الزمن في قضاء الأحداث

2016 12 27
2016 12 25

الزمن في قضاء الأحداث

الأستاذ محمد عفيف البقالي

يعد الزمن بحق رقما صعبا في معادلة المادة الجنائية خصوصا في الشق الإجرائي منها ، و هكذا فإنه قد يحول دون إدانة الشخص المرتكب لجريمة نظرا لتقادم الدعوى العمومية ، بل قد يحول أيضا دون تنفيذ العقوبات الصادرة في حقه بسبب تقادمها ، كما قد يقف حاجزا يمنع تنفيذ الإكراه البدني إذ لا يمكن تنفيذه في حق الأشخاص الذين تجاوز سنهم 60 سنة . و من ثم فإذا كان الزمن يعني المال بالنسبة لرجل الأعمال فإنه يكاد يكون مساويا للحرية و الحياة بالنسبة لرجل القانون . إلا أن أهمية الزمن في قانون المسطرة الجنائية لا تقف عند هذا الحد بل تستمد أيضا من مدى تأثيرها على الإجراءات و المساطر الواجبة التطبيق ، فانقضاء يوم واحد كاف لأن يغير منحى المسطرة ، و هذا ما يتضح جليا بالخصوص في قضاء الأحداث نظرا لرصد مساطر خاصة بقضايا الاحداث تختلف عن تلك المعمول بها في جرائم الرشداء .وهكذا يمكن أن نتصور ارتكاب نفس الجريمة من شخصين في نفس الوقت و في نفس المكان لكن تتم محاكمتهما و معاملتهما وفق مساطر و إجراءات مختلفة لا لشيء إلا لكون الأول يفوق الثاني سنا حيث يعتبر الأول راشدا بينما الثاني حدثا حتى و لو كان الفرق في السن هو يوم واحد فقط ، فيحاكم الأول محاكمة عادية بينما يحال الثاني على قاضي الأحداث ليتمتع تبعا لذلك بالضمانات المخولة قانونا للأحداث الجانحين .

ويبدو أن المفارقات العجيبة الغريبة التي يخلقها الزمن في قضايا الأحداث لا تقف عند هذا الحد بل تثير الاستغراب اكثر خصوصا إذا طبقنا النصوص حرفيا دون تفسير أو تأويل ، إذ تنص المادة 459 على أنه :”يعتبر سن الرشد الجنائي ، سن الجانح يوم ارتكاب الجريمة ….”. فالتطبيق الحرفي النص سيخلق  عدة إشكالات في جميع مراحل المسطرة .

أولا : بالنسبة للبحث التمهيدي

من المعلوم أن ضرورة البحث قد تقتضي في حالة ارتكاب جناية او جنحة معاقب عليها بعقوبة سالبة للحرية وضع المشتبه به في الحراسة النظرية . لكن هذا المقتضى لا يسري على الأحداث الجانحين إذ تسري عليهم مقتضيات المادة 460 من قانون المسطرة الجنائية التي تنص على انه :” يمكن دون المساس بمقتضيات المادة 470 الآتية بعده لضابط الشرطة القضائية المكلف بالأحداث أن يحتفظ بالحدث المنسوب إليه الجرم في مكان مخصص للأحداث لمدة لا يمكن أن تتجاوز المدة المحددة للحراسة النظرية ، و عليه أن يتخذ كل التدابير لتفادي إيذائه ….”

ويحق لنا هنا ان نتساءل : ماذا لو بلغ الحدث أثناء فترة الإحتاظ سن الرشد ؟ إن التقيد الحرفي بالمادة 459 ق م ج يفضي إلى القول بأن الشخص يعامل كحدث حتى لو بلغ سن الرشد ، لأن السن الذي يعتد به كمحدد و كمعيار من الناحية القانونية هو سن الجانح يوم ارتكاب الجريمة ، و من ثم فان نفس الشخص قد يعتبر راشدا من الناحية الواقعية لكنه يعتبر حدثا من الناحية القانونية ! بل الأكثر من ذلك فإن التطبيق الحرفي للمادة 459 يؤدي إلى خرق حماية الحدث بدل تحقيقها ، لأن الإبقاء على شخص بلغ سن الرشد في مكان مخصص للأحداث يعني وضع أحداث آخرين لم يبلغو سن الرشد بعد معه في نفس المكان . كما ان اعتماد سن الجانح يوم ارتكاب الجريمة يدفعنا لأن نفترض وضع أشخاص يتجاوز سنهم عشرين سنة في مكان مخصص للأحداث و ذلك في الحالة التي يرتكب فيها الجريمة قبل بلوغه سن الرشد لكن لا يتم القبض عليه إلا بعد سنوات ، خصوصا إذا لم تمر بعد مدة التقادم . ولكم ان تتخيلوا مكانا واحدا يجتمع فيه اشخاص يكاد يبلغ سنهم 13 سنة و آخرون تجاوز سنهم 20 سنة !

ثانيا : مرحلة المحاكمة

لقد أحاط المشرع محاكمة الأحداث بكثير من الضمانات و الخصوصيات التي تتميز بها عن محاكمة الرشداء ، مراعاة لشخصية الحدث الهشة و التي يمكن ان تتأثر إذا ما تمت المحاكمة وفق القواعد القانونية المنظمة لمحاكمة الرشداء ، و من  ثم فقد نصت المادة 478 على أنه : “يجري البحث و المناقشات و يصدر الحكم بجلسة سرية ، ويجب أن يحضر الحدث شخصيا و مساعدا بمحاميه و ممثله القانوني …..” كما نصت أيضا المادة 479 ق م ج على أنه ” يحكم في كل قضية على حدة من غير حضور باقي الأشخاص المتابعين . لا يقبل للحضور في البحث و المناقشات إلا الشهود في القضية و الأقارب و الوصي او المقدم او الكافل او الحاضن او الممثل القانوني للحدث أو الشخص أو الهيئة المكلفة برعايته ، و أعضاء هيئة المحاماة و المندوبون المكلفون بنظام الحرية المحروسة و القضاة و الطرف المدني الذي قد يتقدم بمطالبه بالجلسة . يمكن للمحكمة ان تأمر في كل وقت بانسحاب الحدث من البحث و المناقشات كليا أو جزئيا ، و يصدر الحكم بمحضره ما لم تقرر المحكمة خلاف ذلك .”

و هكذا يتضح أن المشرع قد عامل الحدث معاملة خاصة تختلف كليا عن الرشداء ، لهذا فإذا تبين للنيابة العامة من خلال محضر الشرطة القضائية أن الجريمة مرتكبة من طرف احداث و راشدين فيتعين عليها ان تفصل المسطرة فتحيل الأحداث بشكل مستقل على قاضي الأحداث كي لا يتم حرمانهم من الضمانات المخولة لهم قانونا .

لكن إلى أي حد يمكن التوفيق بين هذه الضمانات خصوصا المسطرية التي أحاط بها المشرع محاكمة الأحداث و مقتضيات المادة 459 من ق م ج . فكل المقتضيات القانونية لمحاكمة الأحداث بمافيها النصوص المنظمة لغرفة الجنايات للأحداث تفيد اعتبار سن الحدث أثناء المحاكمة و ليس سنه أثناء ارتكاب الفعل الجرمي ، و إلا ما الجدوى من الحديث عن الوصي و المقدم و الهيئة المكلفة بالرعاية بالنسبة لشخص تجاوز سنه 18 سنة  ؟ و ما الجدوى أيضا من سرية المحاكمة ؟

و كيف يمكن أن نتصور محاكمة شخص يتجاوز سنه 30 سنة امام غرفة الجنايات للأحداث ؟ خصوصا إذا ارتكب جناية في سن 17 سنة و لم يتم القبض عليه إلا بعد مرور 14 سنة ، فإحالته على غرفة الجنايات للأحداث ستشكل لا ريب موقفا غريبا و محاكمة اشد غرابة ، و لكم أن تتخيلوا شخصا بشاربه الطويل و لحيته الكثيفة يحاكم وفق قواعد محاكمة الأحداث .

إذن فالقراءة الحرفية للمادة 459 غير منطقية بالمرة و من ثم يتعين قراءتها بشكل ينسجم مع السياق الذي وردت فيه من جهة و مع القواعد العامة للقانون من جهة ثانية و مع المنطق من جهة ثالثة .

فبالنسبة لسياق المادة 459 من قانون المسطرة الجنائية فهذه المادة تندرج ضمن الأحكام التمهيدية كما انه لا يمكن فهمها إلا على ضوء المادة التي تسبقها و هي المادة 458 من قانون المسطرة الجنائية و التي تنص على انه :”يتحدد سن الرشد الجنائي ببلوغ ثمان عشرة سنة ميلادية كاملة . يعتبر الحدث إلى غاية بلوغه سن اثنتي عشرة غير مسؤول جنائيا لانعدام تمييزه . يعتبر الحدث الذي يتجاوز سن اثنتي عشرة سنة و إلى غاية بلوغه ثمان عشرة سنة مسؤولا مسؤولية ناقصة بسبب عدم اكتمال تمييزه ”

إذن فمن خلال المادة 458 يتضح بان المشرع يربط بين سن الرشد الجنائي و درجة المسؤولية الجنائية فقط و ليس القواعد الإجرائية و الشكلية ، و هذا المقتضى منطقي لان الحدث أثناء ارتكابه الجريمة لم يكن يتمتع بتمييز كامل لأن سنه يقل عن 18 سنة و من ثم فحتى لو تم القبض عليه بعد بلوغه سن الرشد فإنه يجب ان نراعي بانه أثناء ارتكابه الجريمة لم يكن ي يتمتع بتمييز كامل الأمر الذي ينعكس على مسؤوليته الجنائية و من ثم يعامل إما باعتباره مسؤولا مسؤولية جنائية ناقصة في الحالة التي يكون سنه يوم ارتكاب الجريمة يفوق 12 سنة و يقل عن 18 سنة أو منعدم المسؤولية إذا كان سنه آنذاك يقل عن 12 سنة .

كما أن القواعد العامة للقانون أيضا تؤكد هذا الطرح ، فمن المعلوم أن قواعد الشكل تسري بأثر فوري و من ثم فتطبيق القواعد المسطرية على الأحداث بعد بلوغهم سن الرشد ينبغي ان يتم وفق القواعد القانونية المسطرية للرشداء .

إذن فالمنطق السليم يقتضي ان يعامل الحدث بعد بلوغه سن الرشد معاملة راشد من الناحية المسطرية في جميع مراحل المسطرة إذ يوضع في الحراسة النظرية بدل الاحتفاظ به و يحاكم محاكمة الرشداء دون أن تتم إحالته على قاضي الأحداث . لكن يجب ان تطبق عليه القواعد الموضوعية المتعلقة بالأحداث خصوصا تلك المتعلقة بالمسؤولية الجنائية و العقاب إذ يراعى  في هذا الشق سنه أثناء ارتكاب الجريمة لا سنه أثناء المحاكة .

أضف تعليقاً