاقبة التاجر الذي أخل بالتزاماته و إقصائه من الحياة التجارية، عوض البحث عن التدابير الكفيلة بمده بيد المساعدة لاجتياز الوضعية الصعبة التي يمر بها_و من هنا أخد الجانب العقابي في التراجع حتى وصل الامر الى تبني نظام صعوبات المقاولة, و من اهم المقتضيات الزجرية التي صاحبته نجد جريمة التفالس.

و تعتبر جريمة التفالس من ضمن جرائم الأعمال, ترتكب في إطار المقاولة وتمس مصالحها وتطبق على التجار الذين تفتح في حقهم المسطرة، والذين يرتكبون الأفعال المعاقب عنها والتي تمس بمصالح المقاولة وبحقوق الدائنين, وتطبق كذلك على مسيري المقاولة سواء القانونين أو الفعليين في حالة ارتكابهم أحد التصرفات المجرمة[1].

و هذه الجريمة كانت معروفة في القانون الجنائي, التي نظم احكامها من الفصل 556 الى الفصل 569. حيث ميز بين التفالس البسيط الذي يشكل جنحة تأديبية يعاقب عليها بالحبس من ثلاث اشهر الى ثلاث سنوات. و التفالس التدليسي كذلك يشكل جنحة تأديبية يعاقب عليها بالحبس من سنتين الى خمس سنوات .

وقد كان قانون التجارة الملغى يميز بدوره بين التفالس التدليسي والتفالس البسيط فكان يعتبر التفالس التدليسي الذي يضم ثلاث حالات, جنحة تأديبية بمقتضى المادة 369 من ظهير 1913 وكان يميز أيضا في التفالس البسيط بين الوجوبي الذي يضم أربع حالات واردة في المادة 363 الذي تعاقب عليه المحاكم وجوبا و التفالس البسيط الجوازي يخضع لتقدير المحكمة ويضم ست حالات .

ولقد ظلت جريمة التفالس مقترنة لفترة طويلة من الزمن بمفهوم الإفلاس ويجد كلا المفهومين أصله التاريخي في إيطاليا خلال القرون الوسطى ، اللذان نشأ في ظل ازدهار المبادلات التجارية بين التجار في المدن الإيطالية وكان يعتبران معا جريمتين جنائيتين معاقب عليهما بقساوة ، إضافة إلى اعتبارهما وصمة عار وتحقير بالنسبة للمفلس الذي كان يتعرض لكسر طاولة bris de banc أمام جماعة التجار، وهي عبارة مستنسخة من الكلمة الإيطالية ” banca Rotta”  وابتداء من القرن السادس عشر،أخذت حريمة التفالس تستقل تدريجيا عن نظام الإفلاس. اما بخصوص الوضع في المغرب فلقد كان ساريا نظام الإفلاس او التفليس الذي وضع أسسه الفقه الإسلامي وخاصة فقهاء المالكية إلا أنه بعد الحماية فلقد تم العمل بظهير 12 غشت 1913 المنظم للقواعد العامة المتعلقة بالأعمال التجارية الذي اقتبست جل مقتضياته من القانون الفرنسي لسنة 1989 . لكن نتيجة الوعي بعدم مواكبة القانون التجاري لسنة 1913 للتطورات الاجتماعية و الاقتصادية وكذلك نظرا لتشتت النصوص القانونية المنظمة بين القانون التجاري لسنة 1913 والقانون الجنائي جاء إصلاح مدونة التجارة لسنة 1996 التي ذهبت في اتجاه التشريع الفرنسي لسنة 1985 فتم إلغاء التفرقة بين التفالس التدليسي والبسيط ، وحددت جريمة التفالس في أربع حالات بمقتضى المادة 721 وتم الحد من العقاب وتوحيد النظام القانوني .

و تكمن اهمية الموضوع في كونه يهم حماية مجال الاعمال, خاصة المقاولات التجارية التي لها قيمتها في استمرار النشاط التجاري الذي يعد دعامة التنمية. وكذلك توفير جو من الثقة وحماية المتعاملين مع المقاولة وخاصة الدائنين والحفاظ على الضمان العام.الشيء الذي جعل التفالس جريمة تتجاذبها كلا من مساطر القضاء التجاري و القضاء الزجري.

ومن هنا نتساءل عن كيفية تعامل المشرع المغربي مع جريمة التفالس في ظل هذه الازدواجية؟

للاجابة عن هذه الاشكالية نقترح التصميم التالي :

المبحث الأول: القواعد الموضوعية لجريمة التفالس .

المطلب الأول: شروط قيام جريمة التفالس.

المطلب الثاني: أركان قيام جريمة التفالس.

المبحث الثاني: الجرائم الملحقة بالتفالس و الاجراءات المسطرية.

المطلب الأول: الجرائم الملحقة بالتفالس.

المطلب الثاني: الإجراءات المسطرية .

خاتمة:

المبحث الاول

القواعد الموضوعية لجريمة التفالس 

 بعد أن كان قانون التجارة السابق يعرف بتعقده و طابعه العقابي ، وكثرة الأفعال التي يجرمها، قام المشرع المغربي  بمجموعة من الإصلاحات التي ترمي أساسا إلى مواكبة التطور الذي يعرفه هذا المجال، من خلال التخلي عن نظام الإفلاس الذي لم يعد يتماشى مع الفلسفة الجديدة للمشرع، التي تتمثل في تبنى نظام صعوبات المقاولة.

هذا النظام الذي جعل قيام جريمة التفالس مرتبط بمجموعة من الشروط اللازمة لنكون امام جريمة التفالس(المطلب الاول), غير ان هذه الشروط لا تكفي وحدها بل لا بد من توفر اركانها (المطلب الثاني)

المطلب الاول :شروط قيام جريمة التفالس

لقيام جريمة التفالس لا بد من توفر مجموعة من الشروط اللازمة لنكون امام جريمة التفالس و تتجلى هذه الشروط في توفر الصفة التجارية و التوقف عن الدفع (الفقرة الاولى), ثم شرط صدور حكم بفتح مسطرة المعالجة (الفقرة الثانية ).

الفقرة الاولى :الصفة التجارية و التوقف عن الدفع

اولا : الصفة التجارية

نظرا للطبيعة الخاصة التي تتميز بها المساطر القضائية المنصوص عليها في الكتاب الخامس من مدونة التجارة المتعلق بصعوبات المقاولة فهي لا تطبق على جميع المدينين المتوقفين عن دفع ديونهم المستحقة, بل ان هناك البعض من هؤلاء الأخيرين ممن لا يعتبرون مخاطبين بأحكام الكتاب السابق ذكره , و ذلك لعدم توفره على الصفة التي يشترطها القانون في هذا الاطار , و نفس المقتضى يطبق في جريمة التفالس بحيث لا يكون مجال للمتابعة بهذه الجريمة الا في حق الأشخاص الذين ورد ذكرهم في المادة 702 من مدونة التجارة, و الذين تتوفر فيهم صفة تاجر, و قد عمل المشرع المغربي على حصرهم في فئة معينة من الاشخاص , فجعل هذا التطبيق محصورا على مسيري المقاولة الفردية او التي تتخد شكل شركة,سواء كان المسير قانونيا أو فعليا . فالمسير القانوني هو الذي تناط به بصفة قانونية مهام إدارة أعمال الشركة و تسيير شؤونها.

أما بالنسبة للمسير الفعلي فحسب المادة 334 من القانون رقم 17.95 المتعلق بشركة المساهمة،و المادة 100 من قانون رقم 5.96 المتعلق بباقي الشركات “…كل شخص يكون قد زاول فعلا،سواء مباشرة أو بواسطة شخص أخر،إدارة الشركات المذكورة أو تدبيرها أو تسييرها إما باسم ممثليها القانونيين أو بالحلول الأخرى” .

و بهذا التنصيص يكون المشرع قد حسم الاشخاص المعنيين بأحكام المادة 721 من م.ت. و ينبغي الاشارة هنا الا ان أحكام المادة 6 و 7 من م.ت لا تسري على نطاق هذه الجريمة لأن المقتضيات الواردة في هذه المادة جاءت كاطار عام لاكتساب صفة تاجر, و بالتالي يجب ان يمارس الشخص أحد الأنشطة التجارية المنصوص عليها في المادتين السابق ذكرهما لكي يكتسب الصفة التجارية, عكس المادة 702 من م.ت التي احالت عليها المادة 721 من م.ت جاءت كمقتضيات خاصة بجريمة التفالس و حددت نطاق الاشخاص الذين يمكن متابعتهم باحكام هذه الجريمة [2].

غير انه في اطار حديثنا عن الصفة التجارية تثار اشكالية العلاقة بين القضاء التجاري و القضاء الزجري في تحديد الصفة القانونية للشخص المتفالس؟

مادام أن النصوص القانونية المتعلقة بهذه الجريمة تشترط هذه الصفة, فالقضاء التجاري هو من يحددها -هل هي صفة تجارية ام لا ؟-و بالتالي يكون القضاء الجنائي ملزم بالحكم الذي يصدره القاضي التجاري.

و في هذا الصدد يثار تساؤل اخر يتعلق بمدى الزامية  الحكم الصادر عن المحكمة التجارية للقاضي الجنائي؟

في هذه الحالة نعود الى احكام مدونة التجارة الملغاة ,حيث ان القاضي الجنائي, كان يتمتع بسلطة تقديرية في تحديد الصفة التجارية .

لكن مدونة التجارة الحالية تقيد القاضي الجنائي و تجعله ملزما بتتبع بشكل كلي لقرار تحديد الصفة للمحكمة التجارية .

و عموما تبقى المحكمة التجارية هي المحدد الرئيسي للمتابعة بجريمة التفالس, لانها هي من يصدر حكم فتح مسطرة المعالجة .

غير أن القاضي الجنائي تبقى له سلطة في تحديد صفة المسير سواء الفعلي او القانوني و ذلك من خلال التعرف على مهامه .

و هذه السلطة التي يملكها القاضي الجنائي تجاه المسير دون غيره من الاشخاص المعددون في المادة 702 م.ت , يرجع بالاساس الى ان عمل المحكمة التجارية هو مقتصر على فتح مسطرة المعالجة في موجهة الشخص المعنوي و ليس المسير .

في الاخير , تبقى حالة المشارك المشار اليها في المادة 722 من م.ت و التي اقر فيها المشرع امكانية المتابعة دون توفر صفة مسير.

ثانيا : التوقف عن الدفع

لقد كان التفالس _ بشقيه التفالس بالتقصير او بالتدليس _ يجرى على التجار المتوقفين عن دفع ديونهم في تاريخ الاستحقاق دون حاجة او انتظار صدور حكم من المحكمة بالافلاس و ذاك طبقا لمقتضيات المادة 556 من القانون الجنائي[3].

و لا يوجد أي فرق بين عبارة ” التاجر المتوقف عن الدفع ” التي استعملها القانون الجنائي المغربي (مواد 556 -557- 558الى 562) و عبارة التاجر “المفلس” التي استعملتها مدونة التجارة القديمة ( المواد 363-364 و 369 ) لأن كل تاجر توقف عن دفع ديونه كان يعتبر في حالة الافلاس المادة 197 من المدونة القديمة الملغاة[4] .

لكن رغم استبدال نظام الافلاس ذي الطابع العقابي بنظام صعوبات المقاولة, فقد ظل مبدأ التوقف عن الدفع شرطا اساسيا و لازما, لافتتاح المسطرة, فهل ظل مفهوم التوقف عن الدفع في نظام الافلاس يحمل نفس المعنى في نظام صعوبات المقاولة؟ خاصة أن المشرع رغم أنه عبر عنه بعدم القدرة على سداد الديون المستحقة عند الحلول, ظل يستعمل عبارة التوقف عن الدفع في مواطن أخرى[5].

فالمشرع المغربي _على خلاف المشرع الفرنسي_لم يقم بتعريف التوقف عن الدفع و لا تحديد عناصره و لا ظوابطه. لذلك فهناك مفهوم تقليدي للتوقف عن الدفع (المفهوم القانوني او المادي),الذي يقتصر “على عدم اداء الديون في وقتها ” و هذا المفهوم زكاه التفسير الذي اعطي من طرف وزارة العدل,الفصل 197 من القانون التجاري الملغى,حيث جاء في دليل وزارة العدل”و ما يمكن قوله في هذا الصدد هو أن الامر يتعلق بواقع و هو امتناع التاجر عن الوفاء بديونه “. و قد تأثر القضاء المغربي بهذا التفسير الضيق المعطى للتوقف عن الدفع, حيث قضت بعض المحاكم بافلاس شركة بعلة عدم أداءها كمبيالة واحدة في تاريخ الاستحقاق, بالرغم ان عدم الوفاء كان ناتجا فقط عن بعض الصعوبات المالية العرضية .

و حتى القضاء المقارن تبنى هذا المفهوم المادي او القانوني و يتجلى في حكم ابتدائية القاهرة[6].

لكن من جهة اخرى نجد مفهوم اقتصادي حديث للتوقف عن الدفع, و الذي يشترط في ان يكون التوقف ناتجا عن مركز مالي مضطرب و البحث في مدى تأثير التوقف على ائتمان التاجر, و هذا ما يطلق عليه بالمعيار الاقتصادي الذي لا يقف عند حدود المظاهر الخارجية و المادية للامتناع او رفض الديون في اجل الاستحقاق. و قد اعتمد القانون الفرنسي هذا المفهوم الاقتصادي الحديث حيث اكد على أن المقاولة تخضع لمسطرة التسوية, اذا استحال عليها مواجهة خصومها المستحقة باصولها الموجودة و القابلة للتصرف[7]. و قد اخدت بهذا المفهوم الحديث ايضا محكمة النقض المصرية حيث اكدت ان : بالتوقف عن الدفع المقصود في المادة 195 من قانون التجارة هو الذي يبنى على مركز مالي مضطرب و ضائقة مستحكمة يتزعزع معها ائتمان التاجر, و تتعرض بها حقوق دائنيه لخطر محقق او كبير الاحتمال[8].

فقد اخد المشرع المغربي بالنظرية الحديثة كمبدأ, و كذلك عندما نص على القدرة على سداد الديون المستحقة عند الحلول, كشرط اساسي لتطبيق مساطر المعالجة الفصل 560 بما في ذلك الديون الناجمة عن الالتزامات المبرمة في اطار الاتفاق الودي المنصوص عليه في المادة 556 من مدونة التجارة. حيث تم تجاوز الحدود الخارجية او الظاهرة للامتناع عن الاداء الى الغوض في المركز المالي للمقاولة المدينة و ما لحق ذمتها المالية من خصائص او عجز يجعلها فعلا غير قادرة على اداء الديون المستحقة عند الحلول .

و هكذا اصبحت المحاكم التجارية في اطار المفهوم الاقتصادي الحديث لا تقف عند حدود المظاهر المادية او الخارجية للتوقف عن الاداء, قبل البث بصفة قطعية في القضايا المرفوعة اليها تصدر قرارا تمهيديا باجراء خبرة و تطلب من الخبير الوقوف على الوضعية المالية, الاقتصادية و الاجتماعية للمقاولة و التصريح بما كانت متوقفة عن الدفع ام لا بسبب اختلال وضعيتها المالية .

و في هذا الاطار ذلك نجد حكم للمحكمة التجارية بطنجة  من اجل تحديد المقصود بالتوقف عن الدفع يستند على الوضعية الاقتصادية و المالية للمدين و هو كالتالي : ان الشركة متوقفة عن اداء دين البنك الوطني للانماء الاقتصادي من 2004/07/13 و انه يمكن معالجة وضعيتها, اذا اعيد تصحيح البيانات المتعلقة بالسنتين  2004 و 2005 و الزيادة في رأسمالها و الاحتفاظ لها حتى بالربح في حدود 30 في المائة و البحث عن زبناء جدد[9].

خلاصة القول ان محاكم الموضوع جاءت منسجمة مع المفهوم الاقتصادي الحديث لشرط التوقف عن الدفع الذي يلم بالوضعية المالية و الاقتصادية للمقاولة و لا يقف عند المظاهر الخارجية لواقعة عدم الاداء و هكذا متى كانت وضعية المقاولة غير مختلة بشكل لا رجعة فيه, حيث يقضي بالتسوية القضائية[10].

اما اذا كانت مختلة بشكل لا رجعة فيه فانه يقضى بالتصفية القضائية[11].

و لا يمكن الحديث عن التوقف عن الدفع الا بتوفر مجموعة من الشروط :

  • ضرورة صدور حكم قضائي بالتوقف عن الدفع و تحديد تاريخه :

يعين حكم فتح المسطرة تاريخ التوقف عن الدفع , الذي لا يجب أن يتجاوز في جميع الاحوال ثمانية عشر شهرا فبل فتح المسطرة. و اذا لم يعين الحكم هذا التاريخ تعتبر بداية التوقف عن الدفع من تاريخ الحكم. ذلك ان الفترة الممتدة من تاريخ التوقف عن الدفع الى تاريخ صدور الحكم القاضي بفتح المسطرة ضد المعني بالامر تعتبر فترة ريبة مما يجعل التصرفات التتي يجريها المدين خلال هذه الفترة خاضعة للبطلان الوجوبي او الجوازي.

  • ضرورة ان يكون الدين غير المؤدى تابثا و غير منازع فيه :

يجب أن يكون الدين محل التوقف عن الدفع معين المقدار و سائلا و معن ذلك ان يكون هذا الدين محددا بقيمة معينة من النقود,كما يجب ان يكون الدين ثابتا في سعر او سند يتضمن كافة العناصر التي تسمح بتحديد قيمته الواجبة الأداء. و يجب أن يكون الدين مستحق الأداء,اي غير معلق على شرط واقف او على أجل [12].

  • التلازم بين التوقف عن الدفع و الصفة التجارية :

لا بد من التلازم بين التوقف عن الدفع و الصفة التجارية, هذا الشرط الذي لم ينص عليه المشرع بصفة صريحة لكن يستنتج ضمنا من المادة 560 بالاضافة الى وجود مقتضيات أخرى في مدونة التجارة تؤكد هذا الطرح خاصة المادة 564 من م.ت التي نصت على انه ” يمكن فتح المسطرة ضد تاجر او حرفي وضع حدا لنشاطه او توفي داخل سنة من اعتزاله او من وفاته اذا كان التوقف عن الدفع سابقا لهذه الوقائع ” و نفس الاتجاه اكدته المادة 565 من م.ت[13].و هو ما أكده القضاء التجاري المغربي[14]. لذلك فعنصر التلازم أمر ضروري لقبول الدعوى .

الفقرة الثانية :  صدور حكم يقضي بفتح المسطرة

قبل صدور مدونة التجارة , كان يكفي في ظل مقتضيات القانون الجنائي المنظمة للتفالس ثبوت التوقف عن الدفع دون اشتراط صدور حكم قضائي يقضي بذلك .

و بعد صدور المدونة التي منح بمقتضاها المشرع سلطة تحديد التوقف عن الدفع و تقديره للمحكمة التجارية باعتبارها صاحبة الاختصاص, اصبح من الواضح ان التفالس لا يمكن ان يتابع الى بعد صدور حكم المحكمة التجارية بفتح المسطرة بعد ثبوت التوقف عن الدفع لديها[15], و السند في ذلك المادة 721 التي جاءت بصيغة تفيد التأكييد “يدان بالتفالس في حال افتتاح إجراء المعالجة”، وهو نفس التوجه الذي سلكه المشرع الفرنسي من خلال المادة 197 من قانون 25 يناير 1985 لمعالجة صعوبات المقاولة.

لكن المشرع الفرنسي عدل عن هذا المقتضى بموجب قانون رقم 475 – 94 الصادر بتاريخ 10 يونيو 1994، حيث أصبحت تنص على أنه “يدان بالتفالس في حالة افتتاح مسطرة المعالجة القضائية والتصفية القضائية” وبهذا يكون قد تفادى القصور الوارد في المادة السابقة[16]، لكن الإشكال المطروح، ما المقصود بإجراء المعالجة الوارد في المادة 721 من مدونة التجارة، هل هو حالتي التسوية والتصفية القضائية معا، أم مجرد التسوية القضائية؟

للإجابة على هذه الإشكالية ذهب بعض الفقه المغربي إلى القول بأن المقصود بالمعالجة يتضمن كل من التسوية والتصفية القضائية، لكن هناك من الباحثين من سلك توجها آخر ، ودليلهم على ذلك، أن المشرع المغربي من خلال تنظيمه للكتاب المتعلق بصعوبات المقاولة ميز بين المعالجة، والمتمثلة في مساطر التسوية ومساطر التصفية القضائية وبالتالي فالمقصود بإجراء المعالجة في المادة 721 هو إجراء التسوية دون التصفية القضائية[17].

وفي هذا الإطار نتساءل عن الطبيعة القانونية لفتح المسطرة، هل هي عنصر من عناصر الجريمة؟ أم هي شرط مفترض؟

في هذا الصدد يرى بعض الباحثين أن الحكم القاضي بفتح المسطرة يدخل في عناصر جريمة التفالس وذلك لتعلقه بالموضوع لأن المشرع المغربي وضعه ضمن قواعد الموضوع دون مراعاة المسطرة، مستندين في ذلك إلى ما ذهب إليه القضاء الفرنسي في بعض أحكامه وخصوصا محكمة “فيرساي” الصادر بتاريخ 10 مارس 1986 ، حيث ورد فيه “فتح المسطرة الجماعية هو بالضرورة مكون لجريمة التفالس” .

لكن هذا الحكم شابه مجموعة من الانتقادات من طرف الفقه الفرنسي، معتمدين في ذلك على أن التبريرات المقدمة من طرف المحكمة غير مقنعة، لأنه بالرغم من المقتضيات الواردة في المادة 197 من قانون 25 يناير لسنة 1985 التي تربط الإدانة بفتح المسطرة، فهذا لا يعني أن فتح المسطرة هو سبب الإدانة، لأنه يشترط في العنصر المكون للجريمة أن يكون جزء من السلوك المعاقب عليه، وفتح المسطر لا يندرج ضمن هذا السلوك ، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالعنصر المكون للجريمة، حسب بعض الفقه يكون صادر عن المجرم نفسه، والحكم القاضي بفتح المسطرة يصدر عن المحكمة التجارية ولا دخل للمدين فيه، ولا يعبر عن تصرف إجرامي.

انطلاقا مما سبق اعتبر الفقه الفرنسي بأن حكم فتح المسطرة هو شرط مفترض لابد  من توفره لتحريك المتابعة الجنائية[18].

المطلب الثاني: الأركان المكونة لجريمة التفالس

حسب ما نصت عليه المادة 721 تقوم جريمة التفالس في حالة القيام بالأفعال التي نصت عليها هذه المادة ،و أيضا يفترض وجود قصد جنائي لمعاقبة هذه الأفعال, وتنص المادة 721 على أنه “يدان بالتفالس في حال افتتاح إجراء المعالجة الأشخاص المشار إليهم في المادة 702 الذين ارتكبوا أحد الأفعال التالية.

1- قاموا إما بعمليات شراء قصد البيع بثمن اقل من السعر الجاري أو لجأوا إلى وسائل مجحفة  قصد الحصول على أموال بغية تجنب أو تأخير فتح مسطرة المعالجة؛

2- اختلسوا أو اخفوا كلا أو جزاءا من أصول المدين؛

3- قاموا تدليسا بالزيادة في خصوم المدين؛

4- قاموا بمسك حسابات وهمية أو أخفوا وثائق حسابية للمقاولة أو الشركة أو امتنعوا عن مسك أية حسابات رغم أن القانون يفرض ذلك.

و بالتالي, يتبين أن جريمة التفالس تتكون من ركنين أحدهما مادي(الفقرة الاولى) والآخر معنوي(الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : الركن المادي لجريمة التفالس

كأي جريمة,يشترط لقيام التفالس حسب المادة721 توفر العناصر التالية:

اولا : القيام بعمليات شراء قصد البيع بثمن أقل من السعر الجاري,أو اللجوء إلى وسائل مجحفة قصد الحصول على أموال بغية تجنب أو تأخير فتح مسطرة المعالجة.

  • القيام بعمليات شراء قصد البيع بثمن أقل من السعر الجاري

فهذه الحالة كانت مصنفة في القانون الجنائي ضمن حالات التفالس البسيط , و قد أبقت عليها المدونة ضمن جنحة التفالس , و تقوم كما يتضح من صياغة المادة 721 من مدونة التجارة , بالأركان التالية:

  • القيام بعمليات شراء:

يتسم هذا التعبير بعمومية صياغته, و هو ما يعني أية عملية شراء, سواء

وردت على منقول (أسهم’سندات….)’ أو عقار’ فالمهم أن يتوفر عنصر الشراء , فالأموال التي لم تكن محل شراء يمكن للمسير بيعها بثمن أقل من السعر الجاري دون أن يتعرض للإدانة بالتفالس, كأن تتلقاها الشركة في شكل مساعدة , أو ما شابه ذلك من الحالات.

غير أن ثمة حالات أخرى للبيع بأقل من السعر الجاري , قد يثور الشك في شمولها بهذه المقتضيات’ على سبيل المثال الحالة التي يقتصر فيها الشراء على المواد الأولية ليتم البيع بعد ذلك بأقل من السعر الجاري.

  • أن يكون الشراء بقصد البيع بثمن أقل من السعر الجاري :

فإلى جانب عنصر الشراء, يتعين أن يكون هذا الأخير قصد البيع بثمن أقل من السعر الجاري يثور هنا المقصود بهذا الأخير.

فهل يعتبر كل بيع بالخسارة أو بيعا بأقل من السعر الجاري؟ هل يأخذ في تحديده بعين الإعتبار تاريخ الشراء أم تاريخ البيع؟

لا شك أن اعتبار كل بيع بالخسارة أو بيع بأقل من السعر الجاري , ينطوي على تجاهل للمنطق التجاري, الذي يستدعي في بعض الأحيان هذا النوع من البيوع , سواء كإستراتيجية اقتصادية للبيع في إطار التسويق أو كوسيلة للتخلص من البضائع المعرضة للتلف. و بالتالي فالبيع بالخسارة الذي لا يمكن أن يدخل ضمن حالات التفالس يستدعي أن يكون مبررا بأسباب واقعية و اقتصادية, أما إذا لم يكن مبررا بهذه الأسباب ,فإنه يدخل ضمن حالاته, يتعرض المسير الذي يقوم بذلك للإدانة بالتفالس إذا توفرت باقي الشروط, لأن الهدف في هذه الحالة لا يكون سوى العمل على تحقيق استمرارية ظاهرية مخالفة لحقيقة الوضع الذي تعيشه المقاولة. أما حول التاريخ الذي يمكن اعتماده كمرجع لتحديد السعر الجاري, فمنطقيا يجب اعتماد السعر الجاري في تاريخ البيع,لأنه في عالم التجارة لا شيء يضمن بقاء السعر الجاري لتاريخ البيع مستمرا إلى حين البيع.

فالبيع بالخسارة يعاقب عليه بمقتضى قانون حرية الأسعار والمنافسة رقم 99-05 في المادة 67 منه. و يتعين على القاضي الجنائي التحقق من ظروف إعادة البيع وظروف عمليات الشراء على وجه الدقة وعليه إثبات جميع العناصر المتعلقة بهذه الحالة، وتحديد البيانات الأساسـية بشكـل دقيق[19].

2-اللجوء إلى وسائل مجحفة قصد الحصول على أموال:

لا شك أن العبارة المستعملة في هذه الفقرة عبارة عامة, فكل الوسائل المجحفة قصد الحصول على الأموال يمكن الإدانة عنها بالتفالس, لكن الذي يتعين تحديده هنا هو مفهوم الإجحاف الذي يتعين اعتماده.

فبالنظر إلى ما تتطلبه التجارة من وسائل متنوعة للإئتمان و التمويل يجب التمييز بين ما هو وسيلة للحصول على هذه الأخيرة’ خاصة و أنها قد تتسم في بعض الأحيان بخطورة بالغة تبعا لما يقتضيه  عنصر المخاطرة الإقتصادية , أو تفرضه المراحل الإقتصادية الحرجة التي قد تمر بها المقاولة,و بين ما يمكن اعتباره إجحافا قصد الحصول على المال.

و إذا كان بعض الفقه قد حاول تحديد الوسائل المجحفة في كافة الأساليب و الخطط و العمليات التي تهدف الحصول على أموال من أجل تحقيق استمرارية مصطنعة للمقاولة, فإنه يبقى مع ذلك تحديدا عاما, لا يمكن أن يتحقق معه الهدف سوى بالنظر إلى كل حالة على حدة بحسب ظروف المقاولة و حجم رقم معاملاتها و طبيعة النشاط الذي تمارسه, إلى غيرها من العناصر التي يمكن من خلالها استنتاج عنصر الإجحاف في الوسائل المعتمدة, خاصة فيما يتعلق بوسائل التمويل, على رأسها  القروض و ارتباطها بأسعار الفائدة المرتفعة, أو عدم ملاءمتها الواضحة لأحوال المقاولة, فيكون الإجحاف في وسائل الحصول على المال الذي يتعين تحديده بعناصر اقتصادية أكثر منها عناصر قانونية.

  • أن تكون عمليات الشراء و البيع و اللجوء إلى الوسائل المجحفة أعلاه بغية تجنب أو تأخير فتح المسطرة.

لا يكفي للإدانة بالتفالس قيام الحالتين أعلاه, دون أن يكون الهدف منهما هو تجنب أو تأخير فتح المسطرة, ذلك أن رغبة المسير في تجنب أو تأخير فتح المسطرة هو الذي يجعل هذه الأفعال تتسم بخطورة بالغة تجاه حقوق الدائنين من جهة و الاقتصاد الوطني من جهة أخرى,لأنها تهدف إلى التستر على توقف المقاولة عن الدفع , اصطناع وضع ظاهري خادع للغير و للمساهمين أيضا.

أما إذا توفرت الحالتين أعلاه دون أن يكون الهدف هو تجنب أو تأخير فتح المسطرة’ فلا يمكن الإدانة عنها بالتفالس ,غير أنه يمكن أن تشكل جرائم أخرى  كسوء استعمال أموال الشركة , قد تكون جريمة أصلا إذا دخلت في إطار إستراتيجية تجارية مبررة اقتصاديا.

ثانيا: اختلاس أو إخفاء كل أو جزء من الأصول

قد يقدم المسير عندما تتدهور وضعية الشركة على تهريب كل أو جزء من أصولها إضرارا بمصالح الدائنين’ و ذلك بحرمانهم من كل أو بعض الأموال التي تشكل ضمانا لهم’ للعقاب على هذه الحالة يتعين أن تتوفر العناصر التالية:

  • الاختلاس
  • الإخفاء
  • أن يتعلق الإختلاس أ الإخفاء بكل الأصول التي للمدين أو بجزء منها.

فمحكمة النقض الفرنسية عرفت الاختلاس بأنه:

“كل تصرف إرادي يقع على أحد عناصر الذمة المالية للمدين، يعد التوقف عن الدفع إضرار بحقوق الدائنين”[20].

وللتمييز بين الاختلاس وجريمة إساءة استعمال السلطة، يمكن القول أنه في الاختلاس ليس من الضروري تبيان أن المتهم تصرف لتحقيق مصلحة شخصية، فقد تكون لفائدة أو لمصلحة الغير ويتعين أن يقع الاختلاس من المتهم شخصيا، حيث أنه تنتفي صفة التفالس إذا قام المصفى بتفويت أصل الشركة التجاري لفائدة شركة أخرى ، دون علمه بوجود مصلحة مسير الشركة الأولى في هذه الأخيرة.[21]

لكن, فيما يتعلق بالإخفاء، فله استقلالية خاصة على اعتبار أنه امتناع إرادي عن كشف كل أو بعض من الأصول، حتى لا يعلم من قبل الدائنين، ويقوموا بالتنفيذ عليه كإخفاء جزء من الأصول عند وضع الميزانية.

أما فيما يتعلق باشتراط  أن يكون الاختلاس أو الإخفاء سابقا أو لاحقا للتوقف عن الدفع, فالمادة 721 لم تحدده, و هنا يمكن الرجوع إلى الاجتهاد القضائي الفرنسي الذي يرى:

هناك بعض المحاكم ذهبت إلى اشتراط أن يكون فعل الاختلاس لاحقا للتوقف عن الدفع تفاديا للتعدد الصوري بين جريمة التفالس عن طريق اختلاس الأصول، وجريمة إساءة استعمال أموال الشركة.[22]

بينما اتجهت قرارات قضائية أخرى إلى اعتبار جنحة التفالس قائمة بغض النظر عما إذا كانت أفعال الاختلاس أو الإخفاء سابقة أو لاحقة للتوقف عن الدفع طالما أن تلك الأفعال تهدف إلى تفادي أو تأخير الكشف عن هذا التوقف، وكذلك المساس بحجم أصول المقاولة المتوفرة، بحيث يكون مرتكبها عاجزا عن مواجهة الخصوم المستحقة.[23]

ثالثا: الزيادة التدليسية في الخصوم

يقترب مفهوم الزيادة التدليسية في الخصوم, باختلاس أو إخفاء الأصول, فتحقق بهما نفس الغاية التي هي حرمان الدائنين من حقوقهم و إلحاق الأذى بالشركة عن طريق التقليل من حظوظ استمارتها.

و الزيادة التدليسية في الخصوم يمكن أن تتحقق بطرق مختلفة’ منها أساس خلق دائنين وهميين لمزاحمة الدائنين الحقيقيين.

فالمادة721  لم توضح  الوسائل التي من خلالها تتم الزيادة التدليسية في الأصول، غير أنه يتعين على القاضي تحديد تلك الوسائل.

كما تجدر الإشارة إلى أن  هذا الفعل كان يدخل ضمن حالات التفالس بالتدليس الواردة في المادة 369 من قانون التجارة لسنة 1913.

رابعا: القيام بمسك حسابات وهمية أو إخفاء وثائق حسابية للمقاولة أو الشركة أو الامتناع عن مسك أية حسابات رغم أن القانون يفرض ذلك.

هنا, يجب الوقوف على المقصود من مفهوم المحاسبة الوهمية، و لتعريف المحاسبة نجد بأنها فرع من فروع  العلوم الاقتصادية، الغاية منه تسجيل مفصل لمختلف الحركات التي لها قيمة اقتصادية، وذلك من أجل تسيير وتدبير الشؤون المالية والتجارية والصناعية[24].

انطلاقا من هذا التعريف يمكن القول أن المحاسبة محايدة، بما أنها تشير إلى عمليات حقيقية للمقاولة، لكنها تصبح وهمية حين يصبح الواقع مجرد صورة فقط.

لكن ,يبقى السؤال حول المعيار المعتمد في تقدير حجم المبالغ للقول بوجود محاسبة وهمية,

و هو ما  أثارته محكمة النقض الفرنسية في قرارها بتاريخ 25 يوليوز 1989 وخلصت إلى اعتبار أن المحاسبة تكون وهمية، عندما تتضمن تقييدات بقيمة مهمة وكبيرة دون أساس حقيقي.

أما بخصوص إخفاء وثائق حسابية فهو فعل يشكل إخفاء الوثائق المحاسبية، ويترتب عليه إزالة الأدلة التي تثبت الالتزامات التي تحملها المسير، وبالتالي إخفاء وضعيته الحقيقية.[25]

وليس من الضروري لقيام التفالس في هذه الحالة أن تختفي كل الوثائق المحاسبية ، إذ يكفي فقط أن يتعلق الأمر بالوثائق والدفاتر التي تبين وضعية المتفالس, دون غيرها من الوثائق.

فيما يتعلق بالامتناع عن مسك أية حسابات رغم أن القانون يفرض ذلك, ذهب بعض الفقه الفرنسي ( Du ponta vice ) إلى اعتبار أن هذا الفعل يمثل غياب مطلق التقييدات الحسابية في الدفاتر التي يتطلبها القانون دفتر اليومية  والجرد والأستاذ إضافة إلى القوائم التركيبية.

وتقدير عدم وجوب المحاسبة يدخل في سلطة قاضي الموضوع الذي يحدد مدى وجود مثل هذا الامتناع وبهذه الصياغة تخرج من نطاق التجريم مسك محاسبة وإن كانت غير ملائمة لاحتياجات المقاولة مع شرط أن لا تكون محاسبة وهمية.[26]

الفقرة الثانية: الركن المعنوي

بالرجوع للقانون الجنائي, يفترض لقيام الأفعال التي يجرمها هذا القانون وجود نية إجرامية أو قصدا جنائيا عاما أو خاصا.

لكن المشرع المغربي هل طلب القصد الجنائي أو توفر سوء النية  في قيام جريمة التفالس؟

بالرجوع للمادة 721 نلاحظ أنها لم  تشترط سوء النية، كما هو الحال بالنسبة للقانون الجنائي,  لكن من المعروف أنه لا  جريمة بدون خطأ، كما يفترض في الجرائم أنها عمدية إلا إذا تم النص على خلاف ذلك.

وبالتالي,و ما دام المشرع المغربي لم ينص صراحة على خلاف ذلك, فيشترط لقيام جريمة التفالس أن ترتكب بسوء نية, وفيما يتعلق بتحقق الضرر فإن المشرع لم يشر إلى ذلك صراحة، كما هو الحال في القانون الجنائي.

غير أنه بالرجوع إلى المادة 721 نجدها تشير بعض الإشارات إلى ذلك كاستعمال لفظ ” لجئوا إلى وسائل مجحفة، وقاموا تدليسا”

و كما هو معروف,الضرر عنصر مفترض إلا إذا نص المشرع على خلاف ذلك وبالتالي فهو مفترض في جريمة التفالس, وما يؤكد ذلك هو أن في هذا التوجه تحقيقا لغاية المشرع من تنظيم جنحة التفالس، التي تتمثل في حماية الاقتصاد العام.[27]

بعد تحديد الشروط اللازمة لقيام جريمة التفالس و اركانها العامة ,لا بد من التطرق للجرائم الملحقة بهذه الجريمة ثم الاجراءات المسطرية المتبعة و ذلك في المبحث الثاني .

المبحث التاني 

الجرائم الملحقة بجريمة التفالس و الاجراءات المسطرية

تلحق بجريمة التفالس, جرائم اخرى يعاقب المشرع مرتكبيها اذا قاموا بالاضرار بالمقاولة (المطلب الاول ) مع تحديد العقوبات المقررة لكل من جريمة التفالس و الجرائم الملحقة بها, و الاجراءات المسطرية المطبقة( المطلب الثاني )

المطلب الاول :الجرائم الملحقة بجريمة التفالس

تتنوع الجرائم الملحقة بجريمة التفالس بتنوع الاشخاص الدين يرتكبون احد الافعال التي جاءت في مدونة التجارة على سبيل الحصر .

هؤلاء الاشخاص تختلف علاقتهم مع المقاولة , فهناك الاغيار الذين قد يكون لهم ارتباط مادي او مصلحة معينة (الفقرة الاولى) و السنديك الذي يسير مسطرة المعالجة , بالاضافة الى واحد او اكثر من الدائنين (الفقرة الثانية ) .

الفقرة الاولى ; الاغيار

يخضع هؤلاء لجرائم التفالس اذا ارتكبوا احد الافعال المنصوص عليها في الفقرتين 1 و 2 من المادة 724 من مدونة التجارة , سواء كانوا تجارا او حرفيين , مسيريين قانونيين او فعليين, يتقاضون أجرا ام لا, محكوم عليهم بمسطرة المعالجة ام لا, و يعاقبون سواء لاشتراكهم في جريمة التفالس, او لارتكابهم بعض الافعال التي جرمتها المادة 724.

و هؤلاء الاغيار قد يكونون من افراد اسرة المتفالس, كالزوج او اصوله او فروعه او اصهاره و غيرهم ..الذين ذكروا صراحة في المدونة القديمة (المادة 372).

و عموما المادة 724 من م.ت قد عددت الحالات و هي حالتين :

  • الاشخاص الدين اخفوا او ستروا او كتموا كلا او جزءا من الاموال المنقولة او العقارية لفائدة الاشخاص المشار اليهم في المادة 702 من م.ت , اي مسيروا المقاولة الفردية او الجماعية المملوكة على الشياع , او ذات شكل الشركة و التي كانت موضوع فتح مسطرة المعالجة , سواء كانوا مسيرين قانونيين او فعليين , يتقاضون اجرا ام لا .

غير ان الفعل المرتكب يشترط ان يكون لمصلحة مسيري المقاولة و ليس لمصلحة هؤلاء الاغيار و الا فسيتم معاقبته على اساس جريمة السرقة او خيانة الامانة و ليس التفالس .

  • الاشخاص الذين صرحوا تدليسيا بديون وهمية اثناء المسطرة سواء باسمهم او بواسطة الغير .

هنا نلاحظ ان المشرع المغربي قد اكتفى بهاتين الحالتين و هذا عكس ما ذهب اليه المشرع الفرنسي الذي وسع من دائرة الافعال المعاقب عليها , حيث عاقب كل شخص قام خلال فترة الملاحظة او خلال تنفيذ مخطط الاستمرارية بابرام احدى التصرفات التالية و هو على علم بوضعية المدين , حجز او رهن اوتصرف ناقل للملكية من دون اذن القاضي المنتدب او المحكمة المختصة .(المادة 226-9) [28].

الفقرة الثانية : السنديك و الدائنين

للسنديك محورا اساسيا في مسطرة معالجة صعوبات المقاولة, و هو جوهري و ضروري, و يتبين ذلك من خلال تعيينه الى جانب القاضي المنتذب بمقتضى حكم صادر عن المحكمة التجارية, و بالتالي فمؤسسة السنديك هي مؤسسة قضائية بالنظر الى دورها الفعال و الايجابي في سير مسطرة معالجة صعوبات المقاولة .

و قد يكون السنديك من كتاب ضبط المحكمة التجارية التي قد فتحت المسطرة , او قد يكون من الغير كاحد الخبراء المحاسبين مثلا .

و بالنظر للدور الحساس الذي يطلع به السنديك قد يقوم السنديك و هو يباشر اعماله بافعال من شأنها الاضرار بمصالح الاطراف المعنية بالمسطرة و بالتالي فهو يسأل جنائيا سواء كان من بين كتاب الضبط او من الغير , و هذه الجرائم هي التالية :

  • الاضرار عمدا و بسوء نية بمصالح الدائنين , اما باستعماله لاغراض شخصية اموالا تلقاها بمناسبة قيامه بمهمته, و اما باعطائه منافع للغير يعلم انها غير مستحقة .

هنا المشرع اشترط سوء النية الى جانب الشروط الاخرى .

  • الاستعمال اللامشروع للسلط المخولة له قانونا في غير ما اعدت له, و بشكل معاكس لمصالح المدين او الدائنين.
  • استغلال السلط المخولة له من اجل استعمال او اقتناء بعض اموال المدين لنفسه سواء قوام بذلك شخصيا او بواسطة الغير .

و هذه الجرائم هي خاصة بمساطر المعالجة, اما بقية الجرائم العادية فتبقى خاضعة للقواعد العامة .

بالاظافة الى السنديك, تنبه المشرع الى امكانية واحد او اكثر من الدائنين ان يستغل ضروف المقاولة و التي يمر منها رئيس المقاولة و ينتقص عقدا تخول له امتيازات و منافع معينة , تضر بباقي الدائننين و باصول مسطرة التسوية او التصفية , و بالتالي فالمشرع جرم هذه الافعال في الفقرة الاخيرة من المادة 724 من م.ت و التي جاء فيها “يعاقب ايضا بنفس العقوبات الدائن الذي يقوم بعد صدور الحكم القاضي بفتح مسطرة التسوية او التصفية القضائية , بابرام عقد او عدة عقود تخوله امتيازات خاصة على حساب الدائنين الاخرين ”

و بالاضافة الى الجزاء الجنائي, يترتب ايضا بطلان العقد المبرم باعتباره غير مشروع.

و الدائن الذين ابرم العقد قبل صدور حكم التسوية او التصفية القضائية تحت طائلة العقاب الجنائي , لكن اذا ابرم العقد في فترة الريبة قد يتعرض للبطلان .

المطلب الثاني :العقوبة و الاجراءات المسطرية

المشرع المغربي لم يقتصر فقط على معاقبة المدين المحكوم عليه بمسطرة من مساطر المعالجة المدان بارتكاب واحد او اكثر من الافعال الواردة في المادة 721 من مدونة التجارة, بل امتد العقاب لاشخاص اخرين قد يحدثون لاصول المسطرة اضرار فادحة و يعلق الامر هنا بالسنديك او واحد او اكثر من الدائنين او من الاغيار (الفقرة الاولى ).

كما ان للجريمة خصوصية فيما يتعلق بالمساطر المتبعة , سواء ما يتعلق باختصاص المحكمة, دور النيابة العامة , الطعن و التقادم و غيرها من الاجراءات ( الفقرة الثانية).

الفقرة الاولى : العقوبات المقررة لجريمة التفالس و الجرائم الملحقة بها

العقوبات التي وضعها المشرع المغربي من اجل مواجهة جريمة التفالس تتراوح بين القسوة و التخفيف , عقوبات قاسية في مضمونها و روحها تتناسب مع الغاية التي تدفع لارتكاب تلك الجرائم , اضرارا بالضمان العام و الائتمان و المصالح الاقتصادية المتواجدة, الا ان المشرع زود القضاة باليات الرأفة , التي تقاس بميزان العدالة و قناعة القضاة الذين ينظرون في طبيعة الفعل المرتكب و خطورته و الإضرار التي حدثت, و ظروف حدوثها, تقدير يمكن من الاستغناء عن العقوبة الحبسية السالبة للحرية و الاكتفاء بالغرامة فقط,عكس ما كان عليه الوضع في السابق, حيث كانت تقتصر العقوبة على الحبس, و هذا لا يدخل ضمن التوجه الجديد للمشرع المغربي على غرار نظيره الفرنسي في الحد من العقاب و اعطاء الاولوية للمحافظة على استقرار المقاولة[29].

و هذه العقوبات التي تتنوع حسب الظروف و الاحوال هي كالتالي :

  • الحبس من سنة الى خمس سنوات و بغرامة من 10.000 الى 100.000 .
  • الحبس من سنة الى خمس سنوات فقط.
  • الغرامة من 10.000 الى 100.000 درهم فقط .

و تستنبط هذه الحالات من الفقرة الاولى من المادة 722[30] من مدونة التجارة .

لكن هذه العقوبات تضاعف كظرف تشديد, اذا كان المتفالس مسيرا قانونيا او فعليا لشركة ذات اسهم مسعرة لبورصة القيم, اي تصبح العقوبة من سنة الى عشر سنوات و غرامة 20.000 الى 200.000 درهم, اة احدى هاتين العقوبتين فقط [31].

اما في فرنسا و حسب المادة 3/654 لسنة 2005 فقد حددت العقوبة في خمس سنوات كحد اقصى و غرامة الف اورو .

و يتعرض المشاركون في التفالس لنفس العقوبتين و ان لم تكن لهم صفة مسير المقاولة فردية او لمقاولة في شكل شركة تجارية او في شكل مجموعة ذات النفع الاقتصادي لها غرض تجاري[32].

و الى جانب هذه العقوبات الاصلية نجد ان المشرع المغربي نص ايضا على عقوبات اضافية استنادا لما ورد في الفصل 723, و تتمثل في سقوط الاهلية التجارية التي يترتب عليها المنع من الادارة, او التدبير او التسيير او االمراقبة بصفة مباشرة او غير مباشرة لكل مقاولة تجارية او حرفية , و لكل شركة تجارية ذات نشاط اقتصادي طبقا للفصل 711 من مدونة التجارة, اضف الى ذلك الحرمان من ممارسة وظيفة عمومية انتخابية 718 م.

و لا يمكن للمحكوم عليه جنائيا بسقوط الاهلية التجارية كعقوبة اضافية ,و الحرمان من ممارسة وظيفة انتخابية ان يسترد اعتباره الا بواحدة من الطرق المنصوص عليها في المادتين 719 و 720.

و بالتالي فالمحكوم عليه بسقوط الاهلية يسترد الحق في الادارة او التدبير او التسيير او المراقبة, بصفة مباشرة او غير مباشرة, لكل مقاولة تجارية او حرفية و لكل شركة تجارية,

و في ممارسة وظيفة عمومية انتخابية في الحالات الاتية :

  • ينتهي سقوط الاهلية التجارية و عدم اهلية الانتخاب لممارسة وظيفة عمومية انتخابية بقوة القانون بانتهاء الاجل المحدد دون الحاجة الى صدور حكم.
  • يعيد حكم قفل المسطرة بسبب انقضاء الخصوم الى رئيس المقاولة او الى مسيري الشركة كل حقوقهم و يعفيهم او يلغي عنهم سقوط الاهلية التجارية و عدم اهلية ممارسة و ظيفة عمومية انتخابية .
  • يمكن للمعني بالامر في جميع الاحوال,ان يطلب من المحكمة الزجرية او الجنائية ان قضت ضده بسقوط الاهلية التجارية ان ترفع عنه كليا او جزئيا سقوط الاهلية

التجارية او عدم اهلية ممارسة وظيفة عمومية انتخابية, اذا ما قدم مساهمة كافية لاداء النقص الحاصل في الاصول.[33]

و تجدر الاشارة هنا الى ان نفس المقتضيات التي سبق ذكرها,تنطبق على كل من السنديك او الاغيار او الدائنين المقترفين للافعال او الوقائع المحددة و المعددة في الحالات السابقة عقوبة التفالس طبقا للمادة 724 التي جاء فيها ” يعاقب بنفس عقوبات التفالس..”, و الفقرة الثانية من المادة 722 التي جاء فيها” يتعرض المشاركون في التفالس لنفس العقوبات و ان لم تكن لهم صفة مسيري المقاولة “[34].

الفقرة الثانية : الاجراءات المسطرية

أبقى المشرع المغربي في مدونة التجارة على اختصاص القضاء الزجري في مادة التفالس و الجرائم الاخرى كما يتضح من المادة 726 من مدونة التجارة التي نصت على انه ” تعرض الدعوى على انظار القضاء الزجري اما بمتابعة من النيابة العامة او من طرف السنديك بصفته طرفا مدنيا ”

و ما يثار في المادة 726 اعلاه , هو المقصود بالنيابة العامة التي يمكن لها مباشرة المتابعة بجريمة التفالس, هل هي النيابة العامة لدى المحكمة التجارية ام النيابة العامة لدى المحكمة الابتدائية ؟

بالرغم من ان المشرع لم يحدد بوضوح و بما فيه الكفاية دور النيابة العامة امام المحاكم التجارية و بالتالي اختصاصها ووضائفها[35], الا انه يكون النظر في الدعوى العمومية المتعلقة بالتفالس و الجرائم الأخرى المنصوص عليها في المادة 726 من مدونة التجارة من مدونة التجارة من اختصاص المحكمة الابتدائية و ليس من اختصاص المحكمة التجارية المفتوحة أمامها مسطرة التسوية القضائية أو التصفية القضائية.[36]

و لا يوجد ما يمنع المشرع من ان يقرر منح اختصاص واسع للمحاكم التجارية يجعلها تنظر كذلك-الى جانب القضايا التجارية-الجرائم الاقتصادية التابعة او المرتبطة بها, و هي كثيرة في المادة التجارية, سواء في مساطر المعالجة او الشركات او غيرها ..[37]

و النيابة العامة هي التي يجوز لها تحريك الدعوى العمومية المتعلقة بالتفالس و الجرائم الاخرى الملحقة بها , هي النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية و ليست النيابة العامة بالمحكمة التجارية المفتوحة امامها مسطرة المعالجة, تطبيقا لاحكام الفقرة 1 من المادة 726 من مدونة التجارة .

و يقتصر دور النيابة العامة لدى المحكمة التجارية على معاينة هذه الجرائم و اكتشافها و تبليغها الى النيابة العامة لدى المحاكم التجارية, و ان كان من اللازم الاستئناس بها عند الاقتضاء, و ذلك لاستقلال النيابة العامة لدى المحاكم الابتدائية عن النيابة العامة لدى المحاكم التجارية .

و النيابة العامة لدى المحكمة التجارية لا يمكنها تحريك دعوى التفالس لدى المحكمة التجارية لان ذلك سيجعل من المحكمة التجارية محكمة عادية الامر الذي يتنافى مع مرتكزات وجودها باعتبارها محاكم تنظر في القضايا التجارية المحضة ,لا علاقة لها بالجريمة و نزاعات الشغل و غيرهما[38] .

و قد نادى مجموعة من الفقهاء بضرورة توسيع اختصاص النيابة العامة بالمحاكم التجارية و منحها سلطة المتابعة في كل الجرائم الاقتصادية[39]

و يجوز للسنديك ايضا تحريك المتابعة كمطالب بالحق المدني, بخلاف الدائنين, حيث تراجع المشرع عن اعطائهم حق تحريك الدعوى العمومية[40]

و بالتالي فالمادة 726 من مدونة التجارة, ادخلت تعديلات جذرية تتجلى في اكثر من اجراء :

اقصاء الدائنين من تحريك الدعوى الزجرية خلافا لما كانت تقرره المادة 362 من المدونة الملغاة.

و ايضا تحرير السنديك من التقييدات التي كانت تشل حركته في المدونة القديمة الملغاة, حيث كانت تمنع السنديك من اجراء المتابعة و الانتصاب كمطالب بالحق المدني[41].

و النيابة العامة يمكن ان تطلب من السنديك ان يسلمها جميع العقود و الوثائق التي في حوزته, حسب ما تنص عليه المادة 727 من مدونة التجارة.

و يخصع الحكم الصادر في جريمة التفالس و الجرائم الاخرى لاجراءات الشهر و النشر المنصوص عليها في المادة 710 من م.ت,  طبقا للمادة 726 من نفس المدونة و هي :

-تبيلغ كاتب الظبط المقررات الصادرة الى الاطراف .

-يشار الى المقرارات في السجل التجاري.

-ينشر مستخرج منها في صحيفة مخول لها نشر الاعلانات القانونية.

-نشر مستخرج في الجريدة الرسمية .

-تعلق المقرارات او المستخرج منها على اللوحة المخصصة لهذا الغرض .

غير أن المادة 728 من المدونة استبعدت صراحة الاحكام الصادرة في مادة التفالس, و الجرائم المنصوص عليها في الباب الثالت من القسم الخامس,المتعلقو بمسيري المقاولة من ان تكون مشمولة بالنفاذ المعجل بقوة القانون .

بالنسبة للطعون, و تطبيقا للمادة 732 من مدونة التجارة , تخضع الطعون ضد الاحكام الصادرة في التفالس و الجرائم الاخرى لاحكام قانون المسطرة الجنائية و ليس للمقتضيات المنصوص عليها في المواد 729 الى 731 من مدونة التجارة , لان هذه المعطيات تنظم الطعون ضد الاحكام و الاوامر القضائية الصادرة عن المحكمة التجارية في مادة التسوية القضائية و التصفية القضائية.[42]

بالنسبة للتقادم , تنص المادة 725″ لا يسري تقادم الدعوى العمومية لتطبيق أحكام الفصلين 1 و2 من هذا الباب إلا من يوم النطق بحكم فتح مسطرة إجراء المعالجة حينما تكون الأفعال المجرمة قد ظهرت قبل هذا التاريخ ”

و اذا كانت مدونة التجارة لم تغير شيئا من مدة تقادم الدعوى العمومية الخاصة بجنحة التفالس و الجرائم الاخرى المرتبطة بها فانها على العكس من ذلك غيرت الكيفية التي يتم بها حساب مدة التقادم, حيث لا يسري التقادم الا من يوم النطق بحكم فتح مسطرة اجراء المعالجة حينما تكون الافعال المجرمة قد ظهرت قبل هذا التاريخ, اي قبل النطق بالحكم(725 م.ت) في حين تتقادم الجرائم العادية من يوم ارتكاب الجنحة (المادة 5 من ق.م.ج) .

اما في حالة ارتكاب جريمة التفالس و الجرائم الملحقة بها بعد تاريخ النطق بحكم فتح المسطرة فيبقى حساب مدة التقادم خاضعا للقواعد العامة .

بخصوص المصاريف القضائية و كيفية تحديدها فان المدونة الحالية سكتت عن الموضوع بعكس المدونة الملغاة [43].

و امام هذا السكوت لا يمكن للمحكمة الجنائية سوى تطبيق القواعد العامة التي تضبط مصاريف المتابعات الجنائية.

بالنسبة لرد الاعتبار, فهو يترتب بمجرد صدور مقرر المحكمة بالرفع الكامل لسقوط الاهلية  التجارية, او عدم الاهلية الانتخابية (المادة 720 من م.ت).

خاتمة

خلاصة القول أن المشرع المغربي نهج نفس توجه المشرع الفرنسي وذلك بالحد من العقاب  من أجل ضمان استمرارية المقاولة’ بالنظر للتحولات الاقتصادية والاجتماعية، لكن مع ضرورة توافق المشرع وحاجات الاقتصاد المغربي .

فبقراءة متأنية لمقتضيات مدونة التجارة, خاصة فيما يتعلق بمعالجة صعوبات المقاولة, نلاحظ  غايات و فلسفة المشرع المغربي التي تتجلى اساسا في حماية ميدان الاعمال, بحيث خلق قواعد قانونية تساعد التاجر على حل مشاكله المالية والمديونية عن طريق التسوية القضائية ورفع الصفة التجريمية عن بعض صور النشاط التجاري ، وقلل من حالات التفالس .

ما من شك أن المشرع المغربي سعى لضمان الحماية الجنائية للشركة التجارية، بتوفير مناخ مناسب للأعمال التجارية خاصة والاقتصادية عامة، وذلك من خلال: – إقرار الجزاءات الجنائية التي تفيد في تشجيع الاستثمار. – إقرار الجزاءات الجنائية التي تفيد في خدمة الثقة في الميدان التجاري. – إقرار الجزاءات الجنائية التي تفيد في تطوير النشاط التجاري خاصة والاقتصادي عامة بالبلاد. غير أننا نرى ضرورة أن تكون هذه الجزاءات بناءا على ما يلي: – الأخذ بعين الاعتبار البيئة التجارية المغربية حين إقرار الجزاءات الجنائية – وضع نصوص ومفاهيم واضحة ودقيقة لا يحدوها غموض أو إشكال. – توسيع دائرة الحماية الجنائية للمعاملات التجارية. – منح الاختصاص النوعي في جرائم الشركات للمحاكم التجارية عوض المحاكم الزجرية. وخلاصة القول أن المشرع المغربي رغم سعيه لحماية الشركة التجارية، لم يوفق في إعطاء جزاءات رادعة مناسبة وملائمة للجرائم المرتكبة ضد الشركة.

لائحة المراجع :

المراجع باللغة  العربية :

  • عبد العالي برزجو,ترشيد السياسة الجنائية في مجال الأعمال,أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص,كلية العلوم القانونية,طنجة,2011-2012.
  • عمر قريوح,الجرائم المالية في مساطر معالجة المقاولة, التفالس نموذجا,الندوة الجهوية السابعة, وجدة, 31 مايو2007.
  • نور الدين لعرج,التوقف عن الدفع و إشكالاته, المجلة المغربية لقانون الأعمال و المقاولات , العدد 13, أكتوبر 2007.
  • احمد شكري السباعي,الوسيط في مساطر الوقاية من الصعوبات التي تعترض المقاولة و مساطر معالجتها, دراسة معمقة في قانون التجارة المغربي الجيد و المقارن, الطبعة الثانية,الجزء الأول,مطبعة المعارف الجديدة, الرباط ,2000.
  • احمد شكري السباعي, الوسيط في مساطر معالجة من صعوبات المقاولة , الجزء الثالث ,دار النشر غير مذكورة,السنة غير مذكورة,ص 262.
  • محمد ألفروجي, صعوبات المقاولة و المساطر القضائية الكفيلة بمعالجتها , دراسة تحليلية,نقدية لنظام صعوبات المقاولة, سلسلة الدراسات القانونية,الرباط,السنة غير مذكورة.
  • عبد الحميد أخريف,مساطر الوقاية من صعوبات المقاولة,مطبوع مخصص للسنة الثالثة إجازة, كلية الحقوق فاس, 2011-2012.
  • بوشرة فقيهي، جريمة التفالس والجرائم الملحقة بها، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة، جامعة محمد الخامس السويسي، وحدة التكوين والبحث قانون الأعمال والمقاولات، السنة الجامعية2004.
  • مدونة التجارة المغربية .
  • مجموعة القانون الجنائي.

المراجع باللغة الفرنسية :

  • Sordine (MC) : Le délit de banqueroute, contribution a un droit pénal des procédures collectives-litec, 1996.
  • Honorat (A) et Bernardini, redressement et liquidation judiciaires, banqueroute et autres infractions- jurisclasseur-fasc 2930, 1996.
  • Michel véron . Droit pénal des affaires editions Armand colin /6éme édition.

[1] عبد العالي برزجو,ترشيد السياسة الجنائية في مجال الاعمال,اطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص,كلية العلوم القانونية,طنجة,2011-2012 , ص 348

[2]  محمد الفروجي, “صعوبات المقاولة, المساطر القضائية الكفيلة بمعالجتها”دراسة تحليلية نقدية لنظام صعوبات المقاولة المغربي في ضوء القانون المقارن و الاجتهاد القضائي, ص 19-25-26

[3]  المادة 556 من ق.ج “يعد مرتكبا لجريمة التفالس و يعاقب بالعقوبات المقررة في هذا الفرع للتفالس البسيط او التفالس بالتدليس على حسب الاحوال التاجر المتوقف عن الدفع الذي يرتكب اهمالا او عمدا احد الاعمال المعاقب عليها و التي من شأنها الاضرار بحقوق دائنيه”

 [4] أحمد شكري السباعي” الوسيط في مساطر الوقابة من الصعوبات التي تعترض المقاولة و مساطر معالجتها” دراسة معمقمة الجزء 3 ص 446.

 نور الدين لعرج,”التوقف عن الدفع و اشكالاته” المجلة المغربية لقانون الاعمال و المقاولات, العدد13 اكتوبر 2007 ص 136[5]

 [6] حكم ابتدائية القاهرة بتاريخ 12-1961-26 مجلة المحاماة , عدد 43 ص 361 مدونة التشريع و القضاء في المواد المدنية و التجارية , ص 11

 المادة 3 من القانون الصادر بتاريخ 25 يناير 1985.[7]

 [8]قرار بتاريخ المجموعة ص 318 اورده احمد شكري السباعي في “الوسيط في مساطر الوقاية من الصعوبات التي تعترض المقاولة و مساطر معالجتها “الجزء2 الطبعة 1 .

[9]  نور الدين لعرج,التوقف عن الدفع و اشكالاته, المجلة المغربية لقانون الاعمال و المقاولات , العدد 13, اكتوبر 2007, ص 143.

 المادة 568 من مدونة التجارة .[10]

 المادة 619 من مدونة التجارة.[11]

 نور الدين لعرج,  المرجع السابق, ص 137-138[12]

[13]  تنص المادة 565 “يمكن فتح المسطرة ضد شريك متضامن داخل سنة من اعتزاله عندما يكون توقف الشركة عن الدفع سابقا لهذا الاعتزال”

 حكم صادر عن المحكمة التجارية بطنجة رقم 5 بتاريخ 4-5-2006 ملف رقم 7-10-2006 حكم غير منشور.[14]

 عمر قريوح, “الجرائم المالية في مساطر معالجة صعوبات المقاولة “التفالس نمودجا, الندوة الجهوية السابعة, وجدة, 31 مايو 2007 ص394[15]

[16]  ـ أحمد لفروجي: صعوبات  المقاولة والمساطر القضائية الكفيلة بمعالجتها، دراسة تحليلية نقدية لنظام صعوبات المقاولة المغربي في ضوء القانون المقارن والاجتهاد القضائي”، الطبعة الأولى تاريخ النشر 2000، ص 159 – 204.

[17]  ـ أحمد شكري السباعي: الوسيط في مساطر الوقاية من الصعوبات التي تعترض المقاولة ومساطر معالجتها”الجزء 3، الطبعة الأولى، دار النشر المعرفة 2000، ص 460.

[18]  ـ عبد العالي برزحو: “ترشيد السياسة الجنائية في مجال الأعمال” مرجع سابق، ص  356  – 357 – 358.

[19] – بوشرة فقيهي، جريمة التفالس والجرائم الملحقة بها، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة، جامعة محمد الخامس السويسي، وحدة التكوين والبحث قانون الأعمال والمقاولات، السنة الجامعية2004- 2003-ص 54

[20] Sordine (MC) : Le délit de banqueroute, contribution a un droit pénal des procédures collectives-litec, 1996.page : 142

[21] Michel véron . Droit pénal des affaires editions Armand colin /6éme édition/ page251

[22] – قرار بتاريخ 24/04/1984 وكذلك قرار الغرفة الجنائية بتاريخ 21/9/1994

[23] – قرار محكمة النقض الفرنسية جنائي بتاريخ 18 يونيو 1998.

[24] – محمد لفروجي- التاجر وقانون التجارة بالمغرب- ص 323

[25] Honorat (A) et Bernardini, redressement et liquidation judiciaires, banqueroute et autres infractions- jursclasseur-fasc 2930, 1996 , N° 8.

[26]عبد العالي برزجو , المرجع السابق,ص: 362

[27] عمر قريوح ,المرجع السابق, ص392

 عبد العالي برزجو,ترشيد السياسة الجنائية في مجال الاعمال, مرجع سابق , ص 367.[28]

 احمد شكري السباعي, الوسيط في مساطر معالجة من صعوبات المقاولة , الجزء الثالت ,المرجع السابق,ص 262. [29]

 [30]المادة 722″يعاقب المتفالس بالحبس من سنة الى خمس سنوات و بغرامة من 10.000 الى 100.000 درهم و باحدى هاتين العقوبتين.

 الفقرة 3 من المادة 722.[31]

 الفقرة 2 من نفس المادة .[32]

 أحمد شكري السباعي , مرجع سابق, ص 470-471 .[33]

[34] محمد الفروجي, صعوبات المقاولة و المساطر القضائية الكفيلة بمعالجتها,المرجع السابق, ص 442.

 عمر قريوح, المرجع السابق, ص 397[35]

[36] محمد الفروجي,صعوبات المقاولة و المساطر القضائية الكفيلة بمعالجتها, المرجع السابق,ص444

 احمد شكري السباعي, الوسيط في مساطر معالجة من صعوبات المقاولة  الجزء3,المرجع السابق ,ص466[37]

[38]  احمد شكري السباعي,الوسيط في مساطرالوقاية من الصعوبات التي تعترض المقاولة و مساطر معالجتها, دراسة معمقة في قانون التجارة المغربي الجيد و المقارن,الجزء الاول, المرجع السابق,ص 104

 عبد العالي برزجو,ترشيد السياسة الجنائية في مجال الاعمال,المرجع السابق,ص 370[39]

[40] المشرع المغربي يسمح للدائن ان ينصب كمطالب بالحق المدني عن الاضرار التي لحقت به شخصيا استفلالا عن مبلغ  دينه اذا انشأت مباشرة عن الجريمة او الجرائم المرتكبة .

[41] احمد شكري السباعي,الوسيط في مساطر الوقاية من الصعوبات التي تعترض المقاولة,الجزء الثالت, مرجع سابق , ص 767 .

 محمد الفروجي,المرجع السابق,ص 444.[42]

[43] المدونة الملغاة (المواد 365 و 366 و 368 و 370 ).

أضف تعليقاً