استقلال النيابة العامة بين مقاربتين

2017 10 21
2017 10 21

استقلال النيابة العامة بين مقاربتين

الدكتور عبد الحكيم الحكماوي

أستاذ زائر بكلية الحقوق سلا

باحث قانوني

لقد أثار النقاش حول استقلال النيابة العامة جدلا واسعا بين مختلف الفاعلين الرسميين في الحقل التشريعي والمؤسساتي. وقد كان هذا النقاش مناسبة للاصطفاف بين مؤيد ومعارض لهذا الاستقلال.

ففريق ذهب إلى أن التأويل الصحيح لاستقلال السلطة القضائية كما ورد بدستور 2011 يتجسد في استقلال قضاء الحكم باعتباره الجهة التي تفصل في النزاعات والتي يجب ألا تتأثر بتقلبات السياسة وضغوط المحيطين السياسي والاجتماعي وحجتهم في ذلك وجود العديد من التجارب الدولية التي تحظى فيها السلطة القضائية باستقلال تام عن السلطة التنفيذية من غير فصل للنيابة العامة عن سلطة ووصاية وزارة العدل.

بينما ذهب الفريق الثاني إلى أن المقصود باستقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية وفق منظور دستور 2011 يشمل استقلال قضاء الحكم وقضاء النيابة العامة على حد سواء، مبرزا بأن أي تصور لاستقلال النيابة العامة عن السلطة التنفيذية مجسدة في وزارة العدل يجب أن تنبع من التجربة المغربية والتراكمات التي عرفتها هذه الأخيرة وخاصة ما خلصت إليه حوارات الهيئة العليا لإصلاح منظومة العدالة باعتبارها عبرت عن مختلف المشارب المغربية واطلعت على التجارب الدولية.

غير أن جمهور المهتمين بموضوع استقلال النيابة العامة بقي حائرا بين الفريقين مما خلق نوعا من الرأي العام المتسائل عن مدى جدوى الانتصار للخيار الثاني؟ الشيء الذي يجعل من الواجب التطرق لكل مقاربة اعتمدها هذا الفريق أو ذاك وتقييمها – ولو باقتضاب – في أفق الترجيح بين مرتكزات الفريقين.

استقلال النيابة العامة – المقاربة السياسية

لقد حاول الاتجاه القائل بضرورة فصل مفهوم استقلال السلطة القضائية عن استقلال النيابة العامة أن يستند إلى مبررات قائمة على المقارنة بين التجارب التي تنهجها نظم قضائية أجنبية للنهل منها. وفي هذا الصدد فقد تم التركيز على أن النظم القضائية الرائدة للعالم الحر لا تَتَحَرَّج في إبقاء النيابة العامة تحت سلطة ووصاية وزارة العدل، وبالتالي فإن المغرب باعتباره منخرطا في التجارب الدولية لن يجد أي حرج في بناء صورة للسلطة القضائية على شاكلة تلك النظم، خاصة وأن السلطة التنفيذية التي تعتبر السلطة الحكومية المكلفة بالعدل جزءا لا يتجزأ منها هي المكلفة بوضع السياسة الجنائية التي تعتبر بدورها جزءا من السياسات العمومية التي تضعها السلطة التنفيذية.

غير أن هذه المقاربة بالرغم من وجاهتها الظاهرية، فإنها تبقى محل انتقاد على العديد من المستويات نورد منها ما يلي؛

أولا: إن وجود تجارب دولية تُبقي النيابة العامة تحت سلطة وزارة العدل لا تعني أن هذه الأخيرة هي الآمر الناهي في عمل النيابة العامة كما هو الأمر بالنسبة لعلاقة وزارة العدل بالنيابة العامة وفق ما تؤطره مقتضيات المادة 51 من قانون المسطرة الجنائية قبل صدور القانون رقم 33.17 .

فكما هو معلوم فإن تجربة المغرب في ما يسمى بالعدالة الانتقالية كشفت على أن تدخل السلطة التنفيذية في عمل القضاء لم يكن ليحصل لولا تبعية النيابة العامة للسلطة التنفيذية، وهو الأمر الذي شكل أساس التوصيات التي خلصت إليها هيئة الإنصاف والمصالحة من ضرورة استقلال السلطة القضائية بمفهومها العام عن السلطة التنفيذية كضمانة لعدم تكرار التجارب السابقة وكلفت المغرب ثمنا باهضا من سمعته ورمزيته، مما يضعنا أمام تساؤل جوهري حول ما إذا كنا مستعدين لتكرار نفس التجارب في المستقبل على اعتبار أن العامل البشري والرؤية السياسية للقضاء لم تتغير ولم تتبدل لحد الساعة؟

ثانيا : لقد حاول واضعو مقاربة الإبقاء على التبعية أن يكرروا نفس التجربة المغربية السابقة، وقد تأثر بذلك واضعو مسودات ومشاريع القوانين المتعلقة بالسلطة القضائية لولا تدخل المجلس الدستوري والجمعيات المهنية القضائية -وعلى رأسها نادي قضاة المغرب- الذين نبهوا إلى خطورة بعض المقتضيات التي كانت لوحدها كفيلة بنسف كل الجهود التي راكمتها الحركة الحقوقية بالمغرب من أجل تحقيق استقلال السلطة القضائية. وفي هذا الصدد يمكن الحديث عن الصيغة التي وردت بها مقتضيات  الفقرة الأخيرة من المادة 43 من مشروع القانون التنظيمي رقم 106.13 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة والتي نصت على ما يلي :” كما يلتزم قضاة النيابة العامة بالامتثال للأوامر والملاحظات القانونية الصادرة من رؤسائهم التسلسليين”.

فكما هو معلوم فإن هذه الصيغة حاولت إلزام قضاة النيابة العامة بضرورة اتباع التعليمات الشفوية التي يصدرها الرؤساء التسلسليين لقضاة النيابة العامة والامتثال لها سواء أجاءت تلك التعليمات في شكل أوامر أو ملاحظات، وكما هو معلوم أيضا فإن لهذا التوجه آثاره السلبية على استقلال قاضي النيابة العامة عند ممارسته لمهامه القضائية. فلا يكفي أن توصف الأوامر والملاحظات الشفوية بالقانونية للقول بأنها مطابقة للدستور، لأن العمل القضائي قائم على تطبيق القانون من جهة، ونظرا لخصوصية عمل قاضي النيابة العامة الذي يشتغل في نظام رئاسي تسلسلي ومتابع بتنقيط وتقييم من الرؤساء التسلسليين فقد كفل له الدستور استقلاليته القضائية بتقييد التعليمات الصادرة إليه بالصفتين الكتابية والقانونية، وبالتالي فلا مجال للحديث عن ما ذهب إليه واضعو مشروع القانون التنظيمي المذكور من إمكانية الامتثال للملاحظات والأوامر أثناء ممارسة العمل القضائي؛ لأن من شأن تكريس هذه النظرة التي أقرتها السلطة الحكومية المكلفة بالعدل باعتبارها المسؤولة عن وضع مشروع القانون وصادق عليها أعضاء البرلمان بغرفتيه، أن يفرغ مقتضيات الفقرة الأولى من الفصل 110 من دستور 2011  التي تلزم قضاة النيابة العامة باتباع التعليمات الكتابية القانونية فقط وهم بصدد تنفيذ واجبهم بتطبيق القانون من كل محتوى، ويجعل قاضي النيابة العامة يرزح تحت سلطة المسؤول التسلسلي مما يفتح الباب مشرعا لتكرار بعض السلوكات التي من شأنها الإضرار بوظيفة القضاء في حماية الحقوق والحريات كما أسس لها الدستور في الفصل 117.

إن هذه النظرة السياسية لطبيعة عمل قاضي النيابة العامة كانت هي نفسها موضوع انتقاد من المجلس الدستوري الذي ذهب في اتجاه نقضها من الأساس على اعتبار أن الدستور نفسه لم يقيد قاضي النيابة العامة إلا بالتعليمات الكتابية القانونية وهو بصدد تطبيق القانون، وفي هذا الصدد فقد ميز المجلس الدستوري بين نوعين من الأعمال التي يقوم بهما قاضي النيابة العامة؛ النوع الأول عمل قضائي لا يمتثل فيه قاضي النيابة العامة إلا لضميره ولروح القانون الذي يجب عليه أن يطبقه وأن يتبع التعليمات الصادرة إليه كتابة في إطاره، وزاد المجلس الدستوري بأن هذ النوع من العمل لا يُقبَل فيه من قاضي النيابة العامة أن يمتثل للأوامر والملاحظات الشفوية التي تصدر إليه من رؤسائه التسلسليين، بينما النوع الثاني هو العمل الإداري الذي يتولاه قاضي النيابة العامة خلال ممارسته لمهامه وفي هذا النوع يمكن أن نتصور امتثال قاضي النيابة العامة للأوامر والملاحظات التي يوجهها له رؤساءه على اعتبار أن هذا النوع يدخل في إطار التدبير الإداري لمرفق النيابة العامة وليس في إطار العمل القضائي المرتبط بصيانة الحقوق والحريات والمراكز القانونية.

فكما هو واضح فإن ما ذهب إليه المجلس الدستوري كان متقدما جدا عن النظرة السياسية التي نهجتها الرؤية السياسية للموضوع. مما يطرح لنا أكثر من علامة استفهام حول الغرض من تبني مثل هذه المقاربة لعمل قاضي النيابة العامة.

وفي هذا السياق لنا أن نتساءل حول ما إذا كانت المقاربة السياسية قد وقفت عند قرار المجلس الدستوري رقم 992/16 م د بشأن تصور طبيعة عمل قاضي النيابة العامة أم بقيت وفية لنفس المقاربة؟

مناسبة هذا السؤال هو النقاش الذي دار بمناسبة مناقشة مشروع القانون رقم 33.17 المتعلق بنقل اختصاصات السلطة الحكومية المكلفة بالعدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة؛ فقد عملت نفس السلطة الحكومية بتكريس نفس النظرة المنتَقَدة من قبل المجلس الدستوري في إشارة واضحة بأن واضعي هذا المشروع لم يأخذوا بعين الاعتبار ما ذهب إليه المجلس الدستوري.

فقد جاءت مقتضيات المادة 2 من مشروع القانون المذكور على الشكل التالي: ” يحل الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، بصفته رئيسا للنيابة العامة، محل وزير العدل في ممارسة الاختصاصات الموكولة لهذا الأخير المتعلقة بسلطته وإشرافه على النيابة العامة وعلى قضاتها، بما في ذلك إصدار الأوامر والتعليمات الموجهة إليهم طبقا للنصوص التشريعية الجاري بها العمل”. فكما هو واضح بقيت نفس النظرة السياسية لعمل قاضي النيابة العامة حاضرة بعد الانتقاد الذي وجهه المجلس الدستوري لها والتقويم الذي صححها به، لتكون هذه المرة للجمعيات المهنية للقضاة – وعلى رأسها نادي قضاة المغرب الذي نشر موقفه من المشروع المذكور- كلمتها في تنبيه السلطة التشريعية إلى هذه الهفوة السياسية المكررة للمرة الثانية، وهو الأمر الذي تم تداركه عند التصويت بحيث أدخلت التعديلات اللازمة للمادة المذكورة لتصبح موافقة للدستور وما ذهب إليه المجلس الدستوري من تفسير لمقتضيات المادة 43 المشار إليها أعلاه.

وهكذا فقد أصبحت مقتضيات المادة 2 من القانون رقم 33.17 على الشكل التالي: ” يحل الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، بصفته رئيسا للنيابة العامة، محل وزير العدل في ممارسة الاختصاصات الموكولة لهذا الأخير المتعلقة بسلطته وإشرافه على النيابة العامة وعلى قضاتها، بما في ذلك إصدار الأوامر والتعليمات  الكتابية القانونية الموجهة إليهم طبقا للنصوص التشريعية الجاري بها العمل” الشيء الذي يبقي السؤال مطروحا حول الغاية والمغزى من استقرار نفس النظرة السياسية لعمل قاضي النيابة العامة وما تشكله تلك النظرة من خطورة على الوظيفية القضائية لهذا القاضي؟

إن مناقشة المقاربة السياسية القائمة على الرغبة في الاستمرار في تبعية النيابة العامة للسلطة التنفيذية تمليها الحاجة إلى الوضوح في الرؤية والرصانة في الانتقاد لتتضح الرؤية للرأي العام الذي يتابع هذ النقاش من زوايا مختلفة لن نبالغ إذا قلنا أنها تبقى ذات طبيعة سياسية وإعلامية محضة الشيء الذي يؤثر على المقاربة الحقوقية والقانونية لهذا الموضوع.

استقلال النيابة العامة – المقاربة القانونية والحقوقية

لقد اعتمد الفريق الذي ينادي باستقلال النيابة العامة عن السلطة التنفيذية على نفس المبررات ونفس المداخل لكنه تبنى مقاربة قانونية و حقوقية حاول تجسيدها في قالب قانوني ممهد لبلورة دور جديد للنيابة العامة على أرض الواقع.

فقد انطلق أصحاب هذا التوجه على كون تجربة حوالي ستين سنة من ممارسة النيابة العامة تحت وصاية وزارة العدل هي التي أوصلت القضاء إلى الصورة التي هو عليها الآن وما يأخذه عليه المواطن من نظرة دونية. وبالتالي فإن المقاربة السياسية لو كانت فعلا ترغب في تكريس استقلال السلطة القضائية باعتبار هذا الاستقلال ركيزة من ركائز دولة الحق والقانون لعملت على ذلك خلال المدة الفاصلة بين حصول المغرب على استقلاله وتأسيس نظامه القضائي ومرحلة ما بعد دستور 2011؛ ولم ينل من هذا الفريق ما أثارته حدة الانتقادات القائمة على محاولة إلصاق وصمة الخوف من الرقابة والفرار إلى الاستقلالية مقيما لامبالاته هاته على كون الرقابة لو كانت فعالة حقيقة لأتت أكلها خلال الستين سنة الماضية وأن المطالبة بالاستقلال عن السلطة التنفيذية نابعة من التراكمات السلبية التي عرفتها التجربة السابقة والتي أرَّخت لها توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة.

غير أن هذه المنطقة المشتركة من السجال لا تنفي وقوف هذا الفريق في فضاء خاص به يقوم على محاولة التخلص من كل عوامل التأثير السياسي والإديولوجي على عمل السلطة القضائية بشكل عام وعمل النيابة العامة بشكل خاص. وهذا الموقف يأتي منسجما مع المقاربة الدستورية لاستقلال السلطة القضائية والقائمة على فصل ما هو قضائي عما هو سياسي فصلا مطلقا لتتأتى إعادة ضبط المجال العام وإقامة موازنة بين السلط الثلاث في إطار المبادئ الدستورية الكبرى.

وهكذا فقد دعم هذا الفريق مقاربته على ثلاث مرتكزات أساسية، أولها المرتكز البشري وثانيها المرتكز التشريعي وثالثها المرتكز المؤسساتي. وقبل هذا أو ذلك فإننا نجد أنفسنا ملزمين بضرورة تبيان الأسس الدستورية والقانونية التي انطلقت منها رؤية هذا الفريق للوقوف على مدى وجاهة رأيه.

إن حجج الفريق الذي نادى باستقلال النيابة العامة عن السلطة التنفيذية ممثلة في السلطة الحكومية المكلفة بالعدل تستند إلى الوثيقة الدستورية نفسها باعتبارها مجسدة لرؤية خاصة للعلاقة التي يجب أن تسود بين السلط الثلاث. فوفق هذه المقاربة يرى أنصار استقلال النيابة العامة أن الدستور نفسه لو أراد أن يقتصر الاستقلال على قضاء الحكم دون النيابة العامة لما أورد مجموعة من الإشارات التي يمكن إجمال أهمها في ثلاث إشارات كما يلي:

الإشارة الأولى: وحدة التصور المفاهيمي لمركز القاضي؛ وتعني هذه الإشارة أن الدستور عندما تحدث عن القاضي لم يميز بين قاضي النيابة العامة وقاضي الحكم سواء بالتصريح أو التلميح. فبالتصريح مثلا يمنع نقل أو عزل قاضي الحكم إلا وفق القانون (الفصل 108 من الدستور)، وبالتلميح أعطى الدستور لمطلق القضاة الحق في الطعن في المقررات المتعلقة بوضعياتهم الفردية (الفصل 114 من الدستور) مادامت تلك المقررات صادرة عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية ومتسمة بالشطط في استعمال السلطة، مما يكرس المساواة المطلقة بين قضاة النيابة العامة وقضاة الحكم على اعتبار أن العزل والنقل ما هما إلا صورتين من صور الوضعيات الفردية التي تطبع المسار المهني للقاضي بصورة عامة.

الإشارة الثانية: عدم حسم الدستور في طبيعة الجهة التي ستتبع لها النيابة العامة؛ وهي إشارة قوية لرغبة واضعي الدستور في التحول من نظام الوصاية الحكومية على النيابة العامة كما كان معمولا به خلال الستين سنة الماضية إلى نظام العمل المستقل الذي يعتبر جزءا لا يتجزأ من استقلال السلطة القضائية؛ وفي هذا الصدد فقد أورد الدستور عبارة “السلطة التي يتبعون لها” تجسيدا لهذا التوجه.

الإشارة الثالثة: المساواة بين قضاة الحكم وقضاة النيابة العانة في الإلزام بتطبيق القانون؛ ذلك أن الدستور نفسه ألزم قضاة النيابة العامة في حدود قصوى بضرورة تطبيق القانون كما هو الشأن بالنسبة لقضاة الأحكام (الفصل110 من الدستور) مما لا يبقى معه لوصاية السلطة الحكومية المكلفة بالعدل أي معنى مادام أن الفيصل هو تطبيق النص القانوني وليس تطبيق توجه أو نظرة السلطة التنفيذية لذات النص.

فثلاثية الصفة والانتماء والوظيفية كانت بمثابة الركائز الأساسية لأنصار القول باستقلال النيابة العامة مع مبررات أخرى لا يتسع المجال لبسطها هنا لارتباطها بشكل أو بآخر بالثلاثية المذكورة. غير أن ذلك كله لا يعني أن قصة الاستقلال ستتوقف عند الفصل المؤسساتي حسب أنصار هذا التوجه بل هناك عوامل أخرى لابد من أخذها بعين الاعتبار لتقويم تجربة الاستقلال وتقييمها وهي العوامل التي تتعلق بالجانبين البشري والتشريعي.

فإذا كان المرتكزان البشري والتشريعي لا يزالان في طور التشكل بحكم تراكم التجارب وحجم تأثيرها على شخصية ونفسية القاضي من جهة وعلى الترسانة التشريعية التي تحتاج إلى تعديلات جوهرية وعميقة تواكب مستوى الوعي الاجتماعي بفكرة الحقوق والحريات في إطار من التوازن بين متطلبات الفرد وحاجيات المجتمع، فإن المرتكز المؤسساتي باعتباره الإطار الحاضن لكل ذلك يعتبر مدخلا مهما بالنسبة لهذا الفريق.

فالاستقلال المؤسساتي مقدمة لابد منها لإيجاد التربة الخصبة لنمو التجربة الحديثة التي لم يحن الوقت بعد للحكم عليها وهي لا تزال في مهدها، كما لا يجب الحكم عليها – حسب هذا الرأي– انطلاقا من نتائج تجربة سابقة مختلفة تماما سياقا وشروطا عن التجربة الوليدة.

فقد حاول هذ الفريق أن يستغل فرصة مناقشة مشروع القانون رقم 33.17 ليزيد من جرعة النبرة الحقوقية على القانون الجديد –وفاء لرؤيته- ويتجاوز النظرة السابقة من خلال ملاحظات مست جوهر وصلب المشروع المقدم من طرف السلطة الحكومية المكلفة بالعدل وحَدَّت من سلطات الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، من قبيل الحد من هيمنة النيابة العامة على المشهد القضائي برمته.

فقد كانت المادة 2 من مشروع القانون رقم 33.17 المتعلق بنقل اختصاصات السلطة الحكومية المكلفة بالعدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة تنص على أنه من بين الاختصاصات التي أسندت للوكيل العام للملك لدى محكمة النقض “تتبع القضايا المعروضة على المحاكم” مما يثير العديد من علامات الاستفهام حول التصور المسبق الذي كانت تحمله السلطة التنفيذية لعمل النيابة العامة والذي رافقها وهي تضع مقتضيات وبنود المشروع المذكور. فكما هو واضح فإن صياغة المقتضى المذكور على إطلاقيته يجعل من سلطة الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض لا تمتد لقضاة النيابة العامة وعملهم فقط وإنما تتعدى ذلك لعمل القضاء الجالس من خلال سلطة تتبع جميع أنواع القضايا المعروضة على المحاكم، بل إن هذه الصلاحية التي جاء بها المشروع لا تقتصر على المحاكم العادية فقط بل تمتد إلى المحاكم المتخصصة تجارية أو إدارية كانت، مادامت تلك الصيغة جاءت مطلقة.

وفي مقابل هذه النظرة عملت الجمعيات المهنية القضائية والقضاة أنفسهم إلى تنبيه المشرعين إلى هذه الهفوة وطالبوا بأن يبقى عمل القضاء مُحصَّنا من كل تأثير أو تدخل ولو من النيابة العامة نفسها واقتصار ذلك التتبع على القضايا التي تكون النيابة العامة طرفا فيها فقط وبما يساهم في القيام بأدوارها القضائية؛ فكانت النتيجة أن تم تعديل المقتضى المذكور ليصبح على الشكل التالي :” تتبع القضايا المعروضة على المحاكم التي تكون النيابة العامة طرف فيها” مما يوضح نطاق التقييد الذي تبناه الفريق المنادي باستقلال النيابة العامة عن السلطة التنفيذية في إطار قانوني بنبرة حقوقية ويعطي الدليل على كون رؤيته قائمة على عمل مؤسساتي مطبوع بطابع حقوقي يتجاوز النظرة السياسية وفق التصور أعلاه.

فبالنظر إلى ما ذكر من أسس اعتمدها الفريقان للانتصار لرؤيتهما لقضية استقلال النيابة العامة عن وزارة العدل والتي اتسمت بالعمق من كلا الجانبين لما لهما من تصور حول عمل النيابة العامة؛ فإن المقاربة القانونية والحقوقية تبقى تجربة فتية يجب أن تتظافر الجهود من أجل إنجاحها سواء على مستوى الرفع من منسوب الوعي بالدور القضائي في المجتمع بدل التعبئة الإعلامية المجيِّشة للرأي العام ضد القضاء كسلطة أو من خلال حث المشرعين على العمل على سن تشريعات من شأنها توضيح الحدود الفاصلة بين عمل المؤسسات وطرق تسوية الخلافات المتعلقة بالاختصاص والسلطة والصلاحيات الممكن قيامها بينها، أو من خلال العمل على توفير الظروف المناسبة لتأهيل العامل البشري الذي يتولى حماية الحقوق والحريات وتطبيق القانون؛ مما يلقي على عاتق الجميع مسؤولية المساهمة في تقويم وإرشاد التجربة الجديدة بدل الانخراط في تصدير الأحكام الجاهزة التي لا سابقة لها في ظل الظروف الجديدة وبعيدا عن منطق التجربة السابقة التي طبعت علاقة السلطة التنفيذية بالسلطة القضائية عندما كانت هذه الأخيرة تابعة للأولى، فالحكم على الشي كما يقال فرع من تصوره، وإذا كنا قد تحققنا من تصورنا للعلاقة التي ربطت بين السلطتين خلال الستين سنة الماضية وتشكلت لنا رؤية على أساس تلك العلاقة، فإن التجربة الجديدة –تجربة الاستقلال- لاتزال حديثة الولادة ولا يمكن أن نصدر عليها أحكاما مسبقة حتى قبل أن تتخذ أولى خطواتها على أرض الواقع.

أضف تعليقاً