المسؤولية المدنية للصحفي عن انتهاك حقوق الشخصية

2017 01 06
2017 01 06

تقرير أطروحة دكتوراه في موضوع

المسؤولية المدنية للصحفي عن انتهاك حقوق الشخصية

الدكتور رشيد حوبابي

الرباط في 9 دجنبر 2016 .

الحمد لله الذي زين قلوب العلماء بأنوار الوفاق، وسقاهم أسرار العلم شرابًا طيب المذاق، وألزم قلوب العالمين الوجَل والإحقاق، فلا يعلم الإنسان في أي الدواوين كتب ولا في أيِّ الفريقين يساق، فإن سامح فبفضله، وإن عاقب فبعدلِه، ولا اعتراض على حكمه. وبصفاته نسأله التوفيق والسداد.

وسلام على سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمدًا عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وحبيبه.

اقرأ أيضا...

أما بعد،

السادة الأعضاء الأجلاء،

الأستاذ الدكتور سيدي محمد الإدريسي العلمي المشيشي،

 الأستاذ الدكتور احمد ادريوش،

الأستاذة الدكتورة لطيفة المهداتي،

الأستاذ الدكتور محمد الهلالي،

الأستاذ الدكتور مهدي منير،

تحية إجلال وتقدير لا يسع المقام فيها تفصيلا، على تكبد محنة الاطلاع والتدقيق، وهي لعمري مهمة جليلة، ففيها التقويم وبها الإصلاح والصلاح، ومنها نستقي مكامن الخلل فنقومها، ونعرف عين الحقيقة فنزكيها، ونقف على مواطن الاتفاق فنعززها ونشد عليها بنواجذ العلم.

فيكفينا فخرا أن من خط “القانون المبني للمجهول” يخط في هذا البحث سيلا من فكره نتخذه سبيلا، ويكفينا أن ثلة من خيرة دكاترتنا وبطون جامعاتنا أصابوه بمداد التصحيح بما يوسمه برفعة من ناقشوه، بعدما تلقيت من المشرف عليه جميل الصنع والنصح والتقويم والمواكبة المبدعة والخلاقة حتى اكتمل البحث ونضج واتضحت معانيه وترتبت.

فلكم موصول الشكر وعظيم الامتنان بما يوفي قدركم فيه.

حضرات السادة الأساتذة الأجلاء

لم يعد احد منا يجادل في كوننا نحيى عصر الصورة والكلمة، عصر الإعلام بكل تجلياته، بما يزخر به عالمنا من تقنيات وما عرفه من زخم في فتح كل قنوات التواصل والاتصال، فتولدت لدى الفرد رغبة شرسة في استهلاك الخبر وتتبع الأحداث،  فتحولنا من التواصل الحسي الذي واكب الجماعة الإنسانية وما عرفته من تشكلات [كالقبيلة والجماعة ثم الأسرة ومجتمع العمل وغيره] لتتملكنا نزعة الانحسار والفردانية [بما شكل ردة جديدة على كل مفاهيم علم الاجتماع] فأصبح الفرد يسعى لتغذية حاجاته المعرفية من وسائل الاتصال بديلا عن المعرفة المباشرة بالتواتر والطرق التقليدية.

في ظل هذا الوضع الجديد وجدت الصحافة نفسها أمام سوق إنسانية مفتوحة، فأضافت لوظيفتها الكلاسيكية في بلورة الحق في المراقبة الشعبية كسلطة رابعة، وتحقيق الحق في الإعلام استجابة للقوانين الوطنية والشرعة الدولية، بأن أصبحت تبحث عن واقع ربحي يمكنها من تحقيق وجودها التجاري.

وعلى المستوى الوطني، فإننا نجد زخما غير مسبوق في تسييج المحيط المعرفي والتواصلي من خلال مؤسسات صحفية، باتت تأثيراتها بادية لا تحتاج الدليل، وهكذا فإلى حدود سنة 2013  فقط أصبح المغرب يمتلك العديد من الوسائل الإعلامية، فهناك حوالي تسع قنوات تلفزية عمومية، و14 إذاعة ووجود أكثر من 448 عنوان على مستوى الإعلام المكتوب، فضلا عن الجرائد الإلكترونية التي فرضت وجودها قبل إقرارها تشريعيا والتي هي في مد وامتداد.

وقد خلق التنوع في الوسائط الإعلامية وازدياد عددها، مجالا للمنافسة الشرسة في الوصول للقارئ، كما كان له الأثر الكبير [والسلبي أحيانا كثيرة] باعتبار مستويين بالأساس:

فأما الأول، فيتعلق بالعدد المتزايد للصحفيين والمتعاونين وغيرهم من العاملين في ميدان الصحافة، [فقد بلغ عدد الصحفيين الحاصلين على البطاقة المهنية للصحافة برسم سنة 2012،  2130 صحفيا[1]] دون مواكبة منهم لأي تكوين قانوني بما يؤهلهم لتقدير أفعالهم، وغياب فاعلية النقابات التي ينضوون تحتها والتي تمثل في حقيقتها الضامن لتفعيل أخلاقيات المهنة.ويكفينا هنا الاستشهاد بتقرير المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة، والمتعلق باربع دول منها المغرب، والذي جاء فيه أنه” في المغرب  التداريب المتخصصة تكاد تكون غائبة، وإن وجدت فهي من تنظيم مؤسسات غير حكومية وطنية أو دولية ولا تلبي الحاجة.54.3 في المائة من الصحافيين المغاربة لم يستفيدوا من أي تدريب والراغبون فيه تبلغ نسبتهم 92.1 في المائة”. ونحن نتساءل هنا: عن أي صحفي نبحث؟ هل من ينقل الخبر بوعي عالما بحقوقه والتزاماته ومستوعبا لرسالة الصحافة ؟ أم صحفيا تحول لمأجور يبحث عن قوت يومه ؟.

وبخصوص الثاني فاعتماد مفهوم المقاولة والتشبع بالفكر التجاري لقيام الجريدة، جعلها تسعى جاهدة لخلق قاعدة أكبر من القراء تمثل رافدها المادي، ولو كان ذلك على حساب أمور أخرى تتعلق بحقوق الشخصية.

حضرات السادة الأساتذة الأجلاء

إننا بالفعل أمام طرح مزدوج المداخل، فحرية التعبير وحرية الإعلام وحرية الصحافة تشكل  ركائز كل بناء ديمقراطي، وأن الدول لم تعد تقاس فيها درجة التقدم بمدى امتلاكها للخيرات الاقتصادية، وإنما بمؤشرات أخرى غير مادية وعلى رأسها هذه الحرية في مختلف تجلياتها. فحرية التعبير لا تنفصل عن الحق في استعمال كل وسيلة يراها المرء مناسبة لنشر أفكار يرغب في إيصالها إلى أكبر عدد ممكن من الأشخاص، ومن ثم فحرية الإعلام وحرية الصحافة هي أهم تجليات حرية التعبير.

لكن ما هو مدى هذه الحرية وما هي قيودها وكيف نضبطها قانونيا لتحقق للفرد سلامة كيانه المعنوي وكرامته الشخصية واعتباره داخل وسطه؟ كيف نوازن بين من يعتبر تلك الحرية لا قيد لها، وبين من يرى أنها مضبوطة بقواعد ولها أسس لا يزيغ عنها إلا هالك؟  تلك إذن هي مسؤولية الصحفي والإعلامي بوجه عام.[2].

وقد كان ذلك هو اختياري الأول، أي تناول مسؤولية الصحفي بوجه عام، لكن الأستاذ المشرف اقترح علي تحديده وبحثه وفق أربعة محددات هي:

أولها: حصره في إطار القانون المدني فقط. وهذا التحديد أملاه التخصص الأكاديمي باعتبار أننا ننتمي “لوحدة التكوين والبحث في القانون المدني المعمق”. لكننا نعتقد، فضلا عن ذلك، أن التعاطي مع الموضوع من زاوية القانون المدني هو الكفيل بافتحاص قيمة المتابعات وحدود الحقوق والحريات. وقد غذا هذا الإيمان العميق عندنا تفاؤل أستاذنا ادريوش بما نظر له من ازدياد المطالبات القضائية أمام القضاء المدني في ميدان الحقوق والحرياتـ، وأن إقرار المسؤولية المدنية للصحفي باستقلال عن مسؤوليته الجنائية آت لاريب فيه.[3] أضف إلى ذلك أنه يساير تنامي الأصوات المعارضة للمتابعات الزجرية باعتبار أنها سوط لزجر الكلمة ولجم حرية التعبير، وهي انتقادات تجاوزت البعد الوطني لنجد لها امتدادات خارجية باتت تشكك في المنظومة الحقوقية المغربية. كما خلقت جدلا حول العلاقة بين الإعلام والصحافة والقضاء.

أما المحدد الثاني فيتمثل في التركيز على العمل القضائي؛ إذ بفضل هذا التركيز سنتمكن من تجاوز العقبة التشريعية التي كانت موجودة في قانون الصحافة الملغى [ونقصد به ظهير 15 نونبر 1958 كما تم تغييره وتتميمه عدة مرات أهمها القانون 77.00 بتاريخ 23 اكتوبر 2002][4] وهي المنصوص عليها في الفصل الخامس والسبعين منه، حيث جاء فيه إن: “الدعوى المدنية الناتجة عن جنحة القذف المقررة في هذا القانون لا يمكن فصل متابعتها عن متابعة الدعوى العمومية إلا في حالة وفاة مرتكب الأمر المدعى فيه أوفي حالة عفو“.

وهكذا وضعنا هذا الفصل أمام معطى قانوني جد دقيق يتمثل في كون اللجوء للقضاء المدني في حالة القذف للمطالبة بالتعويض في إطار قواعد المسؤولية المدنية غير جائز كمبدأ. وهو ما جعل اختصاص القضاء المدني غير منعقد واقعيا.[5]

وعموما فقد منحنا القانون الجديد المتعلق بالصحافة والنشر [القانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر المنفذ بالظهير الشريف رقم 112.16.1 بتاريخ 10 غشت 2016] المصداقية في مثل هذا الاختيار.

والحق أن المشهد القضائي – خاصة منه الزجري – عكس مختلف التجاذبات الكبرى التي أظهرت – خاصة في العشرية الأولى من الألفية الثالثة – أننا بالفعل أمام مأزق في معالجة قضايا الصحافة.

فالملفات المتعلقة بها باتت تشغل حيزا مهما ومتزايدا: فقد بلغت مثلا خلال تلك الفترة أكثر من 640 قضية، كانت ذروتها خلال سنوات 2008 الى 2011[6]، دون الأخذ بعين الاعتبار القضايا التي تم فيها الحفظ لأسباب تتعلق بالدعوى العمومية، إما للتقادم أو الصلح أو انعدام الإثبات وغيرها، أو في إطار سلطة الملاءمة التي تمتلكها النيابة العامة، أو بسبب اعتماد آلية الرد كوسيلة لتصحيح الأوضاع وتجنب المساءلة.

وقد صدرت فيها أكثر من 437 حكم قضي في 212 منها بالإدانة مقابل 37 حكم قضى بالبراءة، أخذا بعين الاعتبار أن القضاء يتشدد كثيرا في القواعد الإجرائية حتى نعتها البعض بالفخ المسطري وحقل الألغام .

وقد اخترت، بتنسيق مع الأستاذ المشرف، اعتماد العمل القضائي منطلقا للبحث، فجمعت عينة تمثيلية [فاقت المائة] من الأحكام والقرارت الصادرة عن قضائنا الوطني، وهي غير منشورة في جلها. ، فقمت بتصنيفها وتحديد المتابعة فيها واستخلاص القاعدة منها؛ وهي التي شكلت عنصرا رئيسيا في الببليوغرافيا المعتمدة؛ بل لقد أضحت هي موضوع البحث والدراسة والتحليل، وبذلك تم تجاوز المنطلق الكلاسيكي في التعامل مع الأحكام والقرارات القضائية.

وكانت مسألة جمع الأحكام والقرارات القضائية الوطنية أول وأهم تساؤل شكل بالفعل محطة استفهام كبرى متعلقة بالموضوع؛ فلم نجد غير حكمين أو ثلاث تتعلق بالمسؤولية المدنية مباشرة؛ وكانت تعالج إشكالات هامشية تتعلق بالعمل الصحفي. في حين أن كل الأحكام والقرارات إنما تعالج المسؤولية الجنائية، وان المسؤولية المدنية إنما تناقش في إطار الدعوى المدنية التابعة .

ولقد خلق هذا واقعا قانونيا كنا نخاله لوقت قريب إشكالا مانعا من البحث، ومن تم العزوف عنه، فأصبح إشكالا بحثيا نسعى لتدليل أسبابه وآثاره وأبعاده.

أما المحدد الثالث، فيتعلق بحصر الموضوع في انتهاك حقوق الشخصية، بغرض تحقيق نوع من التوفيق الموضوعي والمجرد بين حقوق الشخصية، كحقوق باتت كونية لارتباطها بالوجود الإنساني وتعلقها بآدميته واعتباره وكرامته؛ وبين حرية التعبير بمختلف تجلياتها والحق في الإعلام والحق في المعلومة باعتبارها وسائل دفاع الصحفي عن حقه في البحث والاستقصاء والكتابة والنشر؟

فمن جهة، توصلت، من خلال دراسة وتحليل لتلك العينة البحثية من الأحكام والقرارات القضائية، عن طريق تصنيفها والتدقيق فيما أسست له من قواعد وما اعتمدته من نصوص، إلى أن جل، إن لم أقل كل القضايا المطروحة أمام القضاء تتعلق بانتهاك حقوق الشخصية الإنسانية على التفصيل التالي:

إن الغالبية العظمى من تلك الأحكام والقرارات كانت تتعلق “بالقذف والسب” فيما يدخل في حماية الحق في الشرف والاعتبار. وكثير منها يتعلق “بالحق في الصورة” وبالحق في الحياة الخاصة”. وأنه حتى وإن تعلق الأمر بهذين الحقين، أي الحق الحياة الخاصة والحق في الصورة، فإنهما يقدمان على أساس أنهما شاهدين لإثبات القذف أو كمتابعات تتم بموازاة معه[7].

وتلكم هي القضايا الثلاث التي تمت معالجتها في الأقسام الثلاثة لهذه الأطروحة تبعا لما تم التوصل إليه من الأحكام والقرارات القضائية.

ومن جهة أخرى، تدعمت النزعة الحمائية لحقوق الشخصية، من الناحية القانونية في عصرنا الحالي وتبلورت كحقوق ومراكز قانونية يحميها التشريع ويفصل فيها القضاء بما يوجب إيجاد قراءة جديدة لها تواجه بين النزعة الفردية وحماية الغير.

وقد تنامت – على طول القرن العشرين بالأساس – ظروف وعوامل زادت من أهمية الحديث عن حقوق الشخصية. انطلاقا من تغير البنيات المجتمعية كالأسرة ومجتمع العمل والوظيفة، وظهور توجهات عالمية تحمي الفرد في نفسه دونما اعتبار لمحيطه، وأيضا لما عرفه العالم من طفرات تكنولوجية كبرى جعلت حياته كتابا مفتوحا، خاصة لما شهدته عملية إنتاج وحفظ وإعادة إنتاج كل ما تعلق بالحياة الخاصة كالصور والأفلام منذ الستينيات. ومرورا بما شهدته سنوات التسعينيات من تطور هائل في ميدان التكنولوجيا الحيوية، ووصولا لما عرفته من نسج العالم بالشبكة العنكبوتية[8] والتي جعلت مقولة أن العالم قرية كوكبية تجد أخيرا مبررها ودليلها.

ففي ظل كل هاته المتغيرات والإكراهات عاشت وتتعايش حقوق الشخصية وتوجب إيجاد قواعد لها تحكم حدود الفرد وحقوقه وحرياته ضمن وضع قانوني متغير وغير قابل للانحسار. فتحولت بذلك حقوق الشخصية من ردة فعل على واقع مس حقوق الأفراد إلى وسيلة تنظيم تمكن من ضبط تعاملات الأشخاص والمؤسسات. فالأخطار متعددة ومتنوعة الطب والعلم والتكنولوجيا الرقمية والحيوية، الصحافة …[9].

وإذا كنا قد سقنا بعضا مما فرضته أهمية “حقوق الشخصية” ضمن المجال القانوني بمفهومه التقني المحض، فإن هناك مبررات أخرى ذات طبيعة فلسفية تبرر أكثر راهنية وأهمية ومحورية هذا المفهوم، ومن ثم كل ما يرتبط به من إشكالات. ذلك أن منظومتنا القانونية أصبحت حاليا تتميز بالاهتمام بالذاتية subjectivisme[10] والشخصية [11]. فلم يعد هناك أشخاص بلا حقوق، ولا حقوق في الأشياء ولكن حقوق للأشخاص على تلك الأشياء[12].

إنها نظرة ممعنة في ما وراء التشريع، حيث الفرد هو محور الفكر التشريعي ومحرك كل القواعد، وهي نظرة تبرز معتقدات الناس ودرجة تمدنهم وإيمانهم بالفكر الفردي والتحرري الذي يجعل من الشخص لا الإنسان محور المصالح والحقوق. فبعدما كنا نسعى لفصل الإنسان عن الشيء وعن المادة عموما، أصبحنا اليوم في صراع لفصل الشخص عن الإنسان، لتحقيق تميز خاص بكل واحد. ولربما سيحين الوقت لنعاود مناقشة مفهوم حقوق الإنسان في اتجاه بلورة مفهوم حقوق الأفراد والأشخاص.

أما المحدد الرابع فهو اعتماد الدراسة القانونية المقارنة – وهو نابع من تحمس أستاذنا للدراسة القانونية المقارنة كوسيلة لتطوير القانون الوطني وليس ذلك بغريب عنه وهو أستاذ القانون المقارن  في هذه الكلية منذ عشرين سنة –

وبالفعل قمت باعتماد دراسة مقارنة ركزت فيها على الاجتهاد القضائي الفرنسي من خلال عينة تمثيلية موازية تقريبا لما تم اعتماده من القضاء الوطني. ومما يحسب للقضاء الفرنسي أن قراراته تشكل بحق مرجعية لبحث العديد من المواضيع القانونية، ومرد ذلك بداية هو النشر الغزير للقرارات على موقع محكمة النقض الفرنسية وعلى مواقع أخرى، وهي مواقع مجانية تهدف إيصال المعلومة القضائية للباحث والمهتم، وقد اطلعنا في مادة المسؤولية المدنية للصحفي على مئات قرارات محكمة النقض بالخصوص والعدد يزيد، وكانت تعالج موضوع المسؤولية المدنية رأسا، ولكننا اخترنا منها، بعد التدقيق والتمحيص، ما قد يفيد في توضيح العديد من الإشكالات التي قد تصادف العمل القضائي المغربي، فهدف البحث ليس مجرد استعراض الأفكار، وإنما البحث في البدائل وتوفير أرضية للإجتهاد.

كما اعتمدت – للاستئناس – قضاء دول أخرى كإسبانيا وإيطاليا وألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا. ومن الدول العربية ركزنا على مصر والأردن وغيرهم.

وإن من شأن هذه الدراسة المقارنة أن تزكي البعد الشمولي والكوني للموضوع، وتمكننا من دراسة العمل القضائي المغربي بمقارنة مع غيره، بهدف إيجاد قواعد متكاملة حول الإشكالات التي يثيرها البحث.

فبالرجوع إلى نصوص القانون المدني المغربي، فإننا نجده خاليا من أي ذكر لحقوق الشخصية في ميدان المسؤولية المدنية، وأن المبدأ الذي يحكمه هو قاعدة أن من تسبب بفعله بضرر للغير ألزم بتعويضه إن ثبتت عناصر المسؤولية وفقا لما شرعه كل من الفصل 77 و 78 من ق ل ع.

إنه فراغ تشريعي يذكرنا بالوضع الذي كانت عليه فرنسا قبل تعديل 1970 السالف ذكره، وهو موقف جعلنا أمام إشكال أكبر يتعلق بسبل الحماية القانونية لما يسمى بحقوق الشخصية[13].

إن أول ما قد نلجأ له لطرح الإشكال هو الدستور باعتباره القانون الأسمى على المستوى الوطني، وهنا لا بد أن نسجل ملاحظتين:

أولا: نص المشرع الدستوري لسنة 2011[14]على مجموعة من الحقوق المندرجة ضمن حقوق الشخصية، فنص من خلال الفصل 22 على حماية السلامة المعنوية للشخص، وهو مفهوم عام يمكن إقحام العديد من الحقوق فيه[15]، كما نص على حماية قرينة البراءة من خلال الفصل 23، كما نص في الفصل 24 على أنه ” لكل شخص الحق في حماية حياته الخاصة”، وغيرها من الحقوق كالإبداع وحرية الفكر وغيرها.

ثانيا: من أهم المقتضيات التي نص عليها الدستور المغربي ما جاء في تصديره من أن المملكة ملتزمة ب “جعل الاتفاقيات الدولية، كما صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو، فور نشرها، على التشريعات الوطنية، والعمل على ملاءمة هذه التشريعات، مع ماتتطلبه تلك المصادقة.

يشكل هذا التصدير جزءا لا يتجزأ من هذا الدستور.”

إننا نعتبر هذا المقتضى من أهم المقتضيات التي رفعت الحرج عن اجتهاد القاضي المغربي، وذلك باعتماد المبادئ والقواعد التي أرساها المنتظم الدولي والإقليمي في حماية الحقوق. وسيشكل رافدا حقيقيا للإجتهاد فيما يتعلق بحقوق الشخصية والتي شكلت بالفعل محور العديد من تلك الاتفاقيات.

ونتساءل في ظل هذا الوضع: هل القضاء المغربي قد تفاعل مع مثل هاته النصوص في ترسيخ ثقافة الحقوق الكونية عامة وحقوق الشخصية على وجه الخصوص؟ وإلى أي حد يمكن اعتبار المقتضى الدستوري المذكور مصدرا للاجتهاد؟ وما هي حدوده؟.

إنها إشكالات أصبحت توجب عدم الاقتصار في معالجة أي ظاهرة قانونية أو أي إشكال قانوني بالانحصار في نصوص القانون الوطني، وإنما أصبحنا ملزمين بالأخذ بعين الاعتبار الاتفاقيات والمعاهدات الدولية والإقليمية التي صادق عليها المغرب قصد تناولها بالدرس والتحليل كأي قانون وطني. وهي ربما فلسفة جديدة توجب مراجعة كافة القواعد الكلاسيكية في الاجتهاد.

حضرات السادة الأساتذة الأجلاء

التزاما منا بما أفرزه البحث الميداني، أي التنقيب في الأحكام والقرارات القضائية، ركزنا على ما يتعلق “بالقذف والسب” فيما يدخل في حماية الحق في الشرف والاعتبار، و”بالحق في الصورة”، وبالحق في الحياة الخاصة”.

ومن ثم فنحن لسنا بصدد دراسة حقوق الشخصية على إطلاقها – وهي دراسة تمثل في ذاتها عمق الإشكال، لأنها تحاول تأسيس القواعد العامة والخاصة في إطار المسؤولية المدنية لمفهوم لا يعرف تنظيما مدنيا – ولكن دراستنا لها ستتناول أهم المخاطر التي تهددها وهي العمل الصحفي عموما بما يؤطره من مفاهيم ونظريات وقواعد.

وقد كان حريا بنا ونحن نقلب النظر في أمر الدعوى المدنية أن نبحث لها عن تأصيل من قانونها الموضوعي، ونقصد به القانون المدني، فنبحث عن أسانيد لتأسيس نظرية قانونية متكاملة تتعلق بالخطأ الصحفي كمحرك للمسؤولية، معتمدين في ذلك على مفاهيم القضاء الزجري في تحليل المتابعات المتعلقة بالصحافة،  لأنها مفاهيم، وإن تعلقت بأفعال جرمية، حللت في جزء كبير منها ماهية الفعل الصحفي المحرك للمسؤولية، وهي أمور يمكن للقاضي المدني اعتمادها في تحديد ماهية الخطأ.

اننا لم نكن في حاجة لبحث أسانيد مستقاة من القضاء الزجري، مع ما صاحبه من انتقادات تحتمل الخطأ والصواب، لولا معطيات أفرزت ذلك الواقع:

قانون الصحافة، الذي اعتد بالمتابعة الزجرية بدل التأسيس لقضاء مدني يحكم المنازعات المتعلقة بالحقوق والحريات، وهي مطالب أصبحت كونية تدعوا لخلق فيصل بين حرية الصحافة والقضاء الزجري . وقد سبق للأمر دول عدة كفرنسا التي أقحمت في نصوصها المدنية مقتضيات تتعلق بحماية حقوق الشخصية استجابة منها لتراكم اجتهادي قضائي متميز وفعال. كما حدت حدوها دول عربية عدة كمصر والأردن وغيرها مما أتينا على دراسته والتي عملت على تنظيم المساس بحقوق الشخصية ضمن قوانينها المدنية فضلا عن قوانين الصحافة، لتترك بذلك مجالا ارحب لقضاء مدني مبدع وخلاق يخلق معايير توازي بين حرية الصحافة كمظهر لحرية التعبير، وبين حقوق الأشخاص الذين ما فتئو يطالبون برفع سور الخصوصية ومنع تطفل الغير عليه بمن فيه الصحافة.

وإذا علمنا أن القضاء الزجري إنما يركز على قيام الجرم من عدمه من خلال النموذج الجرمي الذي حدده المشرع، فإننا سندرك كيف ساهم المشرع نفسه في عدم تبلور نظريات متكاملة حول حقوق الشخصية من شأنها الإجابة على العديد من التساؤلات. بل انضاف للأمر إشكال آخر يتعلق بكيفية تحقيق الحماية المدنية لحقوق الشخصية في ظل غياب نصوص مدنية تنظم تلك الحقوق؟ وإلى أي حد يستطيع القاضي الزجري في إطار الدعوى المدنية التابعة أن يبلور معالم المسؤولية المدنية عن الخطأ الصحفي، بل ويبلور نظرية خاصة بحقوق الشخصية كنظرية أصبحت من مسلمات الفكر القانوني على مستوى اغلب التشريعات؟.

الواقع الاجتماعي والاقتصادي، وفكر المجتمع الذي ينبغي تحليله بدقة من أهل الاختصاص كل في مجاله، لتحديد البنية الفكرية للمواطن، ومدى تشبعه بفكرة الانتقام بدلا من جبر الضرر، فنجده حتى في الحالات التي يسمح القانون برفع الدعوى المدنية الأصلية يجنح لتركها في سبيل الدعوى العمومية عن طريق الشكاية المباشرة بما تحمله من دلالة الرغبة في تفعيل العقوبة الحبسية والإيلام المادي، عن طريق فرض الغرامات، فضلا عن المطالب المدنية.

اننا وعلى مستوى القانون المدني المغربي لم نجد من المقتضيات ما ينظم المسؤولية المدنية للصحفي غير مقتضيات الفصل 77 و78 من ق ل ع، وهي قواعد عامة يصعب في كثير من الأحيان أن تعطي إجابات واضحة لكل من الصحفي وكذا المدعي بالضرر،  وتضرب بذلك مبدأ التوقع كمبدأ أصبح يفرض نفسه حتى في المطالبات القضائية المدنية اسوة بمبدأ الشرعية في القضاء الزجري .

إننا أيها السادة الأفاضل، أمام إشكالات عدة شكلت جسم البحث وهيكله ومبعثه:

1/ غياب تنظيم في القانون المدني لما تعلق بحماية حقوق الشخصية، تلك الحقوق التي باتت في ظل وضع تشريعي كهذا،  وشح عمل قضائي على مستوى القضاء المدني، ضرورة تأصيلها وخلق نظرية عامة لها من خلال لملمة مختلف فروع القانون،  والاعتماد على الدستور كرافد قوي أسس لمرجعية لها،  واستكناه وجهة نظر القضاء الزجري في تحليله للعمل الصحفي،  والاسترشاد بالتشريع والقضاء المقارن لإعطاء تصور شامل من شأنه استباق المشرع في حماية حقوق الشخصية في مواجهة الصحافة .

2/ تحديد ماهية عناصر المسؤولية، مع التركيز على مفهوم الخطأ باعتباره مبعث المطالبات القضائية، فتحديد الخطأ الصحفي ورصده وتحليل عناصره من شأنه خدمة المتضرر بتبصيره بحدود حقوقه ومداها، وأيضا خدمة الصحفي برفع الغموض عن حده في التعبير وتناول أمور الناس، وهي مهمة جليلة المقصد لانها تضمن لحرية التعبير جوا من الشفافية القانونية تحدد الحقوق والالتزامات.

لقد رصدنا، ونحن نحاول توضيح حدود الاشكال القانوني، مجموعة من التجارب التشريعية والقضائية، فوجدنا حقائق مهمةّ، منها:

1/ أن التشريعات التي لم تكن تنظم حقوق الشخصية ضمن قوانينها المدنية، ومثالها التشريع الفرنسي قبل تعديل 1970، قد حصل فيها خلاف فقهي وقضائي جدير بالدراسة والتمحيص، ففي الوقت الذي وجدت اجتهادات تدعوا للتقيد بقانون الصحافة باعتباره الفيصل في كل الأعمال الصحفية،  كانت هناك أحكام وقرارات تبنت اجتهادات جريئة أسست لحقوق الشخصية وأحكمت عليها قواعد تخالف المفهوم العام للمسؤولية المدنية، كما هو الحال في الاعتراف بالحق في الصورة دونما حاجة لا لنص خاص ولا لثبوت الخطأ، وإنما مجرد نشرها دون رضا صاحبها يرتب المسؤولية المدنية، وهي إحدى القواعد المنبثقة عن مفهوم حقوق الشخصية. كما تقرر للفرد حماية لتلك الحقوق قبل وقوع الضرر كالمنع من نشر خبر أو صورة من شأنه المساس بالشرف والاعتبار أو الحياة الخاصة، وهذا أيضا خلافا لما توجبه قواعد المسؤولية من تحقق الخطأ والضرر والعلاقة السببية ليتحقق حكم القانون.وغيرها من الأمثلة كثير.

الخلاف امتد لعناصر أخرى وإشكالات قانونية تعلقت أساسا بتطبيق قواعد القانون المدني بمناسبة المسؤولية الصحفية[16]، وكذا الاختلاف في تحديد الأساس القانوني للمساس ببعض حقوق الشخصية[17].

هناك العديد من التشريعات التي جاء في قوانينها المدنية نص عام، كما هو حال المشرع الجزائري، المصري، الأردني وغيرها، يجعل من أسباب تحقق المسؤولية المدنية وقيامها المساس بحقوق الشخصية، وهي خطوة نعتبرها ذات محاسن، على اعتبار أن تلك الحقوق في تطور مستمر، وأنه كلما تسارعت ظروف الحياة بما تحمله من متغيرات تنوعت معها الحقوق والحريات، فمن منا كان يسمع بالحق في الدخول في طي النسيان،  والنسيان الرقمي، والحق في العطلة، والحق في ممارسة الأمومة بالنسبة للمشاهير، والحق في الهدوء وغيرها كثير. إلا أن الملاحظ أن النص العام يخلق إشكالات تكييف مجموعة من الحقوق قصد تحديد ما إذا كانت من حقوق الشخصية. فأوجب هذا عملا مضاعفا من خلال وضع قواعد ومعايير يمكن من خلالها تصنيف الحقوق ومن تم تحديد القواعد.

وهناك طائفة ثالثة لم تنص قوانينها المدنية على نصوص تحمي حقوق الشخصية، ولكنها نصت في قوانين الصحافة على مجموعة من الحقوق تندرج ضمنها، لكن أصبغت عليها حماية زجرية وليست حماية مدنية.

حضرات السادة الأساتذة الأجلاء

إن العينة التي عملنا على دراستها من الأحكام، والتي كانت بحق أرضية لكل نقاش قانوني باعتبارها تمثل واقع التماس بين القضاء والصحافة، قد أفرزت في إطار بحثنا إشكالات تتعلق بما ذكرناه بخصوص الحماية القانونية لحقوق الشخصية، وقد عالجت ثلاث حقوق أساسية، وهي الحق في الحياة الخاصة، والحق في الشرف والاعتبار وكذا الحق في الصورة، وهي نفسها الحقوق الأكثر تداولا ومعالجة على مستوى الفقه والقضاء المقارن. ويمكننا القول بأنها من أهم نقط التقاطع بين العمل الصحفي والأحكام القضائية في مجال المسؤولية الصحفية.

لقد فرضت نظرية حقوق الشخصية عدة معطيات في مجال القانون، فزيادة على ما أشرنا له من كونها الأقدر على حماية صاحبها، فقد اعتبر البعض أن مجال تطبيقها أكبر من مجال تطبيق الحقوق الأساسية.

حسب البعض من الفقهاء المتخصصين في حقوق الشخصية[18]، فإنها دعوى خاصة اعتبارا لخصوصية الحقوق المحمية نفسها، كما أنها تشمل العديد من الأفعال غير المشروعة وتتسع لتشمل أخرى بما يتوافق مع ما يعرفه الواقع من حركية.

إن المدعي في دعوى المساس بحقوق الشخصية يكفيه إثبات وجود الحق ووجود الخرق دونما إثبات لعناصر المسؤولية من خطأ وضرر وعلاقة سببية. فالإنتهاك بذاته دليل على قيام الخطأ والضرر معا. وهنا تكمن قوة هاته النظرية من أصلها، فالمساس بالحق في الحياة الخاصة أو الحق في الصورة سيتحقق بمجرد نشر خبر متعلق بالحياة الخاصة أو أخذ صورة لصاحبها دون موافقته، ودون استلزام إثبات كل عناصر المسؤولية وخاصة الخطأ والضرر.

ففي قرار لمحكمة النقض بتاريخ 28 يونيو 2011، جاء فيه أن لكل إنسان الحق في الاعتراض على نشر صورته بدون إذن منه،  وان نشرها يرتب الحكم بالتعويض[19].

لقد كان ذلك هو العلة في اختيارنا لتلك الحقوق محاور للدراسة، متسائلين حول ماهيتها، وكيف استطاع القضاء بلورة مفاهيمها؟ وكيف حقق حمايتها انطلاقا من واقع تعدد النصوص القانونية ( قانون جنائي، قانون الصحافة…) وغياب تنظيم مدني خاص؟ كيف وازن القضاء بين حقوق الشخصية باعتبارها ضمانا للكينونة الإنسانية وبين حقوق وحريات أخرى توازيها أهمية وقد تفوقها، كالحق في الإعلام و حرية الرأي والتعبير وغيرها؟

وحتى يتيسر تحليل الإشكال المحوري للبحث، فإننا قسمنا الموضوع إلى ثلاثة أقسام:

فأما القسم الأول فيتناول المسؤولية المدنية للصحفي عن  انتهاك حرمة الحياة الخاصة.

والقسم الثاني تناول المسؤولية المدنية للصحفي عن انتهاك الحق في الشرف والاعتبار.

والقسم الثالث تناول بالتحليل المسؤولية المدنية للصحفي عن انتهاك الحق في الصورة.

وهكذا فقد تناولنا في القسم الاول المسؤولية المدنية للصحفي عن انتهاك حرمة الحياة الخاصة،  فحددنا تطور المفهوم،  وكيف ارتقى من الدود عن المسكن وغيره من المظاهر المادية التي تمثل المجال الخاص للشخص، ليصبح البؤرة الأكثر خصوصية في حياته ويحمي كيانه المادي. فاعتمدنا في ذلك على العديد من التشريعات، لنصل لتنظيم الحياة الخاصة في القانون المغربي، وفقا لقانون الصحافة، فحددنا الطبيعة القانونية المتأرجحة بين اعتباره من حقوق الشخصية وكحق للملكية، ثم خصائصه من عدم القابلية للتصرف ومدى انتقاله للورثة، لنصل للحماية المقررة له في إطار قواعد المسؤولية المدنية، محاولين إعطاء تصور دقيق عنها في سبيل تأسيس نظرية متكاملة ليهتدي بها القانوني والقاضي المغربي في ظل وضع غاب فيه التنظيم القانوني والعمل القضائي حتى من حيث تحديد المفاهيم،  ففرقنا بين الحياة الخاصة والعامة بمحددات توافق عليها الفقه والعمل القضائي في اهم دول المعمور كالحق في الاحترام والحق في الكينونة، وبعدها تناولنا كيف تواجه الحياة العامة الحياة الخاصة من خلال ما تعلق بتناول أمور الثروة من طرف الصحافة وحدود تدخلهم فيها حين تعلقها بالشخصية العامة مع التطرق لكيفية حماية حياته الخاصة، وكذا ما تستبيحه الشهرة من جعل صاحبها طيعا على القلم الصحفي عكس الرجل العادي الذي ينأى بنفسه عن أضوائها.وفي نقطة أخرى ذات أهمية محورية قمنا بالموازنة بين الحق في الحياة الخاصة وبين الحق في الإعلام وحرية الرأي والتعبير معتمدين في ذلك على القوانين الوطنية وكذا الشرعة الدولية. وفي الأخير حددنا معايير الفصل في تنازع ذلك الحق مع غيره من الحقوق كما استخلصه العمل القضائي المقارن،  سواء ما تعلق بمعيار جدوى المعلومة وأهميتها ومعيار استغلالها،و المعيار الأخلاقي ومنه ما يتعلق بمواثيق الشرف الصحفي وعلاقتها باخلاقيات الدعاية والموضوعية في تشكيل الرأي العام ثم المصداقية.

وفي القسم الثاني الذي خصصناه لحماية الحق في الشرف والاعتبار، حددنا المفهوم القانوني ومعاييره سواء الشخصي او الموضوعي الخاص بالاعتبار العائلي والاعتبار السياسي والوظيفي. لنصل لطبيعته القانونية ونميزه عن الحياة الخاصة بعدما تبين الخلط بينهما حتى على مستوى بعض الأحكام القضائية. وبخصوص الحماية المقررة لهذا الحق فقد حددنا الأفعال الماسة به والتي تشكل قطب الرحى في المتابعات الصحفية،  ويعلق الأمر بكل من القذف والسب، فحللناهما وحددنا عناصرهما بما يشكل ارضية للقاضي المدني قصد إدماجهما في مفهوم الخطأ،  وهي مسألة ذات أهمية لأنه لا يحكمها مبدأ الشرعية ولكن مبدأ الاستدلال لاتساع مجال الخطأ المدني، لكنها سلطة ينبغي مراعاة طبيعة العمل الصحفي وما يوجب لها القانون من حرية خاصة وطبيعة خاصة .وإيمانا بكون المعالجة القضائية لا تحقق دوما التوازن بين طرفي الخصومة في مثل هاته القضايا، فقد تم التركيز على حق التصحيح والرد باعتباره الية للدفاع عن الشرف والاعتبار تحقق مقصد المتضرر دون الدخول في متاهات المنازعات القانونية.

وفي القسم الثالث المتعلق بالمسؤولية المدنية للصحفي عن انتهاك الحق في الصورة، والذي نعتبره بحق مشتلا قانونيا فتيا على مستوى القانون المغربي،  باعتبار ما أصبحت تثيره الصورة من إشكاليات، وبعد تحديد طبيعته وخصائصه وعناصره وكيفية حمايته في اطار قواعد المسؤولية وما تفرضه حقوق الشخصية من مفاهيم وما ترتبه من آثار تناقض التناول الكلاسيكي،  ولا أدل على ذلك من اعتبارها المساس بالصورة موجب بذاته للمسؤولية دون التحقق من قيام عناصرها كالضرر،تناولنا مبررات المساس بذلك الحق كالرضى بالنشر و ظروف اخذ الصورة وتغيير وجه استعمالها مع اتخاذ قضية المحافظ ايريناك التي عرضت على القضاء الفرنسي وقضية الممثلة راشيل التي تم تصويرها على فراش الموت، وكيف تفاعل معهما القضاء باجتهادات خلاقة ومبدعة جمعت مجموعة من الاجتهادات وتناولت مفهوم الكرامة الإنسانية كمعيار جديد في حماية الشخص، علما بأنه معيار انساني، والاهم انه متأصل من الشريعة الإسلامية لولا أن رجال القانون عندنا أهملوه واعتبروه محظ ترف فقهي. وبمناسبة تناول الحق في الصورة عالجنا الكاريكاتير وصور الأشياء لما أصبحت تثيره من لغط قانوني ولا أدل على ذلك من مسألة الصور المسيئة للرسول الكريم والتي تأرجح الرأي فيها بين الحق والمعتقد. فحاولنا جر كل تلك المواضيع لساحة القانون المدني بعدما اعجزنا المشرع عن ذلك وساندته تراكمات اجتهادية ومنطق فكري خال لوقت قريب ان مواجهة الكلمة لا تستقيم بغير المتابعة الزجرية .

حضرات السادة الأساتذة الأجلاء

لقد صاحبت البحث اكراهات عدة، لم اتناولها بداية كما هو مألوف ايمانا منا انها ضرورات البحث وان الاشارة لها انما تمليه المنهجية الأكاديمية لا غير، فبالاضافة لغياب قاعدة للاحكام متيسرة للجمهور تمكن من الابحار في روائع العلم القضائي،  كما هو الحال بالنسبة لمحكمة النقض الفرنسية التي جعلت من موقعها الالكتروني الرسمي بوابة غير مدفوعة الاجر تمكن من التلذذ بكل ما طاب من اجتهاد حتى الشبع،  فإننا لم نجد في المتيسر منه غير الاحكام الزجرية لما سقناه من مبررات،  وحتى حين التجأنا للفقه المغربي وجدنا كتبا واطاريح ورسائل متناثرة بين جامعات المملكة ومكتباتها لكن تكاد تلامس الموضوع فقط إلا ما نذر،  فسايرت رغبة المشرع وايمان المتقاضين لتركز على الجرم الصحفي لا الخطأ الصحفي .فبدلا من اعتبار هاته الاطروحة مناسبة لتمحيص النظر في التراكم القانوني المتيسر،  بات دورها العمل على خلق قاعدة علمية تمكن من اتخاذها منطلقا لمحاولات بحثية جدية وتعطي قراءات قانونية رشيدة للنصوص .

وقد حاولت اعتماد مصاردر متنوعة لتثبيت المعلومة :

1/ اعتماد الاحكام القضائية كخامة للبحث، ما يفوق المائة حكم وقرار عن قضائنا الوطني، جلها غير منشور.وما يقارب من المائة صادرة عن القضاء الاجنبي.

2/ اكثر من 174 من المراجع القانونية بالعربية و79 مرجع باللغات الاجنبية، واكثر من 24 اطروحة ورسالة بالعربية و15 باللغات الاجنبية، واكثر من 20 مقال بالعربية و28 مقال باللغات الاجنبية، و18 موقع الكتروني رسمي هذا فضلا عن النصوص القانونية والاتفاقيات والمعاهدات الدولية والاقليمية.

حضرات السادة الأساتذة الأجلاء

بعد مرور مدة ليست بالهينة على إنهاء البحث والانتهاء منه بوضعه بين أيديكم، أصدر المشرع قانون الصحافة الجديد،  فكان إحساسنا مزدوج،  فمن جهة فقد أحسسنا بأن القدر منعنا من تناوله، وذلك أمر لا حيلة لنا فيه وعزاؤنا أننا تناولناه على مستوى الأطروحة حينما كان مشروع قانون في صيغته الأخيرة،  وهي نفسها التي صودق عليها إلا في قليل من الأمور تم تعديلها. وأما إحساسنا الثاني فطبعه التفاؤل لأنه ببساطة احدث تحولا اعتبره شخصيا ثورة قانونية بامتياز وحقق بعضا من الهم الذي تقاسمته والأستاذ المشرف على طول فترة البحث، فبغض النظر عن إلغاء العقوبات الحبسية في قضايا الرأي، فإنه انهى القطيعة مع القضاء المدني ورفع الحرج الذي خلقه الفصل 75 من القانون الملغى، وجعل القاضي المدني قاضيا أصليا في قضايا الصحافة اسوة بالقاضي الزجري، كما نظم العديد من النقط التي عملنا على تحليلها في هدي المبادئ العامة، كما هو الحال بخصوص انتقال الحق للورثة بخصوص المساس بشرفهم واعتبارهم في حالة القذف او السب الموجه لموروثهم (م 88)، والأخذ بمبدأ حسن النية في تقدير التعويض (م91) ولو ان بعض القضاء في دول أخرى اعتبره مانعا من المسؤولية. هذا فضلا عن تنظيم بعض من مقتضيات الصحافة الالكترونية. وفي مجال موضوعنا أيضا فقد تم تنظيم دعوى التعويض من خلال الفرع الثالث من الباب الثاني المتعلق بالاختصاص والمساطر، وقد حدد ضد من توجه المقالات،  وهم مدير النشر، وفي حالة عدم وجوده ضد صاحب المطبوع الدوري أو الصحيفة الالكترونية المتسبب في الضرر. وهي مقتضيات كانت الى وقت قريب تخالف المقتضيات العامة التي تجعل كل متسبب في الضرر ملزم بجبره ومن تم توجيه الدعوى ضده.

إن هاته مؤشرات جيدة نأمل في أن تجعل من القضاء المدني ملاذ حماية الحقوق والحريات، ونأمل من هذا الأخير الاسترشاد بكل القواعد الكونية في بلورة تصور منفتح وفعال لتلك الحقوق والحريات،  لا سيما وان الدستور نفسه قد رفع عنه الحرج بما ألزم به من تطبيق الاتفاقيات والمعاهدات الدولية طالما استوفت شروطها.

إننا اليوم نعيش تهافتا نحو الجيل الجديد من الحقوق، حقوقا اعتبرت من حقوق الشخصية، ومنها الحق في السر، الحق في الاسم، الحق في الصوت، الحق في الدخول في طي النسيان، الحق في الشرف والاعتبار، … وحسب مناصري نظرية حقوق الشخصية أنها الأقدر على حماية صاحبها من الحماية التي تقررها الحريات[20]، فهي حقوق إن ثبت المساس بها تؤسس لقيام المسؤولية دون الاعتماد على المبادئ الكلاسيكية في مجال المسؤولية التقصيرية، وذلك بما تفرضه من إثبات للخطأ والضرر والعلاقة السببية.فهي بهذا قد خلقت وضعا جديدا يمس ببنيان قانوني راسخ، وينبئ بأوضاع قانونية توجب تكييف النصوص معها[21].

حضرات السادة الأساتذة الأجلاء

مخطء من يحصر المعالجة القانونية لقضايا الصحافة عموما، وحتى في اطار المسؤولية المدنية،  فيما تؤسس له النصوص،  لأننا بكل بساطة نعالج واقعا متحركا متداخلا ببنيات فكرية متعددة، فقناعات الأشخاص تعد مؤشرا قويا على التعايش بين حرية الرأي واحترام حقوق الشخصية، وهي رقعة تضيق وتتسع باعتبار عاداتهم ومذاهبهم الفكرية ووعيهم، وتلك أمور تنعكس على القضاء باعتباره ابن بيئته مهما انسلخ عنها .فحين نتفق على قيام حقوق من قبيل حرمة الحياة الخاصة والشرف والاعتبار والصورة،  فحتما لن نتفق على مفهومها وحدود الحماية القانونية المقررة لها،  لكن ذلك لا يوجب التعاطي مع الواقع بسلبية، ولكن الاجتهاد في سبيل خلق قواسم مشتركة في القراءات المتعددة تراعي أولا وأخيرا كرامة الانسان.

حضرات السادة الأساتذة الأجلاء

تلكم إذن مؤشرات كبرى على طرح إشكالي يتسع أفقيا وعموديا،  ولا تحصره في طبيعته غير افاق الباحث وفروض البحث واكراهاته، حاولنا جاهدين بكل قناعات البحث الرشيد أن نتناول منها ما يرفع الخلاف لسدة الأكادميين والممارسين علهم يجدوا فيه حافزا لتغيير مسارات البحث في قضايا الصحافة من مجال القضاء الزجري إلى بيئة القضاء المدني بإيمان عميق انه الملاذ الأخير لحماية الحقوق والحريات .

إن الأمل كل الأمل أن تصيبوه بما يصحح مفاهيمه إن اعتراها زلل، وأن تقوموه بما يخدم فكرته وعلته.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

                                            رشيد حوبابي

الإحالات

[1]  ـ تقرير وزارة الاتصال برسم سنة 2012.

[2]  ـ وقد جاء في قرار للمجلس الأعلى الهندي أن: “حرية التعبير تضرب بجذورها في عمق المؤسسات الديمقراطية القديمة، لأنه حيثما غاب النقاش السياسي الحر فإنه لن تقوم قائمة للتربية العمومية التي تكتسي أهمية جوهرية بالنسبة للسير العادي لعملية تدبير الشؤون العامة. وإن حرية بهذه الأهمية لا يمكن أن تتحقق بدون أن تطرح بعض احتمالات الشطط … لكن أن نترك بعض أغصانها السامة تنمو أفضل من أن نشذبها مع ما ينطوي عليه ذلك من خطر الإضرار بحيوية الأغصان التي تحمل الفواكه. نلاحظ إذا وجود قطبي اهتمام يكتسيان أهمية كبرى بالنسبة للجمهور هما حسن إدارة العدالة وحرية الصحافة، مصلحتان تبدوان أحيانا في حالة مواجهة بعضهما مع بعض ومع قرار القضاء الذي يكمن دوره في إيجاد توازن عادل بين متطلبات الصحافة الحرة ومقتضيات المحاكمة العادلة” أشار له ب.ن. باغواتي (رئيس سابق للمحكمة العليا بالهند ورئيس المجلس الاستشاري للمركز من أجل استقلال القضاة والمحامين) في مقال منشور له تحت عنوان: “انتقاد وسائل الإعلام للقضاة وللقرارات القضائية” منشور في  كتاب: وسائل الإعلام والسلطة القضائية– منشورات مركز التوثيق والإعلام والتكوين في مجال حقوق الإنسان وزارة حقوق الإنسان بالمغرب-ترجمة مصطفى الناوي-الطبعة الأولى فبراير 2004 ـ ص 47 و 48.

[3]  ـ ” لا ينبغي، في نظرنا المتواضع، إغفال الدور الذي قدمه ويقدمه القضاء المدني في هذا المجال (ويقصد حماية الحقوق والحريات)، إذ من خلال تطبيقه للمقتضيات المتعلقة بالعقد وبالمسؤولية، عالج كثيرا من القضايا الحقوقية…صحيح أن المطالبة القضائية بالحقوق قليلة اليوم، ومن ثم كانت قلة الأحكام القضائية المدنية المعتمد عليها، لكن من المتوقع أن تزداد هذه المطالبة في المستقبل المنظور”

احمد ادريوش: “القضاء وثقافة حقوق الإنسان: تأملات حول توظيف مفاهيم ومقتضيات القانون المدني بغرض ملاءمة القانون المغربي لحقوق الإنسان” ـ دفاتر حقوق الإنسان ـ منشورات سلسلة المعرفة القانون ـ الطبعة الأولى ـ مطبعة الأمنية بالرباط ـ 2014. ص 11 و12.

[4]  ـ ونقصد به ظهير 15 نونبر 1958 الذي تم تغييره وتتميمه بالقانون 77.00 بتاريخ 23 اكتوبر 2002

الغي بمقتضى القانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر المنفذ بالظهير الشريف رقم 112.16.1 بتاريخ 10 غشت 2016،  بتنفيذ والصادر في الجريدة الرسمية عدد 6491 بتاريخ 15 غشت 2016 .

 [5]  ففي قرار حديث لمحكمة الاستئناف بالرباط جاء فيه :” وحيث إنه ووفقا للفصل 75 من قانون الصحافة فإن “الدعوى المدنية الناتجة عن جنحة القذف المقررة في هذا القانون لا يمكن فصل متابعتها عن متابعة الدعوى العمومية إلا في حالة وفاة مرتكب الأمر المدعى فيه أو حالة عفو”. وأنه رغم اعتبار القذف فعلا مجرما إن تحققت أركانه، ويشكل في ذات الوقت خطأ مدنيا باعتباره جنوح عن السلوك المشروع، فإنه بصريح القانون لا مجال لتناوله كخطأ مدني في إطار دعوى مدنية أصلية إلا في حالة الوفاة أو العفو، وهو خلاف واقع نازلة الحال بما يجعل ما بالسبب على غير علة”. ملف استئنافي رقم 157/2016/1201 قرار بتاريخ 04 ماي 2016

[6]  ـ وزارة العدل والحريات ـ مديرية الشؤون الجنائية ـ اليوم الدراسي حول إصلاح قانون الصحافة وعلاقة القضاء بالصحافة ـ بتاريخ 3 ماي 2012.

[7]  ـ جاء في حكم لابتدائية البيضاء أنه إن كانت الوقائع والادعاءات والصور المعتمدة من طرف المشتكي للقول بقيام جنحة نشر وقائع وصور وادعاءات تمس الحياة الخاصة، هي نفسها المعتمدة في جنحة القذف، فإنه لا تتم المؤأخذة إلا من أجل الجنحة الأخيرة استنادا لما توجبه المادة 118 من ق ج باعتبار القذف عقوبته اشد. حكم صادر في الملف 28/64/2008  بتاريخ 26/02/2009 ـ غير منشور.

[8]  ـ إن بعض تفاصيل حياتنا التي يكون نشرها مستساغا ونحن في سن 12 أو 15 عامًا لما تعرفه هاته السنون من اندفاع وعدم الإهتمام برأي الغير ونظرته، قد تصبح مصدر إزعاج في مقتبل العمر، وكذا عند تبلور اختياراتنا في الحياة، من عمل وزواج وغيره، لكن هناك بعض الأدوات الإعلامية وكذا ما استحدثته التكنولوجيا كالانترنت مثلا، فهي لا تنسى أبداً، فذاكرتها ممتدة في الزمان والمكان، إذ يتم نسخ المحتويات وإعادة نسخها وتكرارها وفهرستها من قبل العديد من المواقع، لذا فهي لن تمحى أبدًا.كل ذلك يدعوا لوضع قانون عالمي من أجل ضمان حق الجميع “بالنسيان الرقمي”، يمكن كل إنسان في كل وقت من محو المعلومات التي نشرها على الانترنت بشكل نهائي.

[9]  ـ هناك من الفقه من تعقب هاته المخاطر وعددها.

انظروا مثلا:

  1. EDELMAN“: La personne en danger“, PUF, 1999, 1° éd.

[10] ـ J. DABIN « Droit subjectif et subjectivisme juridique », Archives de philosophie du droit,1964, p 21.

[11]  ـ ونقول الأقرب للصواب هو ” الشخصنة” من خلال جعل الشخصية مصدر لكل الحقوق ومبعثا لكل فكر تشريعي.

[12] ـ A. ZABALZA: « Philosophie juridique des droits de la personnalité » in Droits de la personnalité,Traités, LexisNexis, 2013, p 11.

[13]  ـ هناك العديد من التشريعات العربية من تجاوز هذا الأمر من خلال تشريع نصوص في صلب القانون المدني تتعلق بحقوق الشخصية، فالمشرع المصري مثلا ومن خلال المادة 50 من التقنين المدني نص على أن: “لكل من وقع عليه اعتداء غير مشروع في حق من الحقوق الملازمة لشخصيته أن يطلب وقف هذا الاعتداء مع التعويض عما يكون قد لحقه من ضرر”، وعلى مستوى القانون المدني الأردني فقد نص في المادة 48 منه على أن  “لكل من وقع عليه اعتداء غير مشروع في حق من الحقوق الملازمة لشخصيته أن يطلب وقف هذا الاعتداء مع التعويض عما يكون قد لحقه من ضرر”.

ولا ندري حقيقة ما سبب إحجام المشرع المغربي عن عدم تدارك الأمر من خلال النص على قواعد لحماية حقوق الشخصية ضمن القانون المدني بعيدا عن المعالجة الجنحية والتي سيتضح عدم إثمارها في تحقيق الحماية الفعالة بل وتسببها في جمود الفكر القانوني والاجتهاد القضائي في حماية الحريات.

[14]  ـ ظهير شريف رقم 1.11.91 صادر في 27 من شعبان 1432موافق 29 يوليوز 2011

منشور بالجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر الصادرة بتاريخ 28 شعبان 1432موافق 30 يوليوز 2011.

[15]  ـ رغم إن الظاهر فيه أنه يتعلق بالإضطهاد والقهر الذي قد تمارسه السلطة في ظروف معينة، وهذا ما يستنتج من خلال الفقرة الثانية والثالثة من الفصل المذكور.

[16] ـ « Dès lors que les faits poursuivis sont qualifiés sous une incrimination de la loi sur la presse, ils échappent à la responsabilité pour faute. »

Cass., ass. plé., 12 juillet 2000: Bull. civ. 2000, ass.plén., n°8 ; Revue Comm. Com. électr. 2000, n°108.

[17] – ففي قرار لمحكمة النقض الفرنسية كان موضوع الطعن فيه قرار محكمة الاستئناف بباريس الصادر بتاريخ 15 فبراير 1994 والذي قضى للمدعية بالتعويض عن المساس بحياتها الخاصة ونشر صورها، نعت عليه الشركة الناشرة للجريدة بكونه ولو أن الفصل 9 من القانون المدني يعطي الحق للضحية الذي ثبت مساس بحقه في الحياة الخاصة، فان التعويض يبقى خاضعا لمقتضيات المادة 1382 من القانون المدني، وأن محكمة الاستئناف لم تأخذ بالفصلين معا، وخلصت إلى أن الدعوى المعروضة غير خاضعة للمادة 1382 المذكورة، وأن التعويض الممنوح بذلك يشبه الغرامة المدنية لعدم مراعاته لقيام الضرر الموجب للتعويض وتقديره بما يراعي قيمة الضرر. فجاء قرار محكمة النقض ردا على الوسيلة بأنه: “لكن حيث إن الإثبات وحده للمساس بالحياة الخاصة، تبعا للمادة 9 من القانون المدني، يفسح المجال لتحصيل الحق بالتعويض، وأن محكمة الإستئناف، بعد إثبات المساس بحق الآنسة ش. ..وبمراعاة حياتها الخاصة عن طريق النشر موضوع النزاع والذي يكشف عن حياتها العاطفية، قد قدرت نهائيا مبلغ الضرر المتكبد، وأنها هكذا بررت قرارها شرعا”[17].

[18] ـ Koen LEMMENS: “La presse et la protection juridique de l’individu  ـop cit  ـp 248.

[19]  ـ قرار 3127  في الملف 2775/1/3/2009 .

[20] Koen LEMMENS: “La presse et la protection juridique de l’individu – Attention aux chiens de garde! ـ” Collection des thèsesـ  Larcier ـ bruxuelle ـ 2004ـ p 248.

[21]  ـ ونمثل لهذا الوضع بحالات أخرى كما هو حال تأثير التأمين على المسؤولية وكيف قلب كل الأوضاع. حتى جاء عند بعض الفقه أن:

si l’un des auteures du code civil pouvait lire dans la version actuelle de ce code les textes consacrés à la responsabilité civile, il serait tenté de croire que rien n’a changé dans cette matière…mais à supposer qu’il pousse tant soit peu son enquête, il ne tarderait pas à perdre toutes ses illusions, car il verrait immédiatement l’ampleur des transformations apportées à l’institution, tout par le développement de l’assurance, qui en a complètement modifié l’économie…Geneviève VINEY: “Droit civil Introduction à la responsabilité, 2éme édition, L.G.D.J.1996.p123.

مشار له أيضا عند رشيد حوبابي في مقاله: “علاقة التـأمين بالمسـؤولـيةدراسة في ظهير 02/10/1984 “ـ منشور بمجلة الإشعاع الصادرة عن هيئة المحامين بالقنيطرة ـ العدد 6 ـ سنة 2001.

اترك تعليقاً