“إرادة المشرع” … الغموض المستمر

2017 01 22
2017 01 22

“إرادة المشرع” … الغموض المستمر

كتبها الدكتور عبد الحكيم الحكماوي

نائب أول لوكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالرباط

أستاذ زائر بكلية الحقوق سلا

باحث قانوني

كثيرة هي الدراسات التي تحاول سبر أغوار النص التشريعي في سبيل البحث عن الحلول لمختلف الإشكالات القانونية التي تعترض الأفراد يوميا؛ وفي سبيل بلوغها للهدف المنشود تحاول أن تلتجئ تلك الدراسات لمختلف أنواع الأساليب، ولهذا نجد الأفراد المشتغلين بأمر التشريع يتبنون اتجاهات مختلفة؛ كل واحد منها يعمل على استكناه مغزى القاعدة التشريعية وفق آليات معينة.

لكن الذي يطرح التساؤل ويبعث على التفكير العميق هو استناد البعض على ما يسمى ب “إرادة المشرع” عند محاولة شرح المقتضيات التشريعية؛ فهل يمكن التسليم بإمكانية وصول الأفراد ل”إرادة المشرع” حقيقة أم أن البحث عن هذه الإرادة ما هو إلا مجرد وسيلة لتغطية العجز عن الوصول لحقيقة موقف المشرع من جهة أو لتجاوز الحل غير المرغوب فيه من جهة أخرى؟

إن مساءلة فكرة “إرادة المشرع” لم تأت عبثا ولكن أسبابها متعددة ومتنوعة، خاصة وأن نصوص التشريع التي تحكم النوازل وتؤطر النزاعات ليست على درجة واحدة من الحداثة، فمنها ما هو قديم قدم صناعة التشريع، ومنها ما جاء في ظروف تاريخية خاصة طبعت المجال السياسي والاجتماعي، ومنها ما أملته ظروف استثنائية أو عوامل خارجية لها تأثيرها البالغ على المناخ السائد وسط الإقليم الذي سيطبق فيه التشريع، كما أن من التشريعات ما هو حديث النشأة والصناعة. فأمام هذا التنوع التشريعي من حيت زمن النشأة يطرح التساؤل عن الطريقة التي يمكن أن يقف من خلالها المشتغل بنص التشريع على “إرادة المشرع” في كل فئة من هذه الفئات من التشريع؛ ولنا أن نطرح على ذلك العديد من الأمثلة المستقاة مثلا من نصوص قانون الالتزامات والعقود المغربي الذي يعود تاريخ وضعه لسنة 1913 أو القواعد التي تتضمنها مجموعة القانون الجنائي الذي يعود تاريخه لسنة 1962 أو ما إلى ذلك من الأمثلة الكثيرة والمتنوعة، أو المقتضيات التي تتعلق بتأطير واقعة معينة أملتها الظروف السياسية والاجتماعية كما هو الحال بالنسبة للقانون الذي حكم واقعة الزيوت المسمومة، كما ينطبق نفس الأمر على القوانين التي يتبناها المشرع استجابة لظروف خارجية و لما لها من تأثير على المناخ الداخلي كقوانين التجارة والأعمال التي تهدف إلى تسهيل استقطاب رؤوس الأموال، وكذا ما يتعلق بالقوانين العقارية الحديثة النشأة.

إن الحديث عن “إرادة المشرع” في سياق البحث في مقتضيات تشريعية قديمة زمنيا، يشبه البحث عن السراب؛ ذلك أن الظروف التي وضعت فيها تلك المقتضيات التشريعية ومدى تأثيرها على واضع تلك المقتضيات ليس لنا من دليل على ثبوتها، وحتى إن ثبتت فإنها لا تعدو أن تكون موضوع تغيير لاحق؛ مما يجعل المنطلق الذي وضع به المقتضى التشريعي غير المنطلق الذي سيطبق فيه.

هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى فإن البحث عن “إرادة المشرع” لوضع مقتضى تشريعي قديم من أجل حل نزاع ما يجعل هذا الحل موضع شك لما فيه من ارتكان لمؤثرات طبعت وضع النص التشريعي وهي لا محالة مغايرة للمؤثرات التي سيطبق فيها ذات النص. لذلك وجب علينا التساؤل حول مدى إمكانية القول بسلامة الارتكان لفكرة “إرادة المشرع”؟

وإذا كان عنصر الزمن فاعلا في صعوبة تصور سلامة فكرة “إرادة المشرع” كمحدد للبحث عن الحلول التشريعية للإشكالات اليومية المطروحة، فإن المحدد الموضوعي الدافع لوضع قاعدة تشريعية ذاته يبقى موضوع تساؤل حول مدى فاعليته في صناعة المقتضى التشريعي ومدى تأثيره هو أيضا في تبني الحل لقضية ما أو إشكال قانوني معين.

إن وجود ظروف موضوعية دفعت المشرع لتبني حلول تشريعية معينة لا يمكن، بدورها، أن تكون سببا أو محددا لجعل فكرة “إرادة المشرع” مرتكَزا للحل القانوني المعتمد لإشكال ما. ذلك أن أسباب تنزيل النص التشريعي، إن صح التعبير، لا تلبث أن تتغير؛ غير أن تغيرها هذا لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير النص التشريعي الذي يبقى معمولا به وداخلا في دائرة التداول نتيجة الصياغة التي وضع بها ذلك النص. فواضع القاعدة التشريعية يسعى دائما إلى ضمان نوع من الخلود لتك القاعدة؛ لذلك فهو يختار من العبارات ما يفي بذلك الغرض ضمانا لإمكانية تأقلم المقتضى التشريعي مع مختلف المتغيرات الممكنة والمحتملة. وفي هذا السياق يمكن أن نضرب مثلا استعمال المشرع لعبارة ” أو ما يماثلها” في سياق الحديث عن الفصل لأسباب تكنولوجية أو هيكلية أو اقتصادية وفق مقتضيات المادة 66 من مدونة الشغل. فمحاولة إيجاد حل تشريعي للوضعيات التي كانت تعاني منها المقاولات التي تتعرض لمشكلات بنيوية وهيكلية واقتصادية دفعت المشرع لوضع مثل تلك الأحكام التي نصت عليها المادة المذكورة، غير أن ذات المشرع وإيمانا منه بأن وضع مثل هذه المقتضيات يجب أن يغني عن إمكانية التدخل كلما طرأ متغير، جعله يضيف عبارة مرنة يمكن أن تستوعب مختلف الأسباب الممكن حدوثها أو ظهورها مستقبلا والتي من شأنها تهديد كيان المقاولة ووجودها وحقوق الأجراء آنذاك.

فكما يظهر من هذا المثال فإن الدافع الموضوعي الذي دفع المشرع إلى وضع قاعدة تشريعية لا يمكن أن يبقى جامدا أو وحيدا، لذلك فإن هذا المشرع فتح الباب على مصراعيه لإيجاد حلول تشريعية من صلب المقتضى التشريعي و ليس بالاستناد لإرادة المشرع التي تبقى خفية في العديد من الحالات، خاصة إذا التقى عنصر الزمن مع عنصر تغير العامل الموضوعي.

إن الدفاع عن فكرة “إرادة المشرع” لا يبدو أمرا يسيرا، ذلك أن البحث عن الجانب المخفي في صياغة النص التشريعي تحت مبرر البحث عن “إرادة المشرع” لا يعدو أن يكون طريقا لتسرب العوامل الذاتية في تفسير المقتضيات التشريعية وما يستتبع ذلك التسرب من احتمال قوي لتحوير المضمون التشريعي. فالعوامل الذاتية كثيرة ومتنوعة منها ما هو إيديولوجي ومنها ما يتعلق بالجانب السياسي وثالث مرتبط بالعمل الثقافي أو المصلحي أو غير ذلك. وكل تلك العوامل تبقى مؤثرة بصورة أو بأخرى في تفسير القاعدة التشريعية والوقوف على مضمونها، وتنحو بذلك المضمون إلى وجهة غير تلك التي أرادها المشرع.

فمحاولة تقييم فكرة “إرادة المشرع” ومدى سلامتها، تنبع من كون الاستناد عليها إنما هو ذريعة واعية أو غير واعية لخرق المضمون التشريعي الحقيقي الذي وضع له المقتضى التشريعي. وليس فحوى هذا الكلام أن ندعو لتبني فهم واحد للقاعدة التشريعية، وإنما هو دافع للبحث عن أساليب علمية ومنهجية وموضوعية للبحث عن الحلول التشريعية من ثنايا المقتضى التشريعي ذاته والابتعاد عن الجانب “الغيبي” المتجسد في البحث عن أمر دفين ومحتمل في تفسير القاعدة التشريعية لكي يوصف هذا الأخير بالصفة العلمية والموضوعية البعيدة عن كل صورة من صور التأثر بالجانب الذاتي.

كما أن محاولة انتقاد فكرة “إرادة المشرع” إنما هي خطوة للتنبيه إلى عدم سلامة تكييف الوقائع وتفسير المقتضيات التشريعية بناء على مسائل زمنية أو موضوعية خارجة ومستقلة عن الزمن والدافع للبحث عن الحل التشريعي من جهة؛ وكذا إلى عدم فهم حقيقة تلك الوقائع وتلك المقتضيات بشروط الماضي من جهة أخرى. ولعل هذا الانتقاد يكون دافعا للتفكير في ضرورة تجديد أساليب البحث في المضمون التشريعي لتكون الرؤى موضوعية والحلول منتجة.

إن ما يمكن استنتاجه من النظر في فكرة “إرادة المشرع” هو ضرورة الوقوف على خطورة استدعاء هذه الفكرة في كل وقت وحين؛ لأن ذلك الاستدعاء لن يكون إلا مدخلا من مداخل التغطية عن العجز في استخدام أساليب النظر والفحص والتدقيق في المضمون التشريعي. كما أن استدعاءها حتى لو كان بصورة واعية ونبيلة وبطريقة “منطقية” لن يكون إلا مجرد استحضار للوضعية الدافعة للمشرع لوضع القاعدة التشريعية وتحكيمها في ما سواها من الوضعيات.

ولعلنا جميعا نعلم أن العبرة في المجال التشريعي بالمعاني التي تتضمنها العبارات المستعملة ولا عبرة بأسباب وضع تلك العبارات أو الصياغة التشريعية؛ لأن البحث عن “إرادة المشرع” عند وضع القاعدة التشريعية وتحكيمها في تحديد المضمون التشريعي لنفس القاعدة بالرغم من تغير الظروف، يجعل الحلول المتبناة حلولا غير واقعية ويخلق نوعا من التَّوهم بوجود تباين بين الواقع المعيش ونظرة التشريع لذلك الواقع، والحال أن هذا الإحساس نابع من استعمال آليات غير سليمة للنظر في المقتضيات التشريعية بما يساير طبيعة تلك المقتضيات التي تتجاوز ظروف وضعها لتحكم ما سيُستجد في الواقع من وقائع تطبيقا لقاعدة ” النصوص محدودة والوقائع غير متناهية”.

انتهى بحمد الله

أضف تعليقاً