عناية علماء سوس بالفقه والأصول

2016 12 15
2016 12 15

عناية علماء سوس بالفقه والأصول [1]

ذ/اسماعيل ند الحاج

باحث بسلك الماستر

فقه المعاملات وقضايا العصر

كلية الشريعة أيت ملول

جامعة القرويين

تمهيد:

في بداية هذا العرض البسيط أرى أن أضع بين يديه ثلاث نقاط أعتقد أنها من المفاتيح الضرورية للحديث عن موضوع علماء سوس والفقه والأصول، هذه النقاط هي كالتالي: كلمة سوس وأصلها بإيجاز، وكلمة الفقه وبالضبط الفقه المالكي، وكلمة الأصول وضبط المقصود منها،

أولا: سوس أصل الكلمة:

لاشك أن هناك مناطق أخرى من العالم سميت بهذا الاسم، غير هذا القطر المبارك المعروف من المغرب منذ الزمن القديم، وهو من المفاهيم الشائكة في تحديد الدلالة اللغوية؛ حيث نجد إلى جانب هذه الكلمة كلمة: سوسة التي توجد بتونس وكلمة سوز – بالزاي- التي هي اسم مكان ايضا بايران ، والسوس بالتعريف الذي هو اسم مكان بالصين[2]. هذا من الناحية اللفظية، أما من الناحية الجغرافية، فقد حدده العلامة سيدي محمد بن سعيد المرغيتي صاحب المقنع الذي سنتحدث عنه في هذا العرض من ما وراء مراكش من المجال الذي يليه من سفح الأطلس الكبير إلى حاحة شمالا، وما بين ذلك إلى الساقية الحمراء من الصحراء جنوبا، ومايليها من ناحية ماسة من البحر غربا، وجبل نفيس ومدينة رودانة وما يليها من جبال الأطلس شرقا[3].  ومن الناحية اللغوية فإننا نجد ان كلمة سوس في اللغة العربية كما أشار اليها ابن منظور في اللسان تعني مما تعنيه الأصل والطبع والفصاحة[4]. أما باللغة الأمازيغية ولهجاتها المتنوعة والمتقاربة فإن كلمة سوس تعني : نفض / إيسوس؛ ويشتق منها أيضا اسم بمعنى الساحة الكبيرة او المعرض: أسايس.[5]

اقرأ أيضا...

ثانيا: لماذا الفقه المالكي:

حينما نتحدث عن الفقه فلابد من الاشارة الى تحديده في هذا الصدد، حيث لا يمكن القول بأن المساهمة الفقهية لعلماء سوس تغطي كل جوانب الفقه الاسلامي بمختلف مذاهبه مع الاقرار بوجود عينات من هذا القبيل، ولكن الذي عليه المؤرخون وأسهم فيه علماء هذا القطر هو ما يتعلق بالفقه على المذهب المالكي في الاغلب الاعم منه، لما له من فضل على غيره، فهو تلقاه الامام مالك عن شيوخه الذين هم تابعو التابعين، وعن فتاوى الصحابة والفقهاء السبعة المعروفين، الذين تلقوا بدورهم عن الخلفاء الراشدين وأبنائهم والعبادلة وكتاب الوحي[6]. ولما في قلوب السوسيين والمغاربة عموما من الإكبار والإجلال لكل ما هو قادم من بلاد الحرمين الشريفين، مهبط الوحي ومأوى الافئدة، قال الإمام ولي الله الدهلوي: أهل الحرمين أثبت الناس في الفقه؛ وأصل مذهبهم فتاوى عبد الله بن عمر وعائشة وابن عباس وقضايا قضاة المدينة، فجمعوا من ذلك ما يسره الله لهم، ثم نظروا فيها نظر اعتبار وتفتيش، فما كان منها مجمعا عليه بين علماء المدينة فإنهم يعضون عليه بنواجذهم، وماكان فيه اختلاف عندهم فانهم يأخذون بأقواها وأرجحها، إما بكثرة من ذهب اليه منهم أو لموافقته لقياس قوي أو تخريج صريح من الكتاب والسنة ونحو ذلك، وإذا لم يجدوا فيما حفظوا منهم جواب المسألة خرجوا كلامهم وتتبعوا الايماء والاقتضاء فحصل لهم مسائل كثيرة في كل باب.[7]

ثالثا: الاشكال في لفظة الاصول:

المقصود هنا هو أصول الفقه، إلا أنه لابد من الإشارة إلى أن البعض ينازع في هذا المصطلح حينما يتحدث الناس عن الاختلاف، فيستدلون على جوازه في مسائل شرعية بدعوى أنها ليست من الأصول، وإنما هي أمور فرعية لاضير في اختلاف الفهوم فيها، وهم يقصدون بالأصل: كل أمر عقدي والفرع: ما عدا ذلك من المسائل العملية، وهذا خطأ؛ لأنه قد وقع الخلاف في مثلها أيضا كسماع الميت صوت الحي، وتعذيبه ببكاء أهله[8]. والبعض يقول أصول الدين؛ فيحاول التمييز بين هذا وذاك، ولكن الصحيح هو أن الأصل كل ما يبنى عليه غيره من الامور العقدية أو العملية؛ لا التقسيم الذي اخترعه البعض بدون دليل، وقد يكون من الأحكام العملية ما هو قطعي، وقد يكون من الأصول ما هو ظني بمفهومهم[9].

هذا ما كنت أحب الاشارة اليه نظرا لتوصلي بالعنوان على هذه الصيغة التي يمكنني الآن بها أن أرتاح إلى تناول العرض وأنا مقتنع بما أتناوله. وقد أحببت أن أمهد القول لتبيان بعض مظاهر عناية علماء القطر السوسي بالفقه والأصول بمحور عن الحركة العلمية بسوس منذ إشراق نور الاسلام عليه بإيجاز واختصار، ليكون ذلك أرضية أنتقل منها إلى ما نحن بصدده، ومعلوم أن الحكم على فرع خاص يقتضي التصور الكافي لأصله العام فأبدأ بالمحور الأول وأقول:

المحور الأول: الحركة العلمية بسوس منذ بزوغ الفتح الإسلامي

كل المؤرخين الذين تناولوا الطريقة التي دخل بها الإسلام إلى المغرب يؤكدون على خاصية واحدة في هذا الفتح وهي الاسترسال والتتابع، فمنذ سنة21 للهجرة فتح عمرو بن العاص رضي الله عنه مدينة الإسكندرية، وفتح طرابلس بعدها بسنة، وفتح عبد الله بن أبي سرح افريقية في السنة 27، ودخل عقبة بن نافع رضي الله عنه إليها وبنى بها مسجد القيروان سنة 51، وولاه يزيد بن معاوية على إفريقية والمغرب سنة 62هـ، وبعده جاء موسى بن نصير وحسان بن النعمان، فأسلم عدد كثير من المغاربة الأمازيغ، وبإسلامهم أرسل عمر بن عبد العزيز عشرة من فقهاء التابعين إلى الغرب الاسلامي في عهد ولاية إسماعيل بن عبيد الله بن أبي مهاجر الذي كان مهتما بأمور الدعوة وتعليم الأمازيغ فجاءته البعثة الخليفية سندا للإشراف على إرشادهم إلى سبيل الدعوة وطرقها، خاصة من الأمازيغ أنفسهم والذين سيقومون بهذه المهمة خير قيام فيما بعد، لما يتميزون به من معرفة للسان أهل سوس[10].

لكن حدثت بعض الأحداث السياسية بسوس – من بينها فرض ضريبة على الناس لجمع الأموال – فاستغلها المذهب الخارجي الذي انتشر آنذاك في بعض البلاد، فدخل للناس من حيث وافقوهم على طبعهم في رفض الجزية المفروضة فاتبعه كثير من الناس ردحا من الزمان، خاصة بعد تأسيس سجلماسة من لدن غمارة بني مدرار سنة140هـ ، فتواصلوا مع المشرق وتعمقوا في الفكر الخارجي، واستمرت سيطرتهم إلى سنة 197هـ حيث عمل مولاي ادريس الثاني على إخضاع سوس لطاعته بعدما هدأ الأوضاع بالشمال، فقاتل من رفض منهم الطاعة، وعزل فقهاء الخوارج من التدريس والإفتاء، وأرسل فقهاء المالكية إلى مختلف الجهات، لتقلد المسؤوليات.[11] فاستمر الوضع هكذا بقيادتهم طيلة القرن الثاني إلى أن ضعفت الدولة الإدريسية وانقسمت، حيث احتدم الصراع الأموي الفاطمي بسوس، واشتدت المنافسة بين المذهبين المالكي والشيعي وشجع الفاطميون الشيعة[12]. يقول ابن حوقل: وأهل السوس فرقتان إحداهما فرقة موسوية؛ والثانية سنية مالكية حشوية، وبينهم القتال المتصل ليلا ونهارا والدماء الدائمة، ولهم مسجد يصلي فيه الفريقان فرادى عشر صلوات، إذا صلى هؤلاء أتى هؤلاء بعشر أذانات وإقامات[13].

إذن نرى أن الإسلام أطل على سوس من أيام عقبة بن نافع رحمه الله تعالى ثم رسخ فيها أيام موسى بن نصير سنة 87 مرورا بعهد المولى إدريس سنة 175هـ . إلا أن نشأة الدولة اللمتونية في القرنين الثالث والرابع وازدهار العلوم في سجلماسة وأغمات في نفس القرنين، أغفل الكتاب والمدونين إلى حد ما عن تفصيل الوضع بسوس مع ظهور عبد الله بن ياسين وبنائه لتامدولت وامتداد البورغواطيين الذين قيل إنهم وصلوا إلى ماسة[14]، واستمر الوضع كذلك، فيقول المختار السوسي: انطوت القرون الخامس فالسادس فالسابع فالثامن عن سوس، ولم نر عنها مايدل على حركة علمية واسعة تذكر عن سوس، ولولا أفراد سياسيون كابن تومرت وصوفيون مذكورون في السادس فالسابع فالثامن لخيم على سوس ما خيم عليها في الثالث والرابع من ديجور كثيف في نظر التاريخ.[15]

وبعدها جاء القرن التاسع، فكان بحق منطلق النهضة العلمية بسوس، ولنقل عنها اصطحاء الحركة العلمية بربوعه، على اعتبار أن القرون المظلمة السابقة لم تكن على سوس وحدها، بل عمت جل مناطق المغرب كما رجح المختار السوسي ذلك وغيره تبعا له.

أقول: جاء هذا القرن الذي سماه المختار السوسي “النهضة العلمية السوسية بعد القرن الثامن” ويروقني كلامه هنا حين يقول: جاء القرن التاسع بفاتحة خير وطلع بفجر منير وسفر عن وجه يقطر بشاشة وبشرا؛ حقا كان القرن التاسع قرنا مجيدا في سوس، ففيه ابتدأت النهضة العلمية التي رأيناها في التدريس والتأليف وكثرة تداول الفنون، وقد تشاركت سملالة وبعقيلة ورسموكة وآيت حامد وأقا والكرسيفيون والهشتوكيون والوادنونيون والطاطائيون والسكتانيون والراسلواديون وغيرهم فيها، ثم جاء القرن العاشر فطلع بحركة علمية أدبية أوسع مما قبلها… فزخرت سوس علما بالدراسة والتأليف، والبعثات توالى إلى فاس ومراكش والأزهر، فكانت تئوب في ذلك العهد بتحقيق اليستيني والونشريسي وابن غازي ونظرائهم، حتى كان كل ما يدرس في القرويين يدرس في سوس – قوله لا تنفج فيها – وإنها لحقيقة ناصعة يقر بها كل مطلع. ثم جاء القرن الحادي عشر بزبدة علمية عالية فطاحل العلماء … وناهيك بشيخ الجماعة عيسى السكتاني وعبد الله بن يعقوب السملالي وعلي بن أحمد الرسموكي وسعيد الهوزالي ومحمد بن سعيد المرغيتي الاخصاصي ومحمد بن محمد التمنارتي مفتين أقوياء الفتاوي وإلى فتاويهم يصار عند الاختلاف … ثم جاءت الدولة العلوية السعيدة فكانت سعد السعود على السوسيين، فقد تكاثرت المدارس وزخرت بالطلبة حتى إن معظم المدارس السوسية لا نراها أسست إلا في هذا العهد[16]، ويذكر التاريخ كيف كانت العلاقة متينة بين الملوك العلويين وعلماء سوس؛ من ذلك على سبيل المثال لا الحصر؛ علاقة المولى سليمان مع الأستاذ محمد بن أحمد التاساكاتي وعبد الله بن عمر التناني الذي أمره أن يقف بجاهه عند القبائل حتى لا تتعدى على تارودانت، وأيضا لما جاش المغرب بالقضية التطوانية سنة 1276هـ، قام علماء جزولة باستنفار الناس أمثال الأساتذة أحمد بن ابراهيم السملالي والحسن بن أحمد التمكديشتي والحاج أحمد الجشتيمي والعربي الأدوزي وغيرهم[17]. أضف إلى هذه العلاقة – من أمراء وملوك الدولة العلوية والمعاملة الجيدة للعلماء – تنافس القبائل فيما بينها، فكثيرا ما تجد في قبيلة كبيرة كهشتوكة وبعمرانة وإيلالن وسكتانة أفخاذا تختص كل واحدة منها بمدرستها لأن لإقامة المدارس وعمارتها بطلبة المعارف وبالتدريس للعلم العربي صارت ميادين فخر تتسابق إليه كل القبائل حتى ليكون كبيضة الديك وكالكبريت الأحمر أن تجد قبيلة سوسية كبيرة أو صغيرة ليس لها معهد علمي بسيط مشاد بين ظهرانيها يؤمه من حفظ القران من مساجد القرى، كما يؤمه الآفاقيون الذين ينزلون حيث يطيب لهم النزول.[18]

ولئن استغرب أحد هذا التطور السريع الحاصل في البنية الفكرية السوسية، فإنه لن يكون ذاك مدعاة للنيل من مصداقية الموروث المدون عن هذا الصقع النائي من أصقاع الدولة المسلمة والبعيد جغرافيا عن منطقة الحضارة العربية الاسلامية في الشرق الأوسط، لأن الخصائص التي تميز بها أهلها توافق مع ذلك وتنأى عن أن تكون أقل مما يجب أن يكون. وتأكيدا على هذا الكلام أختم هذا المحور بكلمة رائعة  للمختار السوسي رحمه الله تعالى يقول فيها: إن الطبع السوسي سريع التطور في كل ميدان دخله، فكما أنه استحال الرجل العامل السوسي بين عشية وضحاها في هذا العصر تاجرا مزاحما لغيره من الفاسيين والإسرائليين والأجانب، كذلك كان في الميدان العلمي منذ دخله بِجد وولع في القرن التاسع، فإنه قد يتكشف عن بحاثة رحالة باقعة، وهل عرفت من هو أبو موسى الجزولي، وابن الوقاد الرداني، وأبو يحيى الجرسيفي، ومُحمد بن إبراهيم الشيخ، وأحمد التِّيزرْكِيني، وابن سليمان الرداني، وأبو مهدي السكتاني، وعبد الله الووكدمتي، والعباسي، والحيضكي، ومُحمد بن سعيد المرغيتي، وعبد الله السكتاني المسكالي، وأحمد البوسعيدي، والهشتوكي أحْوزِي، وعشرات فعشرات[19].

هذه إذن بعض ملامح الحركة العلمية بطريقة إجمالية وبصفة عامة عبر هذه القرون، وكيف مرت على سوس في مختلف درجاتها من ارتقاء وهبوط، وازدهار وانحطاط، لكن ماذا عن الجانب الفقهي والأصولي من هذه الحركة؟ وهل حظيا باهتمام من لدن العلماء العاملين على تيسير تعاليم الدين الاسلامي الحنيف لهؤلاء المسلمين الأمازيغ في الأغلب الأعم منهم؟ الذين تجمعهم رابطة الدين بإخوانهم في المشرق، ولكنه تحول بين تواصلهم عوائق كان أعتاها اللغة، فكيف كانت حركة الفقه مع هذه العوائق التواصلية؟ رغم أن المشرق الذي يعرف انتشارا واسعا للعلوم؛ بل واختراعا لعلوم جديدة لم تتأخر عنه سوس بدروها فعرفت نفس التطور على قدر كبير من التشابه في المنهاج العلمي.

المحور الثاني: تجليات الحركة الفقهية بسوس

ننتقل هنا من الأعم إلى الأخص نسبيا، حيث إن العلماء في القرون السابقة لم يكن هذا الذي يعرف بالتخصص عندهم شائعا ولا معمولا به، بل يعمل كل منهم على تحصيل العلوم بمختلفهادون اعتذار بالتخصص أو ما شابهه؛ ولعلكم تذكرون قصة “كتاب الطب” الذي ألفه الإمام المازري رحمه الله تعالى، وسببه من تلك القصة التي يذكرها أصحاب الطبقات في ترجمته، فيحكى أنه مرض مرة فكان يعالجه طبيب يهودي بالمهدية وفي أثناء المعالجة قال له الطبيب: يا سيدي مثلي يطب مثلكم !!!، وأي قربة أجدها أتقرب بها من ديني وأهله مثل أن أفقدكم، فلم يجبه بشيء، فلما عوفي جد في دراسة الطب[20]. مع ما يمكن أن يقال في نقد القصة واستبعاد حصولها.

وقد برع في سوس أعلام لهم قدم راسخة في مختلف الفنون والعلوم، يكفي للتحقق من ذلك إطلالة على فهارس مؤلفاتهم المخطوط منها والمطبوع، الذي لا نبالغ إن قلنا إنها تصل العشر من الأول، لما يحتف بذلك من القرائن الدالة بتأكيد عليه. كما يكفي لذلك أيضا الاطلاع على الفنون التي اشتغلوا بها؛ إلا أنه في هذا الصدد والتزاما بالعنوان المقترح، سأتعرض للفقه وأصوله حسب ما طلب مني؛ فعلم الفقه والأصول من العلوم التي اهتم بها علماء سوس قديما وحديثا دراسة وتأليفا، لا سيما من بعض المظاهر الدالة على العناية الفائقة كالتكامل الواضح بين المتون والكتب المقررة والمتناولة، وأيضا أساليب التأليف فيها ودرجة الجدة فيها وتنويع التصنيف، إلا أن كل هذا يمكن تحديد البداءة به من القرن الخامس الذي توفرت المراجع التاريخية على بعض أخباره، فمن ذلك الحركة الناشئة على يد محمد وكاك بن زلو الذي وصفه شيخه أبو عمران الفاسي بالفقيه الحاذق كما يرويه ابن خلدون[21] وغيره، كما يمكن قياس الحركة الفقهية في هذا القطر بكثرة المؤلفات التي ألفت فيها؛ بل وبالرحلات المتتابعة في طلب العلم والبعثات العلمية إلى مراكش وفاس والأزهر، وقد تقدم أن كل ما كان يدرس في تلك المراكز المتقدمة والحواضر العلمية كان مثله يدرس في سوس ومدارسها، ومن خلال التتبع والاستقراء نتوصل إلى ثلاثة  مظاهر توضح هذا الحركة وبعضا من ملامحها المشرقة التي تظهر هذه العناية في أجلى صورها:

  • المواد والكتب المتناولة: حيث نجد موطأ الإمام مالك والمدونة الكبرى وصحيح الإمام البخاري والتنقيح للقرافي والمحلى لابن حزم والمنهج المنتخب وغيرها من الكتب الكبيرة في صدر لائحة الكتب التي اعتنى بها علماء سوس، فبذلوا وسعهم في شرحها والتعليق عليها؛ بل وتحليل مضامينها، فلا يمضي عليك عالم إلا وتجده أو تجد من شيوخه أو تلامذته من تعرض لأحد هذه الأمهات الأولى في الفقه والأصول؛
  • المستوى العلمي الذي يحظى به علماء سوس: وقد قدمنا قبل قليل علاقة السلطان سليمان العلوي بعلماء سوس، وأيضا من خلال الألقاب التي يحلَّى بها أهل العلم فنسمع ألقابا راقية من قبيل الأستاذ التاساكاتي والقاضي أبو مهدي السكتاني والرحالة الجزولي ومفخرة الجنوب الطاهر الافراني… وغيرها من الألقاب العلمية العالية؛
  • الانتاجات التي خلفوها في حياتهم وبعد مماتهم: حيث ازدهرت المؤلفات في سوس على وتيرة أرقى مما كانت عليه من ذي قبل، خاصة في العهد السعدي الذي جعل من حاضرة سوس تارودانت – التي كانت تسمى آنذاك (المحمدية) جعل منها – مركزا لعاصمة دولتهم ردحا من الزمن، وقد حدد الدكتور محمد حجي هذه الانتاجات في ثلاثة أصناف رئيسية:
  • كتب مرتجلة أو مختصرة: وهي عبارة عن خلاصات لكتب قديمة عندما أدرك مؤلفوها حاجة طلابهم لكتب في مستوى معين، فعملوا على تلخيص المؤلفات إما نثرا او نظما؛
  • شروح وحواشي: وذلك أنهم أدركوا صعوبة المؤلفات المتقدمة المدرسة بالمدارس العلمية، فعملوا على شرح أمهات الكتب وصبغها بأسلوبهم الخاص قصد تقريبها من المبتدئين، وقد شرحوا الشروح في الهوامش وهي المسماة بالحواشي ونسخها الطلبة ثم انتشرت واشتهرت؛
  • نظم ومختصرات: وقد وصفها الدكتور حجي بأنها أحط أنواع التصنيف التعليمي؛ حيث نظموا مختصرات معقدة في آلاف الأبيات فزادوها تعقيدا[22].

وتلك وجهة نظره، والذي يهمنا أن الحركة العلمية والتي تتعلق بعلوم الشريعة أساسا، وبصفة خاصة علمي الفقه وأصوله وتوابعهما، هي التي تزخر بهذا النوع من التآليف، فكان غرض الكتابة الأساسي عندهم هو نشر المعارف وتقريبها إلى الأذهان خدمة للعلم وطلبته. وبغض الطرف عن وجهة نظر الأستاذ محمد حجي؛ فإنه بقيت هذه الآثار وأصحابها دالة على ازدهار النشاط العلمي في سوس، أذكر من بين تجليات ذلك ما خلفته الشخصيات العلمية المرموقة أمثال الشيخ أبي زيد عبد الرحمان بن عبد الله الجشتيمي الذي استطاع بجودة قريحته واطلاعه الواسع أن يستدرك على الشيخين العلامة خليل والعلامة ابن عاصم رحمهما الله في المختصر والتحفة، وشرحه العلامة محمد بن أبي بكر الأزاريفي وسماه: المنهل العذب السلسبيل فيما لم يذكره الشيخان عاصم وخليل’  والعلامة سيدي عبد الله الجشتيمي صاحب العمل السوسي، والعلامة سعيد الكرامي شارح الرسالة لابن أبي زيد في كتابه ‘ مرشد المبتدئين’ [23].. وغيرهم مما سنفصل فيه القول في المحور الثالث.

المحور الثالث: نماذج من عناية علماء سوس بالفقه والأصول:

من الصعب في هذه الإطلالة المختصرة والمستعجلة، الإحاطة بل حتى إدراك معيار حقيقي يستحق البناء عليه لاختيار نماذج بعينها من علماء سوس أو مدارسها أو مؤلفاتها لها عناية خاصة دون غيرها بهذا الميدان، ( الفقه والأصول).

فعلى مستوى المدارس؛ فإن العلامة محمد المختار السوسي بنفسه؛ يؤكد أنه اقتصر في كتابه سوس العالمة على خمسين مدرسة من بين المائتين المنبثة في نواحي القطر السوسي، فهاهو اكتفى بنحو الربع مما يوجد في ذلك الوقت قبل سبعين سنة أو أكثر.

أما على مستوى تعداد واختيار نماذج من العلماء؛ فقد نجد العمل أعقد، لأن الكم الهائل من المدارس يصعب المأمورية، وقد اعتبر المختار السوسي أن الأستاذ الحاج المسعود الوفقاوي الإلغي المتوفى سنة 1365هـ، خاتمة الأساتذة السوسيين الذين تضرب بهم الأمثال في الجد.[24]

وأما على مستوى التآليف والكتب؛ فهذا أصعب من الإثنين لأمر واضح وبسيط، هو استحالة التكهن بنفاذ الكتب العلمية النفيسة في مواضيعها، خاصة المخطوطة منها في خزائن الأسر العلمية وغير العلمية، ولدى ورثة العلماء نظرا لشح بعضهم بها، وللجهل عند البعض الآخر بقيمة العلم وأهله وإخراجه من فتك الأرضة وعوادي الزمان به،

لهذه الأسباب وغيرها أرى أن معيار الاختيار يكون على أبرز ما تدوول أو ظهر من هذه النفائس الذخيرة من تراثنا العريق.

أولا: علم الأصول؛

لم تكن عناية العلماء بفن من الفنون أو علم من علوم الشريعة أقل من الآخر، فقد نال علم الأصول من لدنهم حظه الوافر، لا سيما وهو ذلك العلم الجميل المراقي والحلو في المذاق، رغم ما أصاب الأمة بصفة عامة من هجره والإقبال على المختصرات الفقهية وترك الاجتهاد في فترة هامة لا يذكرها مهتم إلا تأسف عليها أشد ما يكون الأسف، يكفي دلالة على ذلك أن من عاصروا القرن العاشر وركود هذا العلم فيه ألفوا للرد على ذلك الركود واستنهاض الهمم كتبا كثيرة، كما هو الشان بالنسبة للعلامة السيوطي في كتابه ‘الرد على من أخلد إلى الأرض’. وليست حالة سوس بدعا عن هذا العالم الإسلامي الفسيح، فهي تتأثر به وتؤثر فيه، ورغم ذلك فقد وجدنا علم الأصول له أهله الذين يتقنونه ويعتنون به، أمثال العلامة أبي مهدي عيسى السكتاني، ومحمد بن إبراهيم الهشتوكي، والعلامة ابن صالح الروداني، والأسرة العلمية الجشتيمية أبو زيد عبد الرحمان وأبوه عبد الله وغيرهما، وكذلك العلامة أحمد أضرضور الإكراري، المتخصص في أصول المذهب المالكي، والنابغة محمد بن علي اليعقوبي شارح المنهج، بل الفوا فيه كتبا تبقى شاهدة على رسوخ قدمهم مثل العلامة حسين الشوشاوي وعبد الواحد الوادنوني ومحمد بن سليمان الجزولي – وهو غير صاحب دلائل الخيرات فهذا عاش في نهاية القرن الثامن وبداية القرن التاسع -. وأبي فارس الأدوزي المولع بتدريس التنقيح بشرح الشوشاوي المتقدم، وكالعلامة محمد بن مسعود صاحب الحواشي على المحلى، وغيرهم ممن لم يبرز فيه إلى درجتهم، إلا أنه غلب على تآليفه النظم أو الاختصار أو الحاشية او الشرح كالعلامة محمد بن الحسن الماسي صاحب نظم الورقات لإمام الحرمين رحم الله الجميع.

ثانيا: علم الفقه:

لا يمكن لأحد أن ينكر ما أولاه علماء سوس من اعتناء شديد للفقه، كيف لا! وهو زبدة النظر في علوم القران والحديث والأصول وغيرها من العلوم التي برعوا فيها وأولوها ما تستحق من اهتمام، دون أن ننسى أن الفقه يتميز بخاصيتين؛ أولاهما: أنه يصنف ضمن العلوم الشرعية، فهو واحد منها لابد من استحضاره وذكره، والثانية: أن أغلب هذه العلوم والمعبر عنها بعلوم الآلة هي وسيلة إليه، من لغة ونحو وصرف وبيان وبلاغة وأصول ونحوها، فالتعلم وممارسة هذه العلوم غايته التفقه في دين الله ومعرفة حكم الله تعالى.

وقد كان لربوع سوس حظها من العلماء الذين اعتنوا بهذا العلم فنبغوا فيه، كما تقدم في وصف أبي عمران تلميذه محمد وجاج بالفقيه الحاذق، وهذا في القرن الخامس الهجري مما يحيل على قدم النبوغ السوسي في هذا الفن الشريف، خاصة مع ارتباطه بأعمق وأكبر موسوعات الفقه المالكي عند المتقدمين، كالمدونة والرسالة ومختصر ابن الحاجب، وملازمة علماء سوس لفقهاء المذهب الكبار، كالشيخ بناني الذي لازمه الفقيه ابراهيم التاكوشتي، وأبي يحيى نابغة القرن السابع، وابن عمه الجزولي شارح كتاب الرسالة، وشرحها أيضا سعيد الكرامي، كما اعتنى بالمدونة الفقيه عبد الواحد الرجراجي، وكذا الشيخ

داود التملي صاحب كتاب: ‘أمهات الوثائق’ ، وابن بلده سيدي عثمان التملي تلميذ الونشريسي صاحب المعيار، وأحمد التيزركيني تلميذ ابن غازي، والحسين بن داود التاغاتيني الرسموكي شارح الرسالة أيضا، والشيخ محمد بن ابراهيم التامانارتي وولديه محمد وإبراهيم، وهما عالمان في الفقه وغيره، وأحمد بن علي الرجراجي الهشتوكي شارح الرسالة والمدونة، كما تناولت تآليفهم وحاز على عنايتهم كتب كبار المتأخرين من المذهب كمختصر الشيخ خليل الذي شرحه الكثيرون وحشوه ونطموه، ومنهم العلامة سيدي عبد الله السملالي صاحب الحاشية عليه، والمختصر الفرعي لابن الحاجب الذي اعتنى به التاغاتيني المذكور.

ولم يشغلهم الاعتكاف على الأمهات والمختصرات عن إنتاج التآليف البديعة المغنية للمكتبة الفقهية السوسية، فأغنوها بكل ما يفيد، نذكر من ذلك على سبيل المثال؛ نوازل ابن هلال التي جمعها علي بن أحمد التمنارتي، والأجوبة البرجية التي جمعها أحمد بن علي البرجي الرسموكي، وفتاوي عبد السميح الأمزالي، والفتاوي المجموعة للقاضي الكبير أبي مهدي عيسى السكتاني، والعلامة سيدي ابراهيم التاكوشتي الذي صاحب الشيخ بناني عشرين سنة مع من معه من أقرانه، وعاد فقيها عالما نافعا في سوس حتى قال عنه الجشيمي في منظومة له: وهو الذي في عصرنا نستفتي [25]، والشيخ أحمد الهوزيوي شيخ الجماعة في وقته[26].

هكذا كانت الحركة الفقهية تترواح في سوس بين مختلف الدرجات من الازدهار والسكون، والنهوض على مر القرون، دون أن أنسى التنبيه –كما نبه إلى هذا المختار السوسي بدوره – إلى أن هذا الذي تمت الإشارة إليه ليس كل ما يوجد، بل هناك أضعاف أضعاف ما بين أيدينا من أخبار ومؤلفات وأعلام، غطاها الزمن والإهمال، أو لم تصل لها بعد أيدي الغيورين من المنقبين عن التراث وأخبار من مضى من الرجال.

ويمكني بعد هذه الاشارات إلى عناية علماء سوس بالفقه والأصول، أن أضع جردا ألخص فيه ما أورده العلامة المختار السوسي في سوس العالمة لمن وقف عليه من المؤلفين السوسيين ممن ذكرت بعضهم في المحاور السابقة، معتمدا في ذلك على ترتيب القرون مكتفيا ببعض النماذج فقط، مما له صلة بموضوع العرض:

  • في القرن الثامن: عبد الرحمان الجزولي الكرسيفي نزيل فاس، له: شرح المدونة وثلاثة شروح للرسالة لابن أبي زيد: كبير وأوسط وأصغر؛
  • في القرن التاسع: الحسين بن علي الشوشاوي وهو دفين أولاد برحيل من قبيلة المنابهة، له: رفع النقاب عن تنقيح الشهاب يعني التنقيح للقرافي، وهو الذي يدرس به في سوس، وله نوازل فقهية؛ وفي هذا القرن أيضا الشيخ سعيد الكرامي السملالي، له شرح الرسالة القيروانية، وشرح مختصر ابن الحاجب، وولده يحيى بن سعيد، صاحب شرح التلقين للقاضي عبد الوهاب البغدادي، وفي هذا العصر أيضا عاش الوادنوني عبد الواحد بن الحسين الرجراجي صاحب شرح المدونة، وداود التملي مؤلف كتاب أمهات الوثائق، وما يتعلق بها من العلائق؛
  • في القرن العاشر التمنارتيان الشيخ محمد بن ابراهيم وولده ابراهيم ولكل منهما مجموعة فتاوي، وفيه أيضا عمر البعقيلي المفتي، له: أجوبة فقهية وتعليق على قول خليل في مختصره: “وخصصت نية الحالف إن نافت وقيدت” وفي هذا العصر عاش الشيخ حسين بن داود التاغاتيني السابق الذكر، وتقدم ذكر شرحه للرسالة والتلقين، وله أيضا كتاب مدارج الراغب على مختصر ابن الحاجب الفقهي، وشرح نظم بيوع ابن جماعة الذي نظمه عبد الرحمان السوسي، وفيه أيضا موسى بن محمد بن مبارك القاضي في طاطا، له: أجوبة على مسائل أرسلها إليه الشيخ محمد بن يعقوب التاتلتي، وعلي بن مسعود التكضيشتي صاحب المجموعة الفقهية؛
  • في القرن الحادي عشر: نستهل هذا القرن بالعلامة محمد بن سليمان الروداني الحكيم نزيل طيبة ثم دفين دمشق، وهذا العالم تجاوز الإبحار في المذهب المالكي إلى المذهب الحنفي في كتابه: مختصر التحرير في أصول الحنفية لابن الهمام، وله جمع الكتب الخمسة من الموطإ، وهذا المؤلف في فن الحديث إلا أن إيراده هنا مغتفر إذا علمنا أن الموطأ كتاب حديث وفقه، فلا يمكنه التركيز ّإلا على أحاديث الأحكام والفقه في الكتب الخمسة، وفي هذ العصر أيضا عاش العلامة سعيد بن ابراهيم العباسي صاحب مجموعة الفتاوى المعروفة بالفتاوى العباسية، وهذا القرن استثنائي في النهضة العلمية السوسية، حيث عاش فيه أكثر من ستين عالما من المؤلفين الذين وضعوا كتابا على الأقل في الفقه والأصول، كالقاضي عيسى السكتاني صاحب الفتاوي وكتب أخرى، وفيه عاش أيضا قاضي رودانة الفقيه عبد الرحمان التامانارتي صاحب كتاب الفوائد الجمة، ومحمد بن سعيد المرغيتي صاحب المنظومات الكثيرة، منها واحدة في الفلك وهي المسماة بالمقنع، وأخرى في الأذان، والحج، والأجوبة الفقهية، ومؤلفين في المناسك، وعبد الله بن يعقوب الشيخ العلامة صاحب التاريخ في مشاهير المالكية، وله شرح جامع بهرام، وحاشية على مختصر خليل، وله جواب في حكم التبغة، وسعيد بن علي الهوزالي قاضي الجماعة، ولعل في هذا كفاية عن البقية، مما لا أطيل بذكره إذ أوفيت ببعض مقصوده؛
  • في القرن الثاني عشر: نذكر العلامة أحمد بن عبد الله المفتي الكرسيفي، له: الرد على الفاسي، ومجموعة أجوبة في الفقه، وفيه العلامة أحمد بن محمد أحوزي التملي الهشتوكي ثم الدرعي، نزيل تامكروت، له مؤلفات كثيرة ننتقي منها: مؤلفه في الأحباس، ونظمه لأجوبة الشنقيطي، وأجوبته للتمليين، ومجموعة أخرى في أجوبته الفقهية، وأحمد بن إبراهيم الركني، له أجوبة فقهية أيضا، والعلامة محمد بن أحمد البرجي الرسموكي، له فتوى في بيع الثنيا، والعلامة الفرضي أحمد بن سليمان الرسموكي صاحب الأرجوزة المشهورة في الفرائض وشروحها، والجهبذ الحضيكي محمد بن أحمد صاحب شرح الرسالة، ومختصر الأجوبة الأجهورية، ومجموعة أجوبته الفقهية وغيرها…؛
  • في القرن الثالث عشر: وفيه علماء كثر، منهم عمر بن عبد العزيز الكرسيفي الإيرغي الأكنيضيفي، صاحب الأجوبة الروضية في مسائل مرضية في البيع بالثنيا وفي الوصية، والعلامة محمد بن محمد الحامدي ثم الماسي تقدم أنه نظم ورقات إمام الحرمين، وله نظم آخر في النكاح، وله شرح ميراث الرسالة القيروانية، وشرح الزقاقية الفقهية، ومحمد بن علي الروضي الهشتوكي، صاحب كتاب تهدئة النفوس المرتبكة بما يحل وما يحرم من الشركة، وفي هذا القرن عاش أغلب علماء الأسرة الحضيكية سيدي عبد الله وأبناؤه محمد وأحمد، وتقدمت بعض مؤلفاتهم، وكذا الجشتيميان عبد الرحمان وعبد الله والده، ولهما منظومات وأجوبة فقهية، ومحمد بن زكرياء الولتي الياسيني، له مجموعة من رسائل حول رسالة ابن أبي زيد، والفقيه أحمد الهوزالي نزيل رودانة، له رسالة في عد أنواع البيوع، وفيه عاش أيضا محمد بن إبراهيم النضيفي نزيل مراكش، وله مختصر شرح العمل الفاسي للرباطي، وعبد الله بن الحاج محمد الخياطي الروداني، له أحكام بيع السلم، والحسن بن أحمد التمكديشتي، له: المواهب القدسية في الفتوحات السوسية وهي أجوبة فقهية، وله مجموعة فتاويه وغيرهم…؛
  • في القرن الرابع عشر: وأكثر من عاش في هذا القرن أدباء غلب عليهم الاهتمام البالغ بالجانب الأدبي مع مشاركة في الفقه وبحوث في الأحكام الشرعية، أذكر منهم: العلامة محمد بن العربي الأدوزي الباعقيلي، صاحب التصانيف الكثيرة، منها مؤلف في البيع إلى الأجل في المجاعات، وآخر في بيع الثنيا، وآخر في القبلة، ومجموعة فتاويه، وأخرى كثيرة، والأدوزيون أسرة علمية رائدة، وأحمد بن عبد الرحمان الجشتيمي دفين تيوت، له: نونيتان كبيرتان في النهي عن بيع الثنيا، وعمر السكرادي الجراري ثم المراكشي، له مؤلف في القبض في الصلاة، وحكم الطلاق الثلاث في الواحدة، وعبد الرحمان العوفي الباعقيلي، له مجموعة فتاويه، والعلامة الطاهر الإفراني الذي سماه المختار السوسي مفخرة الجنوب، له نظم عبادات المختصر…[27]، وغيرهم ممن لهم مؤلفات كثيرة، لكن لعدم اتصالها بالفقه والأصول أو كثرتها، تجاوزتها متحريا التلخيص لما يمكن أن يفيد في هذا المجال.

وتجدر الإشارة إلى أن العلامة المختار السوسي توقف في ذكر الكتب والمؤلفات التي وقف عليها أو بلغه علم عنها، إلى حدود سنة 1376هـ، أي قبل واحد وستين سنة من الآن، مع العلم أنه لم تخل هذه العقود الستة من علماء ومؤثرين وفقهاء مؤلفين ومهتمين بالفقه والأصول، غير أنه لقرب العهد بهم لم يجمع فيهم ؛حسب علمي؛ فهرست ولا مؤلف، يشيع أخبار وينشر آثارهم ويظهر عنايتهم بالفقه وأصوله. ولعل من الأسباب التي دعت إلى هذا الإهمال غير المحمود هو انتشار التعليم الحديث بالأنظمة التي نراها، وانخرط فيها المغرب وسوس منذ الإستقلال، والذي يعتمد على التعليم الأكاديمي بنظام الأستاذية والتخرج بالشواهد العلمية التي تعتبر وثائق رسمية. مع سهولة الحصول على المعلومات أكثر من ذي قبل لتوافر المادة العلمية ومعها كل الوسائل الميسرة لسبل البحث والجمع والتفتيش، حيث أضحى من السهل التوثيق وتتبع أخبار أهل العلم خاصة مع الصحوة الاسلامية العلمية التي انبعثت بوادرها في الشرق والغرب، وانتشار الكتب والمجلات والجرائد والوثائق التعريفية؛ مما يرى فيه الباحثون المعاصرون غنية عن التراجم والطبقات في شكلها القديم ومنهجها عند من سبق هذا العصر من القرون.

خاتمة

وبعد؛ فهذه جولة خاطفة في بعض إسهامات علماء القطر السوسي في الفقه والأصول، وهي لا شك غنية بالعطاء العلمي الوافر الذي تراكم عبر القرون، مما نتجت عنه مكتبة فقهية سوسية تضاهي المكتبات القطرية في مختلف البقاع الإسلامية، ورغم الخمول الإشعاعي الذي ابتلي به هذا الصقع العريق، إلا أنه أبان في فترات كثيرة من التاريخ عن تفرده وحيازة قصب السبق في مختلف المجالات لا أقول المعارف الشرعية لوحدها كالفقه والأصول، ولكن في مختلف جوانب الاهتمامات الانسانية من علوم وتجارب وإنجازات.

ولئن كان شيء أولى بأن أختم به هذه الكلمات فهو تقديم الاعتذار بحرارة لمن أناروا طريق العلم في هذه الربوع، وما تركوا جذوته تنطفئ منذ الفتح الاسلامي إلى الآن، كما أشكر لجنة طلبة إقليم تارودانت على دعوتهم للمشاركة في هذا العرض الذي أتمنى أن أكون قد وفقت فيه ولو إلى حد مَّا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.   والحمد لله رب العالمين

 

[1] بحث القي في الندوة العلمية التي اقيمت بكلية الشريعة والقانون بأكادير بتاريخ 27ابريل 2016

[2] معجم البلدان ،ج3/281.

[3] الممتع بشرح المقنع للمرغيتي،ص: 3.

[4]  لسان العرب لابن منظور ، باب السين فصل السين، ج6/108.

[5]  الدلالة الجغرافية لمصطلح السوس في النصوص التاريخية ، لعمر لشكر مشاركة في اعمال اليومين التكريميين للدكتور عباس الجراري، بتاريخ 18-19 يوليوز2009  تحت عنوان تارودانت عطاء حضاري متجدد، ص71.

[6] البيان والتحصيل لابن رشد 18/455.

[7] حجة الله البالغة ج1/303.

[8]  الفتاوى لابن تيمية ج19/123.

[9]  نفسه، ج3/126

[10]  المدارس العتيقة وإشعاعها الأدبي والعلمي بسوس للدكتور المهدي السعيدي، ص21.

[11] الخوارج في بلاد المغرب حتى منتصف القرن الرابع الهجري لاسماعيل عبد الرزاق محمود،ص 135.

[12] اسباب انشار المذهب المالكي بالمغرب: ص184.

[13] صورة الارض لابن حوقل، ص:90

[14] سوس العالمة، ص:16.

[15] نفسه، ص: 17؛18.

[16] سوس العالمة ، ص: 20 وما بعدها.

[17]  نفسه ، ص: 23.

[18] نفسه، ص: 25.

[19]  نفسه، ص: 28.

[20]  الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب لابت فرحون، ج2/251.

[21] تاريخ ابن خلدون، ج6/243.

[22]  الحركة الفكرية بسوس في العهد السعدي للدكتور محمد حجي، ج1/139.

[23] عطاء المدارس العتيقة وعلماؤها لحسن كالبون ضمن مشاركته في اعمال ندوة التراث الاسلامي بسوس والمنعقد بكلية الآداب أكادير بتاريخ 17-18 دجنبر 1999م.

[24]  سوس العالمة،ص: 167.

[25]  ويقصد القرن الثالث عشر لأن الجشتمي توفي سنة 1269هـ.

[26]  سوس العالمة المصدر السابق، ص:45 وما بعدها بتصرف واختصار.

[27]  سوس العالمة، ص: 176إلى:  209. بتصرف واختصار وتقديم وتأخير في العرض دون القرون.

اترك تعليقاً