المنازعات المتعلقة بتسوية الوضعية الفردية للموظف العمومي بين إعمال السلطة التقديرية للإدارة وأحكام سلطة القضاء الإداري

2017 10 31
2017 10 31

المنازعات المتعلقة بتسوية الوضعية الفردية للموظف العمومي

بين

 إعمال السلطة التقديرية للإدارة وأحكام سلطة القضاء الإداري

الأستاذ الزكراوي محمد

إطار متصرف بوزارة الداخلية

أستاذ باحث في الشؤون القانونية والإدارية

مقدمة

إن إعمال مبدأ المشروعية وسيادة القانون واحترامه في موضوع تسوية المنازعات الفردية للعاملين بالإدارات العمومية، يوجب خضوع سلطات الدولة للقانون،والتزام حدوده في كافة أعمالها وتصرفاتها ، فإن  العمل وفق هذا المبدأ لن ينتج أثره إلا بقيام مبدأ آخر يكمله،لأن الإخلال به يؤدي بمبدأ المشروعية إلى العدم،ويتجلى هذا المبدأ الموازي للشرعية و المشروعية في مبدأ الرقابة القضائية على دستورية القوانين من جهة، وعلى مشروعية القرارات الإدارية من جهة أخرى،لأن هذه الرقابة القضائية هي المظهر العملي الفعال لحماية الشرعية، فهي التي تكفل تقييد السلطات العامة بقواعد القانون، كما تكفل رد هذه السلطات إلى حدود المشروعية إن هي تجاوزت تلك الحدود ،

فالسلطة التقديرية الممنوحة لجهة الإدارة، تـتـقـيـد إن لم تنعدم في حالة وجود نص قانوني قائم وملزم ، فالقاعدة القانونية ملزمة في حد ذاتها وحددت للإدارة السلوك الذي يجب عليها إتباعه في مباشرة نشاطها، ويأمرها بالتصرف الذي حددته المادة القانونية حيث يتحتم على الإدارة بمقتضى حكم القانون والدستور إصدار قرار معين دون أن يكون لها اختيار في هذا المجال ،فليست لديها حرية الامتناع عن إصدار القرار المطلوب ، كما إنها لا تستطيع إصدار قرار أخر محل القرار المطلوب ، كما إنها ليس من حقها إضافة شروط جديدة إضافية ليست مقررة في نص المادة القانونية الملزمة بالتنفيذ ، وإنما علي الإدارة أن تلتزم بأحكام القانون وتتصرف في الحدود التي يرسمها لها على اعتبار أن القانون هو المصدر المباشر للحق ،فهو الذي منحه لها على اعتبار أن دور الإدارة إنما مجرد تعليمات وأوامر وإجراءات تنفيذية ،الهدف منها تطبيق القانون على حالة الموظف وتطبيق ما نص علية القانون.

ونحن بصدد دراسة و تحليل مادة المنازعات المتعلقة بتسوية الوضعيات الفردية للموظف العمومي ، وتبعا لما أصبحت تثيره الخصومات المتعلقة بالمنازعات و التسوية للوضعيات الفردية من إشكاليات قانونية ، إدارية و قضائية ،خصوصا مع ما أثارته كثرة الاجتهادات القضائية في هذا الباب ،و ما صاحبتها من اختلافات من حيث نطاق التأويلات في شأنها بين قبول المطالب المتعلقة بتسوية الأوضاع الفردية للعاملين بالإدارات العمومية ورفضها من جهة،ومن جهة ثانية عدم استقرار التوجهات القانونية و الإدارية في معالجة إشكاليات تسوية الوضعية الفردية نتساءل عن دور القانون و الاجتهاد القضائي في حماية تلك الوضعيات ومدى بسط القضاء الإداري رقابته على أعمال الأجهزة الإدارية وهي تبسط يدها بخصوص الملفات المتعلقة بالوضعية الفردية وتسويتها.

فهل فعلا تحترم إرادة القانون من طرف السلطات الإدارية في هذا المجال ؟، وما هي توجهات السلطة القضائية في تكريس الأمن القضائي و الأمن القانوني بمناسبة إصدار الإدارة لقراراتها في هذا الموضوع؟ . تلكم أسئلة سنحاول الإجابة عنها في تحليلنا لهذا الموضوع  من خلال التصميم التالي :

المبحث الأول: المنازعات المتعلقة بتسوية الوضعية الفردية للموظف العمومي على ضوء التشريع المغربي وأحكام القضاء الإداري ماهيتها ؟ وأحكامها؟

المطلب الأول :  ماهية الوضعية الفردية للموظف العمومي وفق أحكام القانون واجتهادات القضاء الإداري

المطلب الثاني:  أحكام الوضعيات الفردية للموظف ع و دور القضاء الإداري في حمايتها

المبحث الثاني:منازعات تسوية الوضعية الفردية للموظف العمومي على ضوء إعمال السلطة التقديرية للإدارة ورقابة القضاء الإداري

المطلب الأول :حدود سلطات الإدارة بالبت في الطلبات المتعلقة بتسوية الوضعيات الفردية للموظف العمومي

المطلب الثاني: العمل القضائي في منازعات تسوية الوضعية الفردية بين قضاء الإلغاء و القضاء الشامل

المطلب الثالث : قراءة في أحكام القضاء الإداري بمناسبة عرض دعاوي التسوية الفردية لوضعية الموظف العمومي ( بين القبول و الرفض)

الخاتمة

المبحث الأول

المنازعات المتعلقة بتسوية الوضعية الفردية للموظف العمومي على ضوء التشريع المغربي وأحكام القانون الإداري ماهيتها ؟ وأحكامها؟

أن مصطلح “ الوضعیة الفردیة “كما ورد في الفصل الثامن من القانون رقم 41-90 بإحداث محاكم إداریة. یشمل جمیع الحالات التي تعتري الموظف وھو یعمل مع الإدارة سواء فیما یرجع لترقیته او تأدیبه أو حصوله على أجوره  ومستحقاته، فهي حالات متنوعة و ليست حصرية يكون لها قائمة مادامت الحياة المهنية للموظف العمومي قائمة بوجودها إلى حين إحالته على التقاعد .

المطلب الأول

  ماهية الوضعية الفردية للموظف العمومي وفق أحكام القانون واجتهادات القضاء الإداري

عرف المشرع المغربي في الفصل الثاني من ظھیر 1958/02/24 المتعلق بالنظام الأساسي للوظیفة العمومیة الموظف بأنه” كل شخص یعین في وظیفة قارة ویرسم في إحدى درجات السلم الخاص بأسلاك الإداریة التابعة للدولة، ویعتبر أیضا موظفون متمرنون حسب مقتضیات المرسوم الملكي المؤرخ في 1968/05/17 المتعلق بتحدید المقتضیات المطبقة على الموظفین المتمرنین بالإدارات العمومیة ،كل شخص یعین في وظیفة دائمة ولم یعلن عن ترسیمه في إحدى الدرجات التسلسلیة لأسلاك إدارة الدولة بحیث یطبق علیھم مع مراعاة مقتضیات .ھذا المرسوم قانون الوظیفة العمومیة “، كما أن الفصل 1 من القانون الأساسي لموظفي الجماعات المحلية المؤرخ في 27/9/1977 حدد صفة موظف بالجماعات،كل شخص يعين في منصب دائم ويرسم بإحدى درجات تسلسل أسلاك الجماعات، وبذلك لا يختلف تعريف الموظف الجماعي عن تعريف الموظف العام للدولة، هذا وأن الفصل الرابع من القانون الأساسي للوظیفة نص على أن تطبق مقتضیات ھذا القانون أیضا على أعضاء السلك الدبلوماسي والقنصلي ورجال التعلیم والھیئات المكلفة بالتفتیش العام للمالیة، وأعوان الشرطة وإدارة السجون ورجال المطافئ وأعوان المصلحة العامة لإدارة الجمارك والضرائب غیر المباشرة والمفتشون والمراقبون والحراس بالبحریة التجاریة، وضباط الموانئ وموظفو المنارات، وموظفو المیاه والغابات. باستثناء ما یتعلق بنظام التأدیب وتوقیت العمل وشروط التوظیف والترقي حیث تطبق المقتضیات الخصوصیة المتعلقة بقانون كل فئة من ھؤلاء الموظفین.

أما فيما يخص المنازعات المتعلقة بالوضعية الفردية للموظفين العموميين،فإن ظھیر 1958/02/24 لم يحدد دلالة  منازعات الوضعية الفردي للموظف العمومي تاركا بذلك تقدير تلك الوضعيات لتدبير و اجتهادات القضاء الإداري ، إلا انه و بالرجوع إلى قواعد الفقه القانوني و ما جرى به العمل القضائي في هذا الباب ،يمكن القول أن هذه النزاعات جد متنوعة بحیث یصعب تحدیدھا حصرا، لكن ھذا التنوع لم یمنع الاجتھاد القضائي من  تحديدها على سبيل المثال لا الحصر، حيث استقر العمل القضائي على أن ماهية المنازعات الفردية للموظف تشمل جمیع الحالات التي تعتري الموظف وھو یعمل مع الإدارة سواء فیما یرجع لترقیته او تأدیبه أو حصوله على أجوره  ومستحقاته بمعنى أخر جميع الحالات المتعلقة بالتعیین،والحقوق والواجبات من ترقیات وتسویات وإنھاء الخدمة، وبصفة عامة جمیع النزاعات التي تجد سندھا بقانون الوظیفة التي ینتمي .إلیھا الطاعن. ویستثنى من ذلك النزاعات الناتجة عن قرارات مبنیة على قوانین أخرى غیر القوانین المتعلقة بالوظیفة كالقرارات المتعلقة برفض الاطلاع على الوثائق الإداریة إذا كان ھذا الاطلاع مبنیا على مقتضیات قانونیة غیر المشار إلیھا آنفا (قرار مجلس الدولة الفرنسي المؤرخ في(1987/11/20  )

لقد حدد الفصل 8 من قانون 41-90، الفئات المعنية بالمنازعات المتعلقة بالوضعية الفردية للموظفين والعاملين في مرافق الدولة والجماعات الترابية  والمؤسسات العمومية مستثنيا بذلك النزاعات الناشئة عن تطبیق النصوص التنظیمیة والتشریعیة المتعلقة بالمعاشات ومنح الوفاة المستحقة للأشخاص المذكورین، فإن اختصاص المحاكم الإداریة بنظرھا أفرد لھا المشرع نصوصا خاصة فبعد أن نص علیھا في الفصل 8 من قانون المحاكم الإدارية ،حددت الفصول 41 و43 من القانون 90/41 .نطاق ھذا الاختصاص ، أما بخصوص تحديد ماهيىة تلك المنازعات المتعلقة بالوضعية الفردية ، فقد جاء في قرار رقم 734 بتاريخ 17/10/1996 ملف رقم 569/95-570/95 أن مصطلح “ الوضعیة الفردیة “ كما ورد في الفصل الثامن من القانون رقم 41-90 بإحداث محاكم إداریة. یشمل جمیع الحالات التي تعتري الموظف  وھو یعمل مع الإدارة سواء فیما یرجع لترقیتھ أ وتأدیبه أ وحصولھ على أجوره  ومستحقاته ،فالقاضي الإداري  وھو ویناقش ھهذه الوضعیة إنما یقتصر على مراقبة مدى احترام الإدارة للمشروعیة في مجال احترام الإدارة في قراراتها وهي تبث في وضعيات الأفراد ومدى تقیدھا بالقوانین  والأنظمة المعمول بھا  ،فھو بذلك لا یوجه أوامر للإدارة ولا یحل محلھا ولا یعتبر نفسه رئیسا تسلیما لھا.

فخلاصة القول و بالرجوع إلى الفقه  والقضاء الإداریین یتضح أن مصطلح الوضعیة الفردیة جاء على إطلاقھه دون تقیید او  حصر فھو یشمل جمیع الحالات والأوضاع التي تعتري الموظف وھو یعمل في خدمة الإدارة أو المرفق أو الجماعة التربية  او المؤسسات العامة ،سواء فیما یتعلق بتسمیته في وظیفة معینة أو ترقیته أو تأدیبه أو حصوله على مرتبه  ومستحقاته إلى غیر ذلك من الدعاوى التي یمكن أن یقیمھا ضد الجھة الإداریة من أجل تسویة ھذه الوضعیة مما ینعكس إیجابا أو سلبا على وضعیته المادیة حسب الأحوال. وحیث إن مؤدى ذلك أن القاضي الإداري وهو یناقش ھذه الوضعیة  ویراقب مدى احترام الإدارة للمشروعیة  ومدى تقیدھا بالقوانین والأنظمة المعمول بھا اتجاه موظفیھا  ومستخدمي المرافق العامة والجماعات الترابية  والمؤسسات العامة لا یوجه  أوامر للإدارة ولا یحل محلھا ولا یعتبر نفسه رئیسا تسلسلیا لھا ، وإنما یفحص العناصر المعروضة علیھا للتأكد مما إذا كانت التسویة المطلوبة مشروعة ولھا ما یبررھا تاركا للإدارة نفسھا أمر تنفیذ الآثار القانونیة الواجب ترتیبھا على الحكم الذي یصدره في النازلة والذي یعاین من خلاله توفر أو عدم توفر شروط التسویة المطلوبة،

المطلب الثاني

أحكام الوضعيات الفردية للموظف ع و دور القضاء الإداري في حمايتها

جاء قانون المحاكم الإدارية ليكرس اختصاص هذه المحكمة بإلغاء قرارات السلطة الإدارية بسبب تجاوز السلطة ،كلما كان ذلك من متعلقات الوضعية الفردية للموظفين العموميين عندما أسند لهذه المحاكم الاختصاص للبت في الوضعية الفردية لجميع الموظفين والعاملين في مرافق الدولة والجماعات الترابية  والمؤسسات العامة ،دون أن يميز في ذلك بين ما إذا كانوا موظفين عموميين تابعين لقانون الوظيفة العمومية أو أعوان مؤقتين غير مرسمين تربطهم بالإدارة عقود خاصة، وهو ما يتماشى مع قبول الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى للطعون بالإلغاء الموجهة ضد قرارات العزل معتبرة إياها قرارات إدارية صادرة عن سلطة إدارية.

و نجد في هذا الصدد، ما تم التنصيص عليه بموجب أحكام المادتين 8 و11 من القانون رقم 41-90 المشار إليه أعلاه، بحيث تنص الفقرة الثانية من المادة 8 على ما يلي:”… تختص المحاكم الإدارية كذلك بالنظر في النزاعات المتعلقة بالوضعية الفردية للموظفين والعاملين في مرافق الدولة، والجماعات المحلية والمؤسسات العامة”. في حين تنص المادة 11 على أنه:” تختص محكمة الرباط الإدارية بالنظر في النزاعات المتعلقة بالوضعية الفردية للأشخاص المعينين بظهير شريف، أو مرسوم…”.

قدور القضاء الإداري في حماية الوضعيات الفردية  ، يتمثل أيضا في إلزام الإدارة بمتابعة  و احترام المساطر المعمول بها قانونا ، حتى لا تبقى وضعية الموظف معلقة، وقد قضى المجلس الأعلى في هذا الصدد بما يلي:” لكن حيث إن القرار المطعون فيه وإن كان مجرد إجراء تمهيدي يقضي بتوقيف الطاعن المذكور إلى حين عرض قضيته على المجلس التأديبي إلا أن الفصل 73 من القانون الأساسي العام للوظيفة العمومية واضح وصريح في وجوب تسوية وضعية الموظف الموقوف خلال أربعة أشهر ابتداء من اليوم الذي جرى به العمل بالتوقيف وأن المشرع قد نص على أنه في حالة عدم صدور أي مقرر عند انتهاء الأجل فإن الموظف يتقاضى من جديد كامل مرتبه. كما أن القضاء الإداري يعتمد على مبدأ المساواة، من أجل ضمان احترام الوضعيات الفردية ، حيث جاء في حكم المحكمة الإدارية بالرباط  رقم : 3063 بتاريخ : 30 سبتمبر 2013 م- )أن مبدأ المساواة ينصرف فقط إلى من توفرت فیه الشروط التي يتطلبھا القانون أي ذوي المراكز المتماثلة ووفق شروط ومساطر الدفعة الأولى التي سبق أن استفادت من التوظیف المباشر ، فكما هو ثابت من الوثائق المصرح بھا في الملف موقعة من طرف القطاعات الحكومیة، وداخل السنة المحددة في المرسوم من بداية يناير2011 إلى نھاية دجنبر من نفس السنة، ويتضمن توضیحا للخطوات والتدابير التي سیتم بھا تفعیل مضمون المرسوم، فضلا على أن الإدارة لم تتقدم بالطعن بعدم شرعیة المحضر في الجانب المتعلق بإقحام مؤسسة الوزير الأول أو تأشیرته، أو توقیع ممثلي الوزارات الموقعة على المحضر، مما يجعله مكتل الأركان القانونیة وملزم للحكومة من حیث التفعیل والتنفیذ، طالما أن القاعدة المتحكمة في عمل الحكومات المسیرة للمرافق العمومیة وتعاقبھا على ذلك ھو الاستمرارية خدمة للمرفق العام، أي احترام جمیع الالتزامات الناشئة عن تطبیق القوانین، وھذا المبدأ ما ھو إلا وسیلة من الوسائل المشروعة للحفاظ على استقرار المراكز القانونیة حماية للحقوق المكتسبة الاستجابة للطلب الرامي إلى اتخاذ الدولة في شخص السید رئیس الحكومة إجراءات تسوية الوضعیة الإدارية و المالیة للطرف المدعي، وفقا للمرسوم الوزاري رقم 100.11.2 الصادر بتاريخ 8 أبريل 2011 وتنفیذا لمحض20  يولیوز 2011 … نعم (.

وفي حكم أخر قضت المحكمة الإدارية بالرباط حكم رقم : 1948 بتاريخ : 10/4/2014 ملف رقم: 230/7105/2013

أن الأصل في عبء الإثبات يقع على عاتق المدعي، إلا أن الأخذ بهذا الأصل على إطلاقه في مجال المنازعات الإدارية لا يستقيم مع واقع الحال، بالنظر إلى احتفاظ الإدارة في غالب الأمر بالوثائق والملفات ذات الأثر الحاسم في المنازعات، لذا فإن من المبادئ المستقرة في المجال الإداري والتي استقر عليها قضاء محكمة النقض أن الإدارة تلتزم بتقديم سائر الأوراق والمستندات المتعلقة بموضوع النزاع والمنتجة في إثباته إيجابا ونفيا متى طلب منها ذلك من طرف المحكمة ، بحيث متى نكلت عن تقديم الأوراق المتعلقة بموضوع النزاع، فإن ذلك يقيم قرينة لصالح المدعي تلقي عبء الإثبات على عاتق الإدارة – إن عدم إثبات الإدارة لسبب تجاوز استحقاق المدعي للترقية بالمقارنة مع زملائه ،وبما يفيد احترام معايير المساواة والاستحقاق وعدم التمييز فيما بينهم ،وتبريرها فيما يتعلق بالإدلاء بمعايير التقييم والتنقيط المعتمدة رغم توفرهم على الأقدمية المطلوبة لتستطيع المحكمة ممارسة رقابتها على شرعية وملائمة قرارات الترقية ،يجعل الطلب مؤسسا لإخلال الإدارة بمبدأ مساواة موظفيها أمام القانون وأمام الفرص المتاحة المكرس دستوريا ولانحرافها في استعمال عناصر السلطة التقديرية التي تتوفر عليها للاختيار بخصوص معالجة وضعية المعني ،لاسيما وأن تقلده لمناصب مسؤوليات أمنية عدة وسبق استفادته من ترقيات لاحقة على إيقاع العقوبة التأديبية وحصوله على على وسام ملكي سام يجعل اعتباره رد إليه بقوة القانون ،مما يتعين معه التصريح بتسوية الوضعية الإدارية والمالية للمدعي،وحيث إن الترقية بالاختيار لا تتم بصورة آلية ولكن تتوقف على توفر عدة شروط أهمها وجود المنصب المالي والتقييد في جدول الترقي وعرض على اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء لإبداء رأيها فيه مع العلم بأن التسجيل في اللائحة المذكورة لا يتم إلا بعد دراسة عميقة للقيمة المهنية لكل مرشح وأخذ النقط التي حصل عليها بعين الاعتبار . وحيث إن عدم إثبات الإدارة لسبب تجاوز استحقاق المدعي للترقية بالمقارنة مع زملائه ،وبما يفيد احترام معايير  المساواة والاستحقاق  وعدم التمييز فيما بينهم ،وتبريرها فيما يتعلق بالإدلاء بمعايير التقييم  والتنقيط المعتمدة رغم توفرهم على الأقدمية المطلوبة لتستطيع المحكمة ممارسة رقابتها على شرعية وملائمة قرارات الترقية ،يجعل الطلب مؤسسا لإخلال الإدارة بمبدأ مساواة موظفيها أمام القانون وأمام الفرص المتاحة المكرس دستوريا ولانحرافها في استعمال عناصر السلطة التقديرية التي تتوفر عليها للاختيار بخصوص معالجة وضعية المعني ،لاسيما وأن تقلده لمناصب مسؤوليات أمنية عدة وسبق استفادته من ترقيات لاحقة على إيقاع العقوبة التأديبية وحصوله على وسام ملكي  سام يجعل اعتباره رد إليه بقوة القانون ،مما يتعين معه التصريح بتسوية الوضعية الإدارية والمالية للمدعي باعتباره مستحقا للترقية إلى درجة والي للأمن ابتداء من سنة 2011 مع ترتيب الآثار القانونية على ذلك.

المبحث الثاني

منازعات تسوية الوضعية الفردية للموظف العمومي على ضوء  العمل القضائي

السلطة التقديرية هي : إحدى الامتيازات القانونية للإدارة، وهو حق يمنح الإدارة ممارسة نشاطها العادي في الظروف الطبيعية، واتخاذ القرارات الإدارية الملائمة في حالة وجودها أمام ظروف معينة، ولم يُلزمها القانون من اتخاذ قرار معين بصدد هذه الحالات الخاصة الخارجة عن ظروف عملها الطبيعية. وتُعد “السلطة التقديرية” إحدى أهم الصلاحيات الإدارية الواسعة والاختصاصات التنظيمية المُخولة التي يتمتع بها المديرون والمسؤولون عند اتخاذهم القرارات الإدارية في حال غياب نص نظامي يُعالج مسألة أو موضوعاً أو قضية إدارية أو مالية ما، سواءً في الظروف الاعتيادية أو الاستثنائية.

إن تمتع الإدارة بسلطة تقديرية يقوم على أساسيين الأول تبرير عملي، والثاني مصدر نظامي. أي ينبغي أن تتصور دائماً أن السلطة التقديرية مرتبطة بفكرة التنظيم القانوني، (أي : نتيجة مستخلصة من حال معينة للتنظيم القانوني). ولعل من أمثلة السلطة المقيّدة للإدارة ــ بخصوص استحقاق الموظف إجازة مرضية ــ ؛ أنه إذا صدر تقرير طبي معتمد من مستشفى حكومي ــ وفق لائحة الإجازات المرضية ــ، وجب على (صاحب الصلاحية) إصدار قرار بمنح إجازة مرضية للموظف، فليس للإدارة أي سلطة تقديرية. ومن أمثلة السلطة التقديرية للإدارة ؛ هو حقها في منح خطابات الشكر.

المطلب الأول

حدود سلطات الإدارة بالبت في الطلبات المتعلقة بتسوية الوضعيات الفردية للموظف العمومي

أن السلطة التقديرية ،لا تتحقق ،أو لا يعترف بها للإدارة إلا فيما لا يخضع من تصرفاتها لرقابة هذا القضاء، لذلك عبر بعض الفقه ــ الذي ينتمي إلى هذا الاتجاه ــ بأن السلطة التقديرية لا توجد إلا في الحالات التي تستقل فيها الجهة الإدارية وبمعزل عن الرقابة القضائية، بتقدير تناسب الواقعة مع قاعدة القانون، وتتوقف هذه السلطة عن كونها تقديرية متى خضعت الإدارة عند إجرائها لهذا التقدير للرقابة القضائية. وفي الحقيقة إن الاتجاهين السابقين يتكاملان، إذ تكون السلطة التقديرية هي المجالات الإدارية التي لا يُحدّد المشرع مسلك الإدارة اتجاهها مسبقاً، وتكون سلطة القضاء الإداري تجاهها (مقيدة) عند نهوضه بمهمة الرقابة على أعمال الإدارة تكون سلطة الإدارة مقيدة إذا كان القانون يملى على الإدارة في هذه الحالة المسلك الذي يجب عليها انتهاجه فلا يترك لها حرية الاختيار بين مواقف متعددة ، هذا إذا اتخذت الإدارة موقفا أخر غير ذلك الموقف الذي حددته القاعدة التنظيمية العامة يكون عملها غير مشروع .

ومن حيث أن طبيعة السلطة التقديرية ،فهي لا تكون بقرارات متصلة بدرجات مالية أو تسويات إدارية متصلة بدرجات مالية أو ترقيات لان مصدرها الوحيد هو القانون واللوائح التنفيذية للقانون، بل تكون السلطة التقديرية في حالة عدم وجود نص قانوني يحدد السلوك لجهة الإدارة في مباشرة نشاطها ويأمرها بالتصرف في الحدود التي يرسمها لها.

فالمقصود بالسلطة التقديرية للإدارة، الحالات التي تظهر بها هذه السلطة،أي الحالات التي تتمتع الإدارة فيها بسلطة تقديرية، وهي الحالات التي لا تكون فيها سلطة الإدارة مقيدة. فمن المسلَّم به أن للقرار الإداري خمسة عناصر، هي : (الاختصاص ــ الشكل ــ السبب ــ المحل ــ الهدف)، ومن المسلمات أيضاً أن عنصري (الاختصاص ــ الشكل) في القرار الإداري تجري عليهما السلطات المقيدة للإدارة بحيث يكون مخالفاً لمبدأ المشروعية عدم التقيّد بالاختصاص أو عدم مراعاة الشكل الذي نص عليه القانون لظهور القرار الإداري، وعليه فلابد لكل جهة أو شخص مراعاة قواعد (الاختصاص ــ الشكل) المنصوص عليهما قانوناً، لأن كلاهما لا يشتمل على سلطة تقديرية.أما العناصر الأخرى للقرار الإداري وهي : (السبب ــ المحل ــ الهدف) فقد تكون من السلطات المقيدة أو التقديرية. ولا تعتبر الإدارة عند ممارستها لسلطتها التقديرية ــ خارجة على «مبدأ المشروعية» لأن ما تتمتع به من حرية اختيار وتقدير قد تقرر لها من خلال المنظم نفسه، ولأن ما يصدر عنها من قرارات في نطاق سلطتها التقديرية أو المقيدة تبقى خاضعة لرقابة القاضي الإداري الذي يحكم بإلغائها أو بإلغائها والتعويض عن الأضرار التي تتسبب فيها لمخالفتها لمبدأ المشروعية، والأصل أن القضاء الإداري لا يُراقب استخدام الإدارة لسلطتها التقديرية ما دام أن قرارها الإداري في حدود القانون.

فالإدارة ملزمة في إعداد جداول الترقي أن تقوم بعرضها على اللجان المتساوية الأعضاء التي تعمل كلجان للترقي فهي ضرورية لأنها تشكل ضمانة أساسية للموظفين اتجاه السلطة الرئاسية، وما يكسب هذه اللجنة مصداقية أن اللذين لهم الحق في تقييد أسمائهم ضمن لائحة الترقي لا يجوز لهم أن يشاركوا في مداولة اللجنة. ويبقى دور هذه اللجان دورا استشاريا، ولكن يبقى إلزاميا إذ في حالة عدم استشارتها، يعتبر قرار الإدارة معيب ومحلا للإلغاء.ولضمان حق الموظف في الترقية صرح القاضي الإداري على مستوى الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى بمايلي:” أن الترقية ليست إلزامية بالنسبة للإدارة ولا حقا مكتسبا للموظف فللإدارة سلطة تقديرية في الاختيار بين مجموعة من الموظفين الذين يتوفرون على نفس الشروط سواء فيما يخص الأقدمية أو الاستحقاق”.

إن هذا الموقف الذي يعتبر شبه قار ،والذي يرجح عنصر فعالية الإدارة على حساب حق الموظف في الترقية، من منطلق أن تعليق تطبيق القانون يتوقف على الإدارة، معناه تمتع الموظفين بحقوقهم برضى الرئيس عن المرؤوس، مما قد يفتح الباب أمام تجاوز الإدارة بالضمانات المرتبطة بحق الترقية، وقد تنبهت بعض المحاكم بعدم مجاراتها لموقف الغرفة الإدارية السابق من جهة ومحاولتها الموازنة بين السلطة التقديرية للإدارة من جهة أخرى، حيث صرحت:”أن للإدارة في جميع الأحوال سلطة تقديرية في ترقية موظفيها والتي تخرج عن رقابة القضاء، إلا إذا انحرفت في استعمال هذه السلطة فحينذاك يمكن للقاضي الإداري أن يسلط مراقبته على القرار الإداري من هذه الناحية”.

وقد اعتبر القاضي الإداري من قبيل الانحراف في استعمال السلطة تخطي الإدارة المدعية في الترقية بدون سبب رغم إقراره بتمتع الطاعنة بالتقدير الجيد ونقط الامتياز، مما استوجب إلغاء القرار المطعون فيه.

المطلب الثاني

منازعات تسوية الوضعية الفردية بين قضاء الإلغاء و القضاء الشامل

من المعلوم أن ولاية القضاء الإداري، تتوزع بين قضاء الإلغاء والقضاء الشامل، وتعرف دعوى الإلغاء بأنها:”دعوى قضائية ترفع للمطالبة بإعدام قرار إداري صدر مخالفا للقانون ،وتعد هذه الدعوى أهم وسائل حماية المشروعية، إذ أنها تؤدي إلى بطلان القرار الإداري كجزاء لعدم مشروعيته ومخالفته للقانون”،أما دعوى القضاء الشامل، فهي خصومة قائمة بين طرفين، يدعي أحدهما أنه وقع المساس بأحد مراكزه الذاتية أو الشخصية، ويملك فيها القاضي سلطات واسعة من أجل إرجاع الحق لصاحبه وتقرير التزامات على الطرف الأخر.القائم على وجوب الرجوع إلى مصدر الحق الذي يطالب به المدعي للتمييز بين دعوى الإلغاء والقضاء الشامل في مجال الوضعية الفردية، ومعرفة ما إذا كانت الحقوق المطلوبة تجد سندها في القانون مباشرة، ففي هاته الحالة، تعد المنازعة من دعاوى القضاء الشامل، وبالتبعية ما أصدرته جهة الإدارة من أوامر وقرارات مجرد أعمال تنفيذية توخت من خلالها تطبيق أحكام القانون على الوضعية الفردية المعنية، بدون أن يكتسي صبغة القرار الإداري أو تقبل لذلك الطعن فيه بالإلغاء للتجاوز في استعمال السلطة.

إن مناط التمييز بين دعوى قضاء الإلغاء ودعوى القضاء الشامل في مجال الوضعية الفردية هو مصدر الحق المطالب به كون الحق المدعى به يجد سنده في القانون يجعل المنازعة مصنفة ضمن  القضاء الشامل وهو ما يجعل صاحب الشأن غير مقيد بأي أجل قصد اللجوء إلى القضاء.،فقد اعتبرت المحكمة الإدارية بالرباط، أن خصوصية دعوى القضاء الشامل تتمثل في تأسيس الطعن بمناسبتها على حقوق شخصية تتصل بمركز المدعي المتولدة من القانون مباشرة، ويتدخل القاضي بمناسبته ليحدد في حكمه نطاق ومدى الحقوق والالتزامات التي ترتبط بالنزاع في مواجهة طرفي الخصومة حتى و إن اقتضى الحال وجود دعوى موازية . حيث جاء قي قرار المجلس الأعلى، الصادر بتاريخ 19/10/1998،:” أن مهمة المستأنف تنحصر في القيام بدور كاتب رئيس مساعد، وبذلك فهو يعتبر من فئة المستخدمين الخاضعين لأحكام القانون الخاص في علاقته التعاقدية مع بنك المغرب، كما لاحظ قضاة الدرجة الأولى، وبذلك فإن قرار الفصل وإن كان قرارا إداريا صادرا عن سلطة إدارية قابلا للإلغاء، إلا أن هذه القابلية مشروطة بعدم وجود دعوى موازية، كما نص على ذلك القانون المحدث للمحاكم الإدارية”. وهو ما ذهبت وصارت عليه المحكمة الإدارية للرباط  في حكم لها  بتاريخ 19/03/1998، عدد346، بين الدحاني فاطمة والصندوق الوطني للقرض الفلاحي، بحيث جاء فيه:” وحيث إنه كان في إمكان الطاعنة اللجوء إلى المحكمة العادية للمطالبة بحقوقها في إطار نزاعات الشغل، وحيث إنه أمام وجود دعوى موازية يتعين التصريح بعدم قبول الطلب”.وهو ما فنده حكم  المحكمة الإدارية بالرباط قسم قضاء الإلغاء حكم بتاريخ 31/1/2013 ملف رقم 181/5/2012

قرار إداري – لحوق ضرر بالغير – وجود دعوى موازية – الطعن بالإلغاء (لا). سبب الطعن بالإلغاء القائم على حصول ضرر للطاعنين من ترخيص فتح مؤسسة تربوية خاصة للتعليم الذي يقطنون فيه غير مرتكز، ما دام أن للمتضررين من هذا الترخيص الحق في مقاضاة أصحاب المؤسسات المضرة بالصحة أو المقلقة للراحة للمطالبة برفع الأضرار التي يتظلمون منها في نطاق الفصل 91 من قانون الالتزامات و العقود أمام القضاء العادي، و لا يحول الترخيص دون مباشرة هذه الدعوى المقررة في الفصل المذكور.

أما فيما يخص ارتباط الآجال ومدر احترامها في دعاوي الإلغاء بصدد المنازعات المتعلقة بالوضعية الفردية للموظفين ،فقد جاء في الحكم الإداري عدد 3793 2016-10-25 بتاریخ في الملف رقم 80-7105-8 انه :

متى كانت دعوى تسویة الوضعیة الفردیة للموظف تستند إلى حق مستمد من القانون وكان الفصل فیھا لا یستوجب المساس بقرارات فردیة تحصنت ضد الطعن،

فإنھا – أي الدعوى- لا تخضع لشرط الأجل المنصوص علیھا في المادة 23 من القانون المحدث للمحاكم الإداریة. وهكذا قضت قي موضوع النزاع المتعلق بمسطرة المعادلة مع الشھادات الجامعیة تقتضي أن یكون الدبلوم المراد معادلته صادرا عن جامعة أجنبیة.و لما كانت شھادة الإجازة المھنیة شھادة وطنیة صادرة عن إحدى مؤسسات التعلیم العالي المغربیة فلا یمكن التمسك بتبریر عدم إمكان اعتمادھا لعدم لتحدید مسطرة المعادلة بشأنھا.الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بالرباط، في قضية مصطفى محروس ضد وزير الداخلية، الذي جاء فيه: حيث إنه حقا، وكما جاء في جواب السيد الوكيل القضائي للمملكة، فإن الحق في إقامة الدعوى الحالية قد سقط بانصرام آجل ستين يوما على تاريخ توصل الطاعن أو علمه بقرار عزله، وذلك طبقا لمقتضيات المادة 23 من قانون رقم41-90، مما يتعين معه الحكم بعدم قبول الطلب”.

أما فيما يخص حل المنازعات المتعلقة بالوضعية الفردية للموظفين في إطار القضاء الشامل  فقد جاء في قضاء المحكمة الإدارية بالرباط في حكمها رقم 331 بتاريخ 2000/07/5 ،قسم : ألاستعجالي، ملف رقم 99/450 غ على انه : تبت المحكمة الإدارية في نطاق اختصاصھا ألولائي في المنازعات المتعلقة بتسوية الوضعیة الفردية للموظفین والعاملین في مرافق الدولة والجماعات المحلیة في إطار القضاء الشامل ( الفقرة 2 من المادة 8 من قانون 41/90. (الأصل أن الموظف إذا كان قد اكتسب مركزا قانونیا ذاتیا في درجة او مرتب بالتطبیق لقواعد تنظیمیة عامة تسمح بذلك مقررة في قانون او لائحة، فلا يجوز المساس بھذا المركز القانوني الذاتي إلا بنص في قانون يقرر الأثر الرجعي ولیس بأداة ادنى من قانون .

على الجماعیة المدعى علیھا وقد قررت إعادة ترتیب الموظف لديھا أن تقوم بذلك تطبیقا لنفس المقتضیات القانونیة التي وظفته في ايطارھا دون اعتبار لأي مقتضى قانوني او تنظمي لاحق ضار بوضعیته كمستخدم . وهو نفس المنحى الذي صار عليه  قرار محكمة النقض عدد 955 الصادر بتاريخ 22 دجنبر 2011 في الملف الإداري عدد 592 / 2009/1/4 في موضوع تسوية الوضعية الإدارية وخيار الطاعن بين اللجوء إلى قضاء الإلغاء و القضاء الشامل بقولها :

(إذا كان من حق الموظف العمومي أن يختار بين دعوى القضاء الشامل أو دعوى الإلغاء للحصول على تسوية وضعيته الإدارية، فإنه في كلتا الحالتين يجب أن يتقيد بأجل الطعن المقرر في دعوى الإلغاء ليمارس دعوى القضاء الشامل متى شاء، ويعد هذا الأجل من النظام العام بحسب المحدثة بموجبه محاكم إدارية. ‐ مدلول المادة 23 من القانون رقم 90.41)

المطلب الثالث

  قراءة في أحكام القضاء الإداري بمناسبة عرض دعاوي التسوية الفردية لوضعية الموظف العمومي (بين القبول و الرفض)

إن تعارض الأحكام مصطلح قانوني يبحث في وجود تباين وتمايز في الأحكام بين واقعتين اتحدتا في صورتيهما وظرفيهما بيد أن الحكم يختلف اختلافا لا يمكن أن يقبله العقل والتصور لدى عامة الناس فضلاً عمن هو متخصص في هذا الشأن, وتنطبع صورة تناقض الأحكام لدى العامة قبل انطباعها لدى المتخصصين. إن نظرةً وإطلالةً سريعة على ما يجري لدى الدول المتطورة قضائياً يعكس انطباعا بأننا لا نبدأ من حيث انتهى الآخرون بل إننا نعيد ما ابتدأ به الآخرون للوقوع في معترك الأخطاء والتناقضات التي جرت في الماضي في خضم ظروف لم تتمتع بميزة عصرنا ووقتنا , وهي ميزة الثورة المعلوماتية وسهولة الحصول عليها لحدوث التطوير والارتقاء بالأداء القضائي إلى أحسن مستوياته وليكون هو الملاذ الحقيقي للمجتمع من التعسف في استعمال السلطة وإساءة استخدامها وكبح جماح الفساد الذي يُرهق مقدرات الوطن وتسهيل الحصول على الحقوق الضائعة.

فإذا كان اتهام فكر معين بالتناقض يعد امراً سيئاً بغير جدال ويسعى صاحبة جاهداً إلى التبرأ منه ،فإن الأسوأ منه أن يوجه هذا الاتهام إلى فكر القضاء والحكم ماهو إلا إعلان لفكر القاضي في استعماله لسلطته القضائية وهو الفكرالذى يفترض المشرع تطابقه مع الحقيقة ولذلك تحرص القوانين التي تتولى تنظيم القضاء وأدائه لوظيفته وأولها قانون المرافعات .على أن تضع من القواعد ما يكفل الحيلولة دون نشوء أي مظهر من مظاهر التناقض في أعمال القضاء وخاصة قيام تعارض بين أحكامه فالنظام القضائي في الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً, يتمتع بانسيابية وتناسق في إرساء الأحكام القضائية التي تتجسد في تقرير السوابق القضائية لحمايتها من التناقض والتباين والتمايز سواء على المستوى الفدرالي أو على مستوى الولايات المتعددة, وعند حدوث صدور حكمٍ يُشعرُ أنه يتباين ويتمايز مع حكمٍ آخر فإن طبيعة التعددية الفكرية الثقافية التي يتمتع بها رجال القضاء والقانون في تلك المجتمعات المتطورة تُظهر ذلك التباين والتمايز إلى العلن ويدور نقاش وحوار قانوني ثقافي يصب في مصلحة الارتقاء بالأداء القضائي لتعزيز الحريات المترسخة في دستور وقوانين الدولة. فكثيرا ما نجد أن أحكام القضاء الإداري تذهب في الحالات المعروضة عليها  بقبول طلبات التسوية الفردية لوضعية الموظف العمومي .وفي حالات أخرى ترفضها ، وهذا يثير الكثير من التساؤلات بالنسبة للمهتمين بالشأن القضائي ورقابته على أعمال الإدارة و هي بمناسبة  بسط قراراتها على الموظف العمومي ،ذلك ان هناك الكثير من الوضعيات استجابت لها السلطة القضائية في حين هناك من تم رفضها فقد جاء في شان قبول الطلب و الاستجابة له قرار المحكمة الإدارية بالرباط، في قضية محمد امشيشو، حيث قضت بما يلي:” حيث يهدف الطلب إلى الحكم بتسوية الوضعية………وحيث من الثابت، ومما لا تنازع فيه الإدارة أن الطاعن كان مستوفيا من حيث المبدأ لشروط الاستفادة من مقتضيات المرسوم رقم 738-200المؤرخ في 31/10/200، بخصوص الترقية الاستثنائية إلى درجة مقدم رئيس قبل إحالته إلى التقاعد، لاسيما أنه يتوفر على الأقدمية المتطلبة، إلا أن الإدارة التي اعتبرت أن الترقية الاستثنائية تبقى مع ذلك غير آلية رغم توفر الشروط وعدم العمل بنظام الكوطا، لم تبرز أي أسباب واقعية أو قانونية تبرر القفز على المقتضيات الصريحة … وبالتالي حرمان المدعي من حقه في الاستفادة من تلك الترقية”.و هو نفس الاتجاه الذي تكرر في قضية أخرى تتعلق بتسوية الوضعية الفردية للموظف حيث جاء فيها :

(إن مطالبة المدعي المقترنة بأداء الرسوم القضائية والرامية على إلغاء قرار إيقافه عن العمل مع إرجاعه إلى عمله واستحقاقه لمرتبه طيلة مدة التوقيف، تتعلق بتسوية وضعية إدارية لموظف ،وهي منازعة لا تتقيد بآجال دعوى الإلغاء بل بآجال التقادم العادي، لتعلق الأمر بدعوى تسوية الوضعية الفردية، وأنه تطبيقا لمقتضيات الفصل 73 من القانون المؤرخ في 24/02/1958،وبعد صيرورة الحكم الجنحي الذي أخذ الطاعن بعقوبة مالية نهائي، كان على رئيس المجلس البلدي العمل على تسوية وضعية الطاعن باستدعائه للمجلس التأديبي في أقرب أجل ممكن ابتداء من تاريخ توصله بالقرار لاستئنافي، وأن امتناعه عن القيام بذلك يعد قرارا سلبيا مخالفا للقانون وقضت كذلك بإلغائه مع إرجاع الطاعن إلى عمله وأحقيته في استرجاعه لمرتبه كاملا عن مدة التوقيف، كأحد تجليات سلطة القاضي الإداري في دعاوى القضاء الشامل المندرجة ضمنها المنازعة المتعلقة بالوضعية الفردية”.) وفي حكم أخر للمحكمة الإدارية بالرباط، في قضية مصطفى محروس ضد وزير الداخلية، الذي جاء فيه: ” حيث إنه حقا، وكما جاء في جواب السيد الوكيل القضائي للمملكة، فإن الحق في إقامة الدعوى الحالية قد سقط بانصرام آجل ستين يوما على تاريخ توصل الطاعن أو علمه بقرار عزله، وذلك طبقا لمقتضيات المادة 23 من قانون رقم41-90، مما يتعين معه الحكم بعدم قبول الطلب”. فإنه لا يوجد ما يمنع الموظف من تقديمه، لطلب الإلغاء وطلب التعويض ضمن نفس المقال وأمام نفس الهيئة القضائية.وحيث إن الإدارة لا تنازع في أنها لم تعرض قضية الموظف المذكور على المجلس التأديبي رغم مرور أجل أربعة أشهر فيكون قرارها المذكور أصبح متسما بالتجاوز في استعمال السلطة مما يبرر إلغاءه وبذلك فإن الحكم المستأنف يعتبر واجب التأييد”.

أما بخصوص حالات الرفض بخصوص تسوية تلك المنازعات فقد جاء في قرار الغرفة الإداریة الحكم الإداري رقم 44 الصادر في 4 نونبر 1966: ما يلي : على انه یجوز للسلطة الإداریة المختصة بسحب مرسوم تنظیمي یھدف إلى منح طائفة من الموظفین زیادة في أقدمیتھم، وذلك ما دام لم یصدر تطبیقا له قرارات فردیة من أجل إفادة كل المعنیین بالأمر من مفعول المرسوم الذي لم ینشئ بذاته حقا مكتسبا. وبالثالي رفض الطلب .

والحقيقة أن تسوية الوضعية الفردية ومن وجهة نظرنا ، ليست إلزامية بالنسبة للإدارة ولا حقا مكتسبا للموظف، فالإدارة لها سلطة تقديرية، في الاختيار بين مجموعة من الموظفين الذين يتوفرون على نفس الشروط فيما يخص الأقدمية والاستحقاق”

وان كل ما في الأمر هو انه يجب على الإدارة أن تبرز الأسباب الواقعية أو القانونية التي تبرر قفزها على المقتضيات الصريحة وتبقي تلك المبررات خاضعة لسلطات القضاء الإداري بحيث إما أن يأخذ بها او أن لا يعتد بها

الخاتمة

إن السلطة التقديرية الممنوحة للإدارة ،تتيح لجهة الإدارة أن تطبق سلطتها على موظف وتسوى حالته ،وتمتنع عن تطبيقها على موظف أخر رغم تساويهم في كل الظروف وهذا نراه من جانبنا آمر مخالف لقواعد ومرتكزات  الدستور،القاضية  بتفعيل مبدأ المساواة بين المواطنين وهم العاملين بالوحدة الإدارية نفسها ، مما يعد ضربا من ضروب العمل الذي لا أساس له من الناحية القانونية ، بل كان على المشرع المغربي أن يحاكي نظيره المصري بالتنصيص على مادة فريدة في  مادة تسوية المؤهلات العليا و الوضعيات الفردية في قانون الوظيفة العمومية  بقوله انه:

“ بالنسبة لطلبات تسوية الوضعية الفردية  للعاملين بالإدارات العمومية، فانه يجوز للموظفين الحاصلين على مؤهلات أعلى قبل الخدمة أو أثنائها ، التقدم للوظائف الخالية بالوحدات التي يعملون بها، أو غيرها من الوحدات، متى كانت تلك المؤهلات متطلبه لشغلها، وبشرط استيفائهم الشروط اللازمة لشغل هذه الوظائف”، وبذلك يكون تطبيق القانون أولى من تدابير السلطة التقديرية الممنوحة للإدارة، وذلك ما تجسده في رايتا قاعدة لا اجتهاد مع وجود النص.

أضف تعليقاً