الحماية القانونية لليد العاملة الأجنبية – الجهود التشريعية والمؤسساتية –

2017 01 17
2017 01 17

الحماية القانونية لليد العاملة الأجنبية

– الجهود التشريعية والمؤسساتية –

محمد اشهيهب

تقديم

مما لا شك فيه أن الحق في الشغل من الحقوق الأساسية لكل إنسان، حيث نجد المادة 23 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على أنه ” لكل شخص حق في العمل وحرية اختيار عمله …”، وهذا ما جعل المشرع الدستوري ارتقى بهذا الحق إلى مصاف الحقوق الدستورية، وفي هذا الإطار نجد هذا الحق منظم بمقتضى قوانين داخلية فضلا عن اتفاقيات دولية ثنائية الأطراف وكذا ذات الأطراف المتعددة، كل ذلك ينطوي تحت ما يسمى بالقانون الدولي الخاص بالشغل.

وبالرجوع إلى المنظومة التشريعية المغربية نجد في أول الأمر كانت تنظم علاقات الشغل في إطار نصوص متناثرة ومتفرقة بعد أن يتم تجميع ذلك في مدونة الشغل بمقتضى قانون 99-65 كاستجابة لإرادة سياسية وتشريعية لمحاولة ملائمة التشريع الداخلي مع ما تنص عليه المواثيق الدولية خاصة إذا علمنا أن المغرب صادق على العديد من الاتفاقيات الدولية بهذا الخصوص، وفي نفس السياق فإن القانون الدولي للشغل يعتبر بما لا يدع مجالا للشك مصدرا أساسيا للتشريع، فضلا على أنه مقياس لمقارنة التطور الحاصل في مجال إقرار الحقوق الأساسية للعمل خاصة وأن المغرب صادق على أزيد من خمسين (50) اتفاقية تعتبر من الإتفاقيات الأساسية لمنظمة العمل الدولية، إذ تساءل البعض عن القيمة القانونية للقانون الدولي للشغل على ضوء القانون الداخلي خاصة فيما يتعلق بالحماية القانونية لليد العاملة الأجنبية.

وتجدر الإشارة إلى أن التطور الإقتصادي والتكنولوجي الذي عرفه العالم المعاصر فرض على الدول ومنها المغرب ترك باب الإنعزالية والإنزواء ومواكبة هذا التطور والذي سينعكس  لا محال سلبا أو إيجابا وذلك بسبب التغييرات وإحداث مجموعة من القوانين والتشريعات الحديثة، ولن يتحقق ذلك بمنأى عن فتح هذه الدول أبوابها لإستقطاب اليد العاملة و تصديرها إن صح التعبير، وهذا ما فرض على المغرب بحكم موقعه الإستراتيجي العمل على وضع تشريعات لضمان الإستقرار خاصة في العلاقة الشغلية، وهو ما تحقق من خلال صدور مدونة الشغل والتي جاءت في العديد من مقتضياتها منسجمة وملائمة مع الإتفاقيات الدولية، كما أنها خصصت الباب الرابع والخامس منها لتنظيم تشغيل المغاربة بالخارج وكذا الأجانب بالمغرب بمقتضى المواد من 512 إلى 521.

وتجدر الإشارة إلى أن المغرب ليس بلد لتصدير اليد العاملة فقط، لكنه في المقابل يعد من البلدان المستقطبة للعمال الأجانب خاصة في السنين الأخيرة والتي عرفت تزايدا كبيرا من المهاجرين من شمال إفريقيا وسوريا خاصة نظرا للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتردية، حيث أصبح هؤلاء الأجانب يفضلون الاستقرار بالمغرب سواء المهاجرون بصفة شرعية أم غير قانونية وأصبح البحث عن عمل لكسب قوت يومهم أمرا ملحا ومن أهم المتطلبات الأساسية، وقد عمل المغرب على تنظيم عملية استثنائية لتسوية وضعية الأجانب المقيمين بصفة غير قانونية مؤخرا.

ولا تفوتنا الإشارة ونحن نتحدث عن هجرة اليد العاملة إلى أن المغرب أبرم ” اتفاقية اليد العاملة “سنة 1963 مع فرنسا، وكذا المصادقة على اتفاقية مع هولندا بخصوص استقدام اليد العاملة المغربية في 14 ماي 1969 ، كما تم إطلاق مشروع تحسين إدارة هجرة اليد العاملة وحماية حقوق العمال – 4 يونيو 2014 – الذي تموله الفيدرالية السويسرية بهدف النهوض بالحكامة الجيدة لهجرة اليد العاملة وحماية حقوق العمال المهاجرين، كما تمت المصادقة على عدة اتفاقيات صادرة عن منظمة العمل الدولية منها الاتفاقية رقم 4 ورقم 14.

وفي نفس المضمار فإن الحماية القانونية لليد العاملة الأجنبية لن تتحقق من خلال وضع تشريعات داخلية تهم مجال التشغيل وكذا المصادقة على اتفاقيات دولية في هذا المجال بل عبر وضع تشريعات داخلية للحماية الاجتماعية وهو ما عمل المشرع المغربي عل تحقيقه من خلال ظهير 1972 المتعلق بالضمان الإجتماعي وغيره من النصوص المنظمة للحماية الإجتماعية خاصة للأجانب المقيمين في المغرب وكذا المغاربة المهاجرين، كما عمل المغرب على المصادقة على عدة اتفاقيات بخصوص الحماية الاجتماعية من قبيل اتفاقية الضمان الاجتماعي بين المغرب والدانمرك والبروتوكول الملحق بها الموقعين بكوبنهاك 26 أبريل 1986، واتفاقية  الضمان الاجتماعي بين المغرب و تونس 1999، واتفاقية  الضمان الإجتماعي بين المغرب وألمانيا 2001، وكذا نفس الاتفاقية مع فرنسا 1665 وغيرهم من الدول.

إن الحماية القانونية لليد العاملة الأجنبية تنبني على جهود تشريعية ومؤسساتية كبيرة ومكثفة يمكن القول أنها قد تعطي أكلها لتحقيق نوع من العدالة الإجتماعية خاصة إذا علمنا أن المغرب يعتبر طرفا نشيطا في المصادقة على الإتفاقيات الدولية حتى يلائم التشريع الداخلي مع التشريعات الدولية بما يساهم في الرقي بالمجتمع وازدهاره وما لذلك من انعكاسات على احترام مبادئ حقوق الإنسان.

وتبرز أهمية موضوع الحماية القانونية لليد العاملة الأجنبية: الجهود التشريعية والمؤسساتية من خلال ما يقوم به المغرب من مجهودات جبارة على مستوى سن القوانين ووضع ضوابط وإبرام اتفاقيات دولية لتدبير وضعية اليد العاملة الوطنية والأجنبية، هذا فضلا عن تدخل المملكة عن طريق مؤسسات وطنية لتدبير الوضعية القانونية لهؤلاء العمال الأجانب وكذا الوطنيين.

ومن هنا تبرز إشكالية الموضع والمتجسدة في إلى أي حد توفق القانون الدولة الخاص في تدبير وضعية اليد العاملة الأجنبية ؟ وهل تسعى الدول إلى سن تشريعات والمصادقة على اتفاقيات لحماية حقوق هذه الفئة، أم أن ذلك مجرد تلميع الصورة الوطنية والزعم بملاءمة التشريعات الوطنية مع الإتفاقيات الدولية بعيدا عن الأهداف النبيلة المتمثلة في حماية هذه الفئة الضعيفة ؟

لمعاجة هذه الإشكالات وأخرى سوف نحاول الحديث في المحور الأول : الجهود التشريعية لحماية اليد العاملة الأجنبية من خلال الوقوف على النقط الآتية :

  • سعي الدول إلى سن تشريعات داخلية لتدبير وضعية اليد العاملة الأجنبية.
  • وضع ضوابط حمائية لليد العاملة الوطنية .
  • سعي الدول إلى إبرام اتفاقيات ثنائية وأخرى متعددة الأطراف لتدبير الوضعية القانونية لمواطنيها العاملين في بلاد المهجر .

على أن نعرج في المحور الثاني لمناقشة مدى توفق الجهود المؤسساتية في حماية هذه الفئة، إن على المستوى الوطني أو الدولي من خلال النقط التالية :

  • مدى تدخل المؤسسات الوطنية في تدبير الوضعية القانونية لليد العاملة الأجنبية .
  • مدى قابلية الأجانب للتأطير النقابي .

دور المؤسسات الدولية في حماية حقوق العمال الأجانب .

النقطة الأولى 

دور الإتفاقيات الدولية والهيآت المؤسساتية في دعم حقوق اليد العاملة في بلدان المهجر

يعتبر الشغل من أهم حقوق الإنسان بل هو يأتي من حيث الأهمية المباشرة بعد الحق في الحياة، إذ قال مونتسكيو في هذا الصدد ” ليس الإنسان فقير لأنه لا يملك شيئا ولكن لأنه لا يشتغل.” ويبقى العمل في الحقل الإجتماعي بصفة عامة ذلك الجهد سواء بدنيا كان أو عقليا الذي يبذله الإنسان بمقتضى الإتفاق مع الغير في مجال نشاط مهني مشروع بمقابل أو بعوض لمصلحة هذا الغير وتحت إشرافه وإمرته …

ومما لا شك فيه أن الحق في الشغل ما فتئ يحتل الصدارة ضمن مطالب المنظمات النقابية، حتى ارتقي إلى مصاف الحقوق الدستورية بل إلى مستوى الحق الدولي مع صدور الإعلانات والمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الطبقة الشغيلة وحقوق الإنسان عامة، وهذا ما يفسر تنظيم التشريعات الداخلية لهذا الحق فضلا عن الإتفاقيات والمعاهدات الدولية.

وما تجدر الإشارة إليه أن الإتفاقيات الدولية المتعلقة بالشغل سواء الصادرة عن الأمم المتحدة أو عن منظمة العمل الدولية وتلك الصادرة عن منظمة العمل العربية، تتضمن مقتضيات هامة لحماية الطبقة العاملة تحت ما يسمى بالقانون الدولي الخاص بالشغل، فهذه الإتفاقيات تتضمن كذلك أحكام خاصة بالعمال الأجانب كل ذلك إيمانا منها بالضغوطات والإكراهات التي سيواجهها هؤلاء الأجانب في بلاد المهجر، وحتى يتحقق نوع من المساواة ونوع من الإنصاف وعدم التمييز بين العمال الوطنيين والعمال الأجنبيين تم وضع عدة اتفاقيات لحماية هذه الفئة ومن بين هذه الإتفاقيات نجد :

  • الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948

بالرجوع إلى المادة 23 نجده ينص على أنه لكل شخص الحق في العمل وله الحرية في اختياره بشروط عادلة وأجر مساو للعمل الذي يكفل له ولأسرته عيشة لائقة بكرامة الإنسان، وكما نص كذلك عل أنه لكل شخص بصفته عضوا في المجتمع الحق في الضمان الإجتماعي وترك هامشا ومساحة واسعة للتشريعات الوطنية لتنظيم التمتع بهذه الحقوق بما ينسجم مع النظام العام وخصوصية البلد، ولا يجيز بأي شكل من الأشكال حرمان الأفراد سواء المواطنين أو المهاجرين من هذه الحقوق.

  • وبالرجوع للعهديين الدوليين نجدهما كذلك يؤكدان كذلك على الحق في العمل والذي يشمل الحق في أن تتاح للفرد مواطنا كان أم غير مواطن إمكانية كسب رزقه بعمل يختار ويقبله بحرية وفرض على الدول التزاما بضمان تمتع الأفراد بهذا الحق، وفي هذا الصدد يمكن القول بأن تنظيم التشريعات لشرط عدم المنافسة وإجازة تضمينه في عقد الشغل مما يترتب عليه حرمان العامل أو الأجير مؤقتا من مزاولة عمل قد ينافس فيه صاحب العمل بعد انتهاء العقد إذا ما كانت طبيعة العمل تتيح للأجير التعرف على أسرار مهنية تتنافى كليا مع ما جاء به العهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية والثقافية والإجتماعية، فضلا عما قيل فإن هذا العهد نص على إلزامية تمتع جميع الأشخاص بظروف عمل تكفل السلامة والصحة وبشروط مرضية تكفل لهم الحق في الحصول على أجر منصف دون تمييز بين الأجانب والمواطنين.

ونصه كذلك على الحق في تكوين نقابات والإنضمام إليها، وقد تم تكرار هذا الحق في أكثر من وثيقة دولية وعلى الرغم مصادقة أغلبية الدول على هذين العهدين إلا أنه ليست كل الدول تلتزم بكفالة هذا الحق للعمالة المهاجرين، هذا بالإضافة إلى تنصيص العهد على حق الأفراد على الحق في الضمان الإجتماعي سواء كانوا مواطنين أو غير مواطنين.

  • الإتفاقية الدولية للقضاء على التمييز العنصري بكافة أشكاله

نظرا لما كان يعرفه العالم من أشكال التمييز في جميع المجالات خاصة الإقتصادية والإجتماعية منها، ونظرا لتزايد هجرة اليد العاملة من دول الجنوب إلى دول الشمال وما نتج عن ذلك من أشمال التمييز العنصري، فقد تم إصدار هذه الإتفاقية والتي أكدت على التزام الدول الأطراف بحضر التمييز العنصري والقضاء عليه بكافة أشكاله وبضمان حق كل إنسان دون تمييز بسسب العرق، اللون أو الجنس في الحقوق الإقتصاديو والثقافية والإجتماعية، ولا سيما الحق في العمل وفي حرية اختيار نوع العمل بشروط مرضية وعادلة والحق في تكوين نقابات والإنتماء إليها، فضلا عن حق التمتع بخدمات الصحة العامة والرعاية الطبية والضمان الإجتماعي …

  • وتجدر الإشارة إلى أن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري ضد المرأة أكدت على ذلك خاصة في ميدان العمل وحق التمتع بنفس فرص التوظيف، والحق في المساواة في الأجر والحق في الضمان الإجتماعي وصحة وسلامة ظروف العمل وهذا ما عملت عليه جل التشريعات إن لم نقل كلها.
  • الإتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم

بادئ ذي بدء يجب القول أن هذه الإتفاقية جاءت لتؤكد المبادئ التي نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهديين الدوليين والإتفاقيات الدولية الخاصة بالقضاء على جميع أشكال التمييز كما أن هذه الإتفاقية تصب في مصلحة الحلقة الضعيفة في العلاقة الشغلية، ألا وهي العمال المهاجرين مع الأخذ بعين الإعتبار العمال غير النظاميين والذين يتم استغلالهم من طرف المشغلين واستخدامهم بشروط أقل بكثير من شروط عمل الأجراء الآخرين.

ومن الملاحظات الأساسية على هذه الإتفاقية تلك المتعلقة بعدد الدول المصادقة عليها والتي لا تتجاوزخمسين (50) دولة من بينهم المغرب .

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الإتفاقية تعرف العامل المهاجر بأنه ” كل شخص سيزاول أو يزاول أو ما برح يزاول نشاط مقابل اجر في دولة ليس من رعاياها “، ومن الملاحظات كذلك أن هذه الإتفاقية تميز بين العمال المهاجرين في وضع نظامي  وأخرين في وضع غير نظامي، وقد يقول قائل بأن هذه الإتفاقية جاءت بنوع من التمييز العنصري، لكننا نقول بأن هذا لا يدخل ضمن أي شكل من أشكال التمييز العنصري الذي نصت عليه إتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، وإنما جاء هذا التمييز فقط لكي يشجع على الهجرة النظامية وإعطاء حقوق إضافية للعمال المهاجرين النظاميين دون المساس بالحقوق الاساسية المعترف بها في الإتفاقيات السابقة.

وكما هو الشأن بالنسبة للإتفاقيات السالفة الذكر فإن هذه الإتفاقية نصت على حق العمال المهاجرين في التمتع بالحقوق الأساسية، بل الأكثر من ذلك والجديد فيها أنها نصت على عدم جواز تعرض العمال المهاجرين وأفراد أسرهم لإجراءات الفصل – الطرد- الجماعي، وأن ينظر ويبث  في كل قضية على حدة، فضلا عن عدم سجن العامل المهاجر المخل بإلتزاماته التعاقدية من جهة، ومن جهة أخرى فإن هذه الإتفاقية تكفل حق العمال المهاجرين في المشاركة في الإجتماعات وأنشطة تقابات العمال بقصد حماية مصالحهم إضافة إلى الإنضمام بحرية إلى أي نقابة عمالية مع احترام القيود التي ينص عليها القانون.

وفيما يتعلق بالضمان الإجتماعي فإن هذه الإتفاقية تنص على تمتع العمال المهاجرين في دولة العمل بنفس المعاملة التي يعامل بها رعايا تلك الدولة.

وعليه فإن اتفاقية حماية حقوق كل العمال المهاجرين وأفراد اسرهم تكفل حقوقا واسعة للعمال المهاجرين مستندة في ذلك على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهود والإتفاقات اللاحقة، وفي ذات الوقت تكفل سلطة الدول في تنظيم هذه الحقوق.

  • الإتفاقية رقم 69 المتعلقة بالعمل الجبري والإلزامي والتي منعت على المشغل أن يمارس أي شكل من أشكال التهديد على العامل من أجل إرغامه على القيام بعمل معين غير متفق عليه في العقد دون رغبة الاجير سواء كان مواطنا أو أجنبيا.
  • الإتفاقية رقم 97 المتعلقة بالعمال المهاجرين 1949

إن اهتمام منظمة العمل الدولية بالدفاع عن العمال ومصالحهم وتنظيم شروط العمل لم يكن يتم بمعزل عن اهتماها بفئة من العمال الأكثر تعرضا للغستغلال والتمييز، لهذا وجهت المنظمة عنليتها بوضع قواعد تحمي العمال المهاجرين فهذه الإتفاقية تلزم الدول الأطراف باتخاذ الإجراءات المناسبة لمكافحة الدعايات المظللة فيما يتعلق بالهجرة إلى الخارج والهجرة الوافدة، كما تلزم عند الضرورة الدول الأطراف بالتحقق من الحالة الصحية للعمال المهاجرين وأفراد اسرهم، فضلا عن ضمان تمتع هؤلاء الاجراء برعاية طبية كافية وظروف صحية جيدة عند مغادرتهم لبلدانهم، كما أنها تتيح للوافدين النظاميين معاملة لا تقل عن المعاملة التي تتيحها لمواطنيها فيما يتعلق بالأجور وعضوية النقايات والضمان الإجتماعي.

  • اتفاقية العمل اللائق للعمال المنزليين رقم 189

فقد تم التركيز على هذه الإتفاقية نظرا لتعليق أغلبية التشريعات استفادة هاته الفئة من العمال على صدور قانون خاص بهم، الشيء الذي لم يتحقق في أغلب الدول لحد الآن على الرغم من مصادقتها على هذه الإتفاقية.

وهذه الإتفاقية تعنى بهذه الفئة من العمال وقد جاءت نتيجة لطبيعة عمل هذه الفئة وما لها من مساهمة في الإقتصاد العالمي تشمل زيادة فرص العمل بأجر للعمال، وجاء في مقتضيات هذه الإتفاقية إلزامية الدولة باتخاذ التدابير اللازمة التي تضمن نجاعة وتعزيز حماية حقوق الإنسان لجميع الأجراء بالمنازل، وتحقيق الحقوق الأساسية في العمل فيما يتعلق خاصة بالحرية النقابية والقضاء على جميع اشكال التمييز والعمل الجبري، وأن يتمتع العمال بالمنازل بحماية فعالة من جميع أشكال الإساءة والمضايقات والعنف وأن يتمتعوا شانهم شأن العمال بشروط استجدام عادلة ومرضية وظروف عمل لائق.

وقد نصت الإتفاقية على أن يتضمن عقد العمل جميع المعلومات الواجب توافرها حتى تكون هاته الفئة على علم بشروط وظروف استخدامهم وعلى نحو يضمن لهم كرامتهم.

من خلال ماسبق يمكن القول بأن القانون الدولي الخاص بالشغل عمل على وضع مقتضيات قانونية غاية في الأهمية لحماية الطبقة العاملة على المستوى الدولي سواء العمال المواطنين أو المهاجرين، إذ عمل في هذا الإطار القانون الدولي للشغل على بذل جهود تشريعية لتمتيع هؤلاء العمال من الحقوق الأساسية فضلا عن الحقوق الإضافية، وتم ترجمة ذلك من خلال إبرام عدة اتفاقيات دولية ومعاهدات وإصدار توصيات خاصة في هذا المجال على نحو ما سبق مناقشته.

وجدير بالذكر أن هناك عدة مؤسسات دولية تعنى بحماية حقوق العمال وتعمل على بذل العديد من المجهودات لتمتيع هذه الفئة الهشة من الحماية اللازمة خاصة العمال الأجانب. هكذا نجد على المستوى الأوربي من بين أكثر المنظمات الإقليمية فعالية “المجلس الأوربي” والذي نظم عدة اتفاقيات أوربية لحماية حقوق العمال من ضمنها “الاتفاقية الأوربية حول الوضعية القانونية للعمال المهاجرين” لسنة 1977، و”الميثاق الاجتماعي” لسنة 1961 الذي يركز على الحق في العمل، حق المفاوضة الجماعية، حق الضمان الاجتماعي، حق المساعدة الطبية والاجتماعية، حق الحماية الاجتماعية والاقتصادية للعائلة، ثم حق حاية ومساعدة العمال المهاجرين وعائلاتهم.

أما على المستوى الأمريكي فنجد منظمة الدول الأمريكية خاصة في إطار الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان التي تتمتع بآلية مراقبة وتنفيذ تشبه آلية الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان، وكذا على المستوى الافريقي نجد منظمة الوحدة الافريقية والميثاق الافريقي لحقوق الإنسان لسنة 1981 الذي ينص في بعض بنوده على حماية حقوق العمال كحق العمل وحق الأجر؛ هذا فضلا عن وكالات الاستخدام الخاصة والتي تقوم بالعمل على حسن سير سوق العمل وحماية العمال من التجاوزات، كما تعمل على القيام بعناية العمال الذين يلجئون إلىخدماتها، توخيا لتعزيز تكافؤ الفرص والمساواة في المعاملة في الحصول على عمل ومزاولة مهن معينة، وقد تم اعتماد وكالات الاستخدام الخاصة من طرف المؤتمر العام الدولي للشغل بمقتضى الاتفاقية رقم 181.

النقطة الثانية 

سعي التشريعات الدولية لحماية اليد العاملة الوطنية

القاعدة والأصل أن الأجير حر في الاشتغال من عدمه، وهذا المبدأ مقرر بالنسبة للمشغل كذلك، حيث بإمكانه قبول أو رفض من يتقدمون للإشتغال لديه سواء كانوا مواطنين أو أجانب، شريطة أن تكون دوافع الرفع مبنية على اعتبارات مهنية وليس الاعتبارات التميزية المحظورة قانونا والتي أسلفنا الذكر حولها. وحماية لليد العاملية الوطنية من مزاحمة زميلتها الأجنبية فرض المشرع قيودا على تشغيل الأجراء الأجانب، وسنعود للحديث عن هذه الفئة فيما يتعلق بتشغيل الأجانب في المغرب.

في هذا الإطار نجد المشرع المغربي وإيمانا منه بإقامة وإقرار الحماية اللازمة للأجراء المغاربة ببلاد المهجر بذل مجهودات جبارة لإقرار الحماية اللازمة لهؤلاء إن على مستوى التشريع أو على مستوى المؤسسات العاملة بهذا الإطار شأنه شأن باقي التشريعات الدولية، هكذا وبعد أن كانت علاقة الشغل منظمة في إطار نصوص متناثرة ومتفرقة فقد عمل المشرع الاجتماعي على تجميع هذه النصوص في مدونة خاصة بالشغل بموجب قانون 99.65، والتي خصصت الباب الرابع من الكتاب الرابع منها لتشغيل الأجراء المغاربة بالخارج من المادة 512 إلى المادة 515، حيث ألزمت  المادة 512 على الأجراء المغاربة المتوجهين إلى دولة أجنبية  قصد الاشتغال بها أن يتوفروا على عقود شغل مؤشر عليها من طرف المصالح المختصة لدى الدولة المهاجر إليها وكذا من فبل السلطة الحكومية المكلفة بالشغل بالمغرب، في إطار إقرار الحماية لرعاياها ألزم التشريع المغربي مطابقة تلك العقود مع الاتفاقيات المتعلقة باليد العاملة المبرمة مع تلك الدول، كما تعمل السلطة الحكومية المكلفة بالشغل على اختيار المهاجرين بناء على أهليتهم المهنية والصحية وتقوم بكل الاجراءات الإدارية لتوجيههم إلى بلد الاستقبال بتنسيق مع الادارات والمشغلين المعنيين.

وبعد تعليق استفادتهم من أحكام المدونة على صدور قانون خاص فقد أوجب المشرع في المادة 515 من  م ش على المشغل الذي يغادر التراب الوطني صحبة خادم منزلي لمدة أقصاها 6 أشهر أن يتعهد بتحمل نفقات إرجاعه إلى وطنه وعند الاقتضاء مصاريف استشفائه في حالة مرضه أو تعرضه لحادث. كما قرر عقوبة زجرية في حالة مخالفة أحكام هذا الباب.

وفي إطار الحديث عن حماية اليد العاملة الوطنية فقد عمل المغرب على المصادقة على عدة اتفاقيات دولية في جال الشغل، وقد جاءت هذه المصادقة لاعتبارين أساسيين، أولهما ملاءمة التشريع الداخلي مع هذه الاتفاقيات، وثانيهما حماية اليد العاملة الوطنية من جهة، وحماية العمال الأجتنب من جهة أخرى بما يضمن حماية حقوق الإنسان، ومن هذه الاتفاقيات نجد “اتفاقية القضاء على جميع أشكال الميز العنصري” لسنة 1966 المنشورة بالجريدة الرسمية سنة 1970 تحت عدد 2988، والاتفاقية رقم 150 المتعلقة بإدارة الشغل ودوره ووظائفه وتنظيمه، والتي تمت المصادقة عليها سنة 2011  والمنشورة في الجريدة الرسمية تحت عدد 5982، واتفاقية “حماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم” المعتمدة من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1990 حيث صادق عليها المغرب سنة 2011 ونشرت بالجريدة الرسمية تحت عدد 6015 في يناير 2012؛ من خلال هذه الاتفاقية يظهر لنا أن المشرع المغربي ينحو في اتجاه حماية الأجراء المغاربة بالخارج، وذلك لأهمية وحجم ظاهرة الهجرة التي تشمل ملايين الناس وتمس عددا كبيرا من الدول في المجتمع الدولي، وإدراكا منها لأثر تدفق موجات العمال المهاجرين على الدول المعنية، ورغبة منها في إرساء قواعد يمك أن تسهم في التوفيق بين مواقف الدول عن طريق قبول مبادئ أساسية تتعلق بمعاملة العمال المهاجرين، كما تأخذ هذه الاتفاقية بعين الاعتبار حالة الضعف التي يوجد فيها العمال المهاجرين لعدة اعتبارات، هذا فضلا على أن الهجرة غير النظامية تكون أجسم بالنسبة لهؤلاء الأجراء، إذ أن بعض المشغلين يجدون في ذلك ما يغريهم بالبحث عن هذا النوع من اليد العاملة يغية جني فوائد المنافسة غير العادلة والمشروعة، لذلك صادق المغرب على هذه الاتفاقية حتى يضمن لهؤلاء الأجراء الحقوق الإنسانية الأساسية.

إن الجهود التشريعية المغربية لم تقف عند هذا الحد، بل عمل المغرب على المصادقة على اتفاقية أخرى متعلقة بالعمال المهاجرين مؤخرا وهي الاتفاقية التي لم يصادق عليها منذ زمن بعيد والمتمثلة في الاتفاقية رقم 97 لسنة 1949، وقد تم نشرها بالجريدة الرسمية تحت عدد 6277 بيوليوز 2014، هذه الاتفاقية تضمنت قواعد هامة ترمي إلى حماية الحلقة الأضعف في العلاقة الشغلية، إذ نادت بتمتيع الأجراء الأجانب بنفس الحماية المقررة للأجراء المواطنين.

وفي إطار حماية الأجراء المغاربة في بلد المهجر، فبالإضافة إلى إبرام اتفاقيات متعددة الأطراف كالاتفاقية رقم 4 المتعلقة بشأن عمل النساء ليلا لسنة 1919، والاتفاقية رقم 14 لسنة 1921 بشأن تطبيق الراحة الأسبوعية في المنشآت الصناعية، ثم اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 158 لسنة 1988 المتعلقة بإنهاء الاستخدام (الشغل أو العمل) بمبادرة من صاحب العمل والتي عملت المدونة على استنساخ المادة 4 منها بمقتضى المادة 35، حيث أوردت مجموعة من المقتضيات التي حاولت من خلالها تحقيق نوع من التوازن بين حق المشغل في الإنهاء واحترام حقوق الأجراء الأساسية.

فضلا عن هذه الاتفاقيات المتعددة الأطراف، فقد أبرم المغرب اتفاقيات ثنائية قصد تنظيم مواطنيه حينما ينتقلون للعمل فوق تراب بلد آخر، ومن ذلك الاتفاقية المتعلقة “بانتقال اليد العاملة” المبرمة مع ألمانيا في ماي 1963، وفرنسا بيونيو 1963، والاتفاقية بين المغرب وبلجيكا المتعلقة بتشغيل العمال المغاربة بها سنة 1964، وكذا اتفاقية مع هولندا في يناير 1969، فضلا عن اتفاق إداري سنة 1999 بين حكومة المغرب واسبانيا يتعلق بالعمال الموسمين المغاربة باسبانيا. وكذلك الاتفاقية الثنائية بين المغرب واسبانيا سنة 2011 التي تحدد كيفية اختيار المرشحين للهجرة، وتنص على استفادتهم من الحقوق الواردة بقانون الشغل المطبق ببلد العمل خاصة شروط العمل، السلامة، الأجور والعطل المؤدى عنه، كما صادقت الحكومة مؤخرا على مشروع قانون يحدد شروط الشغل والتشغيل الخاصة بالعمال المنزليين بموجب قانون رقم 34/06.

من خلال ما سبق يتضح أن المغرب على علم يقين بما قد يتعرض إليه المغاربة المقيمين بالخارج من استغلالات من طرف أرباب العمل، لذلك كثف من الجهود التشريعية المتمثلة خاصة في إصدار مدونة الشغل وإبرام اتفاقيات ثنائية مع الدول المستقطبة لليد العاملة المغربية وكذا المصادقة على اتفاقيات دولية. إلا أن ما يثير الانتباه أن هذه الاتفاقيات كلها تتضمن حماية للأجير وحده، ونعتقد أن ذلك راجع بالأساس إلى الاعتقاد السائد منذ زمن بعيد بأن الأجير هو الأجدر بالحماية باعتباره طرفا ضعيفا في العلاقة الشغلية أمام قوة المقاولة، لكن في السنوات الأخيرة أصبح هاجس التشريعات ينصب على الاهتمام اللازم بالأجراء والمقاولات على حد سواء، نظرا للدور الذي يلعبه الطرفان في مجال التنمية الاقتصادية وتحقيق الحكامة في التشغيل إن على المستوى الدولي أو الوطني.

النقطة الثالثة 

الجهود التشريعية لحماية الأجراء المغاربة بالخارج على مستوى الضمان الإجتماعي

إلى أي حد يتمتع العامل المغربي بالحق في الضمان الإجتماعي في البلد الأجنبي ؟

تعتبر حماية الأجراء من صميم اهتمامات مشرعي العالم والمشرع المغربي بدوره سن قانونا لهذه الحماية بموجب ظهير 1972، إلا أن ما يعاب على هذا الأخير غياب تام في مقتضياته لنظام الحماية الاجتماعية للأجراء المغاربة بالخارج، على خلاف ما هو عليه الأمر بالنسبة لأنظمة الضمان الاجتماعي لبلدان أخرى سواء كانت مصدرة أو مستقبلة لهذه اليد العاملة.

إن القصور التشريعي المغربي بخصوص الحماية الاجتماعية للأجراء بالخارج يوازيه استفادة هؤلاء من الاتفاقيات التي يبرمها المغرب في هذا الشأن، حيث تجد هذه الحماية سندها في المادة 22 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948، عندما نصت على أنه  “لكل شخص عضو في المجتمع حق في الضمان الاجتماعي”. وقد كانت غاية المغرب من إبرام الاتفاقيات المتعلقة بمجال الضمان الاجتماعي وضع لبنات أساسية للاستفادة واستحقاق العامل المغربي وأفراد أسرته من منافع الضمان الاجتماعي المضمنة في التشريعات الوطنية لهذه الدول دون تمييز بين مواطني هذه الأخيرة والعمال المغاربة العاملين فوق ترابها.

إن استفادة الأجراء المغاربة من جل الاتفاقيات الدولية يبقى معلقا على شروط تشكل حيفا في حق هؤلاء العمال وجورا على حق الضمان الاجتماعي برمته، خصوصا وأن هؤلاء الأجراء المهاجرين يقدمون اشتراكات لصناديق الضمان الاجتماعي ببلدان الإقامة ويساهمون في ميزانيتها.

في ذات السياق يثار الإشكال بخصوص ما مدى تمتيع الأجراء المغاربة بالخارج بحق الضمان الاجتماعي؟

للإجابة عن هذا الإشكال سنخصص الحديث (أولا) عن شروط الاستفادة من الضمان الاجتماعي في بلد الإقامة، فيما سنعرج (ثانيا) للحديث عن نطاق تطبيق الضمان الاجتماعي بالخارج.

أولا : شروط الاستفادة من الضمان الاجتماعي ببلد الإقامة

يعتبر مبدأ إقليمية نظام الضمان الاجتماعي شرطا قاسيا يقلص استحقاق الأجراء المهاجرين من منافع هذا النظام، ومن بين الدول التي أقرت هذا الشرط نجد فرنسا حيث كان شرط الإقامة فيها عند باذئ الأمر ضيق النطاق (يشمل التأمين الشخصي وفيما بعد الإعانات العائلية)، إلا أنه في سنة 1993 أصبحت الإقامة شرطا للانخراط والاستفادة من كافة التعويضات الاجتماعية.

إن حرمان الأجير المغربي غير المتوفر على إقامة من الانخراط والاستفادة من نظام الضمان الاجتماعي جعل البعض ينادي بعدم تطبيق هذا الشرط على إطلاقه، حيث يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار بعض الفئات الخاصة (المرضى والشيوخ)، علاوة على أن شرط الإقامة يتعارض وبعض المواثيق الدولية ونخص بالذكر منها الاتفاقية رقم 118 المتعلقة بالمساواة في المعاملة بين المواطنين وغير المواطنين في ميدان الضمان الاجتماعي، ويتضح ذلك من خلال مادتها 4 التي نصت على أنه فيما يتعلق بالتعويضات فإن المساواة في المعاملة يجب أن تتضمن دون شرط الإقامة، غير أن المغرب لم يصادق على هذه الاتفاقية مما يترتب عنه عدم  استفادة عماله من مقتضيات المادة الانف ذكرها.

ومما يجدر التنبيه عليه كون المقصود بالإقامة هي الإقامة الاعتيادية وليست القانونية، فأغلب التشريعات الأوربية تستوجبها ومنها التشريع الفرنسي الذي يحددها في أكثر من 6 أشهر من كل سنة، ولا تقف الإقامة الفعلية الاعتيادية عند حد الأجير بل تتعداه إلى ذويه، فمثلا التعويضات العائلية تقتضي إقامة المؤمن وأولاده إقامة فعلية بفرنسا.

وعلى نقيض المشرع الفرنسي، فإن نظيره الهولندي لطف من حدة شرط الإقامة الفعلية، وسمح للأجير المهاجر بإمكانية صرف أداءاته الاجتماعية عند الإقامة خارج هولندا إذا وجدت اتفاقية ثنائية حول هذا الأمر مع بلد المؤمن العامل ، شريطة ألا تتعدى هذه الإقامة الخارجية 3 أشهر ، هذا دون إغفال أن التشريع الهولندي يبسط رقابته على الأداءات و التعويضات المستحقة للعامل المغربي الذي استقر بالمغرب سواء كان متقاعدا أو ليس كذلك وذلك بموجب اتفاقية أبرمتها هولندا مع المغرب سنة 2000، لكن هذه الاتفاقية أخذت منعطفا جديدا حينما قدم وزير الشؤون الاجتماعية والشغل الهولندي يوم 14 أكتوبر 2014 مشروع قانون لإلغاء هذه الاتفاقية حيث  اتخذ الوزير الهولندي عدة إجراءات للحد من تصدير التعويضات الاجتماعية نحو الخارج، من بينها توقيف أداء تعويضات الأطفال القاطنين بالمغرب ابتداء من 2015، وحذف التغطية الصحية أثناء العطلة في المغرب، وخفض تعويضات الأرامل واليتامى بنسبة 40%.

أما بخصوص الشرط الثاني فيتعلق بالمدة الدنيا من التأمين، حيث يشترط للاستفادة من المعاشات (كمعاش الشيخوخة ومعاش الزمانة) تجميع عدد من الاشتراكات يوازي المدة المتطلبة للاستفادة، إلا أن الإشكال يطرح بخصوص ما إذا كان الأجير المغربي المهاجر اشتغل بعدة دول في أوربا ولم يتمكن من التوفر على المدة الدنيا من كل تشريع على حده، جوابا على هذا الإشكال فالاتفاق الأوربي المتوسطي المؤسس لشراكة بين المغرب من جهة والمجموعة الأوربية والدول الأعضاء فيها من جهة ثانية يمنح العمال المغاربة صلاحية تجميع فترات التأمين أو التشغيل أو الإقامة المستوفاة بمختلف الدول الأعضاء فيها، لاسيما فيما يتعلق بمعاشات وإيرادات الشيخوخة والعجز.

أما ثالث شرط فيتجسد في الجنسية حيث يشترط للاستحقاق بعض المعاشات أن يكون الأجير حاملا لجنسية البلد الذي يشتغل به، ففي فرنسا مثلا تُعَلق الاستفادة من المعاشات والتعويضات ذات الطابع الإسهامي (التعويض الخاص بالشغالين الأجراء الطاعنين في السن)، وكذا تعويض ربات الأسرة على حاملي الجنسية الفرنسية.

هذا بخصوص  شروط الاستفادة من الضمان الاجتماعي ببلد الإقامة، فماذا عن نطاق تطبيقه؟

ثانيا : نطاق تطبيق الضمان الاجتماعي ببلد الإقامة

تهدف أنظمة الضمان الاجتماعي إلى تغطية الأفراد الذين هم بحاجة لهذه الحماية الاجتماعية، لذلك فنطاق تطبيقه يشمل المجال الشخصي والمادي وكذا المخاطر موضوع الضمان،  فبالرجوع لاتفاقية الضمان الاجتماعي التي تربط المغرب باسبانيا والتي دخلت حيز التنفيذ فاتح أكتوبر من سنة 1982 نجد أن مجال التطبيق المادي لهذه الاتفاقية يشمل التشريع المتعلق بالنظام العام للضمان الاجتماعي الاسباني وكذا التشريع المتعلق بالأنظمة الخاصة (العلاجات الصحية مثلا)، أما عن مجال تطبيق الاتفاقية الشخصي فنلاحظ على أنها وسعت من دائرة المستفيدين بحيث تضمنت الأجراء الأجانب اللاجئين وعديمي الجنسية  علاوة على العمال المغاربة الخاضعين أو الذين خضعوا  للتشريعات المتعلقة بالضمان الاجتماعي بالإضافة إلى أفراد أسرهم والمتوفى عنهم.

أما فيما يخص المنافع المشمولة بنظام الضمان الاجتماعي فيستفيد العمال المغاربة المشتغلون باسبانيا من التعويض على كل من المرض؛ الأمومة؛ معاشات الشيخوخة والعجز ؛ منحة الوفاة؛ حوادث الشغل والأمراض المهنية؛ ثم التعويضات العائلية.

أما بخصوص اتفاقية الضمان الاجتماعي التي تجمع المغرب ببلجيكا، فقد دخلت حيز التنفيذ بتاريخ 01 غشت 1971، وتمت مراجعتها عدة مرات كانت آخرها سنة 2004، وما يلاحظ على هذه الاتفاقية أنها أضافت البطالة للمخاطر موضوع الضمان التي تقدم ذكرها في الاتفاقية الاسبانية حيث تخضع هذه البطالة للتشريع المتعلق بالبطالة غير الطوعية علاوة على مجموعة من التشريعات تندرج ضمن مجال التطبيق المادي لهذه الاتفاقية من قبيل التشريع المتعلق بمعاش التقاعد والمتوفى عنهم للعمال الأجراء ؛ وكذا التشريع المتعلق بالتأمين عن المرض و الإصابة بالعجز الذي قد يتعرض له العمال والبحارة العاملين في السفن التجارية، والتشريع المتعلق بمعاش العجز لعمال المناجم والمشبهين بهم؛  ثم التشريع المتعلق بالتعويضات العائلية للعمال الأجراء.

إن الاتفاقيات المبرمة في مجال الضمان الاجتماعي تهدف في مجملها إلى  صيانة الحقوق المكتسبة للجالية المغربية من أجل تحقيق المساواة في المعاملة ومن تم إلغاء المقتضيات التشريعية التميزية.

النقطة الرابعة 

سعي التشريعات إلى حماية اليد العاملة الأحنبية

لما كان الحق في العمل من أبرز الحقوق الإنسانية ولذي نصت جل المواثيق الدولية، فإن هذا الحق لا يقتصر على أفراد الدولة أي مواطنيها وإنما يتعداه لحماية اليد العاملة الأجنبية، لذلك نجد جميع التشريعات عملت على تنظيم تشغيل الأجراء الأجانب بمقتضيات خاصة، وهو نفس النهج الذي سار عليه تشريعنا الاجتماعي حيث خصص الباب الخامس من الكتاب الرابع من مدونة الشغل لتشغيل هذه الفئة، وذلك من خلال وضعه لقواعد آمرة لا يمكن مخالفتها من خلال المواد 516 إلى المادة 521، حيث ألزم كل مشغل يرغب في تشغيل أجير أجنبي أن يحصل على ترخيص بذلك من قبل السلطة الحكومية المكلفة بالشغل على شكل تأشيرة توضع على عقد الشغل، وأضافت المادة 517 من م ش إلزامية مطابقة عقد شغل الأجانب بالنموذج الذي تحدده هذه السلطة، وقد تم تحديد هذا النموذج فعلا بموجب قرار لوزير التشغيل والتكوين المهني رقم 350.05 في فبراير 2005 وتم تتميمه في نونبر من نفس السنة، وهذا يدل على الجهود التشريعية المبذولة في هذا المجال من طرف التشريع المغربي لحماية الأجراء الأجانب من كل تعسف أو استغلال يمكن أن يمارس  على هذه الفئة الموصوفة بالهشة والضعيفة، والملاحظ أن المشرع جعل الكتابة كشرط للانعقاد تحت طائلة بطلان العقد، وقد سبق للقضاء أن قرر بطلانه في عدة مناسبات.

وما تجدر الإشارة إليه أن القرار الوزاري حدد البيانات التي يجب تضمينها في عقد الشغل بالنسبة للأجانب دون إمكانية الزيادة فيها أو النقصان، مما يصبح معه التساؤل مشروعا بخصوص تضمين عقد الشغل لبيان يتعلق بسرية الأجر مثلا؟ كماهو حال عقد شغل المدرب إيريك غيريتس الذي تضمن بيان عدم الكشف عن الراتب.

وبعيدا عن كل ذلك فقد ألزمت المادة 518 من م ش على المشغل في حالة رفض منح الرخصة المنصوص عليها في المادة 516 من م ش بتحمل مصاريف عودة الأجير إلى بلده، وقد نصت المادة 520 من ذات القانون على مراعاة أحكام الاتفاقيات الدولية المتعددة الأطراف أو الثنائية المنشورة قانونا، بل الأكثر من ذلك فقد وضع المشرع عقوبات مالية للمشغلين الذين يشغلون أجيرا أجنبيا لا يتوفر على الرخصة المذكورة أو في حالة عدم مطابقة عقده مع المنصوص عليه في المادة 517 من م ش.

وجدير بالذكر أن المغرب صادق على اتفاقيات دولية متعددة الأطراف وأخرى ثنائية تتعلق بحماية الأجراء بصفة عامة، وبالأجراء الأجانب أو المهاجرين بصفة خاصة، وما قيل عن الأجراء المغاربة بالخارج يقال أو ينطبق على اليد العاملة الأحنبية بالمغرب، كل ذلك في إطار قواعد القانون الدولي الخاص بالشغل إيمانا من المشرع الدولي بوضعية هاته الفئة والعمل على إقرار قواعد حمائية لها ومساواتها باليد العاملة  الوطنية، ويتضح ذلك جليا من خلال إطلال مشروع إدارة هجرة اليد العاملة وحماية حقوق العمال مؤخرا ب 4 يونيو 2014، والذي تم تمويله من طرف الفيدرالية السويسرية بهدف النهوض بالحكامة الجيدة لهجرة اليد العاملة وحماية حقوق العمال الأجانب.

وفي هذا الإطار يتضح أن المشرع المغربي حاول التأسيس لنوع من التوازن بين اليد العاملة الأجنبية والأجراء الوطنيين من خلال فرض التأشيرة والتي يمكن من خلالها مراقبة تأثير تشغيل الأجانب بالمغرب ليتسنى لها تصحيح الوضع من خلال إعادة التوازن كلما تطلب الأمر ذلك.

وتجدر الإشارة إلى أن ما هو منصوص عليه قانونا يبقى مجرد حبر على ورق إلى حد بعيد حيث يؤكد الواقع العملي أن عددا كبيرا من الأجراء يشتغلون دون الحصول على تأشيرة من السلطة الحكومية، بالإضافة إلى عدم تطبيق عدد مهم من الاتفاقيات الدولية من طرف عدة دول فيما يتعلق بفئة الأجراء الأجانب خاصة فيما يخص الحماية الاجتماعية أو الضمان الاجتماعي.

النقطة الخامسة 

الحماية القانونية للأجراء الأجانب بالمغرب على مستوى الضمان الإجتماعي

  • ما هي الجهود التشريعية المبذولة من طرف المغرب لحماية العمال الأجانب على مستوى الضمان الإجتماعي ؟

إذا كانت حماية الأجير المغربي في بلاد المهجر في قلب اهتمامات المشرع المغربي من خلال إبرامه لعدة اتفاقيات سواء متعددة أو ثنائية الأطراف المتعلقة بالضمان الإجتماعي، فإن هاجسه كذلك ينصب على ملائمة تشريعه الداخلي مع تلك المعاهدات، لذلك نجد المغرب عمل على إبرام والمصادقة على إتفاقيات متعددة في هذا المجال خاصة مع الدول الأوروبية.

وعليه فإن المغرب ومراعات لما قد ينشأ للعامل الأجنبي من حقوق قبل الهجرة فقد تم الإقرار بمبدأ استمرار الحقوق المكتسبة في العلاقات الدولية في مجال الضمان الإجتماعي وذلك عن طريق السماح بجمع فترات التأمين أو الشغل أو الإقامة المقضية في ظل تشريعات الأطراف المتعاقدة وفي هذا الإطار أبرمت إتفاقية الضمان الإجتماعي 1987 بين المغرب وتونس والتي قضت في فصلها الثالث بأن الشغالين والأجراء الذين يمارسون بكيفية اعتيادية خدمة على التراب الوطني لأي من الطرفين المتعاقدين يخضعون لتشريع هذا الطرف ولو كانوا يقيموا على التراب الوطني للطرف المتعاقد، بما يعني أن ذلك أن الأجراء التونسيون بالمغرب تسري عليهم أحكام التشريع المغربي المتعلق بالضمان الإجتماعي لظهير 1972، ويستفيدون مما يستفيد منه الأجراء المغاربة سيما وأن الفصل الرابع من ذات الإتفاقية يشير إلى أن الجرايات والمنافع الأخرى النقدية لا يمكن إنقاصها ولا تعليقها ولا حذفها بحجة أن المستفيد منها يقيم على التراب الوطني للطرف الآخر المتعاقد.

إن هاجس الدول في حماية رعاياها في بلد المهجر جعلت المغرب وألمانيا يبرمان إتفاقية ثنائية متعلقة بالضمان الإجتماعي لسنة 1984 والتي تم نشرها بالجريدة الرسمية 2 ماي 2002، والتي تضمنت حماية أكثر بالمقارنة مع سابقتها حيث جاء ضمن مقتضياتها أن هذه الإتفاقية تطبق على مواطني أي من الطرفين المتعاقدين، واللاجئين ثم عديمي الجنسية، كما أضافت المادة الرابعة منها على أن هؤلاء الأشخاص يكون وضعهم القانوني مشابها للوضع القانوني لمواطني أي من الدولتين المتعاقدتين.

لكن هذه الإتفاقية أقرنتن الإستفادة من ذلك بشرط الأقامة من خلال الفصل الخامس حيث لا يطبق تشريع أي من الدولتين الذي ينيط إكتساب الحق في الإعانات النقدية … شريطة أن يكون المعني بالأمر مقيما على التراب الوطني لهذه الدولة، ولا يطبق على الاشخاص المشار إليهم في الفصل الثالث والمقيمين أو الذين يقضون بضعة أيام على التراب الوطني للدولة الأخرى، ونرى أن هذا الشرط مجحف في حق الأجير الأجنبي مما سيساهم في حرمان فئة هامة من العمال الأجانب، كما أن هذا الشرط يخدم البلد الألماني أكثر من المغرب نظرا للعدد الهائل من اليد العاملة المغربية بألمانيا.

وعلى كل حال فإن الأجراء الألمان بالمغرب يسري عليهم ما ينطبق على الاجراء المغاربة فيما يتعلق بالضمان الإجتماعي إستنادا لأحكام هذه الإتفاقية بإعتبارها قانونا دوليا إتفاقيا بين البلدين.

فتكريسا لمبدأ المساواة في المعاملة لرعايا الطرفين المتعاقدين، حرصا المغرب والبرتغال على إبرام إتفاقية الضمان الإجتماعي  سنة 1998 والتي تم نشرها بالجريدة الرسمية 4 يناير 2001. كل ذلك رغبة منهما في ضمان حقوق رعاياهما في مجال الضمان الإجتماعي ومقتضى هذه الإتفاقية تحمل الأشخاص الذين يوجدون فوق تراب أحد الطرفين – العمال البرتغاليون في مقامنا هذا – لإلتزامات تشريع الضمان الإجتماعي أي ظهير 1972، وبالمقابل يستفدون من مقتضيات هذا النظام بنفس الشروط المطبقة على الأجراء المغاربة، ولا يحق للأجراء الأجانب أن يحتجوا بالمقتضيات السارية المفعول في بلدهم المتعلقة بحوادث الشغل والأمراض المهنية.

وبالرجوع للإتفاقية المبرمة بين كندا والمغرب سنة 1998 المنشورة بالجريدة الرسمية في دجنبر 2000  وعزما منهما على التعاون في ميدان الضمان الإجتماعي، وتأكيدا منهما لمبدأ المساواة في المعاملة بين كافة الأشخاص الخاضعين أو اللذين سبق لهم أن لتشريع أحد البلدين فيما يتعلق بالضمان الإجتماعي، ورغبة منهما في المحافظة على أحسن للحقوق التي إكتسبها أو سيكتسبها المؤمن لهم الإجتماعيون بكلا البلدين في مجال التأمين عن الشيخوخة والعجز، أو المتوفى عنهم وكذا التأمين عن الحياة، فقد تم إقرار إبرام هذه الإتفاقية لتعزيز الحماية اللازمة لهاته الفئة وعليه فإنه حسب هذه الإتفاقية تسري على الكنديين بالمغرب ما يسري على المغاربة فيما يخص الضمان الإجتماعي، وهو نفس ما قضت به الإتفاقية المبرمة بين المغرب وإسبانيا سنة 1979 والتي تم نشرها بالجريدة الرسمية سنة 1984 .

وقد صدر مؤخرا بالجريدة الرسمية قانون 14.42 الموافق بموجبه على إتفاقية الضمان الإجتماعي الموقعة ببروكسيل في 18 فبراير 2014  بين المغرب وبلجيكا وقد تم نشره بالجريدة الرسمية ب 16 مارس 2015 ، فهذه الإتفاقية جاءت بمقتضيات هامة في إطار الجهود التشريعية المغربية المبذولة لتعزيز حماية اليد العاملة بالخارج، وكذا ضمان حقوق الاجراء الأجانب بالمغرب حيث تقضي بإستفادة الأجانب من الحقوق التي يستفيد منها المواطنين المغاربة فيما يخص الضمان الإجتماعي، كما يتمتع المغاربة ببلجيكا بنفس الإمتيازات حيث يتساوون في الحقوق والإلتزامات الناتجة عن تطبيق نظام الضمان الإجتماعي في بلد المهجر.

وفي الأخير لا يسعنا سوى القول بأن الدول العربية ومنها المغرب تسعى إلى وضع نظام للضمان الإجتماعي ذا نطاق واسع يضمن الحماية المتطلبة للمغاربة والأجانب على حد سواء، وذلك من خلال المصادقة على عدة إتفاقيات دولية بهذا الخصوص، غير أنه وعلى الرغم من أن الدول المتقدمة بالقارة العجوز تدعي أنها صاحبة الدمقراطية وأنها ضامنة للحقوق والحريات بسياج متين وحصن حصين إلا أنه يلاحظ تراجع من قبلها على احترام المواثيق الدولية فيما يتعلق بالحق في الضمان الإجتماعي خاصة بالنسبة للعمال المهاجرين المستقرين بها .

النقطة السادسة

المؤسسات الدولية في حماية حقوق العمال الأجانب

لئن كان العمال يشكلون فئة كبيرة داخل المجتمع، فإن الاهتمام بها أمر لا مفر منه، وهو ما جعل جل التشريعات بما فيها الدولية والوطنية على إقرار قواعد  حمائية لهؤلاء، كما فصلنا ذلك سابقا، لكن هذه الجهود التشريعية لن ترى النور إذا لم تكن هناك مؤسسات ساهرة على تطبيقها ومراقبة تنفيذها وهو ما تم فعلا من خلال خلق عدة مؤسسات ووكالات ومكاتب أساسها وعقيدتها حماية اليد العاملة الأجنبية ونخص بالذكر في هذا الإطار منظمة العمل الدولية التي تم تأسيسها سنة 1919 والتي تعنى بقضايا العمال والشغل والتي تتكون من ثلاث هياكل يعتبر أسمى جهاز فيها المؤتمر الدولي للشغل والذي يتولى تنظيم مشاكل الشغل على المستوى الدولي، و المجلس الإداري الذي يعد جهازا تنفيذيا للمنظمة ثم مكتب الشغل الدولي والذي يتولى القيام بعدة صلاحيات منها على الخصوص جمع ونشر المعلومات المتعلقة بالقضايا العمالية، والسهر على تطبيق الدول الأعضاء في المنظمة للاتفاقيات والتوصيات التي تقررها ومساعدة الدول على وضع تشريعات الشغل بما من شأنه حماية اليد العاملة، وتتجلى أهمية هذا المكتب في دعم ومساندة الدول على تنظيم منتديات ولقاءات وندوات في مجال التشغيل.

بالإضافة إلى منظمة العمل الدولية نجد منظمة العمل العربية كمؤسسة دولية تهدف إلى تنسيق الجهود العربية في ميدان العمل، وتوحيد التشريعات العمالية وظروف وشروط العمل بها وتتكون هذه المؤسسة كذلك من عدة هيئات منها مؤتمر العمل العربي، المجلس الإداري ثم مكتب العمل العربي والذي يقوم تقريبا بنفس المهام التي يقوم بها المكتب الدولي للشغل، بالإضافة إلى بعض الأجهزة المساعدة.

وغني عني البيان أن الوزارات المكلفة بالتشغيل تبذل مجهودات جبارة لإقرار الحماية الضرورية لفئة العمال من خلال القيام بتنظيم ملتقيات مفتوحة تهم مجال الشغل وذلك بتعاون مع عدة مؤسسات سواء وطنية أو دولية، وفي هذا الإطار فإنه سيتم تنظيم المنتدى الدولي الثالث للسياسات العمومية في مجال التشغيل الذي سينعقد يومي 2/3 ماس 2016 في مراكش بشراكة مع مكتب العمل الدولي ومنظمة التعاون والتنمية في الميدان الإقتصادي.

وفي نفس المضمار فقد وضعت وزارة التشغيل إستراتيجية لذلك حيث أحدثت لجنة وزارية للتشغيل برئاسة رئيس الحكومة تضطلع بمهمة تدقيق الإجراءات العملية لإنعاش الشغل وتعزيز البرامج النشيطة في ذلك وتحسين حكامته، كما نجد من ضمن هيئاتها مصلحة خاصة بالعمال المهاجرين.

ومن المؤسسات التي تقوم بدور مهم في حماية اليد العاملة خاصة الأجنبية نجد وكالات التشغيل سواء العمومية أو الخصوصية وما لها من دور فعال في إطار الوساطة أو التقريب بين طالبي الشغل والمشغلين . وفي المغرب نجد من بين أهم الفاعلين الرئيسيين في مجال التشغيل فضلا عن وزارة التشغيل، الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات من ضمن اختصاصاتها دراسة عروض التشغيل الصادرة من البلدان الأجنبية واستكشاف جميع فرص توظيف المواطنين الراغبين في الهجرة إلى الخارج هذا فضلا عن إنشاء المجلس الأعلى لإنعاش التشغيل بمقتضى مدونة الشغل بدل المجلس الأعلى لليد العاملة، وعلى المستوى الإقليمي تم إحداث لجان جهوية وإقليمية لإنعاش التشغيل وغيرها من المؤسسات التي تعمل في مجال التشغيل كوكالات التشغيل الخصوصية والوكالة الفنية ثم وكالات التشغيل المؤقت، والتي تم تنظيمها من خلال المواد 4292 إلى 506 من مدونة الشغل.

ولا تفوتنا الإشارة ونحن نتحدث عن الجهود المؤسساتية المبذولة لحماية اليد العاملة إلى كل من مفتشية الشغل والقضاء باعتبارهما مؤسستين فعاليتين ومراقبتين وضامنتين لتنفيذ ما تلتزم به الدول في مجال التشغيل، حيث أن قانون الشغل وحده لا يمكنه أن يحقق هدفه المتمثل في حماية الأجير الطرف الضعيف في العلاقة الشغلية إلا إذا كان مدعما بجهاز أو مؤسسة تضمن احترام قواعده والتطبيق الفعلي لأحكامه وهذا ما جعل المغرب كغيره من الدول يعمل على إحداث هيئة تفتيش الشغل وتخصيصها بنظام أساسي خاص بها، ولضمان نجاعة هذه المؤسسة فقد أسند له مهمة قانونية وتقنية متمثلة خاصة في مراقبة تطبيق أحكام الشغل (المادة 532 من م.ش)، ومعاينة أي عرقلة لسير العمل وتحرير المحاضر  بشأنها حس مقتضيات المادة 39 من م.ش وغيرها من المواد، هذا كله فضلا عن الدور البارز والمتجسد في المهام التصالحية والتحكيمية بين الأجراء والمشغلين كيفما كانت جنسيتهم بمقتضى المواد 437 و532 و 551 من م.ش، بالإضافة إلى المهام الإدارية.

إن هذه المهام والصلاحيات المختلفة التي تتمتع بها هذه المؤسسة من شانها أن تكون كفيلة بتحقيق نوع من التوازن في العلاقة الشغلية وإقرار حماية لليد العاملة من كل تعسف او استغلال من طرف المشغلين، وذلك من خلال دخول المفتشين لكل مؤسسة خاضعة للمراقبة دون سابق إعلام، والإطلاع على جميع الوثائق التي يلزم القانون المشغل بمسكها ثم إنجاز تقارير في حالة مخالفة الأحكام التشريعية حسب المادة 532 من م.ش .

وجدير بالذكر إلى أن أي قانون كيفما كانت درجة رقيه و تقدمه فإنه لابد له من مؤسسة قضائية تنقله من حالة السكون إلى الحركة وهذا ما تلاحظه على المستوى الدولي حيث أن جميع التشريعات تشتمل على محاكم اجتماعية أو أقسام اجتماعية داخل المحاكم يتم اللجوء إليها عند حدوث نزاع بين رب العمل و الأجير سواء كان أجنبيا أو وطنيا.

من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية في العلاقة الشغلية لابد من التعاون والتنسيق بين مفتشية الشغل والمؤسسة القضائية حسب ما تنص عليه المادة 5 من اتفاقية تفتيش العمل رقم 81، باعتبار هذه المفتشية حارسة لأحكام المدونة ليس في المغرب فقط بل في جميع بلدان العالم، إذ لا يجب أن تظل معزولة في ممارسة مهامها عن باقي السلطات وعلى رأسها القضاء باعتباره المسؤول عن حماية حقوق الأجراء الفردية والجماعية وتحقيق الأمن القضائي والقانوني وكذا تحقيق ما يسمى بالأمن التعاقدي بين أطراف عقد الشغل.

في هذا الإطار يمكن طرح التساؤل حول مدى إمكانية اعتماد الاتفاقيات الدولية من طرف المحكمة تلقائيا ولو لم يطلب الأطراف ذلك، لاسيما عند غياب نص داخلي في الموضوع، أو إعمالا للمبدأ المنصوص عليه في المادة 11 من م.ش القاضي بتطبيق ” المقتضيات الأكثر فائدة للأجراء أو المؤاجرين …”، وخاصة عندما يتعلق الأمر بحق أساسي من حقوق الإنسان كأعمال تمس بكرامة العامل،  فيما يتعلق بهذا الإشكال نرى أن المحكمة لا تطبق أحكام الإتفاقيات الدولية حتى إذا ما طلب ذلك أحد الأطراف فما بالك في حالة عدم طلب ذلك، ونرى أن ذلك راجع لعدة اعتبارات منها على الخصوص عدم تقديم دفوعات من هذا القبيل وكذا غياب التخصص  لدى القضاة في القانون الدولي للشغل. فماذا عن حق الأجانب في التأطير النقابي؟

النقطة السابعة 

مدى قابليىة الأجانب للتأطير النقابي

لعل تكريس مبدأ الحرية النقابية وتوسيع نطاقه وحمايته كان ولا زال من أهم انشغلات منظمة العمل الدولية، حيث اعتبرت هذا المبدأ أحد المبادئ الرئيسية التي نشا من أجلها، وفي هذا الإطار أقرت مؤتمرات العمل الدولية عدة صكوك نظمت شؤون الحركية النقابية بدأت بالإتفاقية رقم 11 لسنة 1921 بشان الحق النقابي للعمال الزراعيين، ثم إتفاقية رقم 84 لسنة 1947 إلى أن تم خلق لجنة خاصة بالحرية النقابية وإصدار الإتفاقية رقم 87 المتعلقة بالحرية النقابية وحماية الحق النقابي وكذا الإتفاقية رقم 98 المتعلقة بحق التنظيم والمفاوضة الجماعية، وقد تم ضمان الحق في الإنخراط في أي منظمة نقابية بمقتضى جل دساتير الدول -الفصل 3 و 9 من الدستور المغربي- وكذا في القوانين الداخلية.

فبالرجوع إلى مدونة الشغل المغربية نجدها تنص على تأسيس النقابات المهنية بكل حرية وكذا حق الأجراء في الإنضمام إلى النقابة التي تختارها بكل حرية حسب المادة 398 منها، كما أكدت على منع كل تمييز بين الأجراء على أساس الإنتماء النقابي.

لكم ما تجب الإشارة إليه أن المغرب لم يصادق بعد على الإتفاقية رقم 87  و كذا 98 لسنة 1949، لكنه تبنى عدة مقتضيات من هذه الإتفاقيات.

وإذا كان كان يحق للأجير الأجنبي الإنخراط في النقابة فقد ارتأى مشرع المدونة أن يشترط الجنسية المغربية في الأعضاء المكلفين بإدارة النقابة وتسييرها حسب المادة 416 من مدونة الشغل، وإن هذه اللإلزامية تأتي من ناحية الحفاظ على الهوية المغربية للنقابة بل إن المشرع من خلال مقتضيات المادة 400 أعطى الإمكانية للنقابات المهنية أن تنخرط في منظمات نقابية دولية للأجراء أو المشغلين، ومن التشريعات التي تنص على شرط الجنسية الوطنية لتأسيس النقابات العمالية نجد قانون العمل الأردني والفرنسي والجزائري.

فالملاحظ أن العديد من الدول لم تصادق على هاتين الإتفاقيتين كما أن أغلبية الدول تنص في تشريعاتها على حرية الأجراء في الإنضمام إلى النقابات المهنية أو الإنسحاب ممنها لكنها تجعل تأسيسها وإدارتها حكرا على أبناء الوطن، ولا يمكن إعتبار ذلك تمييزا عنصريا في رأينا ما دامت هذه التشريعات تحاول الحفاظ على هويتها الوطنية علما أن هذه النقابات تهدف إلى المساهمة في التحضير للسياسة الوطنية في ميادين مختلفة، وحتى لا يتم الخروج عن هذه الأهداف والدفاع عن مصالح منخرطيها فقد ألزمت التشريعات في المكلفين بإدارتها بالتمتع بالجنسية الوطنية.

أضف تعليقاً