في الحاجة إلى المزيد من تدعيم الاستقلال الداخلي للقضاء في المغرب

2016 12 26
2016 12 25

في الحاجة إلى المزيد من تدعيم الاستقلال الداخلي للقضاء في المغرب

 

عبداللطيف الشنتوف

دكتور في الحقوق

رئيس نادي قضاة المغرب .

استاذ جامعي زائر

يرتبط الحديث عن استقلال القضاء بشكل يكاد يكون ملازما ، باستقلاله عن التأثير الخارجي  ولذلك تتم المطالبات المهنية والحقوقية بضرورة سن قوانين تسد منافذ التأثير والتدخل في القضاء ، وقلما ما يتم الحديث عن  الاستقلال الداخلي  للقضاء داخل المحاكم .

اقرأ أيضا...

ونقصد بالاستقلال الداخلي للقضاء بالمحاكم في هذا المقال، الطريقة التي يتم بها تدبير الشؤون الداخلية للمحاكم بما له علاقة بالعمل القضائي وكيفية اسناده  وتوزيعه بين القضاة أنفسهم وما إذا كان  لذلك تأثير على استقلالية القرار القضائي وسد منافذ توجيهه  خارجيا أحيانا باستعمال آليات داخلية .

ومناسبة طرح هذا الموضوع  الآن يعود  إلى كون المحاكم المغربية على مستوى محاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية تعرف في هذه الايام [1]عقد جمعياتها العامة.

  • فما هي الآليات القانونية الموجودة لدعم الاستقلال الداخلي للقضاء بالمحاكم ، وكيف يمكن تطويرها ؟

أولا 

الاطار القانوني الحالي لدعم الاستقلال الداخلي للقضاء بالمحاكم :

الاطار القانوني المتاح حاليا في المغرب لدعم خيار الاستقلال الداخلي للقضاء بالمحاكم هو مؤسسة الجمعيات العامة التي تتكون على مستوى محاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية من جميع القضاة وأعضاء النيابة العامة تحت رئاسة المسؤولين القضائيين بهذه المحاكم وبحضور رئيس مصلحة كتابة الضبط وذلك قصد مناقشة القضايا الداخلية للمحاكم وتوزيع الهيئات القضائية والشعب والغرف والاقسام وتحديد أيام  وساعات انعقاد الجلسات، فيما لا تعرف  محكمة النقض المغربية  جمعية عامة مشكلة من جميع المستشارين بها ، وإنما  فقط جمعية عامة مصغرة تسمى”مكتب” تتكون من  الرئيس الاول لمحكمة النقض والوكيل العام لنفس المحكمة  وؤساء الغرف بها واقدم محام عام[2] وأقدم مستشار في كل غرفة  [3].

وبالنظر إلى تاريخ وسياق اقرار هذه المقتضيات  القانونية التي تعود إلى سنة 1974 فإنه يمكن أن نحكم عليها من الناحية القانونية الصرفة وبغض النظر عن الممارسات الواقعية بأنها كانت جد متقدمة في تلك الفترة ، بحيث مكنت القضاة في المغرب من الآلية القانونية التي تجعلهم يناقشون كل شئ  وباطلاق داخل هذه الجمعيات العامة بحيث لم تضع أي تقييد ، ويتضح ذلك من عبارة ” تنظيم المصلحة الداخلية للمحاكم ” الواردة في المرسوم المنظم للجمعيات العامة فضلا عن اختصاص توزيع القضايا والشعب والغرف والأقسام على القضاة وهذه القضايا .

وطبعا هذا الاطلاق التشريعي غير المعهود في تحديد اختصاص الجمعيات العامة بالمحاكم منذ سنة 1974 كان يمكن – لو مورس من طرف القضاة-  أن يفضى إلى ممارسات متطورة وتراكمات يمكن البناء عليها لتطوير هذه التجربة  ، لكن للاسف من الناحية الواقعية لم يمارس القضاة عبر تاريخ المغرب – مع بعض الاستثناءات – هذه القوة التشريعية المتاحة لهم باتجاه المزيد من دعم الاستقلال الداخلي ولم يبدأ النقاش حول هذا الموضوع بشكل جماعي إلا مع انشاء جمعية نادي قضاة المغرب نتيجة الانفراج الذي وقع في حرية التعبير والعمل الجمعوي للقضاة مع دستور 2011 كما هو معلوم،  وتم فرض نقاشات في هذا الاتجاه  وخاصة مع طرح وزارة العدل والحريات مسودة مشروع التنظيم القضائي للنقاش مع الجمعيات المهنية ومع غيرهم من المهتمين ، فأثمر ذلك عن بعض الايجابيات لا يمكن نكرانها ، من قبيل اقرار جمعية عامة لمحكمة النقض وهو مطلب اصيل لنادي قضاة المغرب وتنظيم الجمعيات العامة من الناحية الشكلية كتنظيم مسألة الاستدعاءات و النصاب القانوني لانعقاد الجمعيات العامة وطريقة اتخاذ القرار داخلها وإضافة اختصاصات لها كانت من صلاحيات جهات أخرى [4].

كما أن الاطار القانوني الحالي  أيضا يعطي   الاختصاص  لرؤساء المحاكم لتعيين القضاة للبت في الملفات عند تسجيلها أول مرة من طرف المتقاضين وكذا الامكانية المعطاة للنيابة بمقضى القانون لاختيار هيئة الحكم في المجال الجنائي عند تعددهم داخل المحكمة قصد احالة الملفات التي قررت النيابة العامة تحريك الدعوى العمومية  فيها  ، على أن الاختيار هنا  يبقى ضمن  الهيئات التي تم تشكيلها وفقا لقرار الجمعية العامة ، حيث يبقى للنيابة العامة أن تختار الهيئة في حالة التعدد ولرئيس المحكمة  أن يختار القاضي المكلف أو المقرر في الملف  كشخص داخل الهيئة [5]  . باستثناء قضاة التحقيق اللدين لا يتم تعينهم من طرف الجمعية العامة وإنما بقرار لوزير العدل باقتراح من رئيس المحكمة ، وإذا تواجد اكثر من قاض للتحقيق داخل نفس المحكمة يبقى للنيابة العامة الحق وفقا لقانون المسطرة الجنائية  اختيار أي واحد منهم  لتقديم ملتمس اجراء تحقيق في قضية معينة [6].

ثانيا

كيف يمكن تطوير تجربة الاستقلال الداخلي للقضاء بالمحاكم:

رأينا في النقطة الاولى أن المغرب لا تنقصه الآلية القانونية لدعم الاستقلال الداخلي للقضاء بالمحاكم إلى حد ما ، لكن السؤال الذي يطرح الآن  يتعلق ما هي الآليات الموازية التي يكن الاعتماد عليها  أولا لدفع القضاة باتجاه ممارستهم لهذه الآليات القانونية المتاحة وعدم تركها للمسؤولين القضائيين لوحدهم داخل المحاكم ، وثانيا ما هي المكنزمات الممكنة  للحد من اختصاص رؤساء المحاكم والنيابة العامة في مجال تعيين القضاة أو الهيئات للبت الملفات تفاديا أو دفعا لتهمة الانتقاء في اخيار قاض معين او هيئة معنية .

طبعا بالنسبة لممارسة القضاة لاختصاصهم داخل الجمعيات العامة هو موضع ليس بالأمر الهين لكونه موضوع متداخل جدا ترتبط فيه مصالح بعض القضاة بممارسة شعبة معينة  والتمسك بها في اطار نوع من التنافس الذي قد يقف عائقا أمام ممارسة القضاة لدورهم دخل الجمعيات العامة  بشكل جيد وأحيانا يؤدي الامر الى اللجوء الى الطرق غير اللائقة ،  كما ان الامر مرتبط أيضا بارتفاع نسبة الوعي القضائي وعدم ايمان القضاة بدورهم داخل هذه الجمعيات العامة التي يتم تكريس  ممارسات معينة داخلها لسنوات إلى أن صار الأمر عاديا ومألوفا ، ولمواجهة ذلك فإن الامر يحتاج الى التحسيس الذي يبدأ من  مؤسسة التكوين بالمعهد العالي للقضاء الذي عليه ليس عليها  واجب التكوين القانوني فقط ، وإنما ايضا واجب التوعية وما يمكن أن نطلق عليه التربية على الاستقلالية والتواصل مع المحيط حتى  لا تبقى مؤسسة التكوين يتخرج منها قضاة يعرفون  القانون فقط بمعزل عن السياقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية .

وبعد الوعي التام بممارسة القضاة للاختصاصهم داخل الجمعيات العامة فإنه يجب الانتقال الى مرحلة أخرى وهي إقرار ممارسة معقلنة حتى لا تتحول هذه الجمعيات العامة نفسها إلى احتكار للقرار  وضرب الهدف القانوني  العام من استقلال القضاء، الآ وهو خدمة المتقاضي ، وفي هذا الصدد  يمكن اقتراح أن تقوم المحاكم بوضع أنظمة داخلية أو ميثاق أخلاقي لتدبير  العمل داخل العجميات العامة باعتماد معايير معينة تستند على الكفاءة والأقدمية وجودة العمل والانضباط المهني في احترام أوقات العمل مثلا وغير من المعايير التي تكون في صالح العمل القضائي لا غير . لأنه في غياب ذلك قد نسقط في ممارسات مسيئة لعمل القضاة داخل الجمعيات العامة[7] .

وأما عن النقطة الاخير المتعلقة باختصاصات رؤساء المحاكم والنيابة العامة في تعيين القضاة للبت في الملفات  أو الهيئات القضائية عند تسجيلها أول مرة فإننا نذكر بأن التجارب المتقدمة في العالم  تذهب باتجاه البحث عن وسائل وطرق تقلل من تدخل العنصري باستعمال وسائل حديثة مثل الفرز والتوزيع التلقائي الالكتروني أحيانا للملفات عند تسجيلها بالمحكمة أول مرة ، وإذا كان لا بد من التدخل البشري في بعض الأحيان فإنه  يجب ان تتم معياريته إلى الحد الاقصى تخفيفا من  آثار التدخل المحتملة.

الإحالات

[1] – ينص الفصل 6 من  المرسوم رقم 498-74-2 وتاريخ 16-07-1974 على كون الجمعيات العامة للمحاكم تنعقد في الخمسة عشر الاولى من شهر دجنبر (شهر 12) من كل سنة (ميلادية).

[2] – تسمية المحامي العام تطلق على اعضاء النيابة العامة في محكمة النقض.

[3] – تراجع الفصول 4 و 5و6 من المرسوم رقم 498-74-2 وتاريخ 16-07-1974 المشار اليه قبله.

[4] –  يراجع مشروع القانون رقم 15-38 المتعلق بالتنظيم القضائي  الذي صادقت عليه الغرفة الاولى (مجلس النواب)بالبرلمان المغربي ولا زال معروضا على الغرفة الثانية (مجلس المستشارين) – متاح على الموقع الالكتروني لوزارة العدل والحريات  على الرابط الآتي :

http://www.justice.gov.ma/lg-1/documents/doccat-4.aspx تاريخ الزيارة هو : 09-12-2016

[5] – هذه الصلاحيات معطاة  لرؤساء المحاكم  وللنيابة العامة بمقتضى قانوني المسطرة المدنية أو الجنائية حسب الاحوال. غير أن  قضاة التحقيق لا يتم تعينهم من طرف  الجمعيات العامة وإنما من طرف وزير العدل باقتراح من رؤساء المحاكم.

[6] – تراجع المادتان 52 والمادة 90 من القانون رقم 22-01 المتعلق بالمسطرة الجنائية  وهذه الوضعية منتقدة في المغرب لا من حيث تعيين الوزير لقضاة التحقيق ولا حيث منح النيابة العامة حق اختيار قاضي التحقيق عند التعدد. لذلك فإن التفكير جار لتغييرها في مشاريع القوانين المتعلقة بالمساطر .

[7] – للتفاصيل حول الجمعيات العامة بالمغرب  تراجع مقالات :  عبداللطيف الشنتوف : دمقرطة المحاكم بالمغرب – مقال منشور بموقع هسبريس الاليكتروني بتاريخ 21-12-2015 – وأنس سعدون : الجمعيات العامة للمحاكم بالمغرب الواقع والآفاق-  مقال منشور بنفس الموقع بتاريخ 21-12-2015 وفاتح كمال : الجمعيات العامة كألية جماعية لتسيير المحاكم – مقال منشور بموقع صوت العدالة – يوم 29-11-2016.

أضف تعليقاً