ضمانات المتهم خلال مرحلة البحث التمهيدي

2017 01 18
2017 01 17

ضمانات المتهم خلال مرحلة البحث التمهيدي

عبد الله التائب

المقدمة

إن تطور المجتمعات عادة ما تقاس من ناحية حفاظها على حقوق و حريات أفرادها بمدى الضمانات التي تمنحها لمواطنيها في قوانينها و من أهمها قانون المسطرة الجنائية و بشكل خاص الضمانات الممنوحة للمتهمين في جميع مراحل المحاكمة العادلة ابتداء من مرحلة المتابعة التي تسند إلي جهاز النيابة العامة ، مرورا بمرحلة التحقيق  و التي تسند إلي هيئة التحقيق ، و انتهاء بمرحلة المحاكمة و التي تسند إلي قضاة الحكم

و لقد قطع بلدنا المغرب في الوقت الراهن أشواطا عميقة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان ولعل أهم شيء يثبت ذلك هو ما جاء به قانون المسطرة الجنائية الجديد من مقتضيات قانونية ترمي إلي حماية حقوق المتهم في مختلف مراحل المحاكمة العادلة كما هي متعارف عليها دوليا  ، آخذة  في عين الاعتبار حرصها الشديد على تطبيق الاتفاقيات و المعاهدات الدولية التي صادق عليها المغرب ، وذلك حتى تكون منظومتنا القانونية و القضائية مسايرة لتوجه العالمي ، وفي هذا الصدد يتعلق هذا الموضوع بدراسة ضمانات المشتبه فيه خلال مرحلة البحث التمهيدي هذه المرحلة التي تعتبر من أخطر مراحل التي تمر منها المحاكمة العادلة ، بحيث من خلالها تجميع العناصر الأولية لإثبات الجريمة ،و البحث عن المتورطين فيها و هي بالتالي تساهم في توجيه سير العدالة الجنائية على أحسن ما يرام متوفرة بذلك جميع حقوق و الضمانات للمشبوه فيهم .

اقرأ أيضا...

إذن فما هي هذه الضمانات الممنوحة للمشتبه فيهم أثناء البحث التمهيدي

لإلمام بهذا الموضوع يمكن معالجته عبر التصميم التالي :

المطلب الأول: ضمانات المشتبه فيه أثناء الاستماع إليه من طرف ضابط الشرطة القضائية

المطلب الثاني: ضمانات المشتبه فيه أثناء الاستماع إليه من طرف النيابة العامة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المطلب الأول

ضمانات المشتبه فيه من طرف ضباط الشرطة القضائية

لقد أوكل المشرع المغربي من خلال قانون المسطرة الجنائية للشرطة القضائية صلاحية التثبت من وقوع الجرائم و جمع الأدلة عنها و البحث عن مرتكبيها تحت إشراف النيابة العامة المختصة ، أو قاضي التحقيق حسب الأحوال و في هذا الاتجاه تنص المادة 45 من قانون المسطرة الجنائية على ما يلي ” يسير وكيل الملك في دائرة نفوذ محكمته أعمال ضابط الشرطة القضائية و يقوم بتنقيطهم في كل سنة …”، و في سبيل هذه المهمة يتلقون الشكايات و الوشايات ويجرون بشأنها الأبحاث التمهيدية  طبقا لما هو منصوص عليه في القانون ، غير أن هذه الصلاحيات و التحريات الموكلة لفائدة ضباط الشرطة القضائية مقيدة بمجموعة من الضمانات التي منحها المشرع المغربي لفائدة الأشخاص المشتبه فيهم  و من أهمها نذكر ما يلي  :

أولا : معاملة المشتبه فيه على أساس بريء  أثناء استنطاقه

يجب أن يظل الشخص الموقوف من  طرف ضابط الشرطة القضائية على أساس التحريات و الأبحاث التي تباشرها هذه الأخيرة بسبب وقوع جريمة معينة مشتبها فيه فقط ، و يجب أن يعامل على هذا الأساس إلي حين صدور حكما في حقه بالإدانة من أجل تلك الأفعال المنسوبة إليه ، و أن يكتسب هذا الحكم قوة الشيء المقضي به  بناء على محاكمة عادلة ، و سعيا من المغرب لمواكبة التطورات اللاحقة في مجال منظومة حقوق الإنسان فقد نص الفصل 23 من الدستور الجديد على ما يلي ” … قرينة البراءة و الحق في محاكمة عادلة مضمونان ” و ذلك تماشيا مع المواثيق الدولية المنظمة لحقوق الإنسان خاصة المادة العاشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، و لم يخرج المشرع الجنائي عن هذه القاعدة و التي أقرها في المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية بنصه على أن ” كل متهم أو مشتبه فيه بارتكاب جريمة يعتبر بريئا إلى أن تثبت إدانته قانوناً بمقرر مكتسب لقوة الشيء المقضي به، بناء على محاكمة عادلة تتوفر فيها كل الضمانات القانونية.

يفسر الشك لفائدة المتهم ” .

ثانيا : حق المشتبه فيه بمعرفة دواعي الاعتقال  و إخبار عائلته

يتعين على ضابط الشرطة القضائية طبقا لما هو منصوص عليه في المادة 66 من قانون المسطرة الجنائية  إخبار كل شخص تم القبض عليه أو وضع تحت الحراسة النظرية فورا و بكيفية يفهمها بدواعي اعتقاله   ، اي يكون الإشعار حقيقيا و ليس صوريا  ، و أن يهدف إلي تنبيه المعني بالأمر إلي خطورة الأمر و تأثيره على حريته و حقوقه و يفترض أن يتم إشعار المشبوه فيه باللغة التي يفهمها مع إمكانية الاستعانة بمترجم أو كل شخص يستطيع تبليغه فحوى ذلك ، ويجب تضمين هوية المترجم في المحضر أو أي شخص استعان به ضابط الشرطة القضائية لتنفيذ هذه المهمة .

كما يجب على ضابط الشرطة القضائية تمكين المقبوض عليه في حقه من اتصال و إخبار أحد أقاربه .

ثالثا : حق المشبوه فيه في التزام الصمت

يتعين على ضابط الشرطة القضائية أن يقوم بإبلاغ الشخص الذي وضعه تحت الحراسة النظرية عند الاستماع إليه في محضر أقواله بحقه في التزام الصمت على الأسئلة المطروحة عليه ، و عدم الإدلاء بأي تصريح متهور أو متسرع يورطه في الأفعال المنسوبة إليه ، لكن يكون هذا الشخص ملزما بالإدلاء بالمعلومات المطلوبة منه التي تهم هويته الكاملة ، بالإضافة إلي ذلك لا يمكن للمشبوه فيه أن يلتزم الصمت بشكل متواتر ،و إنما يتعين عليه الإخبار عما يعرفه بخصوص ما  هو منسوب لغيره و إلا تعرض للعقوبة الواردة في الفصل 378 من قانون الجنائي خاصة إذا كان يعلم وجود دليل براءة شخص معتقل ، كما يمنع على ضابط الشرطة القضائية إجبار الشخص المشبوه فيه على الإدلاء بإفادات بالقوة و الإكراه، بل يجب عليه استخدام تقنيات البحث الجنائي تعتمد على  على الذكاء و المباغتة و المحاصرة بالأسئلة المنصبة  حول وقائع الجريمة و عناصر تكوينها بحيث لا يعتد بأي تصريح أو اعتراف انتزع من صاحبه تحت الإكراه و القوة .

رابعا : عدم وضع المشتبه فيه تحت الحراسة النظرية إلا عند توفر شروط خاصة

لا يمكن لضابط الشرطة القضائية وضع أي شخص مشبوه فيه تحت الحراسة النظرية إلا إذا ما تحقق شرطين أساسيين و هما كالتالي :

الشرط الأول: ضرورة البحث

لقد أكدت المادة 66 من قانون المسطرة الجنائية هذا الشرط و لذلك لا يحق لضابط الشرطة القضائية الاحتفاظ بأي شخص مشبوه فيه تحت الحراسة النظرية إلا إذا ما استدعت ذلك إجراءات البحث التمهيدي كالتحقق من هوية المشبوه فيه ، أو عدم توفره على موطن معروف و هنا لابد من الإشارة أن تقدير حاجيات البحث يرجع إلي ضمير ضابط الشرطة القضائية .

الشرط الثاني: أن يكون الفعل ألجرمي يعاقب عليه بالحبس

يشترط لوضع أي شخص مشبوه فيه تحت الحراسة النظرية أن يرتكب فعل يجرمه القانون بعقوبة سجنيه و أن يشكل هذا الفعل خطرا على سلامة الأمن القضائي .

و تجدر الإشارة أن مدة الحراسة النظرية كما حددتها المادة 66 من قانون المسطرة الجنائية هي 48 ساعة تحتسب ابتداء من ساعة توقيف المشبوه فيه و يتم إشعار النيابة العامة بذلك ، و يمكن بإذن كتابي من طرف هذه الأخيرة تمديد هذه المدة لمرة واحدة فقط لمدة أربعا و عشرين ساعة ، و يجب على ضابط الشرطة القضائية تقديم المشبوه فيه قبل نهاة المدة التي تم وضعه تحت الحراسة النظرية .

خامسا: حق المشبوه فيه بالاتصال بمحاميه و الاستفادة من المساعدة القضائية

يحق للشخص الذي ألقي القبض عليه أو وضع تحت الحراسة النظرية الاستفادة من المساعدة القانونية ، بحيث له الحق في تعيين محام ، وكذا الحق في طلب تعيينه في إطار المساعدة القضائية  أن تقوم الشرطة القضائية فورا بإشعار المحامي المعين مع إخبار النقيب بذلك ، و يتم تعيين المحامي قبل انتهاء نصف المدة القانونية للحراسة النظرية ، و يمكن لممثل النيابة العامة كلما تعلق الأمر بوقائع تكون جناية واقتضت ضرورة البحث ذلك أن يؤخر بصفة استثنائية اتصال المحامي بموكله بناء على طلب من ضابط الشرطة القضائية على أن ألا يتجاوز مدة التأخير 12 ساعة ابتداء من انتهاء نصف المدة الأصلية لحراسة النظرية ، غي أنه إذا تعلق الأمر بجريمة إرهابية فإن الاتصال بالمحامي يتم قبل انصرام المدة القانونية للحراسة النظرية ، و يتم اتصال بالمحامي بترخيص من النيابة العامة لمدة لا تتجاوز ثلاثين دقيقة تحت مراقبة الشرطة القضائية في ظروف تكفل سرية المقابلة ، و يمنع على المحامي إخبار أي كان بما راج بينه و بموكله  قبل انقضاء المدة القانونية للحراسة النظرية .

المطلب الثاني

ضمانات المشبوه فيه أُثناء الاستماع إليه من طرف النيابة العامة

مما لا شك فيه أن جهاز النيابة العامة  مستقل عن قضاة التحقيق و قضاة الحكم ، بحيث أنه تناط به مهمة تحريك الدعوى العمومية من تلقاء نفسه ، و بالتالي لا يمكن لقضاة الحكم بأن يثيروا الدعوى العمومية من تلقاء أنفسهم إلا إذا ما مكنتهم النيابة العامة بذلك .

و قد منح المشرع المغربي للمشبوه فيه أثناء الاستماع إليه من طرف ممثل النيابة العامة مجموعة من الضمانات و الحقوق و منها نذكر ما يلي :

أولا: عدم اللجوء إلي إيداع المشبوه فيه بالسجن إلا عند الضرورة القصوى

يجب على ممثل جهاز النيابة العامة عند إحالة المشبوه فيه عليه من طرف ضابط الشرطة القضائية عدم اللجوء إلي اعتقاله إلا إذا تعلق الأمر بمجرم خطير قد أحدث الرعب داخل المجتمع ، كما تجدر الإشارة  أن حالات التلبس لا تكون دائما سببا رئيسيا لصدور أمر بالاعتقال بل قد يحدث أن يتم ضبط شخصا متلبسا بارتكاب  فعل جرمي معين و مع ذلك يسوغ متابعته في حالة سراح إذا تبين بأنه يتوفر على كل و ضمانات الحضور وقت ما طلب منه ذلك ، وفي هذا الاتجاه ” قرر وكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بالدار لبيضاء في ملف عدد 02 ت 2011 المتعلق بالفساد الإداري و المالي بمتابعة المتهم الرئيسي في حالة سراح نظرا لتوفر الضمانات الكافية التي تلزم المتهم بالحضور وقت ما  تم استدعاءه لذلك …”

كما يجب على النيابة العامة  إذا ما تبين لها ضرورة إيداع المشبوه فيه  بالسجن نظرا لخطورة الفعل المرتكب ، أو لعدم توفر الضمانات الكافية للحضور يتعين على عليها تعليل قرار الاعتقال على هامش المحضر ثم تحيل المشبوه فيه فورا على المحكمة .

ثانيا: حق المشتبه فيه  بإجراء فحص طبي بسبب اعتداءات الشرطة القضائية عليه

يتعين على ممثل النيابة العامة أن يبادر إلي الأمر بإجراء فحص طبي في حالة ما ادعى المشتبه فيه بأنه تعرض للاعتداء بالضرب و ، أو التعذيب من طرف الضابطة القضائية من أجل التأكد من صحة ادعاءاته  ، و ترتيب الآثار القانونية على ذلك ، و تتم متابعته في حالة سراح إن كانت ادعاءاته صحيحة ،و كان الفعل ألجرمي المنسوب إليه ليس في منهي الخطورة  ، تم كان كذلك يتوفر على جميع الضمانات و يسلم له استدعاء للحضور للجلسة في أجل ثمانية أيام على الأقل من تاريخ تسليم هذا الاستدعاء و يتعين مراعاة المسافة إن كان المشتبه فيه يقيم خارج المملكة .

هذه هي أهم الحقوق التي أقرها المشرع المغربي ونص عليها بمقتضى قانون المسطرة الجنائية لفائدة المشتبه فيه خلال مرحلة البحث التمهيدي ، وذلك تطبيقا للمواثيق و المعاهدات الدولية التي صادق عليها المغرب في هذا الصدد ، و ضمانا أيضا لشروط المحاكمة العادلة ببلدنا

اترك تعليقاً