تقييم موقف السيد المحافظ العام من تصرفات الأم في أموال ولدها القاصر

2017 11 05
2017 11 05

تقييم موقف السيد المحافظ العام من تصرفات الأم في أموال ولدها القاصر

موسى بوملال

طالب باحث

ماستر التوثيق والمنازعات المدنية

كما هو معلوم فأن المحافظ العام يعتبر الرئيس المباشر لعمل المحافظات العقارية بالمغرب ، وهو بهذه الصفة يعتبر الجهة الساهرة على توجيه العمل الإداري في ميدان التحفيظ العقاري وتوحيده عند الاقتضاء. ولذلك فإنه يتدخل في مرات عديدة بمذكرات متنوعة المواضيع يكون الهدف منها حل الإشكالات التي تعترض العمل اليومي للمحافظة العقارية. وفي هذا السياق فقد علم المحافظ العام على إصدار مذكرة متعلقة بالتصرفات التي تنجزها الأم “الولي: في أموال ولدها القاصر، هي المذكرة المؤرخة بتاريخ 16 يوليو 2004.

إن أول ما يثير انتباه المطلع على المذكرة المذكورة سيجد أن السيد المحافظ العام قد استند في إصداره لها على جواب وزارة العدل بواسطة كتابها المؤرخ في 24 ماي 2004 رقم 10967-2 ق م ق م في ملف رقم 23-م” بأن تصرفات الأم “الولي” في أموال ابنها القاصر لا تتوقف على إذن القاضي المكلف بشؤون القاصرين طبقا لمقتضيات مدونة الأسرة”، وقد اعتبر هذه المذكرة بمثابة سند قانوني وجه من خلاله همل المحافظات العقارية في التصرفات التي لها علاقة بالتصرفات التي تنجزها الأم في أموال ولدها القاصر.

وعلى ضوء هذا المعطي يمكن لنا قراءة هذه المذكرة قراءة قانونية تساءل سندها القانوني أولا ثم مدى مطابقتها لمضمون ما نصت عليه مدونة الأسرة ثانيا.

كما يعلم الجميع أن العمل الإداري وإن كان خاضعا لضابط الملاءمة ، فإن القرارات المتخذة في شأن التدبير الإداري للمرافق العمومية يجب أن تنضبط لمقتضيات القانون متى كان ذلك ملزما وإلا تعرضت لهدم شرعيتها ومشروعيتها، وكانت بذلك غير مسببة تسيبا قانونيا يعرضها للطعن.

لقد أسس المحافظ العام مذكرته على أساس رؤية سياسية لوزارة العدل وليس على أساس قانوني. فقد استند على موقف اتخذته وزارة العدل كجواب على سؤال طرح عليها ، ولكن مضمون ذلك الجواب جاء خاليا من أسبابه ومسوغاته مما يطرح العديد من التساؤلات حول مدى قانونيته أو أنه مجرد موقف اتخذت وزارة العدل بناء على تفسير إداري لمضمون تشريعي لم يحترم قواعد التفسير المعقول للقاعدة القانونية، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، وبما أن السيد المحافظ العام يعمل على توحيد العمل الإداري في ميدان التحفيظ العقاري، فإن قراراته يجب أن تكون محكومة بالضوابط الدستورية والقواعد القانونية، وألا تكون مخالفة للمبادئ الملزمة.

وفيما يتعلق بموضوع المذكرة موضوع القراءة نجد أن السيد المحافظ العام  ساير وزارة العدل في القول بالمساواة بين الأم والأب في مسألة التصرفات التي ينجزونها في أموال أبنائهم القاصرين، لكنه لم يجعل تلك المساواة خاضعة ومؤطرة بحكم القانون ولكن جعلها عامة تسري على جميع التصرفات وهو ما يخالف المقتضيات التي أتت مدونة الأسرة. إذ نجد أن المحافظ العام خالف القاعدة الدستورية تراتبية القانون والتي تستلزم عدم مخالفة القانون الأدنى للقانون الأعلى، وذلك بخرق القانون العادي بإصدار مذكرة مخالفة لما هو مسطر في فصوله ولا سيما قانون الالتزامات والعقود ومدونة الاسرة. بحيث أن المذكرة فيها خرق للفصل 11 من قانون الالتزامات والعقود الذي ينص على أن” الأب الذي يدير أموال ابنه القاصر أو ناقص الأهلية والوصي والمقدم، وبوجه عام كل ما يعينه القانون لإدارة أموال غيره، لا يجوز لهم إجراء، أي عمل من أعمال التصرف على الأموال التي يتولون إدارتها الا بعد الحصول على إذن خاص بذلك من القاضي المكلف بشؤون القاصرين ويعتبر من أعمال التصرف في معنى هذا الفصل البيع والمقايضة والكراء لمدة تزيد عن ثلاث سنوات والشركة والقسمة وإبرام الرهن وغير ذلك من الأعمال التي يحددها القانون صراحة.

إذ نجد المشرع منع كل من يتولى إدارة أموال القاصر أو ناقص الأهلية على النحو المبين في النص من القيام بأي عمل من أعمال التصرف بالنسبة للأموال التي يتولون إدارتها، إلا بعد الحصول على إذن خاص بذلك من القاضي المختص مع تقييد سلطات القاضي بحالة الضرورة ووجود حالة النفع البين لناقص الأهلية.

كان هذا في إطار قانون الالتزامات والعقود باعتباره قانونا معياريا. وبما أن الولي يعتبر نائبا شرعيا كما نص على ذلك المشرع في المادة 230 من مدونة الاسرة، ويدخل ضمن مفهوم الولي  الذي يجب أن تخضع تصرفاته لرقابة القضاء حسب المادة المذكورة أعلاه الأب والأم والقاضي والوصي والمقدم ، وهذا ما أكدته محكمة الاستئناف بمراكش بتاريخ 12/9/89 تحت عدد 639 في الملف العقاري عدد 791/89 منشور بمجلة المحامي عدد 19و 20 ص 188 وما يليها. الذي جاء فيه” حيث من الثابت من الإشهاد المسلم من طرف الموثق أن حقوق الولدين تم تقويتهما من طرف والدهما، وحيث أن الإشهادين المسلمين من الموثق وملف النازلة خاليا مما يفيد توفر الأب على الإذن المشار إليه في الفصل 11 من ق ل ع، عندما فوت حقوق ولديه القاصرين، وبالتالي فإن هذا البيع لا يلزمهما ويعتبر لا غيا في مواجهتهما.

غير أن المشرع في مدونة الأسرة باعتبارها هي القانون الذي تخضع له الولاية والأهلية والذي يحكم النيابة الشرعية، واستثناء من الفصل 11 من ق ل ع أقر في مطلع  المادة 240 من مدونة الأسرة أن الولي لا يخضع لرقابة القضاء القبلية في إدارته لأموال المحجور ولا يفتح له ملف النيابة الشرعية بالنسبة له قبل أن يستدرك وينص في نفس المادة على أنه لا يمكن للنائب الشرعي بمفهوم المادة 230 من نفس القانون أن يتصرف في أموال المحجور إلا بإذن من القاضي إذا تعدت قيمة أموال المحجور مائتي ألف درهم (200 الف درهم) مع إمكانية النزول عن هذا الحد والامر بفتح النيابة الشرعية إذا ثبتت مصلحة المحجور في ذلك.

وما يستفاد من المادة 240 من مدونة الأسرة هو أنه يحق للولي أن يتصرف في أموال المحجور دون إذن القاضي مادامت قيمة أموال المحجور لا تتجازر 200 ألف درهم استثناء من مقتضيات الفصل 11 من ق ل ع والتي يمكن إعمالها كلما تجاوزت قيمة أموال المحجور المبلغ المذكور، مع إلزامه بضرورة الحصول على الإذن كلما تجاوز الأمر القدر المسموح به دون إذن القاضي.

وعليه فلا يوجد أي أساس قانوني في مدونة الأسرة يمكن أن يستند عليه جواب وزارة العدل الذي أصبح مرجعا للسيد المحافظ العام، وهذا فيه خرق للقانون ومخاطرة بحقوق القاصرين و فاقدي الأهلية بخلاف ما جاءت به مدونة الأسرة من حماية فضلى لهذه الفئات الهشة.

ولعل اتجاها يقول بأن وزارة العدل وتبعا لها السيد المحافظ قد استندت على مقتضيات الفقه المالكي إعمالا للمادة 400 من مدونة الأسرة؛ غير أن هذا القول لا مبرر له مادامت مقتضيات المادة المذكورة واضحة إذ حصرت إمكانية الرجوع إلى قواعد الفقه المالكي في كل ما لم يرد به نص في مدونة الأسرة.

ومن بين القواعد التي يمكن الاستناد إليها ما جاء في منظومة ما يلزم القضاة من الأحكام في مذهب الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه، للعلامة القاضي أبي بكر محمد بن محمد بن عاصم الأندلسي الغرطاني:

والتي أجاز فيها للأب بقوله:

أب علي بنيه في الوثاق       حجر له يبيع بالإطلاق
وفعله على السداد يحمل      وحيث لا ابنه ما يفعل

بمعنى أن الأب له أن يبيع من مال ولده الذي في حجره كل أنواع البيع لسبب ظاهر من الأسباب التي يبيع لأجلها الوصي أو لا، وفعله محمول على السداد والصواب حتى يثبت خلافه…

واحتمال إعمال هذه القاعدة من قواعد الفقه الإسلامي من خلال المادة 400 من مدونة الأسرة غير وارد لأن فصول القانون واضحة فيما يتعلق بالنيابة الشرعية سواء بالنسبة للفصل 11 من ق ل ع وكذا المادة 240 من مدونة الأسرة التي تعتبر نصا خاصا يمكن إعماله كما أوضحنا أعلاه.

وأخيرا فإن قواعد النيابة الشرعية من النظام العام شرعت لحماية منعدم وناقص الأهلية لا يجوز مخالفتها وكل إجراء أو تصرف لم تحترم فيه المسطرة الخاصة بالنيابة الشرعية فهو باطل.

أضف تعليقاً