قراءة في المذكرة رقم 20 الصادرة عن المحافظ العام بشأن الوكالات العرفية والوكالات الخاصة الرسمية

2017 09 24
2017 09 24

قراءة في المذكرة رقم 20 الصادرة عن المحافظ العام بشأن الوكالات العرفية والوكالات الخاصة الرسمية

كتبها الدكتور عبد الحكيم الحكماوي

نائب أول لوكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالرباط

أستاذ جامعي زائر بكلية الحقوق سلا

باحث قانوني

تقتضي دولة المؤسسات أن تتولى كل جهة دستورية أو عمومية القيام بمهامها على النحو الذي حدده القانون، وإذا حصل وحادت جهة ما عن الحدود المرسومة لها واتخذت خطوات أو قرارات تكون هذه الأخيرة فاقدة للشرعية والمشروعية تماما.

وعلى ضوء هذا المعطى يمكن لنا قراءة العديد من القرارات التي تصدر عن الجهات المختلفة؛ لذلك فإن ضابط القانون يبقى حاكما أثناء تقييم كل التصرفات سواء من طرف الباحثين أو رجال القانون المهنيين من قضاة ومحامين وموثقين وعدول وغيرهم.

وفي هذا السياق وجب علينا كرجال قانون باحثين أن نطلع على ما يمكن من القرارات التي تهم الشأن القانوني ونقرأها قراءة قانونية بعيدة عن الذاتية محتكمة لمعايير الموضوعية القائمة على مقارعة القرار موضوع النقاش بالحجج الدستورية أولا فالقانونية ثانيا بدأ بالمبادئ العامة وانتهاء بالنتائج المترتبة.

ومن القرارات التي أثارت انتباه الرأي العام القانوني في هذه الفترة المذكرة الصادرة عن السيد المحافظ العام تحت عدد 20 بتاريخ 21 شتنبر 2017.

فقد حاول السيد المحافظ العام إثارة انتباه السادة المحافظين إلى الطريقة المثلى لتنزيل المستجدات التي جاءت بها مقتضيات المادة الرابعة من مدونة الحقوق العينية والمتعلقة بالوكالة الخاصة الرسمية. وإذا كنا نسلم للسيد المحافظ العام باعتباره السلطة الرئاسية للمحافظة العقارية بسلطة التوجيه والرقابة؛ فإن هذا التسليم لا يعفينا من ممارسة الرقابة العلمية على بعض ما يتخذه السيد المحافظ العام من قرارات وما يصدره من مذكرات ودوريات باعتبارها تمس مصالح المواطنين المرتفقين من جهة ومنشورة للعموم ليطلعوا عليها من جهة أخرى، مما يجعلها في قلب اهتمامات رجال القانون.

ومن هذا المنطلق يحق لنا التساؤل حول ما إذا كانت الدورية المذكورة قد صادفت الصواب أم جانبته من الناحية القانونية؟ وهل للاعتبارات غير القانونية أي تأثير في القول بخرق القواعد المؤسسة لاستقرار المعاملات الذي تحميه القواعد الدستورية أولا والتشريعات العادية ثانيا وتعززه المقررات القضائية من الناحية العملية؟

تشخيص المشكل القانوني للمذكرة

لقد حاول السيد المحافظ العام أن يوجه السادة المحافظين للطريقة التي يجب التعامل بها مع الوكالات الخاصة التي يتم الاعتماد عليها لإبرام العقود العقارية، وفي هذا الصدد وجب –حسب  رأي السيد المحافظ العام – التعامل مع الوكالات الخاصة المبرمة بصورة رسمية فقط دون الاعتماد على الوكالات العرفية التي أبرمت قبل تاريخ 14 شتنبر 2017 تاريخ صدور التعديل القانوني بالجريدة الرسمية. ومما يثير الانتباه أن السيد المحافظ العام حاول تبرير هذا الموقف بكون العبرة بإبرام التصرف القانوني وليس بوقت إبرام الوكالة الخاصة عرفية كانت أم رسمية (انظر مضامين المذكرة رفقته).

لكن هل يمكن القول بصواب هذا التوجه من الناحية الدستورية والقانونية على السواء؟

فحص مضمون المذكرة من الناحية الدستورية

نص دستور 2011 في الفصل السادس على أنه “… تعتبر دستورية القواعد القانونية وتراتبيتها، ووجوب نشرها ، مبادئ ملزمة.

ليس للقانون أثر رجعي”.

وكما هو معلوم فإن مضمون المذكرة موضوع النقاش يمكن أن يفحص من الناحية الدستورية على مستويين؛ أولهما كون المضمون صورة من صور القانون باعتباره يهدف إلى تحديد طريقة تعامل المحافظات العقارية مع الوكالات المدلى لها بها من جهة فهو بذلك يرسم الحدود التي تلزم المحافظات من الناحية الإدارية، وأما المستوى الثاني فهو الأساس المعتمد من لدن السيد المحافظ لتبرير استبعاد إعمال الوكالات العرفية.

فمن حيث المضمون الذي احتوته المذكرة فإنه يأخذ صورة القانون من الناحية الإدارية باعتبار أن القواعد المؤطرة للعمل الإداري لا تشمل فقط التشريعات والنصوص وإنما تضم أيضا المراسيم والمناشير والدوريات والمذكرات وكل ما يصدر من قرارات من سلطة الإشراف والرقابة والتوجيه؛ ومن هذا المنطلق يجب أن تكون مضامين كل ما ذكر موافقة للدستور، على اعتبار أن القواعد القانونية سواء جاءت في شكل تشريع أو قاعدة تضمنها مرسوم أو قرار إداري يجب أن تتسم بطابع الموافقة لدستورية وتأخذ خاصيتها الدستورية مادام الفصل السادس من الدستور جعل من دستورية القوانين بمفهومها العام مبدءا ملزما. وكما هو معلوم فإن المبدأ هو الضابط الحاكم في كل جزئيات العمل القانوني وخاصة إذا ارتبط بالمؤسسات.

أما من ناحية الأساس القانوني الذي اعتمده السيد المحافظ العام لتبرير استبعاد الوكالات العرفية المبرمة قبل تاريخ دخول تعديل المادة الرابعة من مدونة الحقوق العينية حيز التنفيذ فبدوره يخرق مبدأ عدم رجعية القانون الذي نص عليه الفصل السادس من دستور 2011؛ فما وجه هذا الخرق؟

إن قاعدة عدم رجعية القانون بغض النظر عن كونها مبدأ كونيا، فإنها تهدف – كما هو مسلم به- إلى حماية التصرفات القانونية التي أبرمها الأفراد بحسن نية ووفق التشريع الجاري به العمل وقت إبرام التصرف. فلا يعقل أن يُواجَه شخص خاضع لحكم القانون أتى تصرفا قانونيا وفق ما يقضي به نفس القانون الذي يخضع له أن يُواجَه بصورة مفاجئة بصدور قانون جديد بمقتضيات جديدة من شأنها الحد أو التضييق من حريته وحقه في  التصرفات القانونية، وتحميله المسؤولية عن مخالفة تصرفه للقانون الجديد بالرغم من كون نفس التصرف جرى على وفق القانون الجاري به العمل وقت إبرامه.

فكما هو معلوم فإن صدور قانون جديد يعتبر بمثابة قوة قاهرة تعدم إرادة الأفراد وتعفيهم من تحمل أية مسؤولية؛ لذلك فإن جميع التشريعات بدون استثناء تقضي ببقاء التصرفات التي جرت وفق القوانين القديمة صحيحة شرط قيامها على صورة صحيحة. ولما كانت التصرفات الجارية على الشكل الصحيح وفق القوانين القديمة صحيحة وقانونية فإنها تبقى منتجة لآثارها كاملة ولو صدرت مقتضيات قانونية جديدة تضع أحكاما جديدة لنفس التصرفات ومختلفة عن تلك التي أبرمت فيها هذه الأخيرة.

إن إقرارنا عقلا وقانونا بعدم إمكانية تحميل الأفراد المسؤولية نتيجة تغير أحكام القانون يجعلنا نتساءل حول ما إذا كان التوجه الذي سارت عليه مذكرة السيد المحافظ العام في عدم العمل بالوكالات العرفية التي سبق إبرامها في ظل القانون القديم توجها موفقا وسليما من الناحية المبدئية والدستورية والقانونية أم أنه موقف مجانب للصواب على اعتبار مخالفته لكل الأسس المبدئية والدستورية والقانونية؟

لقد حاول السيد المحافظ العام أن يجعل أساس الحد من إعمال الوكالات العرفية كونها ستنتج آثارها في ظل القانون الجديد، ولكن هذا الموقف يبقى غير مؤسس من الناحية القانونية لأنه يقوم على فصل التصرفات القانونية عن آثارها فصلا لا يراعي قيامها صحيحة منتجة لآثارها، إذ لا يمكن تصور قيام تصرف قانوني معين على وجه صحيح من غير أن ينتج أثره على النحو الذي قرره القانون. فالقول بقانونية وصحة التصرف القانوني لا يتحدد إلا بالآثار التي ينتجها ذلك التصرف وبالتالي لا يمكننا القول بعدم اعتبار آثار الوكالات العرفية الذي أبرمت في ظل القانون القديم من غير التطرق لما إذا كانت تلك الوكالات قد قامت على نحو صحيح بالنظر للقانون القديم أم لا؛ وهو الأمر الذي لم يذكر في المذكرة ولم يتطرق له السيد المحافظ العام، مما يجعل القول بعدم تفعيل الوكالات العرفية المبرمة قبل دخول القانون الجديد حيز التنفيذ غير مؤسس على أساس قانوني سليم ويحاول تأسيس قاعدة تشريعية جديدة مؤداها فصل التصرف القانوني عن آثاره بالرغم من كونهما وحدة غير قابلة للتجزئة وفرض هذه القاعدة بأثر رجعي مخالف لمقتضيات الدستور.

وإذا كانت مناقشتنا لمضمون المذكرة رقم 20 قد تمت لحد الآن وفق القواعد الدستورية فماذا عن المحددات القانونية؟

مضمون المذكرة لا يوافق مضمون التعديل التشريعي

لقد حاول السيد المحافظ العام أن يؤسس لعدم الأخذ بالوكالات العرفية بكون العبرة بوقت إبرام التصرف العقاري وليس بوقت تحرير الوكالة، وهو ما يلاحظ من خلال التعليل الذي جاء بالمذكرة. لكن هذا التعليل خالف مضمون التعديل التشريعي للمادة الرابعة من مدونة الحقوق العينية؛ فبالرجوع لمقتضيات المادة المذكورة نجدها تنص على ما يلي: “يجب أن تحرر تحت طائلة البطلان جميع التصرفات المتعلقة بنقل الملكية …. أو إسقاطها وكذا الوكالات الخاصة بها بموجب محرر رسمي، …. “.

فكما يستفاد من مضمون التعديل الذي شهدته المادة الرابعة من مدونة الحقوق العينية أن هذا التعديل قرر قاعدة جديدة لتحرير الوكالات الخاصة المتعلقة بالتصرفات العقارية ولم يتحدث بالمطلق عن آثار الوكالات العرفية التي أبرمت قبل إقرار هذا التعديل. ولو كانت إرادة المشرع قد اتجهت إلى الحد من تفعيل آثار الوكالات العرفية المبرمة قبل صدور القانون الجديد  لكان قد عبر عن ذلك بصورة مغايرة تماما عن الصورة التي ورد بها التعديل و لو بإضافة عبارة تفيد ذلك من قبيل “ويلغى العمل بالوكالات المبرمة على نحو مخالف ولا ترتب أي آثار بالرغم من كل شرط مخالف “.

إن صدور التعديل التشريعي للمادة الرابعة من مدونة الحقوق العينية على النحو الذي ورد بالجريدة الرسمية ليوم 14 شتنبر 2017 يفيد أن الغرض منه هو وضع حد لإبرام الوكالات الخاصة المتعلقة بالتصرفات العقارية بصورة عرفية وجعل إبرامها يخضع لأحكام إبرام العقود الرسمية؛ وهذا الاتجاه لم تسر عليه مذكرة السيد المحافظ العام وإنما أقرت حكما جديدا متمثلا في الحد من تفعيل الوكالات العرفية المبرمة قبل تاريخ دخول التعديل حيز التنفيذ ولو أبرمت على نحو صحيح وتأسيس ذلك على قاعدة ربط الوكالة بالتصرف العقاري و ليس ربط التعديل بتحرير الوكالة الخاصة وهو ما يشكل نوعا من تحريف الأساس التشريعي للتعديل.

حقيقة إن الناظر في التوجه الذي سارت عليه المذكرة رقم 20 الصادرة عن السيد المحافظ العام بتاريخ 21 شتنبر 2017 سيقف أمام واقع يمكن أن يكون موضوع تساؤل يتمثل في التفسير الإداري للمضمون التشريعي وما قد يترتب عنه من آثار لا تأخذ بعين الاعتبار إلا ما تمليه مصلحة تسيير المرفق العام من غير اعتبار للأوضاع القانونية للأفراد ومراكزهم القانونية؛ والحال أن المرفق العام أسس لخدمة حقوق المرتفقين والحفاظ على استقرار معاملاتهم وتطويع طرق وسبل تدبير شؤون المرفق العام لخدمة المرتفقين ولم يؤسس للعصف بتلك الحقوق في سبيل تبسيط المساطر وتذليل الصعاب، إذ العبرة بجودة الخدمات التي يقدمها المرفق ضمانا لحماية حقوق الأفراد وليست العبرة في وجود مساطر مبسطة لذاتها، فهذه الأخيرة ليست غاية في حد ذاتها.

تلك إذن كانت بعض الملاحظات حول المذكرة رقم 20 الصادرة عن السيد المحافظ العام، و هي قراءة قانونية يمكن أن تكون أرضية لتوسيع النقاش حول مضامينها بما يؤسس لحماية فعالة لحقوق المرتفقين.

أضف تعليقاً