الأبعاد الأخلاقية في العمل الصحفي و الإعلامي

2017 01 16
2017 01 16

الأبعاد الأخلاقية في العمل الصحفي و الإعلامي

يوسف التامري

مقدمة

بدأ تدوين أخلاقيات العمل الإعلامي ومواثيق الشرف وقواعد السلوك المهنية للمرة الأولى في بداية العشرينات من القرن الماضي وهناك الآن اقل من 50 دولة فقط من بين 200 دولة في العالم لديها نظم متطورة في الاتصال الجماهيري ذات مواثيق لأخلاقيات المهنة تؤثر بشكل فعال على القائمين بالاتصال، أو تحمي التدفق الحر الإعلامي .[1]

وتشكل مواثيق العمل الصحفي التي باتت تعرف بالاخلاقيات اهم الصياغات القـانونية التي توصلت اليها ارادة الصحفيين والمعنيين بـالمهنة وتم اشـهارها امام الملأ لتكون دليلا عمل متفق عليه بالنسبة لهم وعامل ردع بالنسبة لاولئك الذين لايفهمون من الصحـافة الا وصفها بانها ممارسة تخدم مصالحهم عن طريق ابتزاز الجمهور او الايقاع به اوتحقـيق منافع لمن يعملون معهم[2].

تم في سنة 2010، بمبادرة من عدة فرق برلمانية، إطلاق حوار وطني حول “الإعلام والمجتمع شكل مناسبة متميزة للتفكير في القضايا الهيكلية المتعلقة بحرية الصحافة والتطورات التي شهدها القطاع ووسائل الإعلام والمهن المتصلة بها واقتصاد القطاع وما اإلى ذلك. وفي اإطار هذا الحوار، عمدت فعاليات عمومية ومنظمات مهنية وجمعيات ومنتخبين وعدد من الموؤسسات أيضا على تأطير مجموعة من الندوات والموائد المستديرة، كما تم اإنجاز بحوث ميدانية وتقديم مذكرات وعقد جلسات استماع مرتبطة بالموضوع؛ وهي جهود توجت بنشر تقرير يتضمن أكثر من150 توصية تهم الجوانب السياسيةوالقانونيةوالإقتصادية.[3] أثير مفهوم تخليق المهن بقوة في الآونة الأخيرة و ذلك وفق مساعي النهوض بالحياة العامة للمجتمع و ضمان استقرار  الأوضاع العامة و الخاصة للأفراد والدول ,وهذا ما تبلور حقيقة بتقدم الحكومة متمثلة في بوزارة الإتصال بمشروع قانون رقم 88.13 الرامي  إلى نسخ للظهير الشريف لسنة 1958 المتعلق بمهنة الصحافة بالمغرب 1 كما عدل و تمم بالقانون رقم  77.00 المتعلق بالصحافة و النشر لسنة  2003[4] .

ويعد القانون رقم 21.94 الصادر بتنفيذه الظھير الشريف رقم 1.95.9  بتاريخ 22فبراير 1995 المتعلق بالنظام الأساسي للصحفيين المھنيين والمرسوم التطبيقي له رقم 2.95.687 المتعلق بالنظام الأساسي للصحفيين المھنيين إطارين قانونين حاكمين لسلوك الصحفي المهني قانونا و كذا ميثاق الهيئة الوطنية المستقلة لأخلاقيات الصحافة و حرية التعبير  في أطار أخلاقيات المهنة .وبالإضافة إلى المقتضيات الوطنية نجد المرجعيات الدولية في أعلاها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 ولا سيما الفصل 19 منه العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ولا سيما الفصل 19 منه كذلك، الذي صادق عليه المغرب بتاريخ 19 يناير1977 وصادق وأعلن انضمامه إليه بتاريخ 3

ماي 1979 ، ونشره في الجريدة الرسمية[5] .

قرارات و تقارير الهيئات الحقوقية الدوليةوفي مقدمتها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، واللجنة الأممية لحقوق الإنسان، و مؤسسة المقرر الأممي الخاص بحرية التعبير.

تعتبر الصحافة من أهم الوسائل تأثير في مجتمعات البشرية ،نظرا لأن الخبر أصبح يؤثر بشكل كبير في كل من سياسات الدول و أنظمتها الإقتصادية و الإجتماعية ،ولا يمكن –بأي حال من الأحوال- فصل المنظومة الإعلامية سواء المقروءة او المكتوبة أو المسموعة عن النظام الإجتماعي السائد إذ يجب ربط دراسته كمنظومة متبادلة العلاقات.

ما واقع الصحافة  المغربية بالنظر إلى الأخلاقيات المهنية على مستوى الممارسة و التطبيق ؟ و هذه الإشكالية المركزية تتفرع عنها إشكاليتين فرعيتين فالأولى تخص سؤال مفهوم  الأخلاقيات ودرجة إرتباطه ارتباطه بالعمل الصحفي، والثانية مدى تقيد الصحفي الإعلامي بقيم وأخلاقيات المهنة الصحفي.

و لتناول هذه الإشكالية وما يتفرع عنها آثرنا تقسيم الدراسة إلى مبحثين وفق الشكل الآتي :

المبحث الأول : أخلاقيات العمل الصحفي و مهام الصحفي في الممارسة الصحفية

المبحث الثاني : المبحث الثاني : أسس أخلاقيات المهنة الصحفية و آليات تخليقها

وعليه نفترض من خلال الواقع الصحفي المعيش أن تجانب الممارسة الإعلامية قواعد و قيم أخلاقيات المهنة في بعض الجوانب.

المبحث الأول

أخلاقيات العمل الصحفي و مهام الصحفي في الممارسة الصحفية

سنخصص مقتضيات هذا المبحث لدراسة مفهوم أخلاقيات العمل الصحفي (المطلب الأول) على أن نكرس مقتضيات المطلب الثاني لتناول أدوار الصحفي الإعلامي

المطلب الأول

مفهوم أخلاقيات العمل الصحفي

لابد من الإشارة أولا بأن أخلاقيات مهنة الصحافة والإعلام تتمايز من بلد لآخر ومن بيئة إلى أخرى، وذلك تبعا لاختلاف العادات والتقاليد والخلفيات الدينية والاجتماعية ، وليس هناك محددات وقواعد وضوابط ثابتة.

إن أخلاقيات الإعلام هي مجموعة القيم والمعايير المرتبطة بمهنة الصحافة، التي يلتزم بها الصحفيون في أثناء عملية انتقاء الأنباء واستقائها ونشرها والتعليق عليها، وفي طرحهم لآرائهم. وقد فرض تطور مهنة الصحافة وضع دليل يتضمن هذه المعايير والأخلاقيات [6] شأنها في ذلك شأن باقي المهن ؛إذ نجد ميثاق أخلاقيات مهنة المحاماة و ميثاق أخلاقيات مهنة الطب و غيرهما.

إذن  فأخلاقيات المهنة هي تلك المبادئ والقيم المنظمة لما هو موضوعي و مثالي في العمل الإعلامي، وهي تعتمد على مجموعة منتقاة من المبادئ الموجهة للسلوك الأخلاقي، وهذه المبادئ مهمة للمؤسسات الإعلامية خاصة في أوقات الأزمات وتستهدف هذه المبادئ تشكيل ذاتية المؤسسة الإعلامية.

كما نلاحظ أن أخلاقيات المهنة مستمدة من المبادئ و القيم الأخلاقية النبيلة الموجهة للسلوك الإنساني و التي ترتبط إرتباطا بالممارسة اليومية للمهنة، و الغرض منها الرقي بالمستوى العام للمهنة  وتوجيهها وتخليقها.

وانطلاقاً مما سبق فإن المقصود بأخلاقيات مهنة الصحافة هو مجموعة السلوكيات والقواعد الأخلاقية التي ينبغي للصحفيين التحلي بها، مراعاة لمبادئهم الإنسانية والمهنية لمصلحة المجتمع بما يتناسب مع وظيفتهم ضمن المؤسسة الإعلامية التي ينشطون فيها.[7]

ولا بد أن نشير أن أغلب هذه القواعد الأخلاقية المضمنة في إطار مواثيق الشرف لا تتضمن الجراء والإلزام مما يحول دون تطبيقها من طرف بعض المهنيين .

المطلب الثاني

أدوار الصحفي الإعلامي

يقوم الصحفي بعدة أدوار  أثناء قيامه بنشاطه اليومي الدوري بجملة من الأدوار و المهام.

الفقرة الأولى : نقل الأخبار و الحوادث للجمهور

إن الدور الأساس الذي بقوم به الصحفي هو الإعلام ؛ إنه يتتبع مصادر المعلومات و إقتناص الأخبار و الحوادث  بمختلف تجلياتها القانونية و السياسية و الإجتماعية و الفنية و نشرها و تبليغها للعموم عبر وسائل التواصل المختلفة .

وتـتـمـثـل الوظيفة الإعلامية فـي جـمـع الأنـبـاء والـبـيـانـات والـصـور والتعليقات وبثها بعد معالجتها ووضعها فـي الإطـار الملائـم مـن أجـل فـهـم الظروف الشخصية والبيئية والدولية وتمكين متلقي الخبر من الوصول إلى وضع يسمح له باتخاذ القرار السليم.

كما يقوم  بتغطية المؤتمرات و التجمعات و التظهرات العمومية .

لم يعد الإعلام المحرك الأساسي للرأي العام و المرآة العاكسة للأحداث فحسب، بل تعداه إلى السيطرة على إهتمامات الجمهور و هو بذلك يتحمل جزءا من المسؤلية في رقيه و إنحطاطه ، وذلك تبعا للتأثير الإيجابي أوالسلبي على مختلف المكونات المجتمعية و خصوصا منها غير الواعية و غير المثقفة .

للمهنة الصحفية قاعدة معرفية تستند إلى العلم، أي نظام من المعرفة العلمية والنظريات والقوانين والمبادئ العلمية لفهم المشكلة وتحديد الحل المناسب لها ، و هي بذلك تمارس من قبل متخصصين يفترض فيهم الكفاية والقدرة على التعامل مع القضايا المطروحة، فقد يحرر الصحفي مقالا في موضوع ما ولا يلقي بالا للدقة والمنهجية العلمية  في تناول الموضوع ،و يصادف مختص بالمجال المقال المذكور وبالتالي يصبح الصحفي في وضع لا يحسد عليه.وتجنبا لمثل هذا ينبغي الإستعانة بأهل الإختصاص عند الخوض في مجال لا تفقه فيه كي يحافظ الإعلامي على المصداقية المطلوبة .

الفقرة الثانية : تنوير وتشكيل الرأي العام و خدمته

يلعب الإتصال دورا في توعية المواطن بكبريات المشاكل التي يجابهها العالم وإشعار الرأي العام بتلك المشاكل ومساعدته على تسويتها تدريجيا بالعمل الوطني والدولي ،اعتمادا على التفكير والروية[8].

كما أن الساحة الإعلامية مساحة تثقيفية متميزة، فالجريدة سواء الورقية أم الإلكترونية و التلفزة و الراديو  وغيرهم من عناصر المنظومة الإعلامية توفر مجالا لإغناء الرصيد الفكري في كل المجالات، فهو يعرف بالدين و الفقهاء و ،بالفن والفنانين و أعمالهم، و بالقانون و رجالاته .. بالتالي يشكل لدى متتبعيه منظومة فكرية عامة ، وهنا بالضبط يكمن مفترق الطرق بين الصحافة القيمة الإثرائية ، وبين صحافة الإثارة(الدم و الجنس)أو الصحافة الصفراء أو ما يسمى بالصحافة الفضائحية ، ففاقد الشيء لا يعطيه .

و عليه ،على الصحفي أن يتمتع بخاصية موسوعية المعرفة  التي تقتضي ضرورة الإلمام بقواعد السياسة وطبـائع الأمور وأصول الظواهر وخلفيات الإقتصاد والسياسـة و القانون فضلا عن ضرورة التوسـع في فهم مغزى “ماجرى وكيف” أي أن الإعلامي لا يكتفي بنقل الخبر فقط وإنما معرفة أسبابه و حمولاته و أهدافه كي لا يكون الصحفي قناة ناقلة للأفكار و  الإديولوجيات بغير وعي، فالصحفي يحتاج إلى الفطنة و التبصر كي يكون ناجحا و يساهم في نجاح الوسط الممارس فيه .

تكتسب أخلاقيات مهنة الإعلام أهمية خاصة بالمقارنة مع أي مهنة أخرى لأهمية رسالتها في مخاطبة الإنسان ودورها الكبير في تشكيل قيمه واتجاهاته[9]. فالصحافة لها وظيفة اجتماعية لا يمكن إغفالها، إذ تلعب دوراً كبيراً في توجيه الرأي العام عن طريق نشر المعلومات والأفكار الناضجة، ووظيفتها تنسجم مع طبيعتها، كما قال أحد أعلام الصحافة الإنجليزية “الصحافة ليست حرفة كسائر الحرف، بل هي أكثر من مهنة، وهي ليست صناعة، وهي شيء بين الفن والعبادة، والصحفيون خدم عموميون غير رسميين هدفهم الأول العمل على رقي المجتمع.”[10]

فخدمة المجتمع تنطوي على تفان في العمل، ووعي بأهمية قضاياه بعيداً عن المصالح الشخصية أو الفئوية. ومن هذا المنطلق نشأ مبدأ المسؤولية الاجتماعية في الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية في ظل تزايد الأصوات المنتقدة لأداء وسائل الإعلام التي تحولت آنذاك إلى وسيلة للدعاية، وجاء تقرير Hutchins، رئيس جامعة شيكاغو، الذي حمل التقرير اسمه، سنة 1948 مدافعاً عن حرية الصحافة، ولكن محذراً في الوقت نفسه من الأخطاء التي تقع فيها، مؤكداً أن حريتها لا تخول لها الإخلال بمسؤوليتها الاجتماعية، باعتبارها خدمة عامة.[11]

المبحث الثاني

أسس أخلاقيات المهنة الصحفية و آليات تخليقها

بعدما عرجنا على مفهوم أخلاقيات العمل الصحفي و بينا أهم الأدوار التي يتولى الصحفي القيام بها ، حان أن نلامس مدى احترام العمل الصحفي للأبعاد الأخلاقية للمهنة وفق ما يمليه الدستور و القوانين المنظمة للمهنة و مواثيق الشرف الوطنية و الدولية(المطلب الأول) ،كما سنعمل على إيراد بعض الأليات والكفيلة بالنهوض بالمجال الإعلامي و تحقيق نجاعته (المطلب الثاني)

المطلب الثاني

أسس أخلاقيات العمل الصحفي

لا يمكن الإعلامي الصحفي العمل في إطار مهنته بمعزل على القواعد و أخلاقيات المهنة التي ينتمي إليها و ذلك في إطار ما يسمى بالمسؤولية الاجتماعية .ستكون المبادئ الأخلاقيات المؤطرة للعمل الصحفي محل دراسة في هذا المطلب ،نقارب فيه القيم الواجب التحلي بها قبل البدء في العمل وأثنائه في الفقرة الأولى على أساس نكرس مقتضيات الفقرة الثانية لما بعد تحرير الموضوع الصحفي.

الفقرة الأولى : مبادئ ما قبل التحرير و أثناءه

 1 – الأمانة  :

تأتي الأمانة في أعلى مراتب هذه المبادئ ،فالأمانة تمنع الصحفي   عرض جزء من الخبر و المعلومة وإهمال جزء منها. كما على الصحفي و هو في خضم إبراز الأراء و الأفكار حول قضية ما أن يبرز جميع الأراء المناقشة للفكرة دون ذكر البعض التغاضي عن البعض الآخر .

و الأمانة تبرز كذلك في الإقتباس من الغير أو تلقي منه الأخبار باعتباره مصدرا فالمبدأ يفرض عليه بيان مصدار ومقتبسات مقاله الصحفي.وجاء في الفصل الأول من ظهير 1958 المتعلق بالصحافة و النشر” وعلى وسائل الإعلام أن تنقل الأخبار بصدق وأمانة ” .

2- المسؤولية : على الصحفي إستشعار المسؤولية الملقاة على كاهله لأن له دور فعال ومنتج  في التحكم في رأي الجمهور وتوجيهه مع العلم أن هذا المبدأ شديد مع مبدأ الحرية الصحفية المضمونة دستوريا في إطار الفصل 25.

3- الدقة:

فالحقيقة هي المحور المحرك للإعلامي والوصول إليها ليس عن الطرق الملتوية ولا القصيرة المشوبة بما يخدش دقتها و صدقها و واقعيته  ، بل يمكن الوصول إليهاعن طرق صعبة ولكن سليمة تكون مدعاة السرور وجلب الاطمئنان والتميز ،ذلك لأن الوسائل الإعلامية تسعى إلى الوصول إلى الحقائق عند الناس أو في واقع الوقائع ضمن بيئتها و زمانها، ولأن الحقائق ليست دوما في متناول من يريدها فلابد من الوصول إلى مصدرها بشتى الطرق المشروعة وفي ذلك جهد ومشقة.

كما يجب الإبتعاد عن ما يسمى بالصحفي تحت الطلب[12] كأن يبيع قلمه في سبيل المال أو التقرب من جهة معينة و هذه دعوة إلى التحرر و الإستقلالية عن كل المكونات المجتمعية .

وجاء في مقولة لليونارد دون leonard downe و هو مدير تحرير صحيفة الواشنطن بوست “يجب التحري قدر الإمكان في دقة الأخبار و نزاهتها، إذا لم يكن كذلك يجب الإستمرار في العمل حتى الوصول على الدقة المطلوبة .من الممكن ألا نصل ولا نستطيع بالتالي نشر الخبر”[13]

وما يمكن تسطيره هو  أن الصحافيون غالبا ما يجهزون على مبدأ الدقة بداعي السبق الصحفي . فنـشر معلومـات غـير مؤكـدة في سـبيل السـبق الصحفـي فيـه تجـرد مـن المسـؤولية، والتشـهير بالشـخصيات العامـة والأشـخاص العاديـين يعتـبر انحرافاً يتعـارض مع أخلاقيـات المهنة.

4- الشفافية :

من أكثر المبادئ غيابا في العمل الصحفي ، وهو يقديم الخبر على حقيقته من غير إدخال أي من التحايل أو الإيهام أو التضليل الإعلامي

5- مصدر الخبر :

مصدر الخبر على قدر كبير من الأهمية فهو معيار التمييز بين الخبر الصحفي و الإشاعة.حتى وإن كان للصحفي حق سرية مصدر الخبر ،لكن به تحدد مصداقيته و واقعيتها التي تجلب القراء و نجد مقالات صحفية  بلا أسماء كتابها فهي من الحيل التي يتم الإستناد إليها للتكتم عن مصادر الأخبار و الإكتفاء بالتعابير المزيفة ك “مصدر موثوق به” “مصدر جدير بالثقة” ومن دواعي التستر عن المصدر  ؛حماية صاحب المقال نفسه من المسؤولية و كذا حماية مصدره .ويضرب بذلك حق المواطن من التحقق من مدى صحة الخبر من  عدمه.

ولعل لهذين العاملين دور أساسي في في تثبيت الأمن القانوني الذي ينص على أنه يمكن للصحافي عدم الكشف عن مصدر أخباره[14]  ويشير الفصل 27 من دستور 2011 على أن “للجميع الحق في التعبير،و نشر الأخبار و الأفكار و الأراء ،بكل حرية ،ومن غير قيد ، عدا ما ينص عليه القانون صراحة”  إنها حرية في الأصل لكنها مقيدة بالإحالة على القانون العادي و برجوعنا إلى الفصل الأول من ظهير 1.58.378 المتعلق بمهنة الصحافة بالمغرب لسنة 1958 كما عدل بالقانون رقم  77.00 المتعلق بالصحافة و النشر لسنة 2003 نجد ما يلي ” لمختلف وسائل الإعلام الحق في الوصول إلى مصادر الخبر، والحصول على المعلومات من مختلف مصادرھا ما لم تكن ھذه المعلومات سرية بمقتضى القانون” ومنه فالأصل هو علنية المصادر والإستثناء هو السرية لكن برجوعنا إلى مشروع قانون رقم 88.13 يتعلق بالصحافة و النشر في المادة الرابعة منه نجد “سرية مصادر الخبر مضمونة و لا يمكن الكشف عنها إلى بمقرر قضائي و في الحالات التالية :

-القضايا المتعلقة بالدفاع الوطني و أمن الدولة الداخلي و الخارجي

-الحياة الخاصة للأفراد ما لم تكن لها علاقة مباشرة مع الحياة العامة”

و عليه نلاحظ أن المشرع في المشروع الجديد أتى بتوجه جديد يجعل فيه الأصل هو السرية و الإستثناء هو العلنية لكنها مشروطة بصدور مقرر قضائي عندما يتعلق الأمر بسر الدفاع الوطني كما هو محدد في التشريع المعمول به. وعندما يمس الخبر أمن الدولة أو سيادتهامساساً واضحاً و إما مساسه بالحياة الخاصة للأفراد و هذا مشروط كذلك مع عدم إتصاله بالحياة العامة إتصالا مباشرا وهو موقف لا يحمد عليه ، لما في من التأثير على مبدأ مصداقية الخبر وواقعيته.

وجاء كذلك النظام الأساسي للصحافيين المهنيين بالمغرب في المادة 6 ما ياي ” يحق للصحافي المهني الوصول إلى مصادر الخبر…”  جاء في ميثاق الهيئة الوطينة المستقلة لأخلاقيات الصحافة و حرية التعبير في ديباجه “حرية الصحافة و الصحافيين للوصول إلى كل مصادر الأخبار و المعلومات …وفي المقابل إحترام كرامة الأشخاص و حياتهم الخاصة”.

وفي إحدى توصيات المجلس الوطني لحقوق الإنسان بخصوص مشروع قانون الصحافة 88.13 في إطار الإعلام و المجتمع “أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قد وسعت، اعتمادا على الإجتهاد القضائي، خطوطا توجيهية لحماية المصادر الصحفية يمكن للمشرع المغربي أن يستلهمها أثناء تحديده للقواعد القانونية التي تحكم هذا الجانب الهام من حرية الصحافة “.

6- التجرد و الحياد و النزاهة  :

التنصل أو إنتفاء المصلحة الشخصية للإعلامي يعني يمكن للصحفي نشر رأي أحد المستجوبين و نقله للموضوع و تعضيد هذا الرأي بالأدلة و الحجج التي أدلى بها المستجوب بكل نزاهة وعدم التدخل فيه سواء بالسلب أو الإيجاب على الرغم من معارضة الصحفي للفكرة.

الحياد يعني الالتعامل بشفافية و التمييز بين مواقف المؤسسة الصحافية و موافق الفاعلين في صناعة الأحداث ..وهو يرتكز على الحكمة القائلة أن الخبر مقدس و التعليق حر ؛أي يتم تخيير المتلقي بين الإكتفاء بمعرفة الحدث ومعرفة رأي المؤسسة في هذا الأخير[15].وقد يفيد الحياد سعي الصحفي إلى البحث عن الحقيقة و نقلها له، و عدم قيامه بها يفيد إنحيازه ضد مصالح الجمهور و التواطؤ مع من يخدمه عدم بيان الحقيقة.

 7- ضرورة الفصل بين التحرير والإعلان  :

و هو حشو الإعلانات الإشهارات المدفوعة في قالب تحريري و على الصحفي المسؤول أن يجعل فاصلا بين الموضوع التحريري الإخباري و بين المقال الإعلاني . و غالبا هذا ما يتجلى في الصحافة الإلكترونية مؤخرا فتجد موضوعا في مواقع التواصل الإجتماعي و تنقر على الخبر و إذا بك تجد نفسك في دوامة من الإعلانات و الصفحات الإعلانية و غيرها.

الفقرة الثانية : مبادئ ما بعد نشر الخبر

يجب على الصحفي التحلي بالمبادئ والقيم الأخلاقية حتى بعد نشر المقال و منها :

الإعتذار عن الأخطاء المرتكبة :

فمقال الصحفي  يعتبر مرجعا  يحتم عليه الوضع للحفاظ على مصداقيته و موضوعيته أن تبنى  الإعتذار  و استدراك الأخطاء أو الدقة في الخبر فور إكتشافها .

  • يمنع على الصحفي قبول الهدايا : والهبات والميزات غير المستحقة كي لا تأثر عليه على موضوعيته ، ويجب عليه في نفس الأن أن يفرق بين قواعد المجاملات التي تربطه مع مصادره و بين الثأثير عليه كأن يدعوه أحد الذين يتلقى منه الأخبار إلى وجبة غذاء أو تقديمه هدية و يطلب منه التكتم على جزء من خبر قد يؤثر على مصالحه بعد نشره.
  • يترك المجال للقراء حق الرد و التعقيب :

من المبادئ التي يجب على الصحفي التحلي بها بعد نشر مقاله الصحفي أن يمكن  للقرائه و نتتبعين إمكانية غبداء الملاحظات و التوجيهات بخصوص المقال المنشور بكل أشكال النشر الورقي أو الإلكتروني و السمعي البصري.

أصبح الحق في الرد والتصويب ضرورة فرضتها الظروف، كما أنه لا يقتصر على حق الإنسان في الحصول على المعلومات بل يشمل أيضا الحق المرتبط به والمترتب عليه وحقه في إعلام الغير و إكمال المعلومات الناقصة وتصويبها عندما تكون زائفة.

المطلب الثاني

آليات تخليق المهنة الصحافة

هنا يبرز مشكل كيفية تطوير الخطاب الإعلامي بما يحقق طموعات ومساعي المجتمع و الرقي به .ولخدمة هذا المبتغى اقترحنا الأليات التالية :

أولا : تقوية الدور التربوي التثقيفي للإعلام

إن أخلاقيات المهنية و قضاياها تدخل في اختصاص المجال التربوي الذي يستهدف غرس الأخلاقيات السليمة في المجتمع و استكمال هذا الهدف بترجمة الأخلاق إلى سلوكيات تمارس في الحياة.

التربية الموازية وضرورة السعي وبذل الجهود من أجل الوصول إعلام تربوي قبل المدرسة المربية و ذلك بتسخير وسائل التواصل الورقية الإلكترونية الحديثة في تربية الأجيال.

إن المشهد الإعلامي المغربي  يكاد يخلوا من البرامج التثقيفية الهادفة و اقتصاره على أخبار اليوم و الليل و السلسلات الهادمة للثقافة و الأخلاق و ذلك بأستشعار حجم المسؤولية و الدور المنوط بها.

ويقوم هذا الدور أساسا على ثلاث لبينات أساسية الأولى هي التثقيف و التربية و هي : تتعلق هذه الوظيفة بنشر المعرفة على أساس تفتيح الأذهان وتكوين الشخصية وشحذ الكفاءات وتنمية الذوق وتهذيبه واللبنة الثانية النهوض بالإنتاج الفكري وهذه الوظيفة تعني نشر الإنتاج في مجالات الأدب والفن والابتكار الفكري واليدوي بصورة عامة عن طريق تفجير الطاقات و تهذبي الذوق العام و ضمان الأمن الثقافي للمجتمع ضدا على الغزو الثقافي الأجنبي ،و ثالثة الأثافي(أي البنة الثالثة) هو الترفيه و هو تتمثل هذه الوظيفة في تقديم وعرض التمثيليات الروائـيـة والمسرحيات والأفلام وفرق الموسيقى والرقص والرياضة والألعاب و غيرها

ثانيا: تكوين الأطر الصحافية و تدريبها

يجب تلقين الصحافيين المتدربين قيم الأخلاق و تربيتهم علىى إعلاء مصالح الدولة و الوطن و المجتمع على مصالح الإعلامي (المال و الشهرة)

ويعـد غيـاب التكويـن والتدريـب الإعلامـي المسـتحق لمواكبـة التغـيرات الطارئـة في عالم الإعـلام عائقاً كبـيراً أمـام تطويـر مهنة الصحافة، حيث إن المؤسسـات الصحفيـة مقصرة في هذا الجانب الـذي لا توليـه أهميـة تذكـر في أثنـاء وضـع خطـط التطويـر أو التوسـع  لذلـك فالتكويـن مطلـبا ملـحا للصحفيـين.

ثالثا : تحسين المستوى المادي للصحفيين :

رابعا : ترسيخ ميثاق الشرف الصحفي، بإعتباره إطارا تنظيميا للمهنة، بما يتيحه من إمكانيات ضبط ذاتي للمنهة والتنظيم الذاتي الأخلاقي، و بما يعكسه من إحساس بواجب التحصين، أمام تنامي النقائص الأخلاقية التي تؤثر سلبا، ليس فقط على الرسالة الإعلامية وإنما وبشكل بارز على صورة الصحفي والصحافة و ما ينعكس على المجتمع بالتبعية .

إن التربية تتجاوز حدود الإعلام والاتصال وتقصر عـنـهـا فـي ذات الوقت. فعندما تنعدم التربية تصبح قدرات الاتصال محدودة وعندما تنمو التربية فإنها توسع قاعدة الاتصال ويؤدي هذا التـرابـط المـتين الذي يجمع بين الاتصال والتربية إلى البحث عن وسائل تجعل علاقاتهما مثمرة وإيجابية إلى أبعد حد ممكن . وتعود إلى المدرسة وظيفة تكوينية تتمثل في تلقين المعارف والتجارب وإدماجها وتنظيمها في حين يخصص جهاز الإعلام والاتصال للعناية بلغة الصور التي تهـمـلـهـا المدرسةأي بمـخـتـلـف أ€نمـاط الاتصال المرسوم والمصور.

خاتمة :

حاولنا في هذه الدراسة تلمس مدى اعتماد الصحفي الإعلامي في ممارسته الصحفية وفق منهجية فنية أكثر منها قانونية وذلك لارتباطها ارتباطت وثيقا بالمبادئ  الأخلاقية الموجهة للسلوك الإنساني عامة و تلك المتصلة بالعمل الإعلامي خاصة .وعرجنا بداية على مفهوم أخلاقيات المهنة الصحفية التي توحي إلى مجمل القيم العليا و السامية التي على الإعلامي أن يمتثل لها و تلك المتجسدة  في إطار  مواثيق أخلاقيات الصحافة على المستوى الوطني و الدولي ، بينا أهم الأدوار  التي من أهمها نقل الصورة و الخبر للعموم و تشكل الرأي أو المنبر العام و وكذا الدور التربوي التثقيفي للإعلام.

كما عالجنا في الشق الثاني من الدراسة الأسس  الأخلاقية و أبعادها إرتباطا بالممارسة اليومية من أمانة و  دقة وشفافية و تعيين مصدر الخبر أو قابليته للتعيين وكذا الحياد و الأبتعاد عن التضليل الإعلامي ضمان حق الرد للقراء. ولاحظنا أنا أغلب هذه المبادئ و الأخلاقيات لا يتم احترامها بالشكل المطلوب.

و اختتمنا بإعطاء بعد الآليات التي نظنها كفيلة بالنهوض بالممارسة الأخلاقية و المحترمة للصحافة  كضرورة العمل على تقوية المهمة التربوية التثقيفية للمؤسسة الإعلامية وهذا الدور ينبني على ثلات عناصر أساسية تربية و تهذيب وترفيه،ثم تكوين الأطر الصحفية و تحسين وضعيتهم المالية كي ينأى عن سلطة المال و الارتشاء.

وكل هذه الاليات و البوادر لن يكون لها أثر ما دامت لم تتوفر إرادة عامة مشتركة بين كل الفاعلين في المنظومة الإعلامية ؛صحافيون و وزارة وصيية و مجتمع واعي يرغب في الرقي بمؤسساته بغرض الرقي و النماء.

لائحة المراجع :

  • أحمد عبد المجيد،أخلاقيات المهنة الصحفية في العراق بعد نيسان 2003
  • حسينة بوشيخ ، بيئة العمل الصحفي وأثره في ممارسة أخلاقيات المهنة(دراسة حالة) مجلة رؤى إستراتيجية، أبريل ،2014
  • محمود علم الدين، أساسيات الصحافة في القرن الواحد والعشرين القاهرة: كلية الإعلام، جامعة القاهرة، 2009
  • محمد الأمين موسى، في رحاب الصحافة ،الطبعة الأولى مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 1998
  • محمد منير حجاب، المعجم الإعلامي القاهرة: دار الفجر، 2004
  • مصطفى المصمودي ،النظام الإعلامي الجديد ،مجلة عالم المعرفة ،عدد 94،الكويت، أكتوبر 1985
  • مذكرة المجلس الوطني لحقوق الإنسان حول مسودة مشروع قانون الصحافة و النشر (صيغة 15 يوليوز 2015 )إلى وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة بتاريخ 8 أكتوبر 2014 في إطار ،سلسلة المساهمة في النقاش العمومي – رقم
  • نصر الدين العياضي،وسائل الإعلام والمجتمع ظلال و أضواء ،دار الكتاب الجامعي،الطبعة الأولى، العين الإمارات،2004
  • سلامة أحمد سلامة ، الصحافة فوق صفيح ساخن ،دار العين للنشر،الطبعة الأولى،القاهرة ،2009
  • francis Balle, Médias et Sociétés (Paris: Montchrestien, 1999), 9 éme éd.

الإحالات

– مبادئ و أخلاقيات العمل الإعلامي،يوليو 2013 ، ص 1.[1]

– أحمد عبد المجيد،أخلاقيات المهنة الصحفية في العراق بعد نيسان 2003 ص 1.[2]

-مذكرة المجلس الوطني لحقوق الإنسان حول مسودة مشروع قانون الصحافة و النشر (صيغة 15 يوليوز 2015 )إلى وزير الاتصال . [3]

الناطق الرسمي باسم الحكومة بتاريخ 8 أكتوبر 2014 في إطار ،سلسلة المساهمة في النقاش العمومي – رقم  8 ، ص 1.

[4] غير ومتم بموجب القانون رقم 77.00 بشأن قانون الصحافة والنشر الصادر بتنفيذه الظھير الشريف  رقم 1.02.207الصادر في 25من رجب 1423 3(أكتوبر  2002)ج ر عدد 5075بتاريخ 22 ذي القعدة 2272 (20 يناير 2003) ص 771.

-انظر الجريدة الرسمية للدولة المغربية عدد 3525 بتاريخ 6 رجب 1400 (21ماي 1980) من ص 631 إلى ص 643  .[5]

– محمد منير حجاب، المعجم الإعلامي القاهرة: دار الفجر، 2004، ص 33–34.[6]

– حسينة بوشيخ ، بيئة العمل الصحفي وأثره في ممارسة أخلاقيات المهنة(دراسة حالة) مجلة رؤى إستراتيجية، أبريل ،2014 ص 127 .[7]

-مصطفى المصمودي ،النظام الإعلامي الجديد ،مجلة عالم المعرفة ،عدد 94،الكويت، أكتوبر 1985، ص 90.[8]

[9] « Un pays vaut souvent ce que vaut sa presse». Albert  Camus

– محمود علم الدين، أساسيات الصحافة في القرن الواحد والعشرين القاهرة: كلية الإعلام، جامعة القاهرة، 2009، ص 24 .[10]

[11]– francis Balle, Médias et Sociétés (Paris: Montchrestien, 1999), 9 éme éd., p. 283–284. أشار إليه حسينة بوشيخ ،مرجع سابق،ص 125 |

-سلامة أحمد سلامة ، الصحافة فوق صفيح ساخن ،دار العين للنشر،الطبعة الأولى،القاهرة ،2009 ،ص 133[12]

-نصر الدين العياضي،وسائل الإعلام والمجتمع ظلال و أضواء ،دار الكتاب الجامعي،الطبعة الأولى، العين الإمارات،2004، ص  98.[13]

– نصر الدين العياضي ، المرجع السابق ، ص 100[14]

– محمد الأمين موسى، في رحاب الصحافة ،الطبعة الاولى، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 1998، ص 39. [15]

اترك تعليقاً