قضاء القرب .. مسطرة بسيطة

2017 02 26
2017 02 26

 قضاء القرب .. مسطرة بسيطة

عبد الرحيم دونخار

طالب مجاز بكلية الشريعة والقانون   – أكادير

يسعى الأشخاص أحيانا إلى حماية بعض الحقوق البسيطة، كما قد تنسب إلى شخص بعض الأفعال المخالفة للقانون و التي لا يرتب عليها القانون جزاء كبيرا، مما لا يستوجب معها اللجوء إلى كثرة الإجراءات أو سلوك إحدى المساطر المعقدة التي قد يضيع معها الحق نظرا لبساطته ولطول وقت سيرانها.

اقرأ أيضا...

كما أنه قد تحول بعض المصاريف الواجبة لرفع الدعوى و تتبع إجراءاتها دون الرغبة في عرض الأمر على القضاء، مما سيعرض الحقوق للضياع و يلحق بأصحابها الضرر، و يساهم في طغيان مرتكبيها.

لذا اقتضت الضرورة التفكير في خلق منبر قضائي قريب من المتقاضين، سواء من خلال اختصاصه المكاني أو النوعي أو القيمي، مما سيرغب أصحاب المظالم في الاحتجاج برد مظالمهم و المطالبة بحقوقهم.

فهل تحقق هذا الغرض؟ و ما نوع القضايا التي تعرض على هذا الجهاز؟ وما طبيعة المساطر المتبعة لديه؟.

سعيا من المشرع إلى تطوير ترسانة و هيكلة الجهاز القضائي مما يتوافق مع التقدم الذي عرفته المنظومة القانونية في ميدان التشريع، بالإضافة إلى رفع الغطاء على آليات حقوق الإنسان و توسيع نطاقها.حثا إلى خلق منبر قضائي يتماشى و متطلبات مبدأ تقريب الإدارة للمواطن، و كذا مبدأ القضاء في خدمة المواطن، مع ما تفرضه هذه الخدمة من التسهيل في الإجراءات و السرعة في البث في الدعاوى المعروضة على أنظاره.

  • قضاء القرب واجهة جديدة.

عمد المشرع من خلال القانون 42.10 إلى إلغاء محاكم الجماعات و المقاطعات، و استبدالها بأقسام قضاء القرب و التي حدد اختصاصها المكاني في حدود المجال الترابي للجماعات المحلية الواقعة داخل نفوذ المحاكم الابتدائية، و المجال الترابي لأقسام قضاء القرب بمراكز القضاة المقيمين بدائرة الجماعات الترابية التابعة لهم.

بمعنى أن قضاء القرب مقسم إلى قسمين: قسم يوجد داخل مقر المحاكم الابتدائية، و قسم بمركز القاضي المقيم.

كما أن الاختصاص النوعي و القيمي لقضاء القرب ثم رفعه في الدعاوى الشخصية و المنقولة المعروضة عليه إلى حدود خمسة ألاف درهم، حسب منطوق المادة 10 من القانون له، دون أن يختص هذا القسم أو المركز في النظر في النزاعات المتعلقة بمدونة الأسرة لوجود قضاء متخصص يُعنى بها، و كذا العقار و القضايا الاجتماعية و الإفراغات.

و مما تجدر الإشارة إليه أن الجمعية العمومية هي التي أصبحت تعين من يقوم بمهام قضاء القرب من بين القضاة العاملين بالمحاكم الابتدائية و مراكز القضاة المقيمين [ المادة 3]. أما فيما يخص تبليغ و تنفيذ أحكام قضاء القرب، فإن المادة 21 قد حصرت المكلفين بذلك في السلطة الإدارية المحلية. أو المفوض القضائي في حال ما طلب منه المستفيد من الحكم القيام بإجراءات التبيلغ و النتفيذ، كما أن الفصل 126 من الدستور في فقرته الثانية قد كلف جهة أخرى بالمساعدة على التنفيذ ألا وهي السلطة العمومية إذ نص على أنه :” يجب على السلطات العمومية تقديم المساعدة اللازمة أثناء المحاكمة، إذا صدر الأمر إليها بذلك، و يدب عليها المساعدة على تنفيذ الأحكام”.

  • شفوية المسطرة و مجانيتها.

سيرا على نفس النهج الذي كان عليه العمل لدى محاكم الجماعات والمقاطعات القاضي بكون المسطرة شفوية و مجانية، تم إقرار هذا المبدأ بأقسام ومراكز قضاء القرب، وهو ما نصت عليه المادة 6 المغيرة بموجب القانون رقم 10.15 بقولها :” تكون المسطرة أمام قسم قضاء القرب شفويةـ و تكون مجانية و معفاة من الرسوم القضائية بخصوص الطلبات المقدمة من طرف الأشخاص الذاتيين”.

و بالتالي فالأشخاص الذاتيين يعفون من الرسوم القضائية عكس الأشخاص المعنويين، فشركات القروض أو المؤسسات البنكية مثلا لا تعفى من الرسوم القضائية أثناء تقديمها دعاوى المتابعة في حق الأشخاص الذين تدين لهم في حدود الاختصاص القيمي لقضاء القرب، وهذا لا ينافي مبدأ المجانية لأنه يبقى مجرد رسم بسيط يقدر غالبا في 50 درهم.

أما شفوية المسطرة أمامه فإن المادة 11 من القانون 42.10، فقد بينت بالنسبة للمقال على أنه يرفع إلى قاضي القرب إما مكتوبا أو يقدم كتصريح يتلقاه كاتب الضبط و يدونه في محضر يشير فيه إلى موضوع النزاع و الأسباب المثارة حوله.

و بما أن أقسام قضاء القرب، جزء من الجهاز القضائي فإنه يمكن للمتقاضي الاستعانة بمن له الصفة في الدفاع عن حقوقه، علما أن الفصل 120 من دستور 2011 قد أشار إلى ذلك بقوله في الفقرة الثانية منه: ” حقوق الدفاع مضمونة أمام جميع المحاكم”، كما نص على مبدأ المجانية في الفصل  الموالي ـ 121 ـ: ” يكون التقاضي  مجانيا في الحالات المنصوص عليها قانونا، لمن لا يتوفر على موارد كافية للتقاضي”.

  • الصلح أولى من البت.

الأصل كما هو معلوم براءة الذمة إلى أن يثبت العكس، و بالتالي فكل مشتبه فيه بارتكاب جريمة يعتبر بريئا إلى أن تتم إدانته قانونيا، بمقر قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به، حسب منطوق الفصل 119 من الدستور، إذ ليس كل من ادعى حقا صادق في ادعائه، و إلا ادعى كل واحد ما ليس له.

لذا أحدثت دار القضاء للفصل في الدعاوى، ورد المظالم إلى أهلها، وإيقاف الظالم عن بطشه، و زجره وفق ما كسبت يداه.

إلى أن الخلاف قد يزول، بحكمة المشتكى إليه ـ القاضي ـ إذ من الصفات الواجب توفرها فيه أن يكون صالحا و مصلحا، وهو الغرض الذي من أجله أسست مؤسسته. هذا المبدأ الذي قرره المشرع و جله مسطرة متبعة أمام قضاء القرب، و هو ما أحاطت به المادة 12 من القانون المنظم له و التي جاء فيها :” يقوم قاضي القرب وجوبا، قبل مناقشة الدعوى، بمحاولة للصلح بين الطرفين، فإذا تم الصلح بينهما حرر بذلك محضرا و تم الإشهاد به من طرفه “.

و بالتالي فالصلح هو أول ما يبادر إليه القاضي عندما يعرض عليه اي نزاع. سعيا منه على رفعه…

و إن تعذر الصلح حق له بعد ذلك النظر في ادعاءات الأطراف، و عرضها على النقاش بالاعتماد على كل ما يمكن أن يوصل إلى الحقيقة لاعتمادها عند النطق بالحكم.

و الجدير بالذكر أن المادة 9 من القانون 42.10 قد جعلت من بين أسباب طلب إلغاء الحكم، عدم إجراء محاولة الصلح المنصوص عليها في المادة 12 السابقة.

  • أسباب إلغاء أحكام قضاء القرب.

لا يسري على أحكام قضاء القرب ما يسري على غيرها من أحكام محكمة الدرجة الأولى والثانية من طرق الطعن العادية و غير العادية، بل إن المشرع قد ميزها بمسطرة خاصة تجعل أحكامها قابلة للإلغاء فقط، و قد بينت المادة 8 الجهة التي تطلب إلغاء الحكم و كذا التي تبت فيه بقولها :

” يمكن للمتضرر من الحكم طلب إلغائه أمام رئيس المحكمة الابتدائية داخل أجل ثمانية أيام من تاريخ تبليغه بالحكم…”.

و بالتالي فهذه المادة قد أوضحت مجموعة من المعطيات الخاصة بإلغاء الحكم، من مدة تقديم الطلب بعد التبليغ، و سبب طلب الإلغاء، هذا السبب الذي هو الضرر الناجم عن الحكم. وكذا الجهة التي يقدم لها طلب الإلغاء و هي: المحكمة الابتدائية في شخص رئيسها. حسب المادة السابعة من نفس القانون، كما أنه على القاضي عند إصداره للحكم بحضور أطراف الدعوى و تسليمهم نسخ منه، إشعارهم بحقهم في طلب إلغائه وفق الشروط المنصوص عليها.

و قد حددت المادة 9 الحالات التي يقدم فيها طلب الإلغاء، و تتعلق عموما بالإجراءات الشكلية المسطرية، وقد حصرتها المادة في ثمان حالات نذكر منها على سبيل المثال:

عدم احترام القاضي لاختصاص قضاء القرب النوعي، أو أن يكون قد حكم على أحد الأطراف دون أن يتحقق من توصله بالاستدعاء، كما قد يكون السبب في طلب إلغاء الحكم عدم مراعاة القاضي للتجريح المقدم من أحد أطراف الدعوى ضده.

ومن الحالات التي توجب إلغاء الحكم أيضا إغفال التثبت و التحقق من هوية المتخاصمين، ومما وجب التنبيه إليه أن المشرع قد عمل بنفس المسطرة فيما سابقا بأحكام محاكم الجماعات و المقاطعات تحت مسمى ” الإحالة “، هذه الإحالة التي يكون الغرض منها هو مراقبة مدى احترام و تطبيق القاضي لشروط إصدار الأحكام. فإن ثبت السبب المشروع ـ خرق الإجراءات المنصوص عليها ـ قام رئيس المحكمة بإلغائه و أحال القضية على من له حق النظر فيه و إلا قضى برفض الطلب.

و يبت رئيس المحكمة في الطلب حسب المادة 9 داخل خمسة عشر يوما من تاريخ إيداعه بالمحكمة، دون حضور الأطراف ما لم تستدع الضرورة تقديم إيضاحات حول هذا الشأن، ولا يقبل حكمه أي طعن حسب نفس المادة.

  • اختصاصات قضاء القرب في المخالفات.

مما تتميز به أقسام قضاء القرب من ناحية القضايا المعروضة عليها اتسامها بالبساطة، كما أن الغرامات التي يحكم بها في قضاياه تناسب طبيعتها، إذ تبتدئ هذه الغرامات من 200 ذرهم إلى حدود 1200 درهم، حسب نوع الجريمة المرتكبة.

ومن بين أنواع الجنح الرائجة لدى أقسام قضاء القرب نذكر على سبيل المثال: السب و الشتم، و إلحاق خسائر مادية بملك الغيرـ اغتصاب جزء من الطريق العمومية و كذا ركوب سيارة أجرة دون دفع واجب النقل إلى غير ذلك من الدعاوى، و التي يكون غالبا موضوعها هو الأداء.

و يعاب على بعض الجنح التي يختص قضاء القرب بالنظر فيها، تغافل السلطات الإدارية على تقديم مرتكبيها للجهاز المختص، و كمثال على ذلك تطبيق مسطرة منع إلقاء الحجارة أو أشياء أخرى صلبة أو قاذورات على منزل أو مبنى أو سور لغيره أو في حديقة أو مكان يحيط به سور، والتي يعاقب عليها القانون بغرامة تتراوح ما بين 200 إلى 500 درهم. و كذا من وضع أو ترك في مجاري المياه أو العيون مواد أو أشياء أخرى قد تعيق سيرها، حسب مقتضيات المادة 15 من قانون قضاء القرب.

هذا و إن كان قضاء القرب في القضايا المدنية يختص بالنظر في الدعاوى الشخصية و المنقولة التي لا تتجاوز قيمتها 5 ألاف درهم، فإنه في يختص في المخالفات التي يرتكبها الرشداء و التي احتوتها المواد من 15 إلى 18 حسب القانون رقم 42.10، ما لم يكن لها وصف أشد، إذا ارتكبت هذه المخالفات داخل دائرة اختصاصه الترابي، أو كان المقترف يقيم بها.

و عموما يمكن القول أن أقسام قضاء القرب قد حققت الغرض المبتغى في إحداثها، ألا وهو تقريب الجهاز القضائي إلى المتقاضين، خاصة فيما يخص قسمه لدى القاضي المقيم، و يمثل أيضا هذا المعطى كون القضايا التي تعرض عليه يعيشها أفراد المجتمع باستمرار، و تمس بعض الحقوق البسيطة التي قد تضيع في حال تصادم المتضرر بكثرة الإجراءات و صعوبتها.

اترك تعليقاً