الميزة ضرورية … لا؛ الميزة غير ضرورية

2017 09 02
2017 09 02

الميزة ضرورية … لا؛ الميزة غير ضرورية

كتبها الدكتور عبد الحكيم الحكماوي

أستاذ زائر بكلية الحقوق سلا

باحث قانوني

بمناسبة امتحانات الماستر المتجددة على رأس كل سنة جامعية يحتد النقاش بين فريقين؛ أحدهما يرى أن فرصة ولوج الماستر يجب أن تمنح لجميع الطلبة، بينما يرى الفريق الآخر أن هذه الفرصة لا يجب أن تمنح إلا لمن يستحقها. و بين هذا الفريق أو ذلك يبقى الانتصار لأحد الاتجاهين رهين بمعياري المصلحة الفردانية والموضوعية.

إن السؤال الذي يجب أن يطرح في خضم هذا النقاش هو ما هي شروط الترجيح بين هذا الاتجاه وذاك؟ وهل بالفعل ينطلق هذا النقاش من أرضية صلبة أم أنه الرغبة في مجرد النقاش القائم على مصلحة ذاتية أو الرغبة في الهروب من الواقع الجديد الذي يصطدم به بعض الطلبة عند نهاية مرحلة دراسية جامعية معينة هو ما يدفعهم لإثارة هكذا مواضيع؟

هذه الأسئلة و غيرها لها شروط لمناقشتها من أجل ترجيح أي الفريقين أحق بالاتباع، و مجرد النظرة الفردية الضيقة لا يمكن الارتكان لها مهما بلغت حججها لأن معيار الترجيح يجب أن يكون معيارا محايدا ومنضبطا ومضطردا  و كل ذلك في إطار شروط محددة سلفا لا يخضع لمنطق الذاتية أو المصلحة الشخصية. فما معنى هذا الكلام؟

يرى أنصار الآفاق المفتوحة لولوج الماستر أن اعتبار بعض المعايير من شأنها إقصاء كفاءات قد لا يسعفها الحظ في الحصوص على معدلات تساعدها على اجتياز عتبة الانتقاء، وبالتالي يكون مصير هذه الفئة هو الضياع و انسداد الآفاق، فهل مجرد هذا التبرير يمكن أن يكون أساسا لتبني طرح الآفاق المفتوحة؟

الجواب هو لا، لما ذا ؟

قبل الجواب على هذا السؤال لابد من التنبيه إلى أنني شخصيا من أنصار فتح الفرص للجميع وقد سبق لي أن طرحت رأيي في مقال سابق عن هذه المناسبة لسنوات عدة يمكن الرجوع إليه للاطلاع. ولكن أن نتبنى اختيار فتح الآفاق للجميع ونعطي للجميع فرصة ولوج الماستر في ظل ظروف يعلم فيها الكل أن جل الطلبة تَخَلَّوا عن خصلة المثابرة والجد في التحصيل العلمي والتراكم  المعرفي، في حين بقي البعض اليسير منهم ملتزم بجدية المسار العلمي والأكاديمي سيعتبر اختيارا ظالما بكل المقاييس؛

أول مقياس لظلم هذا الاختيار هو مكافأة الطالب المتهاون بتمكينه من فرص آفاق أخرى قد يحصل عليها بالغش أو بالطرق غير المشروعة كما اعتاد، بينما يتم هدر فرص تشجيع الطالب المثابر الذي أفنى أيام وليالي مساره الدراسي في التحصيل و المثابرة.

ثاني المقاييس؛ أن الواقع يشهد أن الطالب أصبح يلزم سلوكا محددا وهو إهمال التكوين خلال مساره التعليمي والتعامل مع المقرر بصورة مناسباتية تتجسد في التعامل مع المقرر من خلال “البوليكوبات” وإبَّان الفترة السابقة للامتحانات مع إعمال قواعد الحظ “التقمار” كما يسمونه، وهذا واقع لا ينكره أحد. فكيف لطالب يسلك هذا السلوك أن نساعده أكثر في اقتناص فرص أخرى قد يحصد بها المزيد من النقاط في مقابل طالب آخر بذل النفس والنفيس في التحصيل قد يجد نفسه خارج الأسوار الجامعية.

ثالث المقاييس أن هناك من الطلبة من يعتمد على الحظ أن يعتمد طرقا ملتوية في الغش ليحصل على نقط مرتفعة و يؤخذ كنموذج بين الطلبة لإقامة الدليل على أن النقطة ليست هي المعيار؛ نعم أقول بأن هذا النموذج من الطلبة نموذج غير مشرف تماما، ولكن من ساهم في هذا الواقع؟ الطالب نفسه هو المساهم في هذا الوضع؛ إذ لا أفهم شخصيا كيف أن طلبة يعرفون زملاء لهم يغشون خلال حصة الامتحان ولا يتم ا التبليغ بهم لردعم، فنحن شخصيا عندما كنا نلزم مدرجات الكلية كنا نساهم مع الطاقم المشرف على الحراسة في ضبط أجواء الإمتحانات وذلك بالتبليغ عن كل حالة غش نراها و عندها تقوم اللجان المكلفة بالحراسة باتخاذ المتعين، وقد كان لمثل سلوكنا ذاك أثر في توفير شروط المنافسة الشريفة بين الطلبة ومحاربة ظاهرة الغش، فكانت النتائج التي يتحصل عليها الطلبة تعبر إلى حد بعيد عن مستواهم وكان الرسوب ظاهرة مفزعة تدفع الطلبة لبذل الجهد في التحصيل. ولكن في المقابل نجد أن طلاب اليوم يتعاونون في الغش إما بصورة إيجابية عن طريق مد بعضهم البعض بالمعلومات أثناء حصة الامتحان بغض النظر عن صحة أم عدم صحة تلك المعلومات أم بصورة سلبية عن طريق السكوت عن الغشاشين بدافع من الدوافع مهما بلغ ظهورها لن تكون سندا لتبرير السكوت. فكيف لواقع مثل هذا يعلمه الجميع أن نغض الطرف عنه ونحن الذي ساهمنا فيه ثم نحتج به لتبرير فتح الفرص أمام كل من هب وذب.

رابع المقاييس يتجسد في اعتماد الطلبة على فكرة التحديد بالرغم من كون المقرر محدودا للغاية بالنظر لما يجب أن يكون عليه، كما أن الطلبة يعتمدون على عامل تضخيم الأساتذة للنقط وهو أمر لا أفهمه شخصيا؛ إذ كيف للطالب أن يحصل مثلا في مادة قانونية مثار شد وجذب على نقطة 17 أو 18 أو 19 من عشرين والحالات كثيرة، فهل مثل هذه النقط تعتبر معيارا للقول بضرورة فتح الآفاق لجميع الطلبة؟ لا بالطبع، لأن هذه الأوضاع ليست أوضاعا حقيقية وإنما هي أوضاع صورية مصطنعة غير معبرة عن مستوى الطالب الحقيقي والأدلة على ذلك كثيرة من أهمها فشل ذلك الطالب في أول امتحان خارج سور الجامعة وتحويل الشواهد المحصل عليها مجرد عناوين لحمل الصفة لا غير.

إن المقاييس التي يمكن اعتمادها لتبرير ظلم الاتجاه القائل بضرورة فتح جميع الفرص لجميع الطلبة بدون استثناء لا تعد ولا تدخل تحت دائرة حصر، ولا يجب الارتكان للخطابات العاطفية التي تدغدغ عواطف الطلبة المستهترين الذين ينخرطون للتطبيل لها في كل مناسبة.

فلنكن جديين وواقعيين ونقول بأن منح الفرص لجميع الطلبة لاجتياز المباريات الخاصة بالماستر أو المباريات المهنية يجب أن يكون مسبوقا بشروط الشفافية والمصداقية والموضوعية التي تنطلق من جدية الطالب نفسه وقيامه هو بما عليه أولا وقبل محاسبة غيره، لا أن يقوم بالنقد المجاني وهو يعلم مستواه الحقيقي ويحاول غض الطرف عن واقعه.

ثم إن الموضوعية تقتضي أن نقول بأن كل طالب جدي يجب أن يجازى خير الجزاء، وهذا عين العدل.

فكيف يعقل أن يتم إغراق الطلبة المجدين بالطلبة المستهترين ويتم إحباطهم وتثبيط هممهم وعزائمهم و تضييع الفرص عليهم وكل ذلك تحت ذريعة وحجة تمكين جميع الطلبة من فرص ولوج الماستر أو المهن؟

لمن لا يعلم أن نظام “L.M.D” هو نظام يقوم على التدرج في الانتقال من مرحلة لمرحلة، فمن يمتلك القدرات النظرية الهائلة هو الأقدر على مواكبة المرحلة الموالية وهكذا، وبالتالي ليس كل من حصل على الإجازة(L) مثلا يملك القدرة على مواصلة دراساته بالماستر(M)، وليس كل من حصل على الماستر يملك القدرة على واصلة الدراسات العليا في الدكتوراه (D). وبالتالي فإن هذا النظام لمن لا يعرفه يقوم على تمكين الطالب من القدرات الكافية للاندماج في سوق الشغل أساسا ثم من ظهرت منه القدرة على مواصلة الدراسات وأبان على قدرات نظرية هائلة بالنظر لأقرانه يمكنه أن يمر للمرحلة الموالية. ولعلنا جميعا مقتنعين مثل هذه المواصفات لن تتحقق إلا في الطالب الذي تعبر نقطه على مستواه الحقيقي وهو الطالب الذي يثابر في الجد و التحصيل وتراكم المعارف العلمية، ويبلور قدراته العقلية والنظرية باعتماد آليات وأدوات تمكنه من الاستيعاب الحقيقي لمضمون درسه الأكاديمي. وكما هو معلوم فإن القلة القليلة من الطلبة من يملكون مثل هذه القدرات من بين الآلاف من الطلبة.

ولذلك ليس من الغريب أن تكون فكرة الانتقاء تستهدف مثل هذه الفئة؛ ومن فاز معها بفرصة الانتقاء من باقي الطبلة الغشاشين والمستهترين أو الذي حالفهم الحظ في الانتقاء من دون التوفر على القدرات الحقيقية للتفوق، فإن الفشل في أول اختبار هو المآل.

ولذلك فإنه في ظل انعدام الشروط الموضوعية التي تؤكد بما لا يدع مجالا للشك بذل جميع الطلبة لمجهوداتهم في التحصيل العلمي ولتراكم المعرفي والتي تعتبر شرطا أوليا وضروريا وحتميا لفتح الفرص لجميع الطلبة، تبقى فكرة الانتقاء فكرة لها جدارتها ووجاهتها، لتكون درسا لمن تهاون و ينال جزاؤه، ولمن هم في الطريق ليأخذوا حِذرهم من القادم، وبذلك تكون فكرة الانتقاء أمرا لا مفر منه لتحقيق العدل الذي هو مكروه بطبه من قبل النفوس المتهاونة ووسيلة تنبيه وإنذار للطلبة الذين لا يزالون في طور التحصيل من خطورة الانزلاقات التي تحف بسلوكهم في الحرم الجامعي.

اترك تعليقاً