تأثير العامل المعنوي على نظرية العقد في القانون المغربي

2017 11 28
2017 11 26

تأثير العامل المعنوي على نظرية العقد في القانون المغربي

عبدالرحمان الباهي

طالب بسلك الماستر قانون مدني بجامعة محمد الخامس

 

المقدمة:  

تعتبر نظرية الالتزام من أهم مواضيع القانون المدني، بل تعد بمثابة العمود الفقري من جسم الإنسان ل ق. ل. ع وباقي القوانين. وتشكل مصادر الالتزام الأسس التي تبنى عليه نظريته وقوامه، ومن أهم هذه المصادر، يوجد العقد ويراد به توافق إرادتين على إحداث أثر قانوني سواء تجلى في إنشاء الالتزام أو نقله أو تعديله أو إلغاؤه أو إنهائه.

ولأهمية العقد في الحياة العلمية والعملية اهتم الفقه قديمه وحديثه بدراسة نظريته وأسسه، ونسج محاوره الكبرى مقارنة بغيره من النظريات الأخرى، ويبرر ذلك بالدور الذي يقوم به العقد في حياتنا اليومية، باعتباره الأساس الذي تبنى عليه جل المعاملات المالية في المجتمع، والوسيلة القانونية التي يلجأ إليها الأشخاص من أجل تنظيم العلاقات فيما بينهم على مستوى تحديد الحقوق وترتيب الالتزامات.

وتماشيا مع ذلك، عني المشرع بتنظيم أحكام العقد تنظيما دقيقا ومحكما، سواء خلال مرحلة إبرامه وبناءه وتكوينه أو خلال مرحلة تنفيذه، وأحاطه بالعديد من الضمانات والإجراءات الكفيلة بتحقيق أهدافه وغايته ، سواء تلك المنصوص عليها في قانون الالتزامات والعقود أو الواردة خارجه في نصوص خاصة.

ويشكل مبدأ سلطان الإرادة الأساس المتين والصلب لنظرية العقد، والذي بموجبه يستطيع المتعاقدان اختيار مضمون اتفاقهما أو عقدهما. ولذلك، فإذا كانت إرادة الفرد حرة في أن تنشأ ما تريد من العقود والاتفاقات، فإنها تتوقف على احترام فكرة النظام العام والأداب العامة والأخلاق الحميدة. وغير ذلك من العناصر المؤطرة للمعاملات المالية كشرط صحة لنفاذ التصرفات القانونية بين الأشخاص.

ومن بين أهم التعليلات المبررة لذلك، بالإضافة إلى ما سبق، يتعلق الأمر بمسألة الأمن القانوني والأمن التعاقدي.

فعلى مستوى الأمن التعاقدي، يظهر من خلال المرتكزات التي يستند عليها والتي تتمثل في مبدأ القوة الملزمة للعقد، الحق في تنفيذ الالتزام، تنفيذ العقد بحسن نية، احترام الأطراف للمراكز القانونية الناشئة عن العقد.

أما على مستوى الأمن القانوني، فيتجلى من خلال الإصلاحات التي أدخلها المشرع على نظرية العقد بفعل التطورات الاقتصادية والتكنولوجية لمجال الأعمال والمقاولات، والتي جعلت من العقد يتجاوز طرق إبرامه الكلاسيكية إلى طرق إلكترونية.

وارتباطا بذلك، وبالتطورات الحاصلة في ميدان المعاملات المدنية، تراجع  بشكل نسبي دور  مبدأ سلطان الإرادة في النظرية العامة للعقد،  استجابة للظرفية الاقتصادية من جهة، وبهدف تحقيق عنصر الموازنة بين مراكز الأطراف المتعاقدة من جهة أخرى، خصوصا في الحالات التي يثبت فيها أن إرادة أحد المتعاقدين لم تكن حرة أثناء إبرام العقد، كما هو الشأن بالنسبة لقبول شروط العقد تحت ضغط اقتصادي أو عامل معنوي أو واقعة دفعت بالطرف الضعيف في العقد إلى الرضوخ لشروط الطرف القوي كيفما كانت الوسائل المستعملة.

لذلك كان من الطبيعي أن يحضى موضوع تأثير العامل المعنوي على نظرية العقد في القانون المدني بالدراسة والاهتمام، للوقع الذي يرتبه على حقوق والتزامات الأطراف المتعاقدة (الدائن، المدين، الخلف العام، الخلف الخاص، الكفيل الشخصي …) الأمر الذي يبرز خصوصية العامل المعنوي وأثره القانوني على التصرفات القانونية محل الالتزامات العقدية.

يقتضي العامل المعنوي في نظرية العقد، الالتزام بالعديد من القواعد كالوضوح وعدم الكذب والكتمان وعدم إخفاء بيانات مؤثرة في إبرام العقد وأن الغش يفسد العقود، وعدم التعسف في استعمال الحق، وعدم الاتفاق على ما يخالف النظام العام والآداب العامة.

وحرصا على ضمان التوازن العقدي وحماية الطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية، ابتدع الفقه منذ القدم إلى جانب القواعد السابقة المقررة، العديد من النظريات الفقهية، من جملتها: نظرية الضمان، نظرية عيوب الرضى، نظرية التعسف في استعمال الحق، نظرية الإثراء بلا سبب، نظرية الغبن ونظرية الإذعان.

وبفعل التطورات وموجات التغيير التي طالت مختلف المجالات كما سبق القول، وظهور عقود جديدة في الساحة القانونية ولعدم كفاية النظريات السابقة على توفير الحماية للطرف الضعيف في العقود المستحدثة، أي حماية الثقة التي يقتضيها الضمير في المعاملات المختلفة، أبى المشرع إلا أن يساير هذه التطورات من خلال وضعه لترسانة قانونية صلبة، تستجيب لمتطلبات النظام العام الاقتصادي والاجتماعي ومن أهمها : قانون 53.05 المنظم للتبادل الالكتروني للمعطيات الالكترونية، و قانون 31.08 المتعلق بتدابير حماية المستهلك، و قانون 24.09 المحدد لمسؤولية المنتج عن منتجاته المعيبة…

وغير ذلك من القوانين والقواعد التي ترتبط بشكل مباشر بنظرية العقد وبالأحكام الخاصة له، ومن قبيل ذلك يتعلق الأمر بمبدأ الالتزام بالاعلام التبصير وضمان حق التراجع وبطلان الشروط التعسفية وبطلان شرط الإعفاء من الضمان، بالإضافة إلى تكريس العديد من المقتضيات كتفسير مقتضيات  العقد عند الشك لمصلحة الملتزم، وإلقاء عبء الإثبات على من يتمسك بخلاف الأصل، ومنح الأجل القضائي أو ما يسمى بحسب الفقه بمهلة الميسرة.

يشكل مبدأ الالتزام بالإعلام من أهم المبادئ التي تضمنتها قوانين جل التشريعات المدنية في حقل الالتزامات العقدية، والمغرب من بين هذه التشريعات التي سارعت إلى اعتناق هذا المبدأ، من خلال مراجعة وتحديث ترسانته القانونية ومصادقته على عدد من القوانين تبعا للتطورات الاجتماعية والتكنولوجية والاقتصادية التي همت إصلاح مختلف القوانين في مجال الأعمال والمقاولات والشركات والالتزامات والعقود من جهة، ونظرا لالتزاماته تجاه الاتفاقيات الدولية التي وقع عليها مع عدة دول من جهة أخرى.

بقراءة سريعة لمقتضيات ق. ل. ع، يمكن القول بأن المشرع قد سبق له الإشارة إلى هذا المبدأ في صورة تقديم النصح والإرشاد والتوصية، لكن بشكل عرضي وبكيفية محدودة ضمن الالتزامات الناشئة عن الجرائم وأشباه الجرائم، وذلك في الفصل 85 من ق. ل. ع، الأمر الذي أدى إلى تبني مبدأ الالتزام بالإعلام لاحتواء جوانب القصور في الالتزامات العقدية بين المتعاقدين سواء تعلق الأمر بالعقود التقليدية أو العقود الخاصة المستحدثة.

يعرف الالتزام بالتبصير بأنه الحالة التي يفرض فيها القانون على المهني أن يشعر المتعاقد الآخر بجوهر محل العقد، ومكوناته. ويجد هذا الالتزام أساسه في انعدام التوازن في المعرفة بين المتعاقدين سواء بسبب انعدام المساواة في الاختصاص العلمي أو الكفاءة، إذ أن الالتزام بالتبصير بمفهومه العام لا يقتصر على المستهلك العادي فقط، بل يشمل حتى المهني خارج نطاق تخصصه.

لذلك فالالتزام بالتبصير، يتطلب من المهني الاستعلام عن حاجات الدائن التي يريد إشباعها من وراء الإقدام على إبرام العقد، وأن يقدم إليه المساعدة لتحقيق أغراضه، من خلال تقديمه لجميع البيانات المتعلقة بمحل العقد وبمكوناته وسائرالمعلومات التي من شأنها أن تساعده على الاختيار وتنوير بصيرته.

وعلاوة على ذلك، فالمدين يتعين عليه اختيار العبارات المفهومة وتفادي استعمال العبارات الغامضة أو المشوبة باللبس، والمصطلحات الفنية المعقدة، بحيث يجب أن يتضمن العرض المتعلق بعقد البيع مثلا: المعلومات التالية التعريف بالمميزات الأساسية للمنتوج أو السلع أو الخدمة، اسم المورد وتسميته التجارية والمعطيات الهاتفية، أو البريد الالكتروني، أجل التسليم ومصاريفه إن اقتضى الحال، وجود حق التراجع…

وهكذا، يمكن القول بأن الالتزام بالإعلام لا يقتصر على عقد دون اخر، بحيث يشمل سائر العقود، مادام أن المشرع نفسه لم يضع حدودا لهذا الالتزام، وإنما ذكر بعض المعلومات التي يجب الإدلاء بها، وهي التي تشكل مضمون الالتزام بالإعلام.

  1. إشكالية الموضوع:

إلى أي حد توفق المشرع المغربي بالإحاطة والتنظيم للالتزامات المعنوية بين أطراف المعاملات المدنية؟

وتتفرع عن هذه الإشكالية الأسئلة الفرعية التالية تتجلى فيما يلي:

ما هي القيمة القانونية لنظرية العامل المعنوي في التشريع المغربي؟

وما هي الأهمية القانونية والاجتماعية لنظرية العامل المعنوي في تكوين العقود؟

وما هي أهم الجزاءات المترتبة عن الإخلال بالالتزامات المعنوية.

فرضية الموضوع:

مما سبق ذكره، يظهر بأن موضوع العامل المعنوي من الأهمية بمكان، لتعدد مجال موضوعاته، ونطاق تطبيقه، واتصال جل مراحله بقواعد الاثبات، خصوصا في الحالات التي تثار فيها المسؤولية عن عدم تنفيذ مقتضيات العقد أو الأثار السلبية التي تترتب عن تنفيذ مقتضياته كالضرر، وفوات الفرص.

وبناء عليه، فضمان التوازن العقدي بين المتعاقدين وحرصا على تنفيذ الالتزامات العقدية، يقتضي تدخل القضاء للفصل في الادعاءات التي يتمسك بها الطرفين، من خلال تطبيقه لنظرية العامل المعنوي في حقل الالتزامات العقدية بينهما، ومن خلال فحصه للشروط المتطلبة في العقد، بالإضافة إلى حدود سلطته في تعديل مقتضيات العقد بما ينسجم ومتطلبات الأمن القضائي والاستقرار الاجتماعي.

وتبعا لذلك، جوابا للإشكالية والأسئلة المتفرعة عنها، سأعالج الموضوع وفق التصميم الاتي:

المحورالأول

الأهمية القانونية للعامل المعنوي ودوره في تكوين العقد

يندرج مفهوم الالتزام أو العامل المعنوي ضمن حلقة الالتزامات القانونية التي يفرضها القانون منذ انطلاق مرحلة المفاوضات، مرورا بمرحلة إبرام العقد التمهيدي إلى غاية تنفيذه، وذلك بخلاف الالتزامات الطبيعية التي يتخلف فيها الركن القانوني وتتوقف على محض اختيار إرادة المدين في الوفاء بمحلها من عدمه، إلا أنها يمكن أن تؤول إلى التزامات قانونية إذا ما قام المدين بتنفيذ محلها باختياره وبإرادته كالحالة التي يسقط فيها الدين بالتقادم ويبادر المدين إلى الوفاء به للدائن.

يتطلب الالتزام المعنوي خلال مرحلة تكوين العقد العديد من الشروط، فإلى جانب ضرورة توافر الأركان العامة للتعاقد وهي الأهلية والتراضي والمحل والسبب والشكلية والتسليم، يلزم الدائن القيام بإعلام المدين بمواصفات ومكونات محل العقد، وبالخصائص العامة له وببياناته، بالإضافة إلى إشعاره بالحق في التراجع والإقالة، والخدمة بعد البيع وغيرها من الالتزامات التي يفرضها القانون على الدائن، ويترتب على مخالفة هذه القواعد العديد من الاثار القانونية لصالح أحد المتعاقدين.

المحورالثاني

اثر العامل المعنوي خلال مرحلة تنفيذ العقد في ضوء القوانين الخاصة

إن الغاية الأساسية من وراء إبرام العقد هو تنفيذ محله والوفاء به، غير أنه قد تصاحب العقد بعض العقبات والعراقيل تحول دون تنفيذ ما تم الاتفاق بشأنه، بعضها يرتبط بشخص الدائن والمدين ورد النص عليها في ق.ل.ع وبعض القوانين الخاصة وبعضها الاخر يكون خارج عن إرادتهما، كما هو الحال في الأسباب الغير الإرادية مثل: القوة القاهرة والحادث الفجائي ولذلك، فكثيرة هي الحالات التي تثور فيها المنازعة بين الطرفين بادعاء أحدهما مخالفة  الطرف الاخر للالتزامات التي يفرضها عليه العقد  أو القانون كالتمسك بإبطال للعيب في الرضى، أو لعدم التنفيذ بسبب الظروف الاجتماعية والاقتصادية.

ومهما يكن، فكلمة الفصل في المنازعات بين الدائن والمدين يرجع أمرها للمحكمة أو للقاضي الذي له من الوسائل والاليات ما يساعده على تكوين قناعته بخصوص المنازعات المدنية المرتبطة بتنفيذ مقتضيات العقد وذلك وفق ملابسات وظروف كل قضية.

ومهما يكن، فالقرار الذي يصدر عن المحكمة يتراوح بين الحكم بتنفيذ العقد وتقرير التعويض للمتسبب في الضرر من جراء التأخير في التنفيذ أو القضاء بإبطال جزء من العقد أو الحكم ببطلانه.

أضف تعليقاً