التوظيف بالتعاقد يقلب الطاولة على طالبي “الكرطونة”

2017 08 27
2017 08 27

التوظيف بالتعاقد يقلب الطاولة على طالبي “الكرطونة”

كتبها الدكتور عبد الحكيم الحكماوي

باحث قانوني

أستاذ زائر بكلية الحقوق سلا

كان من نتائج تبني النهج الليبرالي على مستوى الاقتصاد، أن عمل المغرب على تطوير مجال تدخل القطاع الخاص في الحياة اليومية للمواطن؛ وقد تعددت صور ومظاهر هذا التدخل تعددا لا يخفى على أحد. غير أن القطاع العام أو الإدارة بقيت تشتغل وفق منطق الدولة التدخلية الذي تخلت عنه مدارس الفكر الاقتصادي الحديثة، مما جعل القدرة الإنتاجية للإدارة تتراجع للوراء متوارية أمام ريادة القطاع الخاص.

ولقد كان لهذا الوضع غير المتكافئ بين القطاعين الخاص والعام أثره على رؤية الدولة للدور الذي لعبه ويجب أن يلعبه القطاع العام باعتباره فاعلا في الدورة الاقتصادية والتنموية.

لذلك كان التفكير في إعادة تأهيل هذا القطاع على رأس الأولويات الاستراتيجية لضمان تنافسية حقيقية بين القطاعين العام والخاص، هذه التنافسية التي لا مجال لبلوغها إلا بالاهتمام بالعامل الأساسي لها ألا وهو العامل البشري الممتلك للقدرات الإبداعية والابتكارية، أينما كان ذلك العامل البشري سواء في القطاع العام أو القطاع الخاص.

إن النظرة الحديثة لدور العامل البشري في مسيرة التنمية تقوم على قدرة هذا الأخير في التأقلم مع المستجدات واستثمارها وفق أقصى ما يملكه من مؤهلات ومقومات بما يوفر الشروط الملائمة لإنتاجية  المرفق عبر تقديم خدمات ذات جودة عالية وبفعالية مضمونة ووفق قواعد وضوابط معلومة ومتفق عليها؛ كما أن هذه النظرة الحديثة تقضي بأن أهمية دور العامل البشري لا ترتبط بالقطاع العام أو الخاص، وإنما تتعلق بما يملكه هو من قدرات ومؤهلات تمكنه من إثبات ذاته في سوق الشغل وتؤهله أيضا لإثبات تفوقه على باقي منافسيه في سوق الشغل. وهي، كما يظهر، نظرة قائمة على اعتبا ر المؤهلات والقدرات التي يمتلكها الفرد عبارة عن سلعة تُعرض في سوق الشغل في القطاعين العام والخاص ويُتبارى بشأنها للظفر بمقعد من مقاعد الشغل سواء بصفة مستمرة متى ثبتت الجدارة أو بصورة عرضية في حالة عدم القدرة على إثبات الذات.

وقد كان من نتائج هذه النظرة الحديثة أن أُعيدَ التفكير في دور الإدارة وفي قدرتها على رفع تحدي التفاعل والتنافس مع القطاع الخاص من أجل تقديم خدمات ذات جدوة وفعالية ومردودية عالية. وقد تم التركيز على العامل البشري كرافعة أساسية لهذا التحدي وصمام أمان لنجاح الرؤية الجديدة للمرفق العام. لذلك كان من نتائج النقاشات المجتمعية والمؤسساتية اتخاذ قرار إعادة النظر في طرق انخراط الأفراد فالعمل الإداري والتحاقهم به. وهكذا فقد صدر عدة مراسيم وقرارات في هذا الشأن منها ما بدأ العمل به منذ مدة ومنها ما دخل حيز التنفيذ بداية هذ الأسبوع.

فكيف ستعيد مضامين هذه المراسيم والقرارات قراءة واقع التعليم عموما، والتعليم العالي على وجه الخصوص على اعتبار أن التعليم العالي هو البوابة الأساسية إلى جانب التكوين المهني لشوق الشغل؟ وهل سيكون لطلبتنا القدرة على استيعاب الواقع الجديد أم أن أمواج الفكر التقليدي السائد لا تزال تأخذهم بعيدا عن الواقع الجديد الآخذ في التبلور؟

تفكير نمطي بائد لابد من التخلص منه

إن المتتبع للفكر الذي يتَمَلَّك الطالب في علاقته بالفضاء التعليمي ومناخه لن يجد عناءاً في الكشف عن كون الطلبة يعتبرون التعليم مجرد قنطرة للحصول على “الكرطونة” فقط، على اعتبار كون هذه “الكرطونة” جواز سفر يؤهل مالكها لولوج سوق الشغل بغض النظر عن التكوين من عدمه. إذ أن تعامل الطالب مع التعليم أصبح تعاملا مرحليا قائما على المصلحة والنفعية المؤدية للحصول على نقط كيفما كانت؛ وفي غالب الأحيان بمجهودات ضئيلة أو بغير مجهود باتباع أساليب ملتوية من أجل بلوغ مرمى “النجاح” والحصول على الدبلوم أو “الكرطونة” كما يُتعارف عليها في الوسط الطلابي.

وإذا كانت هذه النظرة قد سادت لردح من الزمن في الوسط التعليمي عموما والطلابي على وجه الخصوص، فإن نتائجها كانت كارثية بكل ما في الكلمة من معنى. إذا جعلت الجامعة قنطرة لتخريج وتفريخ أفواج عديدة من الأشخاص الذين لا كفاءة لهم لمواكبة سوق الشغل سواء في القطاعين العام أو الخاص اللهم من استثني منهم ممن يملك قدرات استثنائية تملكها بفعل جده ومثابرته المتواصلتين.

ولعل كثرة الخريجين وتزايد عدد العاطلين على الشغل لدليل على هذا الواقع المتردي الذي لا يجادل فيه أحد. لذلك كانت جميع المحاولات التي ترنو إلى الرفع من فعالية التعليم وجودته تبوء بالفشل لأن سوق الشغل وخاصة في مجال القطاع العام كان يزكي هذه النظرة التواكلية للطلبة الذين يتوقون فقط للحصول على “الكرطونة” ولا يهتمون بالتكوين وتنمية القدرات والمؤهلات التي تؤهلهم لولوج سوق الشغل وإثبات ذواتهم؛ ما دام أن ذلك السوق كان يعتمد على معيار “الدبلوم” المجرد كأساس مجرد لولوج المهن والمؤسسات والمرافق الإدارية.

وقد كان من مظاهر هذا الواقع المؤلم أن أغلب الطلبة الذي يلجون الماستر مثلا، وبحكم التجربة والمعاينة، لا يهتمون بالتكوين الرصين بالقدر الذي يعملون على الاكتفاء بالحد الأدنى من الجهد الكافي لبلوغ مدة التكوين والحصول على الدبلوم “الكرطونة” لتبدأ بعدها معركة البحث عن العمل بعد فوات الأوان. لذلك فإن تغذية الإدارة بطاقات غير مؤهلة لضمان التنافسية المطلوبة للمرفق العمومي جعل من الإدارة عبئا على الدولة بدل أن تكون مساهما رئيسيا في الدفع بعجلة التنمية إلى الأمام. وقد كان ذلك من الأسباب الرئيسية لإعادة النظر في طريق الانتساب للإدارة، والاستعاضة عن التوظيف الدائم بالتوظيف المؤقت عبر التعاقد ضمانا لتغذية الإدارة بالقدرات والكفاءات البشرية القادرة على لعب دور فعال في تقوية دور الإدارة وتنافسيتها. وكان لابد لهذا التوجه الجديد أن يكون له أثر على نظرة الطالب ذاته لمسار تكوينه الجامعي من جهة ولنظرته للدبلوم “الكرطونة” من جهة أخرى.

الحاجة الملحة لتغيير نمط التفكير الطلابي

إن المتفحص للمراسيم والقرارات التي صدرت مؤخرا في الجريدة الرسمية عدد 5697 بتاريخ 21 غشت 2017 والمتعلقة بالتوظيف عن طريق التعاقد؛ سيجد أن أهم ميزة ميزت الرؤية الجديد لهذه الطريقة هي التركيز على الكفاءة والمؤهلات البشرية، ولابد للقارئ من تمعن مضامينها لبلوغ هذا الهدف.

فبغض النظر عن القراءات التي يمكن أن تتناول هذه النصوص المنظمة للتوظيف بالتعاقد، فإنها أصبحت واقعا يجب التعامل معه بكل جرأة ووضوح وخاصة من جانب الطلبة الذين يجب أن يتعاملوا مع مقتضيات تلك النصوص تعاملا واقعيا بعيدا عن كل تأويل مصلحي من شأنه أن يفوت عليهم فرص الاندماج الحقيقي في سوق الشغل. فالقارئ للنصوص الجديدة سيجد أنها تنبني على مقومات محددة يمكن إجمال أهمها في الآتي:

أولا : توظيف مؤقت غير دائم؛

إن أول ما يمكن الانتباه إليه في الرؤية الجديدة  للتوظيف بالتعاقد هو التخلي المطلق عن فكرة الالتحاق الدائم بالإدارة، فقد كانت هذه الفكرة هدفا يتم بلوغه بكل الطرق المشروعة منها وغير المشروعة على اعتبار أن هذا الالتحاق يشكل ضمانا لمستقبل مستقر ومستمر، إلا أن الوضع الجديد جعل الالتحاق بالإدارة يتم عبر التعاقد لمدة محددة تتولى الإدارة تحديدها مع احتفاظها بحق فسخ العقد من جانب واحد مع مراعاة بعض الاستثناءات، وهذا الحق المخول للإدارة له أسباب متعددة منها عدم قدرة المتعاقد على إثبات جدارته في تأدية المهام الموكولة إليه بموجب العقد أو بموجب ما تقتضيه الوظيفة المتعاقد بشأنها وكما هو معلوم فلا مجال لبروز مثل هذا القصور إلا في صورة الأخطاء الجسيمة التي تستقل الإدارة بتقديرها أو الإخلال بالالتزامات المهنية الموكولة للمتعاقد، وهو ما تنص عليه المادة 11 من العقد النموذجي لتشغيل الخبراء وكذا المادة 11 من نموذج عقد تشغيل الأعوان المتعاقدين.

ولعل هذا المقوم يعيد تسليط الضوء على ضرورة تخلي الطالب على مجرد المطالبة ب”الكرطونة” بغض النظر عن التكوين في مقابل بذل الجهد من أجل تكوين رصين لضمان تجديد العقد أو الارتقاء من مجرد متعاون مع الإدارة إلى مرتبة الخبير بكل ما يشكله ذلك من مزايا.

ثانيا : عدم فتح المباريات على مجرد شرط الدبلوم “الكرطونة”؛

إذا كان الوضع السائد سابقا هو أن يتم فتح مباريات التوظيف في وجه الحاملين لشواهد أو دبلومات محددة بغض النظر عن أي شرط آخر، كاشتراط الترشح للحاصلين على الإجازة أو الماستر مثلا، فإن الوضع الحالي أصبح معه مستحيلا الأخذ بهذا الشرط المجرد.

لقد كان الشرط المجرد المتمثل في الحصول على الشهادة أو الدبلوم كأساس لولوج الوظيفة العمومية بمثابة حصان طروادة الذي يمتطيه جل الطلبة لتخليهم عن التكوين الرصين واكتفائهم بانتظار موعد جني الدبلوم أو الشهادة  على اعتبار أن ذلك الدبلوم أو تلك الشهادة يعتبران لذاتهما معبرا نحو ضفة الوظيفة العمومية، غير أن هذا الواقع أصبح في خبر كان ما دام أن النظام الجديد للتوظيف عن طريق التعاقد أصبح يتطلب الإعلان عن المباريات من أجل انتقاء المترشحين المقبولين لاجتياز المباريات في حدود خمسة (5) أضعاف عدد المناصب المتبارى بشأنها على الأكثر.

وكما هو معلوم فإن من مستلزمات هذا الشرط أن يتم التخلي عن استدعاء الأعداد الهائلة للمترشحين لاجتياز المباراة كما كان معمولا به من قبل.

فعلى سبيل المثال كان النظام القديم للتوظيف يقوم على الإعلان عن المباراة ويتم التنصيص في صلب ذلك الإعلان عن عدد المناصب المطلوبة. ولنفترض أن عددها محدد في عشرة مناصب مثلا، فقد كان عدد المتبارين يقدر بالمئات أو بالآلاف للتباري على تلك العشرة لأن معيار الانتقاء للتباري كان هو مجرد الدبلوم أو الشهادة.

لكن في النظام الجديد لم يعد الأمر كذلك بل أصبح لزاما على الإدارة ألا تعتمد فقط على الدبلوم أو الشهادة وإنما يجب أن تُجرِيَ عملية انتقاء من بين مَن تتوفر فيهم الشروط المعلن عنها ليتم انتقاء حد أقصى من المتبارين محددا في خمسة أضعاف عدد المناصب المعلن عنها والمتبارى بشأنها.

ولو أخذنا نفس مثالنا السابق وكان الإعلان عن المباراة قد حدد عدد المناصب المتبارى بشأنها مثلا هو عشرة مناصب، فإن العدد الأقصى للمتبارين سيكون بموجب ما تقتضيه المادة الرابعة ، من القرار القاضي بتحديد شروط وكيفيات تنظيم وإجراء مباراة تشغيل الأعوان بموجب عقود بالإدارات العمومية، هو خمسين متباريا فقط وليس المئات أو الآلاف، لأن عدد خمسين متباريا هو المساوي لخمسة أضعاف عدد المناصب المتبارى بشأنها الذي هو عشرة.

وكما هو ظاهر من المثال أعلاه فإن مجرد الحصول على الدبلوم أو الشهادة أو ما يصطلح عليه ب”الكرطونة” لم يعد كافيا بل أصبح لزاما على الطالب الذي يرغب في ولوج سوق الشغل أن يشتغل على التكوين وتحصيل الرصيد المعرفي المؤهل لذلك قبل التفكير في الحصول على “الكرطونة”، لأن هذه الأخيرة لم تعد لها قيمة في النظام الجديد ما لم تتعزز بتكوين رصين يُكسب الطالب مؤهلات وقدرات تجعله قادرا على إثبات ذاته بعد التخرج.

ولعل قائلا يقول بأن الرفع من النقط من طرف الأساتذة قد يكون حلا لهذا العائق، نقول له بأن هذا الحل قد يكون مؤقتا لحصول الانتقاء وربما اجتياز المباراة بنجاح لكنه لن ينفع في ضمان استمرار العقد الذي يربط المتعاون مع الإدارة لأن تضخيم النقط وعدم الاكتراث للكفاءة سيؤدي إلى التخلي عن المتعاون لفائدة متعاون أقل نقطا ولكن بكفاءة عالية. وهو ما يؤكد الفكرة التي يؤمن بها الجميع والقائلة بوجود كفاءات لا تتوفر على معدلات أعلى.

وكما يظهر فإن هذا النظام التلقائي لتصفية وتصنيف الكفاءات يعتبر نظاما فعالا لضمان أداء أقوى للإدارة في المستقبل.

ثالثا : التخلي على المعلومة النظرية المجردة أصبح ضرورة لولوج سوق الشغل؛

لقد كانت الفكرة السائدة لدى معظم الفاعلين في الحقل التعليمي أن التمكن من المؤهلات النظرية الصرفة يعتبر مدخلا مهما لولوج سوق الشغل، لكن دور الجامعة وفلسفة التكوين بالجامعة أخذت بعدا آخر بالتركيز على المؤهلات التي تمكن الطالب المتخرج من لولوج سوق الشغل، وهذا لن يتأت إلا بامتلاك المعلومة النظرية كأساس ولكن مع الاهتمام الشديد بطرق أجرأتها. ذلك أن اكتساب المهارات المهنية والعملية في كل مجال على حدة يقتضي الاحتكاك بالجانب العملي والمهني ورجالاته.

ومناسبة الحديث عن الجانب العملي تتجسد في كون الإشراف على المباريات يتم عن طريق تعيين لجنة من ثلاثة أفراد على الأقل معروفين بمؤهلاتهم وخبراتهم في المجالات ذات الصلة بالوظائف المتبارى بشأنها وفق ما تنص عليه المادة الخامسة، من القرار القاضي بتحديد شروط وكيفيات تنظيم وإجراء مباراة تشغيل الأعوان بموجب عقود بالإدارات العمومية، ولعل المستفاد من هذا المقتضى أن المشرفين على المباريات سيحملون الصفة المهنية أساسا مادامت الإدارة أصبحت تملك من الكفاءات ما يؤهلها للاستقلال الذاتي بكل شيء بدءا من الانتقاء مرورا بالمباراة إلى التكوين والتكوين المستمر. لذلك فإن التمكن من القدرة على أجرأة المعارف أصبح مدخلا أساسيا لولوج سوق الشغل بدل الاكتفاء بمجرد الحفظ الآلي للمعلومة واستظهارها والاعتماد على فكرة البضاعة المردودة التي أصبحت متجاوزة بموجب النظام الجديد.

لقد كانت هذه بعض الأفكار التي يثيرها نظام التوظيف بالتعاقد كما رسمت معالمه النصوص الجديدة التي أصبحت واقعا ملموسا دخل حيز التنفيذ منذ تاريخ 22 غشت 2017 وقلبت الطاولة على أصحاب فكرة الحصول على “الكرطونة” من غير تكوين.

أضف تعليقاً